جبرائيل

النتائج من: lmougem

1-المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث (إيل)

(إيل) - في الحَديثِ: "إنَّما جِبريل ومِيكَائِيل".

كقولك: عَبْد الله، وعبد الرحمن. قال الأصمَعِىّ: إيلٌ: الرُّبُوبِيَّة فأَضِيف جِبْر ومِيكَا إليه، وقال أبو عمرو: جَبْر هو الرجل، فكأن معناه: عَبدُ إيل، ورجلُ إيل مُضاف إليه.

وكان يَحيَى بنُ يَعْمُر يَقْرأ جَبْرَإلّ ويقول: جَبْرٌ: عَبْدٌ، وإِلٌّ: اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وعلى مُقتَضَى لَفظِ الحَدِيث: كأن جَبْرًا، ومِيكا من أَسمِاءِ الرُّبُوبيّة، لأنَّ العبدَ في عبدِ الله وعَبدِ الرَّحمن واحِدٌ، وكذلك إِيلٌ في جَبْرائيل ومِيكَائيل وَاحِد، والله عَزَّ وجل أَعْلَم.

وقيل: إِيلٌ ليس بعَرِبىّ، ومعناه اللهُ القَادِر.

- وفي حديثٍ آخَر "يُوسُفُ الصِّدِّيق بنُ إسرائيل الله يَعْقُوب بن إسحاق ذَبِيح الله بن إبراهيم خَلِيل الله".

فأَضافَ إسرائيل جُمْلة إلى اللهِ تعالى وهذا يَنقُضُ الأَقوالَ المُتقدِّمة كُلَّها.

المجموع المغيث في غريبي القرآن-محمد بن عمر بن أحمد بن عمر بن محمد الأصبهاني المديني، أبو موسى-توفي: 581هـ/1185م


2-معجم البلدان (البيداء)

البَيْداءُ:

اسم لأرض ملساء بين مكة والمدينة، وهي إلى مكة أقرب، تعدّ من الشّرف أمام ذي الحليفة، وفي قول بعضهم: إنّ قوما كانوا يغزون البيت فنزلوا بالبيداء فبعث الله عز وجل جبرائيل فقال: يا بيداء أبيديهم، وكلّ مفازة لا شيء بها فهي بيداء، وحكى الأصمعي عن بعض العرب قال: كانت امرأة تأتينا ومعها ولدان لها كالفهدين فدخلت بعض المقابر فرأيتها جالسة بين قبرين، فسألتها عن ولديها فقالت: قضيا نحبهما وهناك والله قبراهما! ثم أنشأت تقول:

«فلله جاراي اللذان أراهما *** قريبين، مني والمزار بعيد»

«مقيمين بالبيداء لا يبرحانها، *** ولا يسألان الركب أين تريد»

«أمرّ فأستقري القبور، فلا أرى *** سوى رمس أحجار عليه لبود»

«كواتم أسرار تضمنّ أعظما *** بلين رفاتا، حبّهنّ جديد»

معجم البلدان-شهاب الدين أبو عبدالله ياقوت بن عبدالله الرومي الحموي-توفي: 626هـ/1229م


3-معجم البلدان (جور)

جُورُ:

مدينة بفارس بينها وبين شيراز عشرون فرسخا، وهي في الإقليم الثالث، طولها من جهة المغرب ثمان وسبعون درجة ونصف، وعرضها إحدى وثلاثون درجة وجور: مدينة نزهة طيبة، والعجم تسميها كور، وكور اسم القبر بالفارسية، وكان عضد الدولة ابن بويه يكثر الخروج إليها للتنزه فيقولون ملك بكور رفت، معناه الملك ذهب إلى القبر، فكره عضد الدولة ذلك فسماه فيروزاباذ ومعناه أتم دولته قال ابن الفقيه: بنى أردشير بن بابك ملك ساسان مدينة جور بفارس وكان موضعها صحراء، فمرّ بها أردشير فأمر ببناء مدينة هناك وسماها أردشير خرّه، وسمتها العرب جور، وهي مبنية على صورة دارابجرد، ونصب فيها بيت نار، وبنى غير ذلك من المدن تذكر في مواضعها إن شاء الله تعالى، وقال الإصطخري:

وأما جور فمن بناء أردشير، ويقال:

إن ماءها كان واقفا كالبحيرة فنذر أردشير أن يبني مدينة وبيت نار في المكان الذي يظفر فيه بعدوّ له عيّنه، فظفر به في موضع جور فاحتال في إزالة مياه ذلك المكان بما فتح له من المجاري وبنى في ذلك المكان مدينة سماها جور، وهي قريبة في السعة من إصطخر، ولها سور وأربعة أبواب، وفي وسط المدينة بناء مثل الدّكّة تسميه العرب الطّربال وتسميه الفرس بإيوان وكياخرّه، وهو من بناء أردشير، وكان عاليا جدّا بحيث يشرف الإنسان منه على المدينة جميعها ورساتيقها، وبنى في أعلاه بيت نار واستنبط بحذائه في جبل ماء حتى أصعد به إلى رأس الطربال، وأما الآن فقد خرب واستعمل الناس أكثره، قال: وجور مدينة نزهة جدّا، يسير الرجل من كل باب نحو فرسخ في بساتين وقصور، وبين جور وشيراز عشرون فرسخا، وإليها ينسب الورد الجوري، وهو أجود أصناف الورد، وهو الأحمر الصافي قال السري الرفاء يهجو الخالدي ويدعي عليه أنه سرق شعره:

«قد أنسّت العالم غاراته، *** في الشعر، غارات المغاوير»

«أثكلني غيد قواف غدت *** أبهى من الغيد المعاطير»

«أطيب ريحا من نسيم الصّبا، *** جاءت بريّا الورد من جور»

وأما خبر فتحها فذكر أحمد بن يحيى بن جابر قال:

حدثني جماعة من أهل العلم أن جور غزيت عدّة سنين فلم يقدر على فتحها أحد حتى فتحها عبد الله بن عامر، وكان سبب فتحها أن بعض المسلمين قام ليلة يصلي وإلى جانبه جراب فيه خبز ولحم، فجاء كلب وجره وعدا به حتى دخل المدينة من مدخل لها خفيّ، فألظّ المسلمون بذلك المدخل حتى دخلوها منه وفتحوها عنوة، ولما فتح عبد الله بن عامر جور كرّ إلى إصطخر ففتحها عنوة، وبعضهم يقول بل فتحت جور بعد إصطخر وينسب إليها جماعة، منهم: أبو بكر محمد بن إبراهيم بن عمران بن موسى الجوري الأديب، كان من الأدباء المتّقين، علّامة في معرفة الأنساب وفي علوم القرآن، سمع حمّاد بن مدرك وجعفر بن درستويه الفارسيّين وأبا بكر محمد بن الحسن بن دريد وعبد الله بن محمد العامري وغيرهم، ومات سنة 359 وأحمد بن الفرج الجشمي الجوري المقري، حدث عن زكرياء بن يحيى بن عمارة الأنصاري وحفص بن أبي داود الغاضري، حدّث عنه أبو حنيفة الواسطي ومحمد بن يزداد الجوري،

حدث عنه أبو بكر بن عبدان ومحمد بن الخطاب الجوري، روى عن عباد بن الوليد العنبري، روى عنه أبو شاكر عثمان بن محمد بن حجّاج البزاز المعروف بالشافعي ومحمد بن الحسن بن أحمد الجوري، سمع سهل بن عبد الله التّستري قراءة، روى عنه طاهر بن عبد الله الهمذاني. وجور ر أيضا: محلة بنيسابور ينسب إليها أبو طاهر أحمد بن محمد بن الحسين الطاهري الجوري، كان من العبّاد المجتهدين، سمع بنيسابور أبا عبد الله البوشنجي وأقرانه، وكان أقام بجرجان الكثير وأكثر بها عن عمران بن موسى والفضل بن عبد الله، روى عنه محمد بن عبد الله الحافظ وغيره، ومات سنة 353 ومحمد بن إسكاب ابن خالد أبو عبد الله الجوري النيسابوري، سمع الحسين بن الوليد القرشي وحفص بن عبد الرحمن ويحيى ابن يحيى وبشر بن القاسم، سمع منه أبو عمرو المستملي ومحمد بن سليمان بن خالد العبدي، مات سنة 268 والحسين بن علي بن الحسين الجوري النيسابوري، سمع أبا زكرياء العنبري وغيره من العلماء وتردّد إلى الصالحين، مات يوم الخميس السادس من شوّال سنة 394 وأبو سعيد أحمد بن محمد بن جبرائيل الجوري النيسابوري، ذكره أبو موسى الحافظ ومحمد بن يزيد الجوري النيسابوري، حدث عنه أبو سعد الماليني وغيره ومحمد بن أحمد بن الوليد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الأصبهاني الجوري أبو صالح، نزل نيسابور وسكن محلة جور فنسب إليها، روى عنه أبو سعد أحمد بن محمد بن إبراهيم الفقيه، ولد سنة 341 قاله يحيى بن مندة وعمر بن أحمد بن محمد بن موسى ابن منصور الجوري، روى عن أبي حامد بن الشرقي النيسابوري وأبي الحسن عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد بن يحيى الزاهد، حدث عنه أبو عبد الرحمن إسماعيل بن أحمد بن عبد الله النيسابوري الخير وأبو صالح أحمد بن عبد الملك المؤذن.

معجم البلدان-شهاب الدين أبو عبدالله ياقوت بن عبدالله الرومي الحموي-توفي: 626هـ/1229م


4-معجم البلدان (حراء)

حِراءٌ:

بالكسر، والتخفيف، والمدّ: جبل من جبال مكة على ثلاثة أميال، وهو معروف، ومنهم من يؤنثه فلا يصرفه، قال جرير:

«ألسنا أكرم الثّقلين طرّا *** وأعظمهم، ببطن حراء، نارا؟»

فلا يصرفه لأنه ذهب به إلى البلدة التي حراء بها، وقال بعضهم: للناس فيه ثلاث لغات يفتحون حاءه وهي مكسورة ويقصرون ألفه وهي ممدودة ويميلونها وهي لا تسوغ فيها الإمالة لأن الراء سبقت الألف ممدودة مفتوحة وهي حرف مكرّر فقامت مقام الحرف المستعلى مثل راشد ورافع فلا تمال، وكان النبي، صلى الله عليه وسلم، قبل أن يأتيه الوحي يتعبد في غار من هذا الجبل، وفيه أتاه جبرائيل، عليه السلام، وقال عرّام بن الأصبغ: ومن جبال مكة ثبير، وهو جبل شامخ يقابل حراء، وهو جبل شامخ أرفع من ثبير في أعلاه قلّة شامخة زلوج، ذكروا أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ارتقى ذروته ومعه نفر من أصحابه فتحرّك، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: اسكن يا حراء فما عليك إلا نبيّ أو

صدّيق أو شهيد، وليس بهما نبات ولا في جميع جبال مكة إلا شيء يسير من الضّهياء يكون في الجبل الشامخ، وليس في شيء منها ماء، ويليها جبال عرفات، ويتصل بها جبال الطائف، وفيها مياه كثيرة.

معجم البلدان-شهاب الدين أبو عبدالله ياقوت بن عبدالله الرومي الحموي-توفي: 626هـ/1229م


5-معجم البلدان (خرتنك)

خَرْتَنْكُ:

بفتح أوله، وتسكين ثانيه، وفتح التاء المثناة من فوق، ونون ساكنة، وكاف: قرية بينها وبين سمرقند ثلاثة فراسخ، بها قبر إمام أهل الحديث محمد بن إسماعيل البخاري، ينسب إليها أبو منصور غالب بن جبرائيل الخرتنكي، وهو الذي نزل عليه البخاري ومات في داره، حكى عن البخاري حكايات.

معجم البلدان-شهاب الدين أبو عبدالله ياقوت بن عبدالله الرومي الحموي-توفي: 626هـ/1229م


6-معجم البلدان (ركبة)

رُكْبة:

بضم أوّله، وسكون ثانيه، وباء موحدة، بلفظ الركبة التي في الرجل من البعير وغيره، وقال ابن بكير: هي بين مكّة والطائف، وقال القعنبي:

هو واد من أودية الطائف، وقيل: من أرض بني عامر بين مكّة والعراق، وقيل: ركبة جبل بالحجاز، وقال الزمخشري: هي مفازة على يومين من مكّة يسكنها اليوم عدوان، وعن الأصمعي أن ركبة بنجد، وهي مياه لبني نصر بن معاوية، قال الأصمعي:

ولبني عوف بن نصر بنجد بركبة الركايا يقول لهم:

بركبة هذه المياه، يعني الركايا أي لهم مياه يقال لها الركايا، وهي بينهم وبين بطون نصر كلّها، وهي عوف وهمدان والمدركاء بركبة لهم جميعا، قال الواقدي: هو إذا رحت من غمرة تريد ذات عرق، وقال الحفصي: ركبة بناحية السّيّ، ويقال: إن ركبة أرفع الأراضي كلّها، ويقال:

إن التي قال ابن نوح: سآوي إلى جبل يعصمني من الماء، يعني ركبة، في كتاب فضائل مكّة لأبي سعيد المفضل بن محمد بن تميم الجندي الهمداني بإسناد له أن عمر بن الخطّاب قال: لأن أخطئ سبعين خطيئة بركبة أحبّ إليّ من أن أخطئ خطيئة واحدة بمكّة.

: بفتح أوّله، وسكون ثانيه، وضاد معجمة، وهي ركضة جبرائيل: من أسماء زمزم، والركض:

الدفعة بالرجل على الفرس والأرض وغير ذلك.

معجم البلدان-شهاب الدين أبو عبدالله ياقوت بن عبدالله الرومي الحموي-توفي: 626هـ/1229م


7-معجم البلدان (زمزم)

زَمْزَمُ:

بفتح أوّله، وسكون ثانيه، وتكرير الميم والزاي: وهي البئر المباركة المشهورة، قيل: سميت زمزم لكثرة مائها، يقال: ماء زمزم وزمازم، وقيل: هو اسم لها وعلم مرتجل، وقيل: سميت بضمّ هاجر أم إسماعيل، عليه السلام، لمائها حين انفجرت وزمّها إيّاه، وهو قول ابن عبّاس حيث قال: لو تركت لساحت على الأرض حتى تملأ كل شيء، وقيل: سميت بذلك لأن سابور الملك لما حج البيت أشرف عليها وزمزم فيها، والزمزمة:

كلام المجوس وقراءتهم على صلاتهم وعلى طعامهم، وفيها يقول القائل:

«زمزمت الفرس على زمزم، *** وذاك في سالفها الأقدم»

وقيل: بل سميت زمزم لزمزمة جبرائيل، عليه السلام، وكلامه عليها، وقال ابن هشام: الزمزمة عند العرب الكثرة والاجتماع، وأنشد:

«وباشرت معطنها المدهثما، *** ويمّمت زمزومها المزمزما»

وقال المسعودي: والفرس تعتقد أنّها من ولد إبراهيم الخليل، عليه السلام، وقد كانت أسلافهم تقصد البيت الحرام وتطوف به تعظيما لجدها إبراهيم وتمسكا بهديه وحفظا لأنسابها، وكان آخر من حجّ منهم ساسان بن بابك، وكان ساسان إذا أتى البيت طاف به وزمزم على هذه البئر، وفي ذلك يقول الشاعر في القديم من الزمان:

«زمزمت الفرس على زمزم، *** وذاك في سالفها الأقدم»

وقد افتخر بعض شعراء الفرس بعد ظهور الإسلام:

«وما زلنا نحجّ البيت قدما، *** ونلقي بالأباطح آمنينا»

«وساسان بن بابك سار حتى *** أتى البيت العتيق بأصيدينا»

«وطاف به وزمزم عند بئر *** لإسماعيل تروي الشاربينا»

ولها أسماء، وهي: زمزم وزمّم وزمّزم وزمازم وركضة جبرائيل وهزمة جبرائيل وهزمة الملك، والهزمة والركضة بمعنى، وهو المنخفض من الأرض، والغمزة بالعقب في الأرض يقال لها هزمة، وهي سقيا الله لإسماعيل، عليه السلام، والشّباعة وشباعة وبرّة ومضنونة وتكتم وشفاء سقم وطعام طعم وشراب الأبرار وطعام الأبرار وطيّبة، ولها فضائل كثيرة، روي عن جعفر الصادق، رضي الله عنه، أنّه قال: كانت زمزم من أطيب المياه وأعذبها وألذها وأبردها فبغت على المياه فأنبط الله فيها عينا من الصفا فأفسدتها، وروى ابن عباس عن النبيّ، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: التضلع من ماء زمزم براءة من النفاق، وماء زمزم لما شرب له، قال مجاهد: ماء زمزم إن شربت منه تريد شفاء شفاك الله وإن شربته لظمإ روّاك الله وإن شربته لجوع أشبعك الله، وقال محمد بن أحمد الهمذاني: وكان ذرع زمزم من أعلاها إلى أسفلها ستين ذراعا، وفي قعرها ثلاث عيون: عين حذاء الركن الأسود، وأخرى حذاء أبي قبيس والصفا، وأخرى حذاء المروة ثمّ قلّ ماؤها جدّا حتى كانت تجمّ، وذلك في سنة 223 أو 224، فحفر فيها محمد بن الضحاك، وكان خليفة عمر بن فرج الرّخّجي على بريد مكّة وأعمالها، تسعة أذرع فزاد ماؤها واتسع ثمّ جاء الله بالأمطار والسيول في سنة 225 فكثر ماؤها، وذرعها من رأسها إلى الجبل المنقور فيه أحد عشر ذراعا وهو مطويّ والباقي فهو منقور في الحجر، وهو تسعة وعشرون ذراعا، وذرع تدويرها أحد عشر ذراعا، وسعة فمها ثلاثة أذرع وثلثا ذراع، وعليها ميلا ساج مربعان فيهما اثنتا عشرة بكرة ليستقى عليها، وأوّل من عمل الرخام عليها وفرش أرضها بالرخام المنصور، وعلى زمزم قبة مبنية في وسط الحرم عن باب الطواف تجاه باب الكعبة، وفي الخبر: أن إبراهيم، عليه السلام، لما وضع إسماعيل بموضع الكعبة وكرّ راجعا قالت له هاجر: إلى من تكلنا؟ قال:

إلى الله، قالت: حسبنا الله، فرجعت وأقامت عند ولدها حتى نفد ماؤها وانقطع درّها فغمها ذلك

وأدركتها الحنة على ولدها فتركت إسماعيل في موضعه وارتقت على الصفا تنظر هل ترى عينا أو شخصا، فلم تر شيئا فدعت ربّها واستسقته ثمّ نزلت حتى أتت المروة ففعلت مثل ذلك، ثمّ سمعت أصوات السباع فخشيت على ولدها فأسرعت تشتد نحو إسماعيل فوجدته يفحص الماء من عين قد

«وجعلت تبني له الصفائحا، *** لو تركته كان ماء سافحا»

ومن الناس من ينكر ذلك ويقول: إن إسماعيل حفره بالمعاول والمعالجة كسائر المحفورات، والله أعلم، وقد كان ذلك محفورا عندهم قبل الإسلام، وقالت صفية بنت عبد المطلب:

«نحن حفرنا للحجيج زمزم *** سقيا نبيّ الله في المحرّم»

ركضة جبريل ولمّا يفطم

قالوا: وتطاولت الأيّام على ذلك حتى غوّرت تلك السيول وعفتها الأمطار فلم يبق لزمزم أثر يعرف، فذكر محمد بن إسحاق فيما رفعه إلى عليّ بن أبي طالب، رضي الله عنه، أن عبد المطلب بينما هو نائم في الحجر إذ أتي فأمر بحفر زمزم، فقال: وما زمزم؟ قالوا: لا تنزف ولا تهدم، تسقي الحجيج الأعظم، وهي بين الفرث والدّم، عند نقرة الغراب الأعصم، فغدا عبد المطلب ومعه الحارث ابنه ليس له يومئذ ولد غيره فوجد الغراب ينقر بين إساف ونائلة، فحفر هنالك فلمّا بدا الطيّ كبّر فاستشركته قريش وقالوا: إنّها بئر أبينا إسماعيل ولنا فيها حق، فأبى أن يعطيهم حتى تحاكموا إلى كاهنة بني سعد بأشراف الشام، فركبوا وساروا حتى إذا كانوا ببعض الطريق نفد ماؤهم فظمئوا وأيقنوا بالهلكة فانفجرت من تحت خف عبد المطلب عين من ماء فشربوا منها وعاشوا وقالوا: قد، والله، قضي لك علينا أن لا نخاصمك فيها أبدا، إن الذي سقاك الماء بهذه الفلاة لهو الذي سقاك زمزم، فانصرفوا، فحفر زمزم فوجد فيها غزالين من ذهب وأسيافا قلعية كانت جرهم دفنتها عند خروجهم من مكّة، فضرب الغزالين بباب الكعبة وأقام عبد المطلب سقاية زمزم للحاج، وفيه يقول حذيفة بن غانم:

«وساقي الحجيج ثمّ للخير هاشم *** وعبد مناف ذلك السيّد الفهر»

«طوى زمزما عند المقام فأصبحت *** سقايته فخرا على كلّ ذي فخر»

وفيه يقول خويلد بن أسد بن عبد العزّى وفيه ما يدل على أن زمزم أقدم من إسماعيل، عليه السلام:

أقول، وما قولي عليكم بسبّة:

«إليك ابن سلمى أنت حافر زمزم *** حفيرة إبراهيم يوم ابن هاجر، »

وركضة جبريل على عهد آدم

معجم البلدان-شهاب الدين أبو عبدالله ياقوت بن عبدالله الرومي الحموي-توفي: 626هـ/1229م


8-معجم البلدان (عرفات)

عَرَفَاتٌ:

بالتحريك، وهو واحد في لفظ الجمع، قال الأخفش: إنما صرف لأن التاء صارت بمنزلة الياء والواو في مسلمين، لا أنه تذكيره، وصار التنوين بمنزلة النون فلما سمي به ترك على حاله، وكذلك القول في أذرعات وعانات، وقال الفراء:

عرفات لا واحد لها بصحة، وقول الناس اليوم يوم عرفة مولّد ليس بعربيّ محض، والذي يدلّ على ما قاله الفراء ان عرفة وعرفات اسم لموضع واحد ولو كان جمعا لم يكن لمسمى واحد، ويحسن أن يقال: إن كل موضع منها اسمه عرفة ثم جمع ولم يتنكّر لما قلنا إنها متقاربة مجتمعة فكأنها مع الجمع شيء واحد، وقيل: إن الاسم جمع والمسمّى مفرد فلم يتنكر، والفصيح في عرفات وأذرعات الصرف، قال امرؤ القيس:

تنوّرتها من أذرعات وأهلها وإنما صرفت لأن التاء فيها لم تتخصص للتأنيث بل هي أيضا للجمع فأشبهت التاء في بيت، ومنهم من جعل التنوين للمقابلة أي مقابلا للنون التي في الجمع المذكر السالم فعلى هذا هي غير مصروفة، وعرفة وعرفات واحد عند أكثر أهل العلم وليس كما قال بعضهم إن عرفة مولّد، وعرفة حدها من الجبل المشرف على بطن عرنة إلى جبال عرفة، وقرية عرفة: موصل النخل بعد ذلك بميلين، وقيل في سبب تسميتها بعرفة إن جبرائيل، عليه السّلام، عرّف إبراهيم، عليه السلام، المناسك فلما وقفه بعرفة قال له: عرفت؟

قال: نعم، فسميت عرفة، ويقال: بل سميت بذلك لأن آدم وحواء تعارفا بها بعد نزولهما من الجنة، ويقال: إن الناس يعترفون بذنوبهم في ذلك الموقف، وقيل: بل سمي بالصبر على ما يكابدون في الوصول إليها لأن العرف الصبر، قال الشاعر:

«قل لابن قيس أخي الرقيات: *** ما أحسن العرف في المصيبات! »

وقال ابن عباس: حدّ عرفة من الجبل المشرف على بطن عرنة إلى جبالها إلى قصر آل مالك ووادي عرفة، وقال البشاري: عرفة قرية فيها مزارع وخضر ومباطخ وبها دور حسنة لأهل مكة ينزلونها يوم عرفة،

والموقف منها على صيحة عند جبل متلاطئ، وبها سقايات وحياض وعلم قد بني يقف عنده الإمام، وقد نسب إلى عرفة من الرواة زنفل بن شداد العرفي لأنه كان يسكنها، يروي عن ابن أبي مليكة، وروى عنه أبو الحجاج والنصر بن طاهر، وروي أن سعيد ابن المسيب مرّ في بعض أزقة مكة

«تضوّع مسكا بطن نعمان إذ مشت *** به زينب في نسوة عطرات»

وهي قصيدة مشهورة، فضرب برجله الأرض وقال:

هذا والله مما يلذّ استماعه:

«وليست كأخرى أوسعت جيب درعها *** وأبدت بنان الكفّ للجمرات»

«وحلّت بنان المسك وحفا مرجّلا *** على مثل بدر لاح في الظلمات»

«وقامت تراءى يوم جمع فأفتنت *** برؤيتها من راح من عرفات»

معجم البلدان-شهاب الدين أبو عبدالله ياقوت بن عبدالله الرومي الحموي-توفي: 626هـ/1229م


9-معجم البلدان (كاشغر)

كاشْغَر:

بالتقاء الساكنين، والشين معجمة والغين أيضا، وراء: وهي مدينة وقرى ورساتيق يسافر إليها من سمرقند وتلك النواحي، وهي في وسط بلاد الترك وأهلها مسلمون، ينسب إليها من المتأخرين أبو المعالي طغرلشاه محمد بن الحسن بن هاشم الكاشغري الواعظ، وكان فاضلا، سمع الحديث الكثير وطلب الأدب والتفسير، ومولده سنة 490 وتجاوز سنة 550 في عمره، وأبو عبد الله الحسين بن علي بن خلف بن جبرائيل ابن الخليل بن صالح بن محمد الألمعي الكاشغري، كان شيخا فاضلا واعظا وله تصانيف كثيرة وغلب على حديثه المناكير، سمع الحافظ أبا عبد الله محمد بن علي

الصوري وأبا طالب بن غيلان وغيرهما، روى عنه أبو نصر محمد بن محمود السّرمدي الشجاعي وغيره، وصنف من الحديث زائدا على مائة وعشرين مصنفا، وتوفي ببغداد سنة 484.

معجم البلدان-شهاب الدين أبو عبدالله ياقوت بن عبدالله الرومي الحموي-توفي: 626هـ/1229م


10-معجم البلدان (نصيبين)

نَصِيبِين:

بالفتح ثم الكسر ثم ياء علامة الجمع الصحيح، ومن العرب من يجعلها بمنزلة الجمع فيعربها في الرفع بالواو وفي الجر والنصب بالياء، والأكثر يقولون نصيبين ويجعلونها بمنزلة ما لا ينصرف من الأسماء، والنسبة إليها نصيبيّ ونصيبينيّ، فمن قال نصيبينيّ أجراه مجرى ما لا ينصرف وألزمه الطريقة الواحدة مما ذكرنا، ومن قال نصيبيّ جعله بمنزلة الجمع ثم ردّه إلى واحده ونسب إليه: وهي مدينة عامرة من بلاد الجزيرة على جادّة القوافل من الموصل إلى الشام وفيها وفي قراها على ما يذكر أهلها أربعون ألف بستان، بينها وبين سنجار تسعة فراسخ، وبينها وبين الموصل ستة أيام، وبين دنيسر يومان عشرة فراسخ، وعليها سور كانت الروم بنته وأتمه أنوشروان الملك عند فتحه إياها، وقالوا: كان سبب فتحه إياها أنه حاصرها وما قدر على فتحها فأمر أن تجمع إليه العقارب فحملوا العقارب من قرية تعرف بطيرانشاه من عمل شهرزور بينها وبين سمرداذ مدينة شهرزور فرسخ، فرماهم بها في العرّادات والقوارير وكان يملأ القارورة من العقارب ويضعها في العرّادة وهي على هيئة المنجنيق فتقع القارورة وتنكسر وتخرج تلك العقارب، ولا زال يرميهم بالعقارب حتى ضجّ أهلها وفتحوا له البلد وأخذها عنوة، وذلك أصل عقارب نصيبين، وأكثر العقارب جبل صغير داخل السور في ناحية من المدينة ومنه تنتشر العقارب في المدينة كلها، ذكر ذلك كله أحمد بن الطيب السرخسي في بعض كتبه، وطول مدينة نصيبين خمس وسبعون درجة وعشرون دقيقة، وعرضها ست وثلاثون درجة واثنتا عشرة دقيقة، في الإقليم الرابع، طالعها سعد الأخبية، بيت حياتها إحدى عشرة درجة من الثور تحت اثنتي عشرة درجة وثمان وأربعين دقيقة من السرطان، يقابلها مثلها من الجدي، وقال صاحب الزيج: طول نصيبين سبع وعشرون درجة ونصف، ونصيبين مدينة وبئة لكثرة بساتينها ومياهها، وقد روي في بعض الآثار

أن النبي، صلّى الله عليه وسلّم، قال: رفعت ليلة أسري بي فرأيت مدينة فأعجبتني فقلت: يا جبرائيل ما هذه المدينة؟ قال: هذه نصيبين، فقلت: اللهم عجّل فتحها واجعل فيها بركة للمسلمين! وسار عياض بن غنم إلى نصيبين فامتنعت عليه فنازلها حتى فتحها على مثل صلح أهل ال

بعث سعد بن أبي وقّاص سنة 17 من الكوفة عياض ابن غنم لفتح الجزيرة، وغير سيف يقول: إنما بعث أبو عبيدة من الشام فقدم عبد الله بن عبد الله بن عتبان فسلك على دجلة حتى إذا انتهى إلى الموصل عبر إلى بلد وهي بلط حتى إذا انتهى إلى نصيبين أتوه بالصلح فكتب بذلك إلى عياض فقبله فعقد لهم عبد الله بن عبد الله بن عتبان وأخذوا ما أخذوا عنوة ثم أجروا مجرى أهل الذمة، قال عند ذلك ابن عتبان:

«ألا من مبلغ عني بجيرا: *** فما بيني وبينك من تعادي»

«فإن تقبل تلاق العدل فينا *** فأنسى ما لقيت من الجهاد»

«وإن تدبر فما لك من نصيب *** نصيبين فتلحق بالعباد»

«وقد ألقت نصيبين إلينا *** سواد البطن بالخرج الشداد»

«لقد لقيت نصيبين الدواهي *** بدهم الخيل والجرد الوراد»

وقال بعضهم يذكر نصيبين: وظاهرها مليح المنظر وباطنها قبيح المخبر، وقال آخر يذم نصيبين فقال:

«نصيب نصيبين من ربها *** ولاية كل ظلوم غشوم»

«فباطنها منهم، في لظى، *** وظاهرها من جنان النعيم»

وينسب إلى نصيبين جماعة من العلماء والأعيان، منهم: الحسن بن علي بن الوثاق بن الصلب بن أبان بن زريق بن إبراهيم بن عبد الله أبو القاسم النصيبي الحافظ، قدم دمشق وحدث بها في سنة 344 عن عبد الله بن محمد بن ناجية البغدادي وأبي يحيى عبّاد بن علي بن مرزوق البصري وإسحاق بن إبراهيم الصوّاف ومحمد ابن خالد الراسبي البصري وعبدان الجواليقي وأبي يعلى الموصلي وأبي خليفة الجمحي وغيرهم، روى عنه تمام بن محمد وأبو العباس بن السمسار وأبو عبد الله بن مندة وأبو علي سعيد بن عثمان بن السكن الحافظ ولم يذكر وفاته، ونصيبين أيضا: قرية من قرى حلب، وتلّ نصيبين أيضا: من نواحي حلب. ونصيبين أيضا: مدينة على شاطئ الفرات كبيرة تعرف بنصيبين الروم، بينها وبين آمد أربعة أيام أو ثلاثة ومثلها بينها وبين حرّان، ومن قصد بلاد الروم من حرّان مرّ بها.

معجم البلدان-شهاب الدين أبو عبدالله ياقوت بن عبدالله الرومي الحموي-توفي: 626هـ/1229م


11-معجم البلدان (هزمة)

هَزْمَةُ:

بالفتح ثم السكون، يقال: هزمت البئر إذا حفرتها، وجاء في حديث زمزم أنها هزمة جبرائيل،

عليه السّلام، أي ضربها برجله فنبع الماء، وقال غيره:

معناه أنه هزم الأرض أي كسر وجهها عن عينها حتى فاضت بالماء الرّواء، والهزمة: من قرى قرقرى باليمامة، ويروى بفتح الزاي.

معجم البلدان-شهاب الدين أبو عبدالله ياقوت بن عبدالله الرومي الحموي-توفي: 626هـ/1229م


12-موسوعة الفقه الكويتية (ذؤابة)

ذُؤَابَةٌ

التَّعْرِيفُ:

1- مِنْ مَعَانِي الذُّؤَابَةِ فِي اللُّغَةِ: الضَّفِيرَةُ مِنَ الشَّعْرِ إِذَا كَانَتْ مُرْسَلَةً، وَطَرَفُ الْعِمَامَةِ، وَالْجَمْعُ الذُّؤَابَاتُ وَالذَّوَائِبُ.

وَيَسْتَعْمِلُ الْفُقَهَاءُ الذُّؤَابَةَ بِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ

الْأَلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ- الْعَقِيصَةُ:

2- الْعَقِيصَةُ هِيَ الضَّفِيرَةُ مِنَ الشَّعْرِ إِذَا كَانَتْ مَلْوِيَّةً.وَتَخْتَلِفُ الْعَقِيصَةُ عَنِ الذُّؤَابَةِ فِي أَنَّ الذُّؤَابَةَ هِيَ الضَّفِيرَةُ مِنَ الشَّعْرِ إِذَا كَانَتْ مُرْسَلَةً.

ب- الضَّفِيرَةُ وَالضَّمِيرَةُ وَالْغَدِيرَةُ:

3- قَالَ النَّوَوِيُّ نَقْلًا عَنِ الْأَزْهَرِيِّ: الضَّفَائِرُ وَالضَّمَائِرُ وَالْغَدَائِرُ هِيَ الذَّوَائِبُ إِذَا أُدْخِلَ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ نَسْجًا.

الْعَذَبَةُ:

4- قَالَ الْقَسْطَلاَّنِيُّ: الْعَذَبَةُ الطَّرَفُ، كَعَذَبَةِ السَّوْطِ وَاللِّسَانِ أَيْ: طَرَفِهِمَا.

فَالطَّرَفُ الْأَعْلَى يُسَمَّى عَذَبَةً مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِلِاصْطِلَاحِ الْعُرْفِيِّ الْآنَ.

وَالذُّؤَابَةُ شَرْعًا: هِيَ طَرَفُ الْعِمَامَةِ الْمُرْسَلُ عَلَى الْعُنُقِ فَأَسْفَلَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُرْسَلُ الطَّرَفَ الْأَعْلَى أَوِ الْأَسْفَلَ.

فَالْعَذَبَةُ بِالْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيِّ وَالذُّؤَابَةُ لَفْظَانِ مُتَرَادِفَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، إِذِ الذُّؤَابَةُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ هِيَ طَرَفُ الْعِمَامَةِ الْمُرْخَى.

الْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالذُّؤَابَةِ:

أَوَّلًا: بِمَعْنَى الضَّفِيرَةِ:

1- جَعْلُ الشَّعْرِ ذُؤَابَةً:

5- اتِّخَاذُ شَعْرِ الرَّأْسِ أَفْضَلُ مِنْ إِزَالَتِهِ إِلاَّ أَنْ يَشُقَّ إِكْرَامُهُ، وَيَنْتَهِي لِرَجُلٍ إِلَى أُذُنَيْهِ، أَوْ إِلَى مَنْكِبَيْهِ كَشَعْرِهِ- صلى الله عليه وسلم- وَلَا بَأْسَ بِزِيَادَةٍ عَلَى الْمَنْكِبَيْنِ وَجَعْلِهِ ذُؤَابَةً.فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ قَالَتْ: «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- مَكَّةَ قَدْمَةً وَلَهُ أَرْبَعُ غَدَائِرَ».

قَالَ صَاحِبُ الْمِرْقَاةِ: الْغَدَائِرُ جَمْعُ غَدِيرَةٍ بِمَعْنَى ضَفِيرَةٍ، وَيُقَالُ لَهَا ذُؤَابَةٌ أَيْضًا.

2- نَقْضُ الذَّوَائِبِ عِنْدَ الْغُسْلِ:

6- يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تُنْقَضَ ضَفَائِرُهَا وَتُبَلَّ ذَوَائِبُهَا عِنْدَ الْغُسْلِ إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ أُصُولَ شَعْرِهَا؛ لِحَدِيثِ «أُمِّ سَلَمَةَ- رضي الله عنها- قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي أَفَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟ قَالَ: لَا، إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ»، وَفِي رِوَايَةٍ: «أَفَأَنْقُضُهُ لِلْحَيْضَةِ وَالْجَنَابَةِ فَقَالَ: لَا» وَلِأَنَّ فِي النَّقْضِ عَلَيْهَا حَرَجًا، وَفِي الْحَلْقِ مُثْلَةً فَسَقَطَ.

وَيَشْتَرِطُ الْمَالِكِيَّةُ لِسُقُوطِ وُجُوبِ نَقْضِ الشَّعْرِ الْمَضْفُورِ بِجَانِبِ كَوْنِ الشَّعْرِ رَخْوًا بِحَيْثُ يَدْخُلُ الْمَاءُ وَسْطَهُ أَنْ يَكُونَ مَضْفُورًا بِنَفْسِهِ أَوَبِخَيْطٍ أَوْ خَيْطَيْنِ.

أَمَّا مَا ضُفِرَ مِنَ الشَّعْرِ بِخُيُوطٍ كَثِيرَةٍ فَيَجِبُ نَقْضُهَا فِي الْوُضُوءِ، وَكَذَا فِي الْغُسْلِ اشْتَدَّتْ أَمْ لَا، كَمَا أَنَّهُ يَجِبُ نَقْضُ الضَّفْرِ إِذَا اشْتَدَّ بِنَفْسِهِ فِي الْغُسْلِ خَاصَّةً، وَأَمَّا الْخَيْطُ وَالْخَيْطَانِ فَلَا يَضُرَّانِ فِي وُضُوءٍ وَلَا غُسْلٍ إِلاَّ أَنْ يَشْتَدَّا.

قَالَ الْحَنَابِلَةُ: تَنْقُضُ الْمَرْأَةُ شَعْرَهَا لِغُسْلِهَا مِنَ الْحَيْضِ وَلَيْسَ عَلَيْهَا نَقْضُهُ مِنَ الْجَنَابَةِ إِذَا أَرْوَتْ أُصُولَهُ، وَهَذَا مَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ الْحَسَنِ وطَاوُسٍ.

قَالَ مُهَنَّا: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنِ الْمَرْأَةِ تَنْقُضُ شَعْرَهَا إِذَا اغْتَسَلَتْ مِنَ الْجَنَابَةِ؟ فَقَالَ: لَا، فَقُلْتُ لَهُ: فِي هَذَا شَيْءٌ؟ قَالَ: نَعَمْ- حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ.قُلْتُ: فَتَنْقُضُ شَعْرَهَا مِنَ الْحَيْضِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ لَهُ: وَكَيْفَ تَنْقُضُهُ مِنَ الْحَيْضَةِ وَلَا تَنْقُضُهُ مِنَ الْجَنَابَةِ؟ فَقَالَ: حَدِيثُ أَسْمَاءَ عَنِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَنْقُضُهُ».

قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ نَقْضُ الشَّعْرِ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَأَمَّا نَقْضُهُ لِلْغُسْلِ مِنَ الْحَيْضِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وُجُوبِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَهُ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وطَاوُسٍ لِمَا رُوِيَ «عَنْ عَائِشَةَ- رضي الله عنها- أَنَّ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- قَالَ لَهَا، إِذَا كَانَتْ حَائِضًا: انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي» وَلَا يَكُونُ الْمُشْطُ إِلاَّ فِي شَعْرٍ غَيْرِ مَضْفُورٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: «انْقُضِي شَعْرَكِ وَاغْتَسِلِي»؛ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ نَقْضِ الشَّعْرِ لِيَتَحَقَّقَ وُصُولُ الْمَاءِ إِلَى مَا يَجِبُ غَسْلُهُ فَعُفِيَ عَنْهُ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ؛ لِأَنَّهُ يَكْثُرُ فَيَشُقُّ ذَلِكَ فِيهِ وَالْحَيْضُ بِخِلَافِهِ فَبَقِيَ عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ فِي الْوُجُوبِ، وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ: هَذَا مُسْتَحَبٌّ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ.قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: وَهُوَ الصَّحِيحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ- فِيمَا هُوَ مُقَابِلٌ لِلصَّحِيحِ- أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْمَرْأَةَ تُسْبِلُ ذَوَائِبَهَا ثَلَاثًا مَعَ كُلِّ بِلَّةٍ عَصْرَةٌ لِيَبْلُغَ الْمَاءُ شُعَبَ قُرُونِهَا.

وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ وَالْعَيْنِيُّ: وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ لِلْحَصْرِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ.قَالَ النَّخَعِيُّ: يَجِبُ نَقْضُ الضَّفَائِرِ بِكُلِّ حَالٍ.

هَذَا، وَقَالَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ شَعْرٌ مَضْفُورٌ فَهُوَ كَالْمَرْأَةِ فِي ذَلِكَ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ نَقْضُ شَعْرِهِ إِذَا كَانَ رَخْوًا بِحَيْثُ يَدْخُلُ الْمَاءُ وَسْطَهُ.وَقَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: إِذَا أَضْفَرَ الرَّجُلُ شَعْرَهُ يَجِبُ إِيصَالُ الْمَاءِ إِلَى انْتِهَاءِ الشَّعْرِ قَالَ الْعَيْنِيُّ: وَالِاحْتِيَاطُ إِيصَالُ الْمَاءِ.

ثَانِيًا- بِمَعْنَى طَرَفِ الْعِمَامَةِ:

1- إِرْخَاءُ الذُّؤَابَةِ

7- إِرْخَاءُ الذُّؤَابَةِ مِنَ السُّنَّةِ فَقَدْ جَاءَ فِي إِرْخَاءِ الذُّؤَابَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا صَحِيحٌ وَمِنْهَا حَسَنٌ، نَاصَّةٌ عَلَى فِعْلِهِ- صلى الله عليه وسلم- لِإِرْخَاءِ الذُّؤَابَةِ لِنَفْسِهِ وَلِجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَعَلَى أَمْرِهِ بِهِ.

فَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ- رضي الله عنهما- أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم- إِذَا اعْتَمَّ سَدَلَ عِمَامَتَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ».

وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: «عَمَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- فَسَدَلَهَا مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي».

قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ فِي شَرْحِ السُّنَنِ عِنْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَهِيَ الَّتِي صَارَتْ شِعَارَ الصَّالِحِينَ الْمُتَمَسِّكِينَ بِالسُّنَّةِ، يَعْنِي إِرْسَالَ الْعِمَامَةِ عَلَى الصَّدْرِ.وَقَالَ: وَفِي الْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنِ الْعِمَامَةِ الْمُقَعَّطَةِ.قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْمُقَعَّطَةُ: الَّتِي لَا ذُؤَابَةَ لَهَا وَلَا حَنَكَ.

قَالَ النَّوَوِيُّ: يَجُوزُ لُبْسُ الْعِمَامَةِ بِإِرْسَالِ طَرَفِهَا وَبِغَيْرِ إِرْسَالِهِ، وَلَا كَرَاهَةَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَمْ يَصِحَّ فِي النَّهْيِ عَنْ تَرْكِ إِرْسَالِهَا شَيْءٌ.

وَقَدِ اسْتَدَلَّ عَلَى جَوَازِ تَرْكِ الْعَذَبَةِ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ بِحَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- «دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ» بِدُونِ ذِكْرِ الذُّؤَابَةِ، قَالَ: فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الذُّؤَابَةَ لَمْ يَكُنْ يُرْخِيهَا دَائِمًا بَيْنَ كَتِفَيْهِ.

كَيْفِيَّةُ إِرْخَاءِ الذُّؤَابَةِ

8- لَقَدْ وَرَدَتْ عِدَّةُ أَحَادِيثَ فِي كَيْفِيَّةِ إِرْخَاءِ الذُّؤَابَةِ:

فَمِنْهَا مَا يَدُلُّ عَلَى إِرْخَائِهَا بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ كَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ وَحَدِيثِ أَبِي مُوسَى «إِنَّ جَبْرَائِيلَ نَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ قَدْ أَرْخَى ذُؤَابَتَهُ مِنْ وَرَائِهِ».

وَبِاسْتِحْبَابِ إِرْخَاءِ الذُّؤَابَةِ بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ يَقُولُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ.

وَمِنَ الْأَحَادِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى إِرْخَاءِ الذُّؤَابَةِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُعْتَمِّ وَمِنْ خَلْفِهِ كَحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: «عَمَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- فَسَدَلَهَا مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي».

وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ إِرْخَاءِ الْعِمَامَةِ بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ قَالَ: لَمْ أَرَ أَحَدًا مِمَّنْ أَدْرَكْتُهُ يُرْخِي بَيْنَ كَتِفَيْهِ إِلاَّ عَامِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِحَرَامٍ وَلَكِنْ يُرْسِلُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ أَكْمَلُ.

كَمَا أَنَّ هُنَاكَ أَحَادِيثَ تَدُلُّ عَلَى إِرْخَاءِ الذُّؤَابَةِ مِنَ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ كَحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- لَا يُوَلِّي وَالِيًا حَتَّى يُعَمِّمَهُ وَيُرْخِيَ لَهَا مِنْ جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ نَحْوَ الْأُذُنِ».

أَمَّا إِرْخَاءُ الذُّؤَابَةِ مِنَ الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ فَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ الزَّيْنُ الْعِرَاقِيُّ: الْمَشْرُوعُ مِنَ الْأَيْسَرِ، وَلَمْ أَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى تَعْيِينِ الْأَيْمَنِ إِلاَّ فِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ- الْمَذْكُورِ آنِفًا- بِسَنَدٍ فِيهِ ضَعْفٌ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْكَبِيرِ.وَقَالَ: وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ فَلَعَلَّهُ كَانَ يُرْخِيهَا مِنَ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ يَرُدُّهَا مِنَ الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ.

2- مِقْدَارُ الذُّؤَابَةِ:

9- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مِقْدَارِ الذُّؤَابَةِ: مِنْهُمْ مَنْ قَدَّرَ ذَلِكَ بِشِبْرٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِلَى وَسَطِ الظَّهْرِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِلَى مَوْضِعِ الْجُلُوسِ.

وَقَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ: أَقَلُّ مَا وَرَدَ فِي طُولِ الذُّؤَابَةِ أَرْبَعُ أَصَابِعَ، وَأَكْثَرُ مَا وَرَدَ ذِرَاعٌ، وَبَيْنَهُمَا شِبْرٌ.هَذَا وَإِطَالَةُ الذُّؤَابَةِ كَثِيرًا مِنَ الْإِسْبَالِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.

قَالَ النَّوَوِيُّ وَالْجَمَلُ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: إِرْسَالُ الْعَذَبَةِ إِرْسَالًا فَاحِشًا كَإِرْسَالِ الثَّوْبِ يَحْرُمُ لِلْخُيَلَاءِ وَيُكْرَهُ لِغَيْرِهِ.

فَقَدْ وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: «الْإِسْبَالُ فِي الْإِزَارِ وَالْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ، مَنْ جَرَّ مِنْهَا شَيْئًا خُيَلَاءَ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَإِسْبَالُ الْعِمَامَةِ الْمُرَادُ بِهِ إِرْسَالُ الْعَذَبَةِ زَائِدًا عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ وَقَدْ نَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنِ الْعُلَمَاءِ كَرَاهَةَ كُلِّ مَا زَادَ عَلَى الْعَادَةِ وَعَلَى الْمُعْتَادِ فِي اللِّبَاسِ مِنَ الطُّولِ وَالسَّعَةِ.قَالَ الصَّنْعَانِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُرَادَ بِالْمُعْتَادِ مَا كَانَ فِي عَصْرِ النُّبُوَّةِ.

(

موسوعة الفقه الكويتية-وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت-صدرت بدءًا من: 1404هـ/1984م


13-موسوعة الفقه الكويتية (ملائكة)

مَلَائِكَةٌ

التَّعْرِيفُ:

1- الْمَلَائِكَةُ جَمْعُ الْمَلَكِ بِفَتْحَتَيْنِ، وَهُوَ وَاحِدُ الْمَلَائِكَةِ، قِيلَ: مُخَفَّفٌ مِنْ مَالَكٍ، قَالَ الْكِسَائِيُّ: أَصْلُهُ مَأْلَكٌ بِتَقْدِيمِ الْهَمْزَةِ مِنَ الْأُلُوكِ وَهِيَ الرِّسَالَةُ، ثُمَّ قُلِبَتْ وَقُدِّمَتِ اللاَّمُ وَقِيلَ: أَصْلُهُ الْمَلْكُ بِفَتْحِ ثُمَّ سُكُونٍ: وَهُوَ الْأَخْذُ بِقُوَّةٍ، وَأَصْلُ وَزْنِهِ مَفْعَلٌ فَتُرِكَتِ الْهَمْزَةُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَظَهَرَتْ فِي الْجَمْعِ، وَزِيدَتِ الْهَاءُ إِمَّا لِلْمُبَالَغَةِ وَإِمَّا لِتَأْنِيثِ الْجَمْعِ.

وَفِي الِاصْطِلَاحِ: الْمَلَكُ جِسْمٌ لَطِيفٌ نُورَانِيٌّ يَتَشَكَّلُ بِأَشْكَالٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَمَسْكَنُهَا السَّمَاوَاتُ.

الْأَلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ- الْإِنْسُ:

2- الْإِنْسُ فِي اللُّغَةِ: جَمَاعَةُ النَّاسِ، وَالْوَاحِدُ إِنْسِيٌّ وَأَنَسِيٌّ بِالتَّحْرِيكِ، وَهُمْ بَنُو آدَمَ، وَالْإِنْسِيُّ يَقْتَضِي مُخَالَفَةَ الْوَحْشِيِّ، وَالنَّاسُ يَقُولُونَ: إِنْسِيٌّ وَوَحْشِيٌّ.

وَلَا يَخْرُجُ الْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْإِنْسِ: أَنَّ الْمَلَائِكَةَ خُلِقُوا مِنْ نُورٍ، وَلَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ، وَيَعْبُدُونَ اللَّهَ وَيُطِيعُونَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْإِنْسُ.

ب- الْجِنُّ:

3- الْجِنُّ فِي اللُّغَةِ: خِلَافُ الْإِنْسِ، وَالْجَانُّ: الْوَاحِدَةُ مِنَ الْجِنِّ، وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ جِنًّا لِاسْتِتَارِهِمْ عَنِ الْعُيُونِ، يُقَالُ: جَنَّ اللَّيْلُ: إِذَا سَتَرَ.

وَلَا يَخْرُجُ الْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَهُ قُوَّةُ التَّشَكُّلِ بِأَشْكَالٍ مُخْتَلِفَةٍ.

الْحُكْمُ الْإِجْمَالِيُّ لِلْمَلَائِكَةِ:

وَرَدَتْ فِي الْمَلَائِكَةِ أَحْكَامٌ مِنْهَا:

أَوَّلًا- الْإِيمَانُ بِالْمَلَائِكَةِ

4- مِنْ أَرْكَانِ الْعَقِيدَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ الْإِيمَانُ بِالْمَلَائِكَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا}.

وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ- رضي الله عنه- عِنْدَمَا سَأَلَ جِبْرِيلٌ- عليه السلام- عَنِ الْإِيمَانِ، قَالَ- صلى الله عليه وسلم-: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ».فَوُجُودُ الْمَلَائِكَةِ ثَابِتٌ بِالدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ الَّذِي لَا يُمْكِنُ أَنْ يَلْحَقَهُ شَكٌّ، وَمِنْ هُنَا كَانَ إِنْكَارُ وُجُودِهِمْ كُفْرًا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ يَنُصُّ عَلَى ذَلِكَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ السَّابِقَةُ.

ثَانِيًا- صِفَاتُهُمُ الْخِلْقِيَّةُ

5- أَخْبَرَنَا رَبُّنَا سُبْحَانَهُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ خُلِقُوا قَبْلَ آدَمَ- عليه السلام-، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}.

كَمَا أَخْبَرَنَا النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم- أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْمَلَائِكَةَ مِنْ نُورٍ، فَقَدْ وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ- رضي الله عنها- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ».

فَتَدُلُّ النُّصُوصُ فِي مَجْمُوعِهَا عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ مَخْلُوقَاتٌ نُورَانِيَّةٌ لَيْسَ لَهَا جِسْمٌ مَادِّيٌّ يُدْرَكُ بِالْحَوَّاسِ الْإِنْسَانِيَّةِ، وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا كَالْبَشَرِ فَلَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ وَلَا يَنَامُونَ وَلَا يَتَزَوَّجُونَ، مُطَهَّرُونَ مِنَ الشَّهَوَاتِ الْحَيَوَانِيَّةِ، وَمُنَزَّهُونَ عَنِ الْآثَامِ وَالْخَطَايَا، وَلَا يَتَّصِفُونَ بِشَيْءٍ مِنَ الصِّفَاتِ الْمَادِّيَّةِ الَّتِي يَتَّصِفُ بِهَا ابْنُ آدَمَ غَيْرَ أَنَّ لَهُمُ الْقُدْرَةَ عَلَى أَنْ يَتَمَثَّلُوا بِصُوَرِ الْبَشَرِ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى.

ثَالِثًا- عِبَادَةُ الْمَلَائِكَةِ لِلَّهِ وَمَا وُكِّلَ إِلَيْهِمْ مِنْ أَعْمَالٍ

6- عَلَاقَةُ الْمَلَائِكَةِ بِاللَّهِ هِيَ عَلَاقَةُ الْعُبُودِيَّةِ الْخَالِصَةِ وَالطَّاعَةِ وَالِامْتِثَالِ وَالْخُضُوعِ الْمُطْلَقِ لِأَوَامِرِهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ تَعَالَى: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} وَقَدْ وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ}.

وَهُمْ مُنْقَطِعُونَ دَائِمًا لِعِبَادَةِ اللَّهِ وَطَاعَةِ أَمْرِهِ كَمَا وَرَدَ فِي الْآيَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ.

وَعَنْ جَابِرٍ- رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-: «مَا فِي السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ مَوْضِعُ قَدَمٍ وَلَا شِبْرٍ وَلَا كَفٍّ إِلاَّ وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ أَوْ مَلَكٌ رَاكِعٌ أَوْ مَلَكٌ سَاجِدٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قَالُوا جَمِيعًا: سُبْحَانَكَ مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ إِلاَّ أَنَّا لَمْ نُشْرِكْ بِكَ شَيْئًا».

7- قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى أَصْنَافِ الْمَلَائِكَةِ، وَأَنَّهَا مُوَكَّلَةٌ بِأَصْنَافِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَكَّلَ بِالْجِبَالِ مَلَائِكَةً، وَوَكَّلَ بِالسَّحَابِ مَلَائِكَةً، وَوَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَائِكَةً تُدَبِّرُ أَمْرَ النُّطْفَةِ حَتَّى يَتِمَّ خَلْقُهَا، ثُمَّ وَكَّلَ بِالْعَبْدِ مَلَائِكَةً لِحِفْظِهِ، وَمَلَائِكَةً لِحِفْظِ مَا يَعْمَلُهُ وَإِحْصَائِهِ وَكِتَابَتِهِ، وَوَكَّلَ بِالْمَوْتِ مَلَائِكَةً، وَوَكَّلَ بِالسُّؤَالِ فِي الْقَبْرِ مَلَائِكَةً، وَوَكَّلَ بِالْأَفْلَاكِ مَلَائِكَةً يُحَرِّكُونَهَا، وَوَكَّلَ بِالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ مَلَائِكَةً، وَوَكَّلَ بِالنَّارِ وَإِيقَادِهَا وَتَعْذِيبِ أَهْلِهَا وَعِمَارَتِهَا مَلَائِكَةً، وَوَكَّلَ بِالْجَنَّةِ.وَعِمَارَتِهَا وَغِرَاسِهَا وَعَمَلِ الْأَنْهَارِ فِيهَا مَلَائِكَةً، فَالْمَلَائِكَةُ أَعْظَمُ جُنُودِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِنْهُمْ: {وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا} وَمِنْهُمْ: {وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا} وَمِنْهُمْ: {وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا}.

وَمِنْهُمْ: مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، وَمَلَائِكَةٌ قَدْ وُكِّلُوا بِحَمْلِ الْعَرْشِ، وَمَلَائِكَةٌ قَدْ وُكِّلُوا بِعِمَارَةِ السَّمَاوَاتِ بِالصَّلَاةِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَصْنَافِ الْمَلَائِكَةِ الَّتِي لَا يُحْصِيهَا إِلاَّ اللَّهُ تَعَالَى.

وَلَفْظُ الْمَلَكِ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ رَسُولٌ مُنَفِّذٌ لِأَمْرِ غَيْرِهِ، فَلَيْسَ لَهُمْ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، بَلِ الْأَمْرُ كُلُّهُ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، وَهُمْ يُنَفِّذُونَ أَمْرَهُ {لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}.

وَلَا تَتَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ إِلاَّ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَلَا تَفْعَلُ شَيْئًا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ.

وَرُؤَسَاؤُهُمُ الْأَمْلَاكُ الثَّلَاثُ: جِبْرِيلُ، وَمِيكَائِيلُ، وَإِسْرَافِيلُ، وَكَانَ النَّبِيُّ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ».

فَتَوَسَّلَ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ بِرُبُوبِيَّتِهِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ لِهَؤُلَاءِ الْأَمْلَاكِ الثَّلَاثَةِ الْمُوَكَّلِينَ بِالْحَيَاةِ.

فَجِبْرِيلُ مُوَكَّلٌ بِالْوَحْيِ الَّذِي بِهِ حَيَاةُ الْقُلُوبِ وَالْأَرْوَاحِ، وَمِيكَائِيلُ وُكِّلَ بِالْقَطْرِ الَّذِي بَهْ حَيَاةُ الْأَرْضِ وَالنَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ، وَإِسْرَافِيلُ مُوَكَّلٌ بِالنَّفْخِ فِي الصُّورِ الَّذِي بِهِ حَيَاةُ الْخَلْقِ بَعْدَ مَمَاتِهِمْ.

رَابِعًا- تَفْضِيلُ الْمَلَائِكَةِ

8- قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ نَقْلًا عَنِ الزَّنْدُوسَتِيِّ: أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ أَفْضَلُ الْخَلِيقَةِ، وَأَنَّ نَبِيَّنَا- صلى الله عليه وسلم- أَفْضَلُهُمْ، وَأَنَّ أَفْضَلَ الْخَلَائِقِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ الْمَلَائِكَةُ الْأَرْبَعَةُ وَحَمَلَةُ الْعَرْشِ وَالرُّوحَانِيُّونَ وَرِضْوَانُ وَمَالِكٌ، وَأَنَّ الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ وَالشُّهَدَاءَ وَالصَّالِحِينَ أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ الْمَلَائِكَةِ.

وَاخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ: سَائِرُ النَّاسِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ الْمَلَائِكَةِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَأَبُو يُوسُفَ: سَائِرُ الْمَلَائِكَةِ أَفْضَلُ.

خَامِسًا- سَبُّ الْمَلَائِكَةِ

9- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ سَبَّ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ مَلَائِكَتَهُ- الْوَارِدَ ذِكْرُهُمْ فِي الْكِتَابِ الْكَرِيمِ وَالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ- أَوِ اسْتَخَفَّ بِهِمْ أَوْ كَذَّبَهُمْ فِيمَا أَتَوْا بِهِ أَوْ أَنْكَرَ وُجُودَهُمْ وَجَحَدَ نُزُولَهُمْ قُتِلَ كُفْرًا.

وَاخْتَلَفُوا هَلْ يُسْتَتَابُ أَمْ لَا؟

فَقَالَ الْجُمْهُورُ: يُسْتَتَابُ وُجُوبًا أَوِ اسْتِحْبَابًا عَلَى خِلَافٍ بَيْنَهُمْ.

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: لَا يُسْتَتَابُ عَلَى الْمَشْهُورِ.

قَالَ الدُّسُوقِيُّ: قُتِلَ وَلَمْ يُسْتَتَبْ- أَيْ بِلَا طَلَبٍ أَوْ بِلَا قَبُولِ تَوْبَةٍ مِنْهُ- حَدًّا إِنْ تَابَ وَإِلاَّ قُتِلَ كُفْرًا، إِلاَّ أَنْ يُسْلِمَ الْكَافِرُ فَلَا يُقْتَلُ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ.

قَالَ الْمَوَّاقُ: وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَنْ تَحَقَّقَ كَوْنُهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ كَجِبْرِيلَ وَمَلَكِ الْمَوْتِ وَالزَّبَانِيَةِ وَرِضْوَانٍ وَمُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ، فَأَمَّا مَنْ لَمْ تَثْبُتِ الْأَخْبَارُ بِتَعْيِينِهِ وَلَا وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى كَوْنِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَوِ الْأَنْبِيَاءِ، كَهَارُوتَ وَمَارُوتَ، وَلُقْمَانَ وَذِي الْقَرْنَيْنِ وَمَرْيَمَ وَأَمْثَالِهِمْ فَلَيْسَ الْحُكْمُ فِيهِمْ مَا ذَكَرْنَا إِذْ لَمْ تَثْبُتْ لَهُمْ تِلْكَ الْحُرْمَةُ، لَكِنْ يُؤَدَّبُ مَنْ تَنَقَّصَهُمْ.

وَأَمَّا إِنْكَارُ كَوْنِهِمْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَوِ النَّبِيِّينَ فَإِنْ كَانَ الْمُتَكَلِّمُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَلَا حَرَجَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ عَوَامِّ النَّاسِ زُجِرَ عَنِ الْخَوْضِ فِي مِثْلِ هَذَا، وَقَدْ كَرِهَ السَّلَفُ الْكَلَامَ فِي مِثْلِ هَذَا مِمَّا لَيْسَ تَحْتَهُ عَمَلٌ.

(ر: رِدَّةٌ ف 16- 17، 35).

موسوعة الفقه الكويتية-وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت-صدرت بدءًا من: 1404هـ/1984م


14-الأضداد لابن الأنباري (الجبر)

303 - وقال غير قطرب: من حروف الأَضداد الجَبْر، يُقال: جَبْر للملِك، وجَبْر للعبد؛ قال ابن أَحمر:

«فاسْلَمْ برَاوُوقٍ حُبِيتَ بِهِ *** وانْعَمْ صَباحًا أَيُّها الجَبْرُ»

أَراد: أَيُّها الملِك. وقولهم: جَبْرَئِيل، معناه عبد الله، فالجَبْر العبد، والإِيل والإِلّ الربوية. وكان ابن يعمَر يقرأ: جَبْرَئلّ، بتشديد الَّلام.

وقال بعض المفسرين: الإِلّ هو الله جلَّ اسمه، واحتجَّ بقول الله عزّ وجلّ: لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إِلاًّ ولا ذِمَّةً، قال: معناه لا يرقُبون اللهَ ولا ذمَّته.

ويُحكى عن أَبي بكر الصديق رحمه الله أَنَّ المسلمين لمَّا قدموا عليه من قِتال مُسَيْلمة استقرأَهم بعض قرآنه، فلمَّا قرءُوا عليه عَجِب، وقال: إِنَّ هذا كلام لم يخرج من إِلّ، أَي من ربوبية. ويُقال: الإِلْ: القرابة، والذمَّة: العهد، ويُقال: الإِلّ: الحلف، والذمَّة: العهد. وقال أَبو عُبيدة: الإِلّ: العهد، والذمَّة: التذمُّم ممَّن لا عهد له، قال الشاعر:

«لَعَمْركَ إِنَّ إِلَّكَ مِنْ قريشٍ *** كإِلِّ السَّقْبِ مِن رأْلِ النَّعام»

أَراد بالإِلّ القرابة، وقال الآخر:

«إِنَّ الوُشاةَ كثيرٌ إِنْ أَطعتَهُم *** لا يَرْقُبُون بنا إِلاَّ وَلا ذِمَما»

وقال الآخر:

«إِنْ يَمُتْ لا يَمُتْ فَقيدًا وإِنْ يَحْ *** يَ فلا ذو إِلٍّ ولا ذُو ذِمام»

وقال الآخر:

«وقَدْ كانَ عَهْدي ببني قيس وَهُمْ *** لا يضعون قَدَمًا على قَدَمْ»

ولا يَحُلُّون بإِلٍّ في حَرَمْ

أَراد: ولا يحلُّون بحِلْف وعهد لعزّهم. ومعنى قوله: ولا يَحُلُّون بإِلٍّ في حَرَمْ

لا يكونون أَتْباعًا فيضعون أَقدامهم على أَقدام النَّاس.

وقالَ بعض المفسِّرين: جِبْرائيل معناه عبد الله، وإِسرافيل معناه عبد الرحمن، وكلّ اسم فيه إِيل، فهو معبّد لله عزَ وجلّ:.

الأضداد-أبو بكر، محمد بن القاسم بن محمد بن بشار بن الحسن بن بيان بن سماعة بن فَروة بن قَطَن بن دعامة الأنباري-توفي: 328هـ/940م


15-تعريفات الجرجاني (الغرابية)

الغرابية: قوم قالوا: محمد صلى الله عليه وسلم بعلي، رضي الله عنه، أشبه من الغراب بالغراب، والذباب بالذباب، فبعث الله جبرائيل عليه السلام إلى علي فغلط جبرائيل، فيلعنون صاحب الريش، يعنون به جبرائيل.

التعريفات-علي بن محمد الجرجاني-توفي: 816هـ/1413م


16-تعريفات الجرجاني (النبي)

النبي: من أوحي إليه بملك، أو أُلهم في قلبه، أو نبه بالرؤيا الصالحة، فالرسول أفضل بالوحي الخاص الذي فوق وحي النبوة؛ لأن الرسول هو من أوحى إليه جبرائيل خاصة بتنزيل الكتاب من الله.

التعريفات-علي بن محمد الجرجاني-توفي: 816هـ/1413م


17-تاج العروس (جبر)

[جبر]: الجَبْرُ خِلافُ الكَسْرِ، والمادَّة موضُوعةٌ لإِصلاح الشيْ‌ءِ بضَرْب من القَهْر.

وفي المُحْكَم لابن سِيدَه: الجَبْرُ: المَلِكُ، قال: ولا أَعْرفُ مِمَّ اشْتُقَّ، إِلّا أَنّ ابنَ جِنِّي قال: سُمِّيَ بذلك لأَنه يَجْبُر بجُودِه. وليس بقَوِيّ، قال ابنُ أَحمر:

واسْلَمْ براوُوقٍ حُيِيتَ به *** وانْعَمْ صَباحًا أَيُّهَا الجَبْرُ

قال: ولم يُسمَع بالجَبْرِ المَلِكِ إِلّا في شِعر ابنِ أَحمرَ، قال: حَكَى ذلك ابنُ جِنِّي، قال: وله في شِعر ابنِ أَحمَر نظائرُ كلُّها مذكورٌ في مواضعه. وفي التَّهْذِيب: عن أَبي عَمْرو: يُقَال للمَلِك جَبْرٌ.

والجَبْرُ: العَبْدُ، عن كُرَاع، ورُوِيَ عن ابن عَبّاس في جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ، كقولك: عبدُ الله وعبدُ الرَّحمن. وقال الأَصمعيّ: معنى «إِيل» هو الرُّبُوبِيّةُ فأُضِيفَ «جَبْر» و«مِيكا» إِليه. قال أَبو عُبَيْد: فكأَنّ معناه عبدُ إِيل، رجل إِيل.

ضدٌّ.

وقال أَبو عَمْرو: الجَبْرُ: الرَّجُلُ، وأَنشدَ قولَ ابنِ أَحمرَ:

وانْعَمْ صَبَاحًا أَيُّهَا الجَبْرُ

أَي أَيُّها الرجلُ.

والجَبْر أَيضًا: الشُّجاعُ وإِن لم يكن مَلِكًا.

والجَبْرُ: خِلافُ القَدَر، وهو تَثْبيتُ القَضَاءِ والقَدَر، ومنه الجَبْريَّةُ، وسيأْتِي.

والجَبْرُ: الغُلامُ، وبه فَسَّر بعضٌ قولَ ابنِ أَحمرَ.

والجَبْرُ: اسمُ العُود الذي يُجْبَر به.

ومُجَاهدُ بنُ جَبْر أَبُو الحَجّاج المَخْزُوميُّ مَوْلَاهم المَكِّيُّ: مُحَدِّثٌ ثِقَةٌ، إِمامٌ في التَّفْسير. وفي العلْم، من الثالثة، مات بعدَ المائة بأَربع أَو ثلاث، عن ثلاثِ وثمانين.

وجبَرَ العَظْمَ مِن الكَسْر، ومِن المَجَاز: جَبَرَ الفَقيرَ مِن الفَقْر، وكذلك اليَتِيمَ، كذا في المُحْكَم [يَجْبُره] جَبْرًا، بفتحٍ فسكونٍ، وجُبُورًا، بالضَّمّ، وجِبَارَةً، بالكسر، عن اللِّحْيَانيِّ.

وجَبَّرَه المُجَبِّرُ تَجْبِيرًا، فجَبَرَ العَظْمُ والفَقِيرُ واليَتِيمُ جَبْرًا بفتحٍ فسكونٍ، وجُبُورًا بالضمّ، وانْجَبَرَ واجْتَبَرَ، وتَجَبَّرَ، ويقال: جَبَرْتُ العَظْمَ جَبْرًا، وجَبَرَ العَظْمُ بنَفسِه جُبُورًا؛ أَي انْجَبَر، وقد جَمَع العَجّاج بين المتعدِّي واللَّازمِ، فقال:

قد جَبَرَ الدِّينَ الإِلهُ فجَبَرْ

قلتُ: وقال بعضُهم: الثانِي تأْكيدٌ للأَوّل؛ أَي قَصَدَ جَبْرَه فَتَمَّمَ جَبْرَه، كذا في البَصَائِر. قال شيخُنا: وقد خَلَطَ المصنِّفُ بين مَصْدَرَيِ الّلازِمِ والمتعدِّي، والذي في الصّحاح وغيرِه التفصيلُ بينهما؛ فالجُبُورُ كالقُعُودِ مصدرُ اللازمِ، والجَبْرُ مصدرُ المتعدِّي، وهو الذي يَعْضُده القِياسُ. قلتُ: ومثلُه قولُ اللِّحْيَانيِّ في النَّوادر: جَبَرَ الله الدِّينَ جَبْرًا، فجَبَرَ جُبُورًا، ولكنه تَبعَ ابنَ سِيدَه فيما أَوردَه من نَصِّ عبارتِه على عادَتِه، وقد سُمِعَ الجُبُورُ أَيضًا في المتعدِّي، كما سُمِعَ الجَبْرُ في اللَّازم، ثمّ قال شيخُنَا: وظاهرُ قولِه: جَبَرْتُ العَظْمَ والفَقِيرَ، إِلخ، أَنه حقيقةٌ فيهما، والصَّوابُ أَن الثانيَ مَجازٌ.

قال صاحبُ الواعِي: جَبَرْتُ الفقيرَ: أَغْنَيْتُه، مثْل جَبَرتُه من الكَسْر، وقال ابنُ دُرُسْتَوَيْهِ في شرح الفَصِيح: وأَصلُ ذلك؛ أَي جَبْرِ الفقيرِ، مِن جَبْرِ العَظْمِ المُنْكسِر، وهوَ إِصلاحُه وعِلاجُه حتى يَبْرَأَ، وهو عامٌّ في كلّ شيْ‌ءٍ؛ على التشْبِيهِ والاستعارةِ، فلذلك قِيل: جَبَرْتُ الفقيرَ، إِذا أَغْنَيْتَه؛ لأَنه شَبَّه فَقْرَه بانكسارِ عَظْمِه، وغِنَاه بجَبْره، ولذلك قيل له: فَقِيرٌ؛ كأَنه قد فُقِرَ ظَهْرُه؛ أَي كُسِرَ فَقارُه.

قلْت: وعبارةُ الأَساس صريحةٌ في أَن يكونَ الجَبْرُ بمعنَى الغِنَى حقيقةً لا مَجازًا، فإِنه قال في أَوَّل الترجمةِ: الجَبْرُ أَن يُغْنِيَ الرجلَ مِن فَقْرٍ، أَو يُصْلِحَ العَظْمَ من كَسْرٍ، ثم قال في المَجَاز في آخر الترجمة: وجَبَرتُ فلانًا فانْجَبَرَ: نَعَشْتُه فانْتَعَشَ. وسيأتي.

وقال اللَّبْلِيُّ في شرح الفَصِيح: جَبَرَ من الأَفعال التي سَوَّوْا فيها بين اللَّازمِ والمتعدِّي، فجاءَ فيه بلفظٍ واحد، يقال: جَبَرتُ الشي‌ءَ جَبْرًا، وجَبَرَ هو بنفسِه جُبُورًا، ومثلُه صَدَّ عنه صُدُودًا، وصَدَدْتُه أَنا صَدًّا.

وقال ابن الأَنباريِّ: يقال جَبَّرتُ اليَدَ تَجْبِيرًا.

وقال أَبو عُبَيْدَةَ في «فعل وأَفعل»: لم أَسمع أَحدًا يقول: أَجبرتُ عَظْمَه. وحكى ابنُ طَلْحَةَ أَنه يقال: أَجبرْتُ العَظْمَ والفَقِيرَ، بالأَلف. وقال أَبو عليّ في «فعلت وأَفعلت»: يقال: جَبَرتُ العَظْمَ وأَجْبَرتُه. وقال شيخُنَا: حكايةُ ابنِ طَلْحَةَ في غاية الغَرَابةِ خَلَتْ عنها الدَّواوِينُ المشهورة.

واجْتَبَرَه فتَجَبَّرَ، وفي المُحْكَم: جَبَرَ الرَّجلَ: أَحْسَنَ إِليه، أَو كما قال الفارسيّ: جَبَرَه. أَغْنَاه بعدَ فَقْرٍ، قال: وهذه أَلْيقُ العِبَارتَيْن، فاستَجْبَر واجتَبَرَ.

وقال أَبو الهَيْثم: جَبَرتُ فاقَةَ الرجلِ، إِذا أَغنيتَه.

وفي التَّهْذِيب: واجْتَبَرَ العَظْمُ مثل انْجَبَرَ، يقال: جَبَرَ الله فلانًا فاجْتَبَرَ؛ أَي سَدَّ مَفاقِرَه، قال عَمْرُو بن كُلْثُومٍ:

مَن عالَ مِنّا بعدَهَا فلا اجْتَبَرْ *** ولا سَقَى الماءَ ولا راءَ الشجَرْ

معنى عالَ: جارَ ومالَ.

وجَبَرَه على الأَمْر يَجْبُرُهُ جَبْرًا وجُبُورًا: أَكْرَهَهُ كأَجْبَرَه، فهو مُجْبَر، الأَخيرَةُ، أَعْلَى، وعليها اقتَصَر الجوهَرِيُّ كصاحب الفَصِيح، وحكاهما أَبو عليٍّ في «فعلت وأَفعلت»، وكذلك ابن دُرُسْتَوَيْهِ والخَطّابيُّ وصاحبُ الواعِي. وقال اللِّحْيَانِيّ: جَبَرَه لغةُ تَمِيم وَحْدَهَا، قال: وعامَّةُ العربِ يقولون: أَجْبَرَه.

وقال الأَزهريُّ: وجَبَرَه لغةٌ معروفةٌ، وكان الشافعيُّ يقول: جَبَرَ السُّلْطَانُ، وهو حِجَازيٌّ فَصِيحٌ؛ فهما لُغَتَانِ جَيِّدَتانِ: جَبَرْتُه وأَجْبَرْتُهُ غير أَن النَّحْوِيِّين استَحبُّوا أَن يَجْعَلُوا جَبَرْتُ لِجَبْرِ العَظْمِ بعد كَسْرِه، وجَبْرِ الفَقِيرِ بعد فاقَتِه، وأَنْ يكون الإِجبارُ مقصورًا على الإِكراه؛ ولذلك جَعَلَ الفَرّاءُ الجَبّارَ من أَجبرتُ لا مِن جَبَرتُ، كما سيأْتي.

وفي البَصَائِر: والإِجْبَارُ في الأَصل: حَمْلُ الغيرِ على أَن يَجْبُرَ الأَمْرَ، لكن تُعُورِفَ في الإِكراه المجرَّد، فقوله: أَجْبَرْتُه على كذا، كقولك: أَكْرَهْتُه.

وتَجَبَّرَ الرجلُ، إِذا تَكَبَّرَ.

وتَجَبَّرَ النَّبْتُ والشَّجَرُ: اخْضَرَّ وأَوْرَقَ، وظَهَرَتْ فيه المَشْرَةُ وهو يابِسٌ، وأَنشَدَ اللِّحْيَانيُّ لامرئِ القَيْس:

ويَأْكُلْنَ مِن قَوٍّ لُعَاعًا ورِبَّةً *** تَجَبَّرَ بعد الأَكْلِ فهو نَمِيصُ

قَوّ: موضعٌ، واللُّعَاع: الرَّقِيقُ من النَّبَات في أَوّل ما يَنْبُتُ، والرِّبَّةُ: ضَرْبٌ من النَّبات، والنَّمِيصُ: النَّبَاتُ حين طَلَعَ وَرَقُه. وقيل: معنى هذا البِيتِ أَنه عادَ نابِتًا مُخْضَرًّا بعد ما كان رُعِيَ؛ يعني الرَّوْضَ.

وتَجَبَّرَ النَّبْتُ؛ أَي نَبَتَ بعد الأَكل. وتَجَبَّرَ النَّبْتُ والشَّجَرُ، إِذا نَبَتَ في يابِسِه الرَّطْبُ.

وتَجَبَّرَ الكَلأُ: أُكِلَ، ثم صَلَحَ قَلِيلًا بعد الأَكل.

وتَجَبَّرَ المَرِيضُ: صَلَحَ حالُه. ويقال للمريض: يومًا تَرَاه مُتَجَبِّرًا، ويومًا تَيْأَسُ منه؛ معنى قوله: مُتَجَبِّرًا. أَي صالِحَ الحال.

وتَجَبَّرَ فلانٌ مالًا: أَصابَه، وقيل: تَجَبَّرَ الرَّجلُ: عادَ إِليه ما ذَهَبَ عنه. وحَكَى اللِّحْيَانِيُّ: تَجَبَّرَ الرَّجلُ، في هذا المعنَى، فلم يُعَدِّه. وفي التَّهْذِيب: تَجَبَّرَ فلانٌ؛ إِذا عادَ إِليه مِن ماله بعضُ ما ذَهَب.

والجَبَرِيَّةُ، بالتَّحْرِيك: خِلافُ القَدَرِيَّةِ، وهو كلامٌ مُوَلَّدٌ.

وفي الصّحاح: الجَبْرُ خِلَافُ القَدَرِ. قال أَبو عُبَيْد: هو كلامٌ مولَّد: قال اللَّبليّ في شرح الفَصِيح: وهم فرقةٌ أَهلُ أَهواءٍ، مَنْسُوبُون إِلى شيخهم الحُسَيْنِ بنِ محمّدٍ النَّجَّار البَصْرِيِّ، وهم الذين يقولون: ليس للعَبْد قُدْرَةٌ، وأَنّ الحَرَكاتِ الإِراديَّةَ بمثَابَةِ الرِّعْدَةِ والرَّعْشَةِ، وهؤلاءِ يَلْزمُهُم نَفْيُ التَّكْلِيفِ.

وفي اللِّسَان: الجَبْرُ تَثْبِيتُ وُقُوعِ القَضَاءِ والقَدَرِ، والإِجبارُ في الحُكْمِ، يقال: أَجْبَرَ القاضِي الرجلَ على الحُكْم، إِذا أَكْرَهَه عليه.

وقال أَبو الهَيْثَم: والجَبْرِيَّةُ: الذين يقولُوون أَجْبَرَ الله العِبَادَ على الذُّنُوب؛ أَي أَكْرَهَهُم، ومَعاذَ الله أَن يُكْرِهَ أَحدًا على مَعْصِيَة. وقال بعضُهم: إِن التَّسْكينَ لَحْنٌ فيه، والتَّحْرِيكَ هو الصَّوابُ، أَو هو أَي التَّسْكِينُ [الصَّواب. وهو الأَصل لأنه نسبة] * للجَبْر، قال شيخُنَا: وهو الظّاهِرُ الجارِي على القِيَاس. وقالوا في التَّحْرِيَك: إِنه للازْدِواج أَي لمناسبة ذِكْرِه مع القَدَرِيَّة، وقد تقدَّم أَنها مُوَلَّدة.

وفي الفَصِيحِ: قومٌ جَبْرِيَّةٌ ـ بسكونِ الباءِ ـ أَي خِلافُ القَدَرِيَّة وقال الحافظُ في التَّبصير: وهو طَريقُ متَكلِّمِي الشافعية. وفي البصائر: وهذا في قول المتقدِّمين، وأَما في عُرْف المتكلِّمين، فيقال لهم: المُجبرَة، وقال: وقد يُستعمَل الجَبر في القَهر المجرَّد، نحو قوله صَلى الله عليه وسلّم: «لا جَبر ولا تَفويض».

والجَبّار هو الله، عَزَّ اسْمُه وتعالَى وتَقدَّسَ، القاهر خَلْقه على ما أَراد من أَمْرٍ ونَهيٍ. وقال ابن الأَنباريّ: الْجَبّارُ في صفة الله عزّ وجلّ: الذي لا يُنال، ومنه جَبّارُ النَّخلِ. قال الفَرّاءُ: لم أَسمع فَعّالًا من أَفْعلَ إِلّا في حرفَين، وهو جَبّارٌ من أَجْبرتُ، ودَرَّاكٌ من أَدْرَكتُ.

قال الأَزهريُّ: جَعلَ جَبّارًا في صِفة الله تعالَى، أَو صِفة العبَاد من الإِجبار، وهو القَهْر والإِكراه، لا من جَبَرَ.

وقيل: الْجَبّارُ: العالِي فَوقَ خَلْقِه، ويجوزُ أَن يكونَ الْجَبّارُ في صِفَة الله تعالَى من جَبْره الفَقْرَ بالغِنَى، وهو تَباركَ وتعالَى جابِرُ كُلِّ كَسيرٍ وفَقيرٍ، وهو جابرُ دِينه الذي ارتَضاه كما قال العجّاج:

قد جَبَر الدِّينَ الإِلهُ فَجَبَرْ

وفي حديث عليٍّ كرَّم الله وَجهَه: «وجَبّار القُلوبِ على فِطَرَاتها»؛ هو مِن جَبْر العَظم المكسور؛ كأَنه أَقام القُلوبَ وأَثْبتَها على ما فَطَرَها عليه من معرفتِه، والإِقرارِ به، شَقِيَّها وسعِيدَها. قال القُتَيْبِيُّ: لم أَجعلْه مِن أَجْبَرت؛ لأَنّ أَفْعلَ لا يقَال: فعّال. وقيل: سُمِّيَ الجبَّارَ لتكَبُّرِه وعُلوِّهِ.

والجَبَّارُ في صِفَةِ الخَلقِ: كلُّ عاتٍ متَمرِّدٍ. ومنه قولهم: وَيْلٌ لجَبّارِ الأَرْضِ من جَبّارِ السَّماءِ، وبه فَسَّرَ بعضُهم الحديثَ في ذِكْر النّارِ: «حتى يَضَع الجَبَّارُ فيها قَدَمَه». ويَشْهد له قولُه في حديثٍ آخر: «إِنَّ النارَ قالت: وُكِّلْت بثلاثة: بمَن جَعَل مع اللهِ إِلهًا آخَرَ، وبكلِّ {جَبّارٍ عَنِيدٍ}، والمصَوِّرِين». وقال اللِّحْيَانِيُّ: الجَبّار: المتكبِّر عن عبادةِ اللهِ تعالى، ومنه قولُه: {وَلَمْ يَكُنْ جَبّارًا عَصِيًّا} وفي الحديث «أَنّ النبيَّ صَلى الله عليه وسلّم حَضَرَتْه امرأَةٌ فأَمَرهَا بأَمْرٍ، فتأَبَّتْ، فقال النبيُّ صَلى الله عليه وسلّم: دَعُوهَا فإِنهَا جَبّارَةٌ»؛ أَي عاتِيَةٌ متكبِّرةٌ.

كالجِبِّيرِ، كسِكِّيتٍ، وهو الشَّدِيدُ التَّجبُّرِ.

والجَبّارُ: اسمُ الجَوْازءِ، وهو مَجازٌ، يقال: طَلَعَ الجَبّارُ؛ لأَنها بصورةِ مَلِكٍ مُتَوَّجٍ على كذرْسِيٍّ. كذا في الأَساس.

ومِن المَجاز: قَلبٌ جَبّارٌ لا تَدخلُه الرَّحْمَةُ؛ وذلك إِذا كان ذا كِبْرٍ لا يَقْبلُ مَوعظةً.

والجَبّار: القَتَّالُ في غير حَقٍّ. وفي التَّنْزِيل العزيز: {وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ}. وكذلك قولُ الرجلِ لموسى عليه‌السلام في التَّنْزِيل العَزِيز: {إِنْ تُرِيدُ إِلّا أَنْ تَكُونَ جَبّارًا فِي الْأَرْضِ} أَي قَتّالًا في غير الحَقّ. وكلُّه راجعٌ إِلى معنى التَّكَبُّر.

وقال اللِّحْيَانيُّ: العَظِيمُ الطَّوِيلُ القَوِيُّ جَبّارٌ، وبه فُسِّرَ قولُه تعالى: {إِنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ} قال: أَرادَ الطُّولَ والقُوَّة والعِظَمَ، وهو مَجازٌ. وفي الأَساس: وقد فُسِّرَ بعِظَامِ الأَجْرَامِ. قال الأَزهريُّ: كأَنَّه ذَهَب إِلى الجَبّار من النَّخِيل، وهو الطَّوِيلُ الذي فاتَ يدَ المُتَنَاوِلِ. ويقال: رجلٌ جَبّارٌ، إِذا كان طويلًا عظيمًا قَوِيًّا؛ تشبيهًا بالجَبَّار من النَّخْل.

وجَبّارُ بنُ الحَكَمِ السُّلميّ، قيل: له وِفَادَةٌ: أَسْلَمَ وصَحِبَ ورَوَى، قالَه ابن سَعْد.

وجَبّارُ بنُ سلْمَى، وفي بعض النُّسَخ: سَلْمُ بنُ مالِكِ بنِ جعفرٍ العامِريُّ، له وِفَادة، وهو جدّ والِدِ السَّفَّاح؛ فإِنّ أُمَّه أُمُّ سَلمَةَ بنتُ يعقوبَ بنِ سَلَمَةَ بنِ عبد اللهِ بنِ المُغِيرة، وأُمُّها هندُ بنتُ عبد اللهِ بنِ جَبّار. وجَبّارُ بنُ صَخْرِ بنِ أُمَيَّة ابن خَنْسَاءَ نِ عُبَيْدِ بنِ عَدِيِّ بنِ غَنْمِ بنِ كَعْبِ بنِ سَلَمَةَ السُّلميُّ، بَدْرِيٌّ كبيرٌ، وقيل: إِن اسمَه جابِرٌ، والأَصَحُّ جَبّار، مات سنة ثلاثين.

وجَبّارُ بنُ الحارِثِ الحَدَسيّ المناريّ، له وِفادَةٌ، وروايَةُ حَدِيثِه عند وَلدِه: صحَابِيُّون رضيَ الله عنهم، والَأخِيرُ سَمّاه النبيُّ صَلى الله عليه وسلّم عبدَ الجَبّارِ، هكذا ذَكَره المحدِّثون.

وجبّارٌ الطّائِيُّ: محدِّثٌ عن ابن عَبّاس، وعنه أَبو إِسحاقَ السَّبِيعِيُّ، قاله الذَّهبيّ، وهو غيرُ جَبّارِ بنِ عَمْرٍو الطّائِيِّ المَلَقَّبِ بالأَسَدِ الرَّهِيصِ.

وجَبّارٌ فارِسُ الضُّبَيبِ.

وأَبو الرَّيَّان بِشرُ بنُ جَبّار الجَبّاريّ، مَدَحَه ابنُ الرِّقاع.

وعُقْبَةُ بنُ جَبّارٍ، عن ابن مسعود.

وبِشْرُ بنُ قَيْسِ بنِ جَبّار، مشهورٌ بالبُخْل، وفيه يقولُ الشاعر:

لو أَنَّ قِدْرًا بَكَتْ مِن طُولِ مَجْلِسِها *** على العُفُوق بَكَتْ قِدْرُ ابنِ جَبّارِ

ما مَسَّهَا دَسَمٌ قد فَضَّ مَعْدِنَها *** ولا رَأَتْ بَعْدَ نارِ القَيْنِ مِن نارِ

وعُقْبَةُ بنُ جابرٍ البَصْرِيّ الْمِنْقَريّ الجَبّارِيّ.

وَجَبّارُ بنُ سُلْمَى بنِ مالكِ بنِ جعفرِ بنِ كِلابٍ، الذي طَعَنَ عامرَ بنَ فُهَيْرَةَ يَومَ بِئْرِ مَعُونَةَ، ثم أَسْلَمَ، وانْظُرْه في فهر.

وجَبّارُ بن جَبْرٍ العَبْدِيّ، عن أَبي الدَّرْدَاءِ بن محمّدِ بن نَعامَةَ، عن أَبِيه، تاريخُ مَرْوَ.

وجَبّارُ بنُ مالكٍ الفَزَارِيّ، شاعرٌ فارِسٌ.

وشَمْعَلَةُ بنُ طَيْسَلَةَ بنِ جَبّارٍ، شاعرٌ إِسلاميّ. ذَكَرَهم الأَمِيرُ.

والجَبّارُ، بغير هاءٍ، حَكاه السِّيرافيّ: النَّخْلَةُ الطَّوِيلَةُ الفَتِيَّةُ. قال الجوهريّ: الجَبّارُ مِن النَّخل: ما طالَ وفَاتَ اليَدَ، قال الأَعشى:

طَرِيقٌ وجَبّارٌ رِوَاءٌ أُصُولُه *** عليه أَبابِيلٌ مِن الطَّيْرِ تَنْعَبُ

ونَخْلَةٌ جَبّارةٌ؛ أَي عظيمةٌ سَمِينةٌ، وهو مَجازٌ، وهي دُونَ السَّحُوقِ. وفي المُحْكَم: نخْلَةٌ جَبّارةٌ: فَتِيَّةٌ قد بَلَغَتْ غايةَ الطُّولِ، وحَمَلَتْ، والجَمْعُ جَبّارٌ، قال:

فاخِرَاتٌ ضُلُوعها في ذُرَاها *** وأَناضَ العَيْدَانُ والجَبّارُ

وقال أَبو حنيفةَ: الجَبّارُ: الذي قد ارتُقِيَ فيه ولم يَسقُط كَرْمُه، قال: وهو أَفْتَى النَّخْلِ وأَكرَمُه.

وقد تُضَمُّ، وهذه عن الصَّاغانيّ.

والجَبّارُ أَيضًا: المُتَكَبِّرُ الذي لا يَرَى لأَحَدٍ عليه حَقًّا، يُقَال: هو جَبّارٌ من الجَبَابِرَة، فهو بَيِّنُ الجِبْرِيَّةِ والجِبْرِيَاءِ، مكسورتَيْن غير أَنّ الأُولَى مشدَّدةُ الياءِ التحتيَّة، والثانيةَ ممدودةٌ والجِبِرِيَّةِ، بكَسَرَاتٍ مع تشديدِ التحتيّة، والجَبَرِيَّةِ محرَّكة، ذَكَره كُرَاع في المجرَّد والجَبَرُوَّةِ، بضمِّ الراءِ وتشديدِ الواوِ المفتوحَةِ، وقد جاءَ في الحديث: «ثم يكونُ مُلْكٌ وَجَبَرُوَّةٌ»؛ أَي عُتُوٌّ وقَهْرٌ. والجَبَرُوتَا، على مثال رَحَمُوتَا، نقلَه شُرّاحُ الفَصِيح كالتُّدْمِيرِيِّ وغيره، والجَبَرُوتِ، الأَربعةُ مُحَرَّكاتٌ، وهذا الأَخيرُ من أَشهرِهَا، وفي الحديث: «سُبْحَانَ ذِي الجَبَرُوتِ والمَلَكُوتِ» قال ابنُ الأَثِير، والفِهْرِيُّ شارحُ الفَصِيح، وابنُ مَنْظُورٍ، وغيرُهم: هو فَعَلُوت من الجَبْر والقَهْر والقَسْر، والتاءُ فيه زائدةٌ للإِلحاق بقَبَرُوس، ومثلُه مَلَكُوت من المُلْك، ورَهَبُوت من الرَّهْبَة، ورَغَبُوت من الرَّغْبَة، ورَحَمُوت من الرَّحْمَة، قيل: ولا سادِسَ لها، قال شيخُنا: وفيه نَظَرٌ، وفي العِناية:

الجَبْرُوتُ: القَهْرُ والكِبْرِيَاءُ والعَظَمةُ، ويُقَابِله الرَّأْفَةُ.

والجَبْرِيَّةِ بسكونِ الموحَّدةِ وتشديدِ التحتيَّةِ والجَبْرُوَّة، هو مثل الذي تقدَّم، غير أَن الموحَّدةَ هنا ساكنةٌ، والتَّجْبَار والجَبَّورَةِ مثلِ الفَرُّوجَةِ، مَفْتُوحات، والجُبُّورَةِ والجُبْرُوتِ، مضمومتَيْن، فهؤلاءِ ثلاثةَ عشرَ مصادرَ، ذَكَرها أَئِمَّةُ الغَرِيب، وهي مفرَّقة في الدَّواوين، ومما زِيدَ عليه: جَبُّورٌ، كتَنَّور، ذَكَره اللِّحْيَانيُّ في النوادر، وكُراع في المجرَّد، وجُبُور، بالضمّ، ذَكَره اللِّحْيَانيُّ، وجَبَريَّا محرَّكة، ذكره أَبو نصرٍ في الأَلفاظ، وجَبْرَؤت، كعَنْكَبُوت، ذَكَره التدْمِيرِيُّ شارحُ الفصيحِ، والجِبْرِيَاءُ، ككِبْرِيَاءَ، أَوردَه في اللسان، فصار المجموع ثمانيةَ عشرَ، ومعنى الكلِّ الكِبْر. وأَنشدَ الأَحْمَرُ لمُغَلِّسِ بنِ لَقِيطٍ الأَسَدِيِّ يُعَاتِبُ رجلًا كان والِيًا على أُضَاخَ:

فإِنّكَ إِنْ عادَيْتَنِي غَضِبَ الحَصَى *** عليك وذُو الجُبَّورة المَتغطرِفُ

يقول: إِن عادَيْتَنِي غَضِبَ عليك الخَلِيقَةُ، وما هو في العَدَد كالحَصَى، والمُتغَطرف: المتكبِّر.

وجَبْرَائِيلُ: عَلَمُ مَلَك، ممنوع من الصَّرف للعَلَمِيَّة والعُجْمَةِ، والتَّرْكِيبِ المَزْجِيِّ، على قولٍ؛ أَي عبدُ الله.

قال الشِّهَاب: سُرْيانيٌّ، وقيل: عِبْرانيّ، ومعناه عبدُ الله، أَو عبدُ الرَّحمن، أَو عبدُ العَزِيز. وذكر الجوهريُّ والأَزهريُّ وكثيرٌ من الأَئِمَّة أَنّ «جَبْر» «ومِيك» بمعنى عَبْد. و«إِيل» اسم الله، وصَرَّح به البُخارِيُّ أَيضًا، ورَدَّه أَبو عليٍّ الفارسيُّ بأَنَّ إِيل لم يَذكره أَحدٌ في أَسمائه تعالَى. قال الشِّهَاب: وهذا ليس بشيْ‌ءٍ. قال شيخُنا: ونُقِلَ عن بعضهم أَنّ إِيلَ هو العَبْدُ، وأَنّ ما عَداه هو الاسمُ مِن أَسماءِ الله، كالرَّحمن والجَلالة، وأَيَّدَه اختلافُها دُونَ إِيل، فإِنه لازِمٌ، كما أَنّ عَبْدًا دائمًا يُذْكَرُ، وما عَداه يَختلفُ في العربيَّة، وزادَه تأْييدًا بأَن ذلك هو المعروفُ في إِضافة العَجَمِ. وقد أَشار لمثل هذا البحثِ عبدُ الحَكِيم في حاشية البَيْضَاوِيِّ. قلتُ: وأَحسنُ ما قِيل فيه أَن الجَبْرَ بمنزلةِ الرَّجُلِ، والرجلُ عبدُ الله، وقد سُمِعَ الجَبْرُ بمعنى الرَّجُلِ في قول ابنِ أَحْمَرَ، كما تَقَدَّمتِ الإِشارُ إِليه، كذا حَقَّقَه ابنُ جِنِّي في المحتسب. فيه لُغاتٌ قد تَصَرَّفَتْ فيه العربُ على عادتها في الأَسماءِ الأَعجميَّة، وهي كثيرٌ.

وقد ذَكَر المصنِّف هنا أَرباعَ عشرَةَ لغةً:

الأُولَى: جَبْرَئِيلُ، كَجَبْرَعِيل، قال الجوهريُّ: يُهمَز ولا يُهمَز، قال الشِّهاب: ومن قَواعدهم المشهورةِ أَنَّهم يُبْدِلُون همزَةَ الكلمة بالعَيْن، عند إِرادة البَيَانِ، وعليه جَرَى سِيبَوَيْه في الكتاب، فمَن دُونَه، ومنهم مَن نَظَّرَه بسَلْسَبِيل، وبها قرأَ حمزةُ والكسائيُّ، وهي لغةُ قيس وتَمِيم. وقال الجوهريُّ: وأَنشدَ الأَخْفَشُ لكَعْبِ بنِ مالك:

شَهِدْنا فما تَلْقَى لنا مِن كَتِيبَةٍ *** يَدَ الدَّهْرِ إِلّا جَبْرَئِيلُ أَمَامُهَا

قال ابن بَرِّيٍّ: ورفع «أَمامها» على الإِتباع؛ لنَقْلِه من الظُّرُوف إِلى الأَسماءِ.

والثانيةُ: جِبْرِيلُ، بالكسر مثالُ حِزْقِيل، وهي أَشهرُهَا وأَفصحُهَا، وهي قراءَةُ أَبي عَمْرو ونافعٍ وابنِ عامرٍ وحَفْص عن عاصم، وهي لغةُ الحِجَاز، وقال حَسّان:

وجِبْرِيلٌ رسولُ الله فينا *** ورُوحُ القُدِس ليس له كِفَاءُ

والثالثةُ: جَبْرَئِلُ، مثالُ جَبْرَعِل؛ أَي بدون ياءِ بعد الهمزةِ، وتُرْوَى عن عاصم، ونَسَبَهَا ابنُ جِنِّي في الشّواذّ إِلى يحيَى بنِ يَعْمُرَ.

والرابِعَةُ: جَبْرِيلُ، مثالُ سَمْوِيل، بفتحٍ فسكونٍ فكسرٍ، وهي قراءَةُ ابنُ كَثِيرٍ والحَسَنِ. قال الشِّهَاب: وتضعيفُ الفَرّاءِ لها بأَنه ليس في كلامهم فَعْلِيل؛ أَي بالفتح، ليس بشيْ‌ءٍ؛ لأَنّ الأَعْجَميَّ إِذا عُرِّبَ قد يُلْحِقونه بأَوزانهم، وقد لا يُلحقونه، مع أَنه سُمِعَ سَمْوِيلُ لطائرٍ. قال شيخُنَا: وفي سَماعِه نَظَرٌ، ومَن سمِعه لم يدَّعِ أَنه فَعْلِيلٌ بل فَعْوِيلٌ، وهو ليس بعزِيز. قلتُ: وقد يأْتي للمصنِّف في سمل ما يدلُّ على أَن سَمْوِيل فَعْوِيل لا فَعْلِيل.

والخامسةُ: جَبْرَائِلُ، بفتحِ فسكونٍ وهمزة مكسورة بدون ياءٍ بعد الأَلف، مثال جبْراعِل، وبها قرأَ عِكْرِمَةُ، ونَسبَهَا ابنُ جنِّي إِلى فَيّاضِ بنِ غَزْوانَ ويحْيى بنِ يَعْمُر أَيضًا.

والسادسةُ: جَبْرائيلُ، مثلُهَا مع زيادةِ ياءٍ بعد الهمزة، مثال جَبْراعِيل.

والسابعةُ: جَبْرَئِلُّ، بفتحٍ فسكونٍ وهمزةٍ مكسورة ولام مشدَّدَة، مثالُ جَبْرَعِلّ، وتُرْوَى عن عاصم، وقد قِيل إِنّ معناه عبدُ الله في لغتهم. قالَه ابنُ جِنِّي.

والثامِنَةُ: جبْرَالُ، بالفتح، مثالُ خَزْعَال، وسيأْتي أَنه ليس لهم فَعْلالٌ سِواه، عن الفَرّاءِ. والتاسعةُ: جِبْرَالُ، بالكسر، مثالُ طِرْبَال.

والعاشرةُ: بسكون الياءِ بلا هَمْزِ: جَبْرَيْلُ؛ أَي مع فتحٍ فسكونٍ في الأَول، وهي قراءَةُ طلحةَ بنِ مُصرِّف.

والحاديةَ عشرةَ بفتحِ الياءِ: جَبْرَيَلُ، والباقي كالضَّبْط السابق.

والثانيةَ عشرةَ بياءَيْن تَحْتِيَّتَيْنِ: جَبْرَيِيلُ، كسَلْسَبيل.

والثالثةَ عشرةَ: جَبْرِينُ، بالنُّون، بَدَلَ اللَّامِ، ويُكْسَرُ.

وبه تَتمُّ اللغاتُ أَربعَ عَشرةَ، ففي قول شيخنَا: إِنَّهَا عند المصنِّف ثلَاثَ عشَرَةَ نَظَرٌ. وقد ذَكر منها البيْضاوِيُّ ثمان لغات، وما بقِيَ أَوردَه ابنُ مالكٍ وأَرْبَابُ الأَفْعَالِ، وقد نَظَم الشيخُ ابنُ مالِك سَبْعَ لغَات، من ذلك في قوله:

جِبْرِيل جبْرِيلُ جَبْرَائِيلُ جبْرئِلٌ *** وجَبْرئِيلُ وجبْرالُ وجِبْرِينُ

قال شيخُنَا وذَيَّلَهَا الجَلَالُ السُّيُوطِيُّ بقوله:

وجَبْرَأَلُّ وجَبْرايِيلُ معْ بَدلٍ *** جبْرائِلٌ وبِيَاءٍ ثمَّ جَبْرِينُ

قال شيخُنَا: وقولُه: «مع بدلٍ»، إِشارةٌ إِلى جبْرائِين؛ لأَن فيه إِبدال الياءِ بالهمزة واللام بالنُّون.

قلتُ: وقد فاتَ المصنِّف جبْرَايِيل الذي ذَكَرَه السُّيُوطِيُّ، وهو بياءَيْن بعد الأَلِفِ، وقد أَورَده الشِّهابُ، وقبله ابنُ جِنِّي في الشَّواذّ، فقال: وبها قرأَ الأَعْمشُ، وكذلك جَبْرَايِلُ مقصورًا بالياءِ بدلَ الهمزةِ، وقد ذَكَرَه السُّيُوطِيُّ، وجَبْرَأَلُ، بتخفيفِ اللّام، أَورَده ابنُ مالكٍ. قال ابنُ جِنِّي: ومِن أَلفاظهم في هذا الاسم أَن يقولوا كُوريال ـ الكاف بين الكاف والقاف ـ فغالبُ الأَمر على هذا أَن تكونَ هذه اللُّغَاتُ كلُّها في هذا الاسم إِنما يراد بها جُبْرَال، الذي هو كُوريال، ثم لَحِقَها من التَّحْرِيف على طُولِ الاستعمالِ ما أَصارَهَا إِلى هذا التَّفَاوُتِ، وإِن كانت على كلِّ أَحوالِهَا مُتَجَاذِبَةً، يَتَشَبَّثُ بعضُها ببعض. واستدلَّ أَبو الحَسَنِ على زيادة الهمزة في جَبْرئيلَ بقراءَة مَن قرأَ جَبْرِيل ونَحْوه، وهذا كالتَّضَيُّفِ من أَبي الحَسَنِ رَحِمَه اللهُ؛ لِما قَدَّمْنَاه مِن التَّخْلِيط في الأَعجميِّ، ويَلزمُ منه زيادةُ النُّون في زَرَجُون؛ لقوله:

منها فَظِلْتَ اليوْمَ كالمُزَرَّج

والقَوْل ما قَدَّمْنَاه.

ويُذْكَرُ فيه لُغاتٌ أُخَرُ، هكذا تُوجَد هذه العبارةُ في بعض النُّسخ، وقد تَسقُط عن بعضها.

والجَبَارُ: كَسَحَاب: فِنَاءُ الجَبّانِ نقلَه الفَرّاءُ عن المفضَّل. والجَبَّان، ككَتَّان: المَقْبرَةِ، والصَّحراءُ، وسيأْتي في النُّون إِن شاءَ الله تعالى.

تاج العروس-مرتضى الزَّبيدي-توفي: 1205هـ/1791م


18-تاج العروس (أل ألل ألأل)

[ألل]: أَلَّ في مَشْيِهِ يَؤُلُّ ويَئِلُّ أَسْرَعَ وجَدَّ، نَقَلَه السهيليّ وأَنْشَدَ الصَّاغَانِيُّ لأَبي الخضريّ اليَرْبوعيّ:

مُهْرَ أَبي الحَارِثِ لا تَشَلِّي *** بارَكَ فيكَ الله من ذِي أَلِّ

أي من فرسٍ ذِي سُرْعةٍ. وأَبُو الحَارِثِ هو بِشْرُ بنُ عَبْدِ الملكِ بنِ بِشْرِ بنِ مَرْوَان. وقيلَ اهْتَزَّ واضْطَرَبَ وأَمَّا قَوْلَ الشاعِرِ أَنْشَدَه ابنُ جِنّي:

وإِذْ أَؤُلُّ المَشْيَ أَلَّا أَلَّا

قالَ ابنُ سِيْدَه: إِمَّا أَنْ يكونَ أَرَادَ أَؤُلُّ في المَشْيِ فحذَفَ وأَوْصَل، وإِمَّا أَنْ يكونَ أَؤُلُّ مُتَعدّيًا في موضِعِه بغيرِ حرفِ جرٍ. وأَلَّ اللَّوْنُ يَؤُلُّ بَرَقَ وصَفا وأَلَّتْ فَرائِصُه أي لَمَعَتْ في عَدْوٍ وأَنْشَدَ ابنُ دُرَيْدٍ:

تى رَمَيْت بها يئِلَّ فرِيْصها *** وكأَنَّ صَهْوَتَها مَدَاكُ رُخَام

وأَنْشَدَ الأَزْهَرِيُّ لأَبِي دُواد يَصِفُ الفَرَسَ والوَحْشَ:

فلَهَزْتُهُنَّ بها يَؤُلُّ فَرِيصُها *** من لَمْعِ رايَتِنا وهُنَّ غَوَادِي

وأَلَّ فلانًا يَؤُلُّهُ أَلَّا طَعَنَه بالآلةِ وهي الحَرْبَةُ وأَلَّه أَلَّا طَرَدَه وأَلَّ الثوْبَ يَؤُلُّهُ أَلَّا خَاطَهُ تَضْريبًا وأَلَّ عليه يَؤُلُّ أَلَّا حَمَلَهُ قالَ أَبُو عَمْرٍو: يقالُ: ما أَلَّكَ إلى يؤُلك أَي حَمَلَكَ. وأَلَّ المَرِيضُ والحزينُ يَئِلُّ أَلَّا وأَلَلًا بفكِّ الإِدْغامِ وأَلِيلًا كأَمِيرٍ أَنَّ وحَنَّ وقيلَ: أَلَّ يَؤُلُّ رَفَعَ صَوْتَهُ بالدُّعاءِ وقيلَ: صَرَخَ عندَ المصيبَةِ وبه فسَّرَ أَبُو عُبَيْدٍ قَوْلَ الكُمَيْتِ يَصِفُ رَجلًا:

وأَنْتَ ما أَنتَ في غَبْراءَ مُظْلِمةٍ *** إِذا دَعَتْ أَلَلَيْها الكاعِبُ الفُضُل

قال أَرَادَ حِكَايَة أَصْواتِ النِّسَاءِ بالنَّبطِيَّةِ إِذا صَرَخْنَ وأَلَّ الفرسُ يَؤُلُّ نَصَبَ أُذُنَيْه وحَدَّدَهُما وكذلك أَلَّلَ والتَّأْلِيْل: التَّحريْفُ والتَّحْدِيدُ، ومنه أُذُنٌ مُؤَلَّلة. وأَلَّ الصَّقْرُ يَؤُلُّ أَلَّا أَبى أَن يَصِيدَ. والأَلِيْلُ كأَميرٍ الثُّكْلُ والأَنِيْنُ قالَ ابنُ مَيَّادَةَ:

فَقُولا لها ما تَأْمُرينَ بعاشقٍ *** له بَعْدَ نَوْماتِ العشاء أَلِيلُ؟

وقالَ رُؤْبَةُ:

يا أَيَّها الذِّئبُ لك الأَلِيلُ *** هل لك في راعٍ كما تقُولُ؟

أَي ثَكِلَتْك أُمُّك هل لَكَ في راعٍ كما تُحِبُّ كالأَلِيْلَةِ قالَ:

فَلِيَ الأَلِيلةُ إِن قَتَلْتُ خُؤُولتي *** ولِيَ الأَلِيلَة إِنْ هُمُ لم يُقْتَلوا

والأَلِيْلُ: عَلَزُ الحُمَّى كما في المُحْكَمِ. وقالَ الأَزْهَرِيُّ: هو الأَنِيْنُ قالَ:

أَمَا تراني أَشْتكي الأَلِيلا

والأَلِيلُ: صَليلُ الحَصَى وقيلَ: هو صَلِيلُ الحَجَرِ أيَّا كانَ الأُوْلَى عن ثَعْلب. والأَلِيلُ: خَريرُ المَاءِ وقَسِيبُه كما في اللِّسَان. والأَلِيْلَةُ كَسَفِيْنَةٍ الرَّاعِيَةُ البعيدةُ المَرْعَى مِنَ الرُّعاةِ كالأُلَّة بالضمِ وهذه عن الفرَّاءِ: والإِلُّ بالكسر العَهْدُ والحَلِفُ ومنه حدِيثُ أُمِّ زَرْعٍ في بعضِ الرِّوَايات بنْتُ أَبي زَرْعٍ وما بنْت أَبي زَرْعٍ: «وَفيُّ الإِلِّ كَرِيمُ الخِلِّ بَرُود الظِّلِّ»، أَرَادَتْ أَنَّها وَفِيَّةُ العَهْدِ، وإِنَّما ذُكِّر لأَنَّه إِنَّما ذَهَبَ به إلى مَعْنَى التَّشْبيهِ أَي هي مِثْلُ الرَّجلِ الوَفيِّ العَهْدِ. والإِلُّ: موضع بعَرَفَة وسَيَأْتي إِنْكَارُه ثانيًا. والإِلُّ الجارُ كما في المُحْكَمِ، وهو بالهِمزِ والقَرابةُ ومنه حدِيثُ عليٍّ رضي ‌الله‌ عنه: «يخونُ العَهْدَ ويَقْطعُ الإِلَّ» والإِلُّ: الأَصْلُ الجَيِّدُ وبه فسِّرَ قَوْلُ أَبي بَكْرٍ الآتي أَي لم يَجِي‌ءُ مِنَ الأَصْلِ الذي جاء منه القُرْآنُ والمَعَدِنُ الصحيحُ عن المُؤَرِّجِ وقالَ حَسَّانُ رضي ‌الله‌ عنه:

لَعَمْرُك إنَّ إِلَّكَ من قُرَيْشٍ *** كإِلِّ السَّقْبِ من رَأْلِ النَّعَام

والإِلُّ: الحِقْدُ والعَداوةُ. والإِلُّ: الرَّبوبِيَّةُ ومنه قَوْلُ الصِّدِّيقُ رضي ‌الله‌ عنه لمَّا سَمِعَ سَجَعَ مُسَيْلِمَة «هذا كَلامٌ لم يَخْرُج مِنْ إِلّ ولا برٍّ. أَي لم يَصْدُر عن رُبوبِيَّةٍ، لأَنَّ الربوبيّة حَقُّها وَاجبٌ مُعَظَّمٌ، كذلِكَ فَسَّرَه أَبُو عُبَيْدٍ نَقَلَه السهيليّ. والإِلُّ: اسمُ الله تَعَالَى ومنه جبرال كما في العُبَابِ، وبه صَدَّرَ صاحِبُ الرَّامُوزِ، وبه فسَّرَ بعضٌ قَوْلَه تَعَالَى: {لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً}، وأَنْكَرَه السهيليّ في الرَّوضِ فقالَ: وأَمَّا الإِلُّ بالتَّشديدِ في قولِه تَعالى: {إِلًّا وَلا ذِمَّةً}، فحذَارِ أَنْ تَقُولَ هو اسمُ الله تَعالى، فتُسَمِّي اللهَ تَعالى باسم لم يسمِّ به نَفْسَه لأَنَّه نَكِرَةٌ، وإِنَّمَّا الإِلَّ كُلُّ ما له حُرْمةٌ وحَقٌّ كالقَرَابةِ والرَّحِمِ والجِوَارِ والعَهْدِ، وهو مِنْ أَلَلتُ إذا اجْتَهَدْتُ في الشَّيْ‌ءِ وحافَظْتُ عَلَيه ولم تُضَيِّعْه، ومنه الإِلُّ في السَّيْرِ هو الجدُّ، وإذا كان الأَلُّ بالفتحِ المَصْدر، فالإِلُّ بالكسرِ الاسمُ كالذِّبْحِ من الذَّبْح، فهو إذًا الشَّيْ‌ءُ المحافَظُ عَلَيه المُعَظَّمُ حَقّه فتأَمَّلْ. وكلُّ اسمٍ آخِرهُ إِلٌ أَوْ إِيلٌ فمُضافٌ إلى اللهِ تعالى ومنه جِبْرَائِيلُ ومِيْكائِيلُ، هذا قَوْلُ أَكْثَر أَهْلِ العِلْم. قال السهيليُّ: وكان شيْخُنا رَحِمَه الله تعَالى يعْنِي أَبَا بَكْرِ بنِ العَرَبيّ كطائِفَةٍ من أَهْلِ العِلْمِ يذْهَبُ إلى أَنَّ هذه الأَسْماءَ إِضَافَتُها مَقْلُوبَةٌ كإضافةِ كَلامِ العجمِ فيكونُ إِلٌ وإِيلٌ العَهْد، وأَوَّلُ الاسمِ عبارَةٌ عن اسمٍ من أَسْماءِ الله تَعالى وسَيَأْتي في «ا ي ل». والإِلُّ الوَحْيُ وبه فسِّرَ قَوْلُ الصِّدِّيقِ أَيْضًا. والإِلُّ الأَمانُ وبه فُسِّرَتِ الآيةُ أَيْضًا. والإلُّ الجَزَعَ عند المُصيبةِ ومنه رُوِيَ الحدِيثُ: «عَجِبَ رَبُّكُمْ منْ إِلِّكُمْ وقُنوطِكم وسُرْعةِ إِجابَتِه إِيَّاكُمْ» فيمنْ رَوَاه بالكسرِ، قال أَبُو عُبَيْدٍ: هكذا رَوَاه المحدِّثُون، وروايةُ الفتحِ أَكْثَرُ قال أَبُو عُبَيْدٍ: وهو المَحْفُوظُ، ويُرْوَى من أَزْلِكُم أَي ضِيْقكُم وشِدَّتكُم وهو أَشْبَهُ بالمَصَادِرِ كأَنَّه أَرَادَ من شِدَّةِ قُنوطِكُم.

والأَلُّ بالفتحِ الجُؤَارُ أَي رَفْعُ الصوتِ بالدعاءِ، وقد أَلَّ يَئِلُّ وهذا قَدْ ذَكَرَهُ قَريبًا فهو تَكْرَارٌ في الجملةِ. والأَلُّ جَمعُ أَلَّةٍ بحذْفِ آخِرِه للحَرْبَةِ العريضةِ النَّصْلِ سُمِّي بذلك لِبَريقها ولمَعَانِها قالَ الأَعْشَى:

تداركه في مُنْصلِ الآلِّ بعد ما *** مضى غير دأوادٍ وقد كاد يعطَبُ

وفَرَّقَ بعضُهم بَيْن الأَلَّةِ والحَرْبةِ فقالَ: الأَلَّة كُلُّها حدِيدَةٌ، والحَرْبةُ بعضُها خَشَبٌ وبعضُها حدِيدٌ كالإِلَالِ ككِتابٍ قال لَبِيدٌ رضي ‌الله‌ عنه:

يُضي‌ءُ رُبابُهُ في المزنِ حُبْشًا *** قيامًا بالحرابِ وبالإِلالِ

وهو جَمْع أَلة كجَفْنَةٍ وجِفان. والأُلُّ بالضمِ الأَوَّلُ في بعضِ اللغاتِ عن ابنِ دُرَيْدٍ وليس من لَفْظِه وأَنْشَدَ:

لِمَنْ زُحْلوقَةٌ زُلُّ *** بها العَيْنان تَنْهلُّ

ينادِي الآخِرَ الأُلُّ: *** أَلا حُلُّوا أَلا حُلُّوا

وإِن شئْتَ قلْتَ: إِنَّما أَرَادَ الأَوَّل فبَنَى من الكلمةِ على مِثْال فُعْل فقالَ وُلّ، ثم هَمَزَ الواوَ لأنّها مَضْمومةٌ غَيْر أَنَّا لم نَسْمَعْهم يقُولُون وُلّ، قالَ الصَّاغَانيُّ: هكذا هو بخطِّ الأَرْزُنيّ في الجَمْهَرةِ بالحاءِ المُهْملة المَضْمُومةِ، وبخطِّ لأَزْهَرِيّ في التَّهْذِيبِ: ألا خَلّوا ألا خَلّوا بفتحِ الخاءِ المُعْجمةِ، وقالَ ابنُ الأَعْرَابيّ عن المُفَضّل: بالخاءِ المُعْجمةِ قال: ومَنْ رَوَاه بالحاءِ المُهْملة فقد صَحَّفَ، وهي لُعْبةٌ للصِّبْيان يَجْتَمِعُون فَيَأْخُذُون خَشَبَةً فيَضَعُونها على قُوْزَ لهم من الرَّملِ ثم يَجْلِسُ على أَحَدِ طَرَفَيْها جماعَةٌ وعلى الآخَرِ جماعَةٌ، فأيُّ الجماعَتَيْن كانَتْ أَرْزَنَ ارْتَفَعَتِ الأُخْرَى فيُنَادُون بأَصْحابِ الطَّرَفِ الآخَرِ أَلا خلُّوا أَي خَفِّفُوا من عدَدِكُم حتى نُساوِيَكُم في التَّعْدِيل، وهذه التي تُسَمِّيها العَرَبُ الزُّحْلُوفَةَ والزُّحْلوقَةَ. والأَلَّةُ الأَنَّةُ وأَيْضًا السَّلاحُ وقيلَ: جميعُ أَداةِ الحَرْبِ وخصَّه بعضٌ بالحَرْبَةِ إذا كانَ في نَصْلِها عِرَضٌ كما تقدَّمِ. وأَيْضًا عُودٌ في رأْسِه شُعْبَتان، وأَيْضًا صَوتُ الماءِ الجاري كالأَلِيلِ وقد تقدَّمَ. والأَلَّةُ: الطَّعْنَةُ بالحَرْبَةِ وقد أَلَّهُ يَؤُلُّهُ أَلًّا وقد تقدَّم. والإِلَّةُ: بالكسرِ هيئةُ الأَنينِ وقالَ اللّحْيَانيُّ: هو الضلالُ بنُ الأَلالِ بنِ التَّلالِ كسحابٍ في الكُلِّ إِتْباعٌ له وأَنْشَدَ:

أَصْبَحتَ تَنْهَضُ في ضَلالِكَ سادِرًا *** أَنت الضَّلالُ بنُ الأَلالِ فَأَقْصِر

أَو الأَلالُ الباطِلُ وإِلَّا بالكسرِ حرفٌ تكونُ للإِسْتِثْناءِ وهي الناصِيَةُ في قَوْلِكَ: جاءَني القَوْمِ إلَّا زيدًا، لأَنَّها نائِبَةٌ عن أَسْتثني وعن لا أَعْني، هذا قَوْلُ أَبي العَبَّاس المُبَرد. وقالَ ابنُ جني: هذا مَرْدُودٌ عنْدَنا لِمَا في ذلك من تَدَافُعِ الأَمْرَين الإِعْمال المُبْقي حُكْم الفِعْل والإِنْصراف عنه إلى الحَرْفِ المُخْتَص به القَوْل انْتَهَى. ومنه قَوْلُه تعالى: فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلّا قَلِيلًا وتكونُ صِفَةً بمَنْزِلَةِ غَيْرٍ فيوصَفُ بها أَو بتاليها أَو بِهما جميعًا جمعٌ مُنَكَّرٌ كقَوْلِه تَعَالَى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتا أو يُوْصَفُ بها جَمْعٌ شِبْهُ مُنَكَّرٍ كقولِ ذِي الرُّمَّةِ.

أُنِيخَت فألْقَت بلدةً فوق بلدةٍ *** قَليلٌ بها الاصْواتُ إِلَّا بُغامُها

فإنَّ تعريفَ الأَصواتِ تَعْريفُ الجِنْسِ وتكونُ عاطفةً كالواوِ. وقيلَ: ومنه قَوْلُه تعالى: لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا. وكذا قَوْلُه تَعالى: {إِنِّي} لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ وتكونَ زائِدَةً كقولِهِ أي ذي الرُّمَّةِ:

حَراجيجُ ما تَنْفَكُّ إلَّا مُناخَةً *** على الخسف أو نرمي بها بلدًا قفرا

قَرَأْتُ في كتابِ ليْسَ قالَ: قالَ أَبُو عَمْرٍو بنِ العَلاء: أَخْطَأَ ذُو الرُّمَّةِ في قولِه هذا لا تَدْخُلُ إِلَّا بَعْد تَنْفَكُّ وتَزَالُ إنَّما يقالُ ما زَالَ زَيْدٌ قائمًا، ولا يقالُ ما زَالَ زَيْدٌ إِلَّا قائمًا، لأَنَّ إلَّا تُحَقَّقُ، وما زَالَ يَنْفِي، وأَحْكَامُها مَبْسوطَةٌ في المُغْنِي والتّسْهيل وشُرُوحِهما، وأَعَادَه المصنِّفُ في الأَلفِ اللَّيِّنة كما سَيَأْتِي الكَلامُ عَلَيه.

وأَلَّا بالفَتْحِ حَرْفُ تَحْضِيضٍ وحثٍّ تَخْتَصُّ بالجُمَلِ الفِعْلِيَّةِ الخَبَرِيَّةِ وهي لغةٌ في هلا وسَيَأْتي البَسْط فيه في «ه ل ل» وفي آخرِ الكِتابِ. والْأَلُّ: كسَحابٍ وكِتابٍ وعلى الأَوَّلِ اقْتَصَرَ الصَّاغانيُّ جَبَلٌ بعَرَفاتٍ، وفي الرُّوضِ: جَبَلُ عَرَفَة، أَو حَبْلُ رَمْلٍ بعَرَفاتٍ عَلَيه يقُومُ الإِمامُ قالَهُ ابنُ دُرَيْدٍ أَوْ حُبَيْل عنْ يَمينِ الإِمامِ بعَرَفَةَ قال النابغةُ الذُّبيانيُّ:

بمُصْطَحَباتٍ من تَصَافٍ وثَبْرَةٍ *** يَزُرْنَ أَلالًا سَيْرُهنَّ التَّدافُعُ

قال ياقوتُ: وقَدْ رُوِيَ الإِلُّ بالكسرِ ووَهِمَ مَنْ قالَ الإِلُّ كالخِلِّ وهذا الذي وَهِمَه فَقَدْ قالَ به غَيْر واحدٍ من الأَئِمَّة. قالَ ابنُ جِنّي: قالَ ابنُ حبيبٍ: الإِلُّ حَبْلٌ من رَمْلٍ يقفُ به الناسُ من عَرَفاتٍ عن يَمِيْن الإِمامِ، وقد جاءَ ذِكْرُه في الحدِيثِ أَيْضًا، وعَجِيْبٌ من المصنِّفِ إِنْكَارُه فتأمَّلْ.

قالَ ياقوتُ: وهذا المَوْضِعُ أَعْنِي الإِلّ أَرَادَ الرَّضِيُّ المُوْسَويّ:

فاقسِمُ بالوقوفِ على إلالٍ *** ومن شَهِدَ الجمارَ ومَنْ رَماهَا

وأركانِ العتيقِ ومن بَناها *** وزمزمَ والمقام ومَنْ سقاها

لأنتِ النفسُ خالصةً فإن لم *** تكونيها فأنتِ إذًا مُناها

وأَمَّا وَجْه الاشْتِقَاقِ فقيلَ إِنَّه سُمِّيَ أَلالًا لأَنَّ الحَجِيْجَ إذَا رَأَوْهُ أَلُّوا في السَّيْرِ أَي اجْتَهَدُوا فيه ليدْرِكُوا المَوْقفَ قالَهُ السهيلِيّ. وأُلَلَةٌ كهُمَزَةٍ موضع هكذا في النسخِ ومِثْلُه في التَّكْملةِ والصَّوابُ أُلَالَةُ كثُمَامَةٍ كما في العُبابِ والمُعْجمِ، ومنه قَوْلُ عَمْرو بن أَحْمر البَاهِلِيّ:

لو كنت بالطِين أو بأُلَالة *** أَوْ بَرْبَعيص مع الجنانِ الأسودِ

وقالَ نَصْرٌ: أُلالَةُ موضِعٌ بالشَّامِ.

قلْتُ: وهو صَحِيحٌ فإِنَّ برَّ بعيص أَيْضًا مَوْضِعٌ من أَعْمَالِ حَلَب وقد تقدَّم.

وألِلَتْ أَسْنانُهُ كفَرِحَ فَسَدَتْ عن اللَّحُيَانِيّ. وأَلِلَ السِّقاءُ أَرْوَحَتْ أَي تَغَيَّرَتْ رَائِحَتُه وهو أَحَدُ ما جاءَ بإِظْهارِ التَّضْعِيفِ وأَلَّلَهُ أَي الشي‌ء تأْليلًا حَدَّدَهُ أَي حَدَّدَ طَرَفَه وحَرَّفَه، قالَ طَرَفَةُ بنُ العَبْدِ يَصِفُ أُذُنَيْ ناقَتِه بالحِدَّةِ والانْتِصابَ:

مُؤَلِّلتانِ يُعْرَفُ العِتْقُ فيهما *** كَسَامِعَتَيْ شاةٍ بحَوْمَلَ مُفْرَدِ

وقالَ خَلَفُ بنُ خلِيفة:

له شوكةٌ ألَّلتها الشفارُ *** يُؤلّفُ قردًا إلى قرده

وأُذُنٌ مُؤَلَّلَةٌ: محدَّدَةٌ مَنْصُوبة مُلَطَّفة. والأَلَلانِ محرَّكةً وَجْها الكَتِفِ أَو اللَّحْمَتانِ المُتَطابِقَتان في الكَتِفِ بينَهُما فَجْوَةٌ على وَجْهِ عَظْمِ الكَتِفِ يَسيلُ بينَهُما ماءٌ إذا نُزعَ اللَّحْمُ منها وميزت إحْدَاهما عن الأُخْرَى، وهذا قَوْلُ ابنِ الاعْرَابِيّ. وقالت امرأَةٌ من العَرَبِ لابْنِتِها لا تُهْدِي إلى ضَرَّتِك الكَتِفَ فإنَّ الماءَ يَجْرِي بَيْنَ أَلَلَيْها حَكَاه الأَصْمَعِي عن عِيسى بن أَبي إسْحق، قالَ الأَزْهَرِيُّ: وإحدى هاتَيْن اللّحْمَتَيْن الرُّقيَّ وهي كالشَّحْمةِ البَيْضاءِ تكونُ في مَرْجِع الكَتِف، وعَلَيها أُخْرى مِثْلها تُسَمَّى المأْتَى. والأَلَلُ أَيْضًا صَفْحَةُ السِّكِّينِ وَهُما أَلَلانِ وكذا وَجْها كلّ شيْ‌ءٍ عَرِيض. والأَلَلُ لُغَةٌ في اليَلَل لِقِصَرِ الأَسْنانِ وإِقْبالِها على غارِ الفَمِ نَقَلَه الأَزْهَرِيُّ عن اللّحْيَانيّ وسَيَأْتي. والإِلَلُ: كعِنَبٍ القَراباتُ الواحِدَةُ إِلَّةٌ بالكسرِ عن الفرَّاءِ. والأُلَلُ كصُرَدٍ جَمْعُ أُلَّة بالضمِّ للرَّاعِيَةِ البَعِيدةِ المَرْعَى عن الرُّعاةِ عن الفرَّاءِ.

* وَمِمَّا يُسْتَدْرَكُ عَلَيْهِ: الأَلِيْلَةُ: كسَفِيْنةٍ. والأَلَلَةُ: محرَّكةً الهَوْدَجُ الصغيرُ، عن ابنِ الأَعْرَابيِّ. ويقالُ: ما لَهُ أُلَّ وغُلَّ، قالَ ابنُ بَرِّي: أُلَّ دُفع في قَفَاه، وغُلَّ أَي جُنَّ. والأَلَلُ محرّكةً الصَّوتُ.

وفي الظَّبْي أَلَلٌ محرَّكةً أي جُدَّةٌ من السَّواد في البَيَاضِ.

وهذا أَمْرٌ إليَّ مَنْسوبٌ إلى الإِلِّ هو الله تَعالى أو بمَعْنَى الوَحْي. والمِئَلَّانِ بالكسرِ القَرْنانِ، وكانوا في الجاهِليَّةِ يَتَّخِذُون أَسِنَّة من قُرُونِ البَقَرِ الوحشِيِّ، قالَ رُؤْبَةُ يصِفُ ثورًا:

إذا مِئَلًّا شَعْبه تَزَعْزَعَا *** للقصدِ أو فيه انْحِرَاف أَوْجَعا

وقالَ أَبُو عَمْروٍ: المِئَلُّ حَدُّ رَوْقة وهو مَأْخُوذٌ من الأَلَّةِ وهي الحَرْبةُ. وقالَ عَبْدُ الوهَّابِ: أَلَّ فلانٌ فَأَطَال المَسْأَلة إذا سَأَلَ، وقَدْ أَطَالَ الأَلَّ أَي السُّؤالَ. وثَوْرٌ مُؤَلَّلٌ كمُعَظَّمٍ في لونِه شيْ‌ءٌ من السَّوادِ وسائِرُه أَبْيَض.

وقالَ الزُّبَيْرُ بنُ بَكَّار: الإِلَالُ: ككِتابٍ البَيْتُ الحَرَامُ، وبه فسَّرَ قَوْل النَّابِغَةِ السَّابقِ.

وأَلْأَلُ: كعَلْعَلٍ بلدٌ بالجزيرةِ نَقَلَه ياقوتُ. وقالَ أَبُو أَحْمَد العَسْكَرِيّ: يَوْم الأَلِيل كأمِيرٍ وَقْعةٌ كانت بصَلْعاءِ النَّعامِ. وأَلْيَل كأَحْمر وادٍ بَيْن يَنْبُع والعُذَيبة ويقالُ يَلْيَل بالياءِ أَيْضًا، قالَ كُثَيِّرُ يَصِفُ سحابًا:

وطَبَّقَ من نحو النّخيل كأنه *** بألْيَلَ لما خَلّفَ النَّخْلَ زامرُ

وأَلَّ يَئِلُّ بالكسرِ لغةٌ في يَؤُلُّ بمعْنَى بَرَقَ عن ابنِ دُرَيْدٍ وأَلِيْلُ الحَرْبَةِ: لَمَعَانُها.

ويقالُ: إِنَّه لمُؤَلَّلُ الوَجْه أَي حَسَنُه سَهْلُه، عن اللَّحْيَاني، كأنَّه قَدْ أُلِّلَ.

والألِيْلَةُ: الحَنْيِن. والأَلَلِيُّ: محرّكةً البكاءُ والصِّياحُ قالَ الكُمَيْتُ:

بضَرْبٍ يُتْبِعُ الأَلَلِيّ منه *** فَتاة الحَيِّ وَسْطَهُمُ الرَّنِينا

والائْتِلَالُ: الرَّفْقُ وحُسْن التَّأَتِّي بالعَمَلِ قالَ الرَّاجِزُ:

قَامَ إلى حَمْرَاءَ كالطِّرْبالِ *** فَهَمَّ بالضّحَى بلا ائْتِلالِ

غَمامَةً تَرْعُدُ مر دَلالِ

أي: بلا رفقٍ وحُسْن تَأَتٍّ للحَلْب، ونَصَبَ الغَمامةَ بِهَمَّ فشَبَّه حَلْب اللَّبَنِ بسَحابةٍ تُمْطِرُ.

والأَلِيْلَةُ الدُّبَيْلة. ورَجُلٌ مِئَلٌّ كمِتَلٍّ يقَعُ في الناسِ عن ابنِ بَرِّي.

تاج العروس-مرتضى الزَّبيدي-توفي: 1205هـ/1791م


19-تاج العروس (ميكل)

[ميكل]: ميكائيلُ: أَهْمَلَه الجَوْهَرِيُّ والصَّاغانيُّ.

وقالَ يَعْقوبُ: هو وميكائينُ على البَدَلِ بكسرِهما اسمُ مَلَكٍ مِن المَلائِكَةِ معروف مَعْروفٌ مُوكَلٌ بالأَرْزاقِ، وبهذا الوَزْن من غيرِ هَمْز بياءَيْن عن الأَعْمَش.

وقَرَأَ ميكئل على وَزْن ميكعل ابنُ هرمز الأَعْرَجَ وابنُ مُحَيْصِن.

وقالَ ابنُ جنِّي في المُحْتسب: فأَمَّا جبراييل وميكاييل بياءَيْن بعْدَ الأَلفِ والمَدِّ فيقوى في نفْسِي أَنَّها هَمْزَةٌ مخفَّفَةٌ وهي مكْسُورَة فخفِيَت وقَرُبَت من الباءِ، فعبَّرَ القُرَّاءُ عنها بالياءِ كما قالوا في قوْلِهِ سُبْحانه: {آلاءَ}، عنْدَ تَخْفيفِ الهَمْزَةِ آلاى بالياءِ، انتَهَى.

وقد يقالُ: إنْ كانت الكَلِمَةُ سِرْيانيَّة فمَحَلّ ذِكْرِها آخِرُ هذا الحَرْف كما فَعَلَه صاحِبُ اللّسانِ وغيرُه، فإنَّ الحُروفَ كُلَّها أَصْليةٌ، وإن كانت مُرَكَّبة مِن ميكاوايل كتَرْكيبِ جبرائيل وغيرِهما مِن أَسْماءِ المَلائِكَةِ فالأَنْسَبُ حيْنَئِذٍ ذِكْرُها في «م ي ك»، كما فَعَلَه المصنِّفُ في جبرائيل، فإنّه ذَكَرَه في «ج ب ر»، وتَرْكِيب «م ي ك» ساقِطٌ عنْدَ المصنِّفِ وغيرِه، فاعْرِفْ ذلِكَ.

* وممَّا يُسْتَدْرَكُ عليه:

ميكالُ بنُ عبدِ الواحِدِ بنِ حرمَكِ بنِ القاسِمِ بنِ بكْرِ بنِ ديواشتي وهو شورُ المَلِكُ ابنُ شُور بنِ شور بنِ شور، أَرْبَعة مِن المُلوكِ الذين ذَكَرَهم المصنِّفُ في حَرْفِ الرَّاءِ، وهو ابنُ فَيْروز بنِ يَزْدَ جردِ بنِ بَهرْام، وهو جَدُّ أَهْلِ البَيْتِ الميكاليّ بنَيْسابُور، وهم أُمَراءٌ فُضَلاء منهم: أَبو العَبَّاسِ إسْماعيلُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ ميكال الأدِيْب شيخُ خَرَاسان ووَجْهُها، سَمِعَ بنَيْسابُور محمد بن إسْحاق بنِ خزيْمة، والعَبَّاسُ بنُ السَّرَّاج، وبالأَهْواز عَبَدَان الحافِظ، وعنه أَبو عليِّ النَّيْسابُورِيّ والحاكِمُ أَبو عبدِ اللهِ، وهو الذي أَدَّبَه أَبو بَكْرِ بنُ دُرَيْد ومَدَحَ أَباه بمَقْصُورَتِه المَشْهورَةِ تُوفي سَنَة 362. وقَرَأْت في الرِّسالةِ البَغْدادِيَّة للحاكِمِ أَبي عبدِ اللهِ، وهي عنْدِي، ما نَصّه: أَبو محمدِ عبدُ اللهِ بنُ إسْماعيل الميكاليّ أَوْجَه الوُجُوه بخَرَاسان وآدبهم وأَكْفَأَ الرُّؤَساء، وهو صَدُوقٌ كبيرُ المحلِ، انتَهَى.

وميكائلُ الخَرَاسانيُّ تابِعِيٌّ رَوَى عن عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ تعالَى عنه.

تاج العروس-مرتضى الزَّبيدي-توفي: 1205هـ/1791م


20-لسان العرب (أيل)

أيل: أَيْلَة: اسْمُ بلدٍ؛ وأَنشد ابْنُ الأَعرابي:

فإِنَّكُمُ، والمُلْكَ، يا أَهْل أَيْلَةٍ ***لَكَالمُتأَبِّي، وَهْو لَيْسَ لَهُ أَبُ

أَراد كالمتأَبي أَبًا؛ وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ:

مَلَكَا مِنْ جَبَل الثلْجِ إِلى ***جَانِبَيْ أَيْلَةَ، مِنْ عَبْدٍ وحُرّ

وإِيلُ: مِنْ أَسماء اللَّهِ عزَّ وَجَلَّ، عِبْراني أَو سُرْياني.

قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: وَقَوْلُهُمْ جَبْرائيل ومِيكائيل وشَرَاحِيل وإِسْرافِيل وأَشباهها إِنما تُنْسَب إِلى الرُّبُوبِيَّةِ، لأَن إِيلًا لُغَةٌ فِي إِلّ، وَهُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، كَقَوْلِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ وتَيْم اللَّهِ، فجَبْر عَبْدٍ مُضَافٍ إِلى إِيل، قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: جَائِزٌ أَن يَكُونَ إِيل أُعرب فَقِيلَ إِلٌّ.

وإِيلِياء: مَدِينَةُ بَيْتِ المَقدس، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْصر الْيَاءَ فَيَقُولُ إِلياءُ، وكأَنهما رُومِيَّان؛ قَالَ الْفَرَزْدَقُ:

وبَيْتانِ: بَيْتُ اللَّهِ نَحن وُلاتُه، ***وبَيْتٌ بأَعْلى إِيلِياءَ مُشَرَّف

وَفِي الْحَدِيثِ: «أَن عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَهَلَّ بحَجَّةٍ مِنْ إِيلياء»؛ هِيَ بِالْمَدِّ وَالتَّخْفِيفِ اسْمُ مَدِينَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَقَدْ تشدَّد الْيَاءُ الثَّانِيَةُ وَتُقْصَرُ الْكَلِمَةُ، وَهُوَ معرَّب.

وأَيْلَة: قَرْيَةٌ عربية وَوَرَدَ ذِكْرُهَا فِي الْحَدِيثِ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ، الْبَلَدُ الْمَعْرُوفُ فِيمَا بَيْنَ مِصْرَ وَالشَّامِ.

وأَيَّل: اسْمُ جَبَل؛ قَالَ الشَّمَّاخُ:

تَرَبَّع أَكناف القَنَانِ فَصارَةٍ، ***فأَيَّلَ فالمَاوَانِ، فَهْو زَهُوم

وَهَذَا بناءٌ نَادِرٌ كَيْفَ وَزَنْتَه لأَنه فَعَّلٌ أَوْ فَيْعَل أَو فَعْيَل، فالأَوَّل لَمْ يجئْ مِنْهُ إِلَّا بَقَّم وشَلَّم، وَهُوَ أَعجميٌّ، وَالثَّانِي لَمْ يَجِئْ مِنْهُ إِلَّا قَوْلُهُ: مَا بَالُ عَيْني كالشَّعِيبِ العَيَّنِ وَالثَّالِثُ مَعْدُومٌ.

وأَيْلُول: شَهْرٌ مِنْ شُهُورِ الرُّومِ.

والإِيَّل: ذَكَرُ الأَوعال مَذْكُورٌ فِي ترجمة أَول.

لسان العرب-ابن منظور الإفريقي-توفي: 711هـ/1311م


21-مختار الصحاح (أيل)

(إِيلُ) اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى عِبْرَانِيٌّ أَوْ سُرْيَانِيٌّ، وَقَوْلُهُمْ جِبْرَائِيلُ وَمِيكَائِيلُ كَقَوْلِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ وَتَيْمُ اللَّهِ.

مختار الصحاح-محمد بن أبي بكر الرازي-توفي: 666هـ/1268م


22-مختار الصحاح (قدس)

(الْقُدْسُ) بِسُكُونِ الدَّالِ وَضَمِّهَا الطُّهْرُ اسْمٌ وَمَصْدَرٌ وَمِنْهُ قِيلَ لِلْجَنَّةِ: حَظِيرَةُ الْقُدْسِ.

وَرُوحُ الْقُدُسِ جِبْرَائِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ.

وَ (التَّقْدِيسُ) التَّطْهِيرُ.

وَ (تَقَدَّسَ) تَطَهَّرَ.

وَالْأَرْضُ (الْمُقَدَّسَةُ) الْمُطَهَّرَةُ.

وَبَيْتُ (الْمَقْدِسِ) يُشَدَّدُ وَيُخَفَّفُ وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهِ (مَقْدِسِيٌّ) بِوَزْنِ مَجْلِسِيٍّ وَ (مُقَدَّسِيٌّ) بِوَزْنِ مُحَمَّدِيٍّ.

وَيُقَالُ إِنَّ (الْقَادِسِيَّةَ) دَعَا لَهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْقُدْسِ وَأَنْ تَكُونَ مَحَلَّةَ الْحَاجِّ.

وَ (قُدُّوسٌ) بِالضَّمِّ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ فُعُّولٌ مِنَ (الْقُدْسِ) وَهُوَ الطَّهَارَةُ.

وَكَانَ سِيبَوَيْهِ يَقُولُ: (قَدُّوسٌ) وَسَبُّوحٌ بِفَتْحِ أَوَائِلِهِمَا وَقَدْ سَبَقَ فِي ذ ر ح.

وَقَالَ ثَعْلَبٌ: كُلُّ اسْمٍ عَلَى فُعُّولٍ فَهُوَ مَفْتُوحُ الْأَوَّلِ مِثْلُ سَفُّودٍ وَكَلُّوبٍ وَسَمُّورٍ وَشَبُّوطٍ وَتَنُّورٍ إِلَّا السُّبُّوحَ وَالْقُدُّوسَ فَإِنَّ الضَّمَّ فِيهِمَا أَكْثَرُ وَقَدْ يُفْتَحَانِ.

قَالَ: وَكَذَلِكَ الذُّرُّوحُ بِالضَّمِّ وَقَدْ يُفْتَحُ.

مختار الصحاح-محمد بن أبي بكر الرازي-توفي: 666هـ/1268م


23-صحاح العربية (أيل)

[أيل] أيلة: اسم موضع، قال حسان بن ثابت رضى الله عنه: ملكا من جبل الثلج إلى جانبى أيلة من عبد وحر وإبل: اسم من أسماء الله تعالى، عبرانيّ أو سريانيّ.

وقولهم: جبرائيل وميكائيل، إنَّما هو كقولهم: عبدُ الله وتَيْمُ الله.

صحاح العربية-أبونصر الجوهري-توفي: 393هـ/1003م


24-منتخب الصحاح (ءيل)

إيلُ: اسمٌ من أسماء الله تعالى، عبرانيّ أو سريانيّ.

وقولهم: جبرائيل وميكائيل، إنَّما هو كقولهم: عبدُ الله وتَيْمُ الله.

منتخب الصحاح-أبونصر الجوهري-توفي: 393هـ/1003م


25-معجم العين (أيل)

أيل: جاء في التَّفْسير أنّ كلّ اسم في آخر إيل نحو جبرائيلِ فهو معبّد للَّه، كما تقول: عبد اللَّه، وعبيد اللَّه.

وإيل: اسم من أسماء اللَّه عزّ وجل بالعبرانيّة.

وإيلياء: هي مدينة بيت المقدس، ومنهم من يقصر، فيجعله إلياء.

وأيلة: اسم بلدة.

وأيلول: اسم شهر من شهور الرّوم أول الخريف.

والأَيِّل: الذّكر من الأَوعال، والجميع: الأيائل، وإنّما سُمِّيَ بهذا الاسم، لأنّه يَؤُولُ إلى الجبال فيتحصَّنُ فيها، قال:

من عبس الصيف قرون الأيل

وهو أيضًا جماعة بكسر الهمزة.

والإيال، بوزن فِعال.

وعاء يُؤال فيه شرابٌ أو عصير أو نحو ذلك، يقال: أُلْتُ الشّراب أَؤُوله أَوْلًا، قال:

ففتّ الخِتامَ وقد أَزْمَنَتْ *** وأَحْدَثَ بعدَ إيالٍ إيالا

وهو: الخَثْرُ، وكذلك بَوْل الإبل الّتي جزأتْ بالرُّطْب، قال:

ومن آيلٍ كالوَرْسِ نَضْحًا كَسَوْنَه *** متون الصَّفا من مُضْمَحِلّ وناقعِ

والمصدر منه: الأَوُل والأُوُول.

والمَوْئل: الملجأ من وَأَلْت وكذلك المآل من أُلت.

والرَّجُلُ يؤول من مَآلةٍ بوَزْن مَعالة قال:

لا يَستطيعُ مآلًا من حبائله *** طَيْرُ السَّماءِ ولا عُصْمُ الذُّرَى الوَدِقِ

المآل في هذا الموضع: الملجأ والمُحْتَرَز، غير أنّ وأل يئل لا يُطَّرِدٌ في سعة المعاني اطِّراد آل يَؤُولُ إليه، إذا رجع إليه، تقول: طَبَخْتُ النَّبيذَ والدَّواءَ فآل إلى قَدْر كذا وكذا، إلى الثُّلث أو الرُّبع، أي: رجع.

والآل: السَّراب.

وآلُ الرَّجلِ: ذو قَرابتهِ، وأهل بَيْته.

وآل البعير: أَلْواحُه وما أشرف من أَقْطار جِسْمه، قال الأخطل:

من اللّواتي إذا لانت عَريكَتُها *** يَبْقَى لها بعدَهُ آلٌ ومَجْلودُ

وآلُ الخَيْمة: عَمَدها، قال:

فلم يبق إلا آل خَيْم مُنَضّد

هذا اسم لزم الجمع.

وآلُ الجَبَل: أطرافه ونواحيه.

والآلة: الشديدة من شدائد الدهر، قالت الخنساء:

سأحْمِلُ نفسي على آلةٍ *** فإِمّا عليها وإمّا لها

العين-الخليل بن أحمد الفراهيدي-توفي: 170هـ/940م


26-الحضارة (حضارة إسلامية)

حضارة إسلامية: Islamic civilisation انظر: إسلام إعتمدت الحضارة الإسلامية علي شعوب البلاد المفتوحة.

وكانت هذه الشعوب عريقة في حضاراتها.

كالساسانية بالعراق وفارس, و الحضارة البيزنطية ذات الأصول الإغريقية الشعوب المطلة على حوض البحر المتوسط.

وكانت أهم مراكز الثقافة الإغريقية الرومانية الإسكندرية وحران والرها ونصيبين وإنطاكيا.

وكان العرب تراثهم العريق القديم في حضارات معين وسبأ وحمير في بلاد اليمن.

لكنهم وجدوا في البلاد التي فتحوها حضارات متطورة كالإدارات الحكومية ونظم اقتصادية في الزراعة وأعمال الري والصناعة، وكانوا علي بينة بالعلوم العقلية والتجريبية كالرياضيات والفلك والفيزياء.

معظم العلوم السابقة وخاصة علوم الإغريق كانت قد اندثرت وضاعت معالمها فكانت بعض كتب العلم الإغريقية مدفونة مع العلماء في مقابرهم.

وذلك لأن الدولة الرومانية لم يكن لديها اهتمام بالعلم.

ومن هنا كان فضل المسلمين في إحياء تلك العلوم الميتة.

وكان الخلفاء والقواد بلادلون أسري الروم بالكتب الإغريقية أو رفع الجزية عنهم في مقابل الكتب.

وكان الروم فرحين بهذه الصفقات التي لن تكلفهم ولاسيما وأن هذه الكتب لم تكن ذات قيمة في نظرهم.

فكانوا يحرقونها علانية بحجة أنها تدعو للهرطقة والكفر.

وكان الخلفاء من شدة ولعهم بالعلم ولاسيما المأمون العباسي, كانوا عند عقد العهود والمواثيق وشروط الصلح أن يسمح للمسلمين بالتنقيب عن الكتب الإغريقية أو كتاب معين ورد ذكره في مخطوط.

فكانوا يبحثون عنها في مقابر مؤلفيها.

وكان المأمون من خلال حركة الترجمة الموسعة يجزل العطاء للمترجمين في دار الترجمة ببيت الحكمة ببغداد.

وكان المخطوط المترجم للعربية يأخذ مترجمه مثقاله ذهبا.

وانكب المسلمون على تلك المخطوطات ليدرسوها ويغربلوها من الشوائب والخرافات والعقائد الخرافية والسحر والشطط والكفر.

فأثبت هلماء المسلمين ما هوالخطأ والباطل قيها من خلال العلم التجريبي ومفهوم التجربة للبرهان والمشاهدة التي هي سيد الأدلة.

ففي الخلافة العباسية ظهرت أجيال من شوامخ العلماء ز وقد قاموا بالإختراعات والإستكشافات والتطوير والتوليف.

كما وضعوا الموسوعات.

وكان الحكام المسلمون المساتيرون يفرغون العلماء والباحثين وينفقون عليهم الرواتب.

و الدولة العباسية باعتمادها على هذه الشعوب، عملت إحياء النهضة العلميةوتبنيها وتذكر مراجع التاريخ الأجنبية بكثير من الدهشة شغف قادة الفتوح الإسلامية بالكتب.

الى حد مبادلة أسرى الرومان بالكتب الإغريقية.

أو رفع الجزية مقابل هدية من الكتب.

وكان الرومان سعداء بهذه المبادلات ويعتبرون أنفسهم الرابحين لأن تلك الكتب لم تكن في نظرهم ذات قيمة وكثيرًا ما كانوا يحرقونها علنًا بحجة أنها تدعو الى الهرطقة والكفر.

وكثيرًا ما كان الخليفة يضع بين بنود الصلح مع إمبراطور الرومان شرطًا بالسماح للمسلمين بالتنقيب عن الكتب الإغريقية.

وكانوا يطلبون من البيزنطيين البحث عن كتاب معين جاء ذكره في المخطوطات ويسألونهم البحث عنه في مقبرة صاحبه.

ومع هذا الفيض من الكتب أنشأ المأمون دارًا خاصة بالترجمة.

وكان المترجمون يؤجرون بسخاء.

وقد يعطى المترجم مثقال وزن الكتاب المترجم ذهبًا.

ومن هنا كان الرومان يطلقون على المسلمين "المتوحشون العلماء" وذلك لأن شغفهم بالعلم لم يكن أقل شدة من بأسهم في القتال.

فقام علماء المسلمين بنقل هذه العلوم والتراث القديم وترجموه.

فلما استوعبوه ما أخذوا ينتجون ويبدعون ويضيفون، حتى قدموا للعالم ما عرف بالحضارة العربية الإسلاميةالتي أخذت تحتل مكانتها بين الحضارات الكبرى التي ظهرت في تاريخ البشرية.

فكانت أطول الحضارات العالمية عمرًا، وأعظمها أثرًا في الحضارة العالمية.

فعربت ألفاظا يونانية وفارسية وهندية كثيرة.

وترجمت عن اليونانية "حكم سقراط وأفلاطون وأرسطو، وظهرت كتب الأدب.

وفي خلافة أبي جعفر المنصورترجمت بعض أعمال العالم السكندري القديم بطليموس القلوذي CLAUDIUS PTOLOMY (ت.17 م)، ومن أهمها كتابه المعروف، باسم "المجسطي ".

واسم هذا الكتاب في اليونانية " (EMEGAL MATHEMATIKE، " أي الكتاب الأعظم في الحساب.

والكتاب دائرة معارف في علم الفلك والرياضيات.

وقد أفاد منه علماء المسلمين وصححوا بعض معلوماته وأضافوا إليه.

وعن الهندية، ترجمت أعمال كثيرة مثل الكتاب الهندي المشهور في علم الفلك والرياضيات، سد هانتاSiddhanta أي " المعرفة والعلم والمذهـب ".

وقد ظهرت الترجمة العربية في عهد أبي جعفر المنصور بعنوان "السند هند.

ومع كتاب "السند هند" دخل علم الحساب الهندي بأرقامه المعروفة في العربية بالأرقام الهندية فقد تطور على أثرها علم العدد عند العرب، وأضاف المسلمون نظام الصفرمما جعل الرياضيين العرب يحلون الكثير من المعادلات الرياضية من مختلف الدرجات، فقد سهل استعماله لجميع أعمال الحساب، وخلص نظام الترقيم من التعقيد، ولقد أدى استعمال الصفر في العمليات الحسابية إلى اكتشاف الكسر العشري الذي ورد في كتاب مفتاح الحساب للعالم الرياضى جمشيد بن محمود غياث الدين الكاشي (ت 840 هـ1436 م)، وكان هذا الكشف المقدمة الحقيقية للدراسات والعمليات الحسابية المتناهية في الصغر.

و استخرج إبراهيم الفزاري جدولًا حسابيًا فلكيًا يبين مواقع النجوم وحساب حركاتها وهو ما عرف بالزيج.

ويعتبر إبراهيم الفزاري أول من صنع الاصطرلاب من المسلمين.

وعن الفارسية، ترجم عبد الله بن المقفع كتاب كليلة ودمنة الذي كان هنديًا في.

هذا إلى جانب ترجمته لعدة كتب أخرى في تاريخ وأدب الفرس ونظمهم وتقاليدهم.

وكان الخليفة العباسي المأمون قد أوكل إلى سهل بن هارون، ترجمة الكتب الفارسية.

فترجم كتاب (هزار افسانه) (أفسانه: خرافة بالفارسية) أي (ألف خرافة.

وأطلق علي الكتاب الكتاب ألف ليلة وليلة وهو خبر الملك والوزير وابنته وجاريتيها وهما شيرازاد ودينازاد،.

وفي هذه القصص الخرافية ظهرت في بعضها أفكار الهنود حول الأرواح وتناسخها، وقد وضعت هذه القصص في قالب عربي إسلامي في العصر العباسي الأول ثم زيد فيها في العصر الفاطمي بحيث لم يتبق من التأثير الفارسي سوى بعض الأسماء الفارسية.

والشاهنامة للفردوس التي ترجمها نثرا الفتح بن علي البنداري سنة 697 هـ / 1297 م، وظهرت لعبة الشطرنج الهندية الأصل والتي انتقلت عن طريق الفرس إلى المسلمين، وألفت فيها كتب بالعربية وصار لها انتشار كبير في عالم الإسلام.

وفي خلافة المهدي بن المنصور (158- 169 هـ) برز عالم الكيمياء جابر بن حيان الأزدي " الذي نسبت إليه كتابات كثيرة في الكيمياء سواء في المركبات الكيميائية التي لم تكن معروفة من قبل مثل نترات الفضة المتبلورة وحامض الأزوتيك (النتريك) وحامض الكبريتيك (زيت الزاج) ولاحظ ترسيب أملاح كلوروز الفضة عند إضافة ملح الطعام.

ووصف العمليات الكيميائية كالتقطير والتبخير والترشيح والتبلور والتذويب والتصعيد والتكليس.

وفي خلافة هارون الرشيد (170 هـ / 786، ـ 193هـ / 808 م) تأسس في بغداد بيت الحكمة للنقل (النسخ) والترجمة، وازدهر في عهد إبنه عبد الله المأمون (198 هـ / 813 م- 218 هـ / 833 م)، حيث ترجمت أمهات الكتب اليونانية القديمة، وأقيمت فيه المراصد، ورسمت فيه الرسوم (الخرائط) الجغرافية وأعمال المساحة.

وكان من غلماء بيت الحكمة محمد بن موسى الخوارزمي (ت 232 هـ846 م) " الذي عهد إليه المأمون بوضع كتاب في علم الجبر، فوضع كتابه " المختصر في حساب الجبر والمقابلة (انظر: رياضيات) "، وهذا الكتاب هو الذي أدى إلى وضع لفظ الجبر وإعطائه مدلوله الحالي.

قال ابن خلدون: "علم الجبر والمقابلة (أي المعادلة) من فروع علوم العدد، وهو صناعة يستخرج بها العدد المجهول من العدد المعلوم إذا كان بينهما صلة تقتضي ذلك فيقابل بعضها بعضًا، ويجبر ما فيها من الكسر حتى يصير صحيحًا".

فالجبر علم عربي سماه العرب بلفظ من لغتهم، والخوارزمي هو الذي خلع عليه هذا الاسم الذي انتقل إلى اللغات الأوروبية بلفظه العربي ALGEBRA.

و ترجم هذا الكتاب للاتينية في سنة 1135 م.

وظل يدرس في جامعات أوربا حتى القرن 16 م.

كما انتقلت الأرقام العربية إلى أوربا عن طريق ترجمات كتب الخوارزمي الذي أطلق عليه في اللاتينية "الجور تمي "ALGORISMO ثم عدل للجورزمو ALGORISMO للدلالة على نظام الأعداد وعلم الحساب والجبر وطريقة حل المسائل الحسابية وظهرت عبقرية "الخوارزمي " في " الزيج " أو الجدول الفلكي الذي صنعه وأطلق عليه اسم "السند هند الصغير،، وقد جامع فيه بين مذهب الهند، ومذهب الفرس، ومذهب بطليموس (مصر)، فاستحسنه أهل زمانه ذلك وانتفعوا به مدة طويلة فذاعت شهرته وصار لهذا الزيج أثر كبير في الشرق والغرب.

و رسم للمأمون خريطة كبيرة للعالم المعمور في عصرهز وفي الجغرافيا وضع كتابًا ً بعنوان "صورة الأرض " اعتمد فيه على كتاب المجسطي لبطليموس مع إضافات وشروح وتعليقات.

وقد نشر هذا الكتاب وترجم إلى الألمانية سنة 1926 م.

وفي مجال الطب والعناية بالمرضى أنشأ العباسيون عددًا كبيرًا من البيمارستانات (المستشفيات)، ومخازن الأدوية ببغداد كالبيمارستان الذي أنشأه الرشيد في الجانب الغربي من بغداد على يد الطبيب "جبرائيل بن بختيشوع "، والبيمارستان الصاعدي أيام المعتضد في الجانب، الشرقي من بغداد، والبيمارستان المقتدري الذي بناه المقتدر سنة 306 هـ 918م، وبيمارستان السيدة الذي أنشأته أمه في الأعظمية، وبيمارستان ابن الفرات الذي أنشأه وزيره أبو الحسن علي بن الفرات، والبيمارستان العضدي.

وفيها كان يعالج المرضى ويخضعون للملاحظة والتسجيل.

وكان الأطباء يستخدمون في مستشفياتهم الكاويات في الجراحة، و صب الماء البارد لمنع النزف أو معالجة الحميات، وعالجوا الأورام الأنفية وكانوا يخيطون الجروح، ويستأصلون اللوزتين ويمارسون جراحة الفتق وجراحة العيون، وشق أوراق الحلق، وقطع الأثداء السرطانية، وإخراج الحصاة من المثانة،، وإخراج الجنين بالآلة، وإخراج العظام المكسورة وجبرها، واستخدام المرقد (البنج) (خليط من الأفيون والحشيش وست الحسن) كما فرقوا بين الحصبة والجدري.

وكانت الدولة تراقب الممارسات الطبية والأطباء، فكانوا يمتحنون الأطباء والصيادلة أيان المأمون والمعتصم، وأمر الخليفة المقتدر الطبيب الكبير سنان بن ثابت بن قرة سنة 316 هـ بمنع سائر المتطببين من التصرف وممارسة مهنتهم إلا بعد إجراء امتحان لهم، فامتحن يومئذ أكثر من ثمانمائة طبيب.

وكان كل من يقوم بممارسة مهنة الطب، يؤخذ عليه قسم الطبيب المسلم والذي كان يعتمد على المحافظة على سر المريض وعلاجه دون تمييز وأن يحفظ كرامة المهنة وأسرارها.

وكان المحتسب هو الذي يأخذ عليه هذا القسم، لأن من عمله مراقبة هذه المهنة ونصه " برئت من قابض أنفس الحكماء، ورافع أوج السماء، فاطر الحركات العلوية، إن خبأت نصحا وبدأت ضرا، أو قدمت ما يقل عمله.

إذا ما عرفت ما يعظم نفعه، وعليك بحسن الخلق بحيث تسمع الناس واستفرغ لمن ألقى، إليك زمامه ما في وسعك فإن ضيعته، فأنت الضائع والله الشاهد على وعليك والسامع لما تقول، فمن نكث عهده فقد استهدف لقضائه، إلا أن يخرج من أرضه وسمائه ".

ومن مشاهير الأطباء الذين برزوا في العصر العباسي الأول نذكر الطبيب "جورجيوس (جرجس) ابن بختيشوع " الذي استدعاه الخليفة المنصور من "جنديسابور" (شرقي البصرة) لعلاج معدته التي كان يشكو منها.

وبعد معالجة قصيرة شفي على يديه، فجعله طبيبه.

وفي أيام المعتصم وولديه الواثق والمتوكل، برز الطبيب "يحيى بن ماسويه (ت 243 هـ) " الذي تنسب إليه مؤلفات طبية عديدة من أهمها (كتاب دغل العين) أي ما يضر العين ويؤذيها، وهو أول كتاب عربي في علم الرمد.

ويؤثر عن هذا الطبيب أنه كان يدرس التشريح عن طريق تقطيع أجسام القردة، وكان الخليفة المعتصم يعتمد على مشورته، ولهذا كان يحتفظ ببنية قوية.

ويعرف " ابن ماسويه " في الغرب باسم "ماسو الكبير" MESUE MAIOR.

كذلك نذكر الطبيب اللامع "حنين بن إسحاق (ت 260 هـ) الذي عرف عند علماء الغرب باسم يوهانيتس YOHANTUS.

درس الطب على أستاذه "يحيى بن ماسويه" ثم واصل دراسته في بلاد الروم والإسكندرية وفارس، والف كتبًا كثيرة أهمها كتاب في الرمد باسم "العشر مقالات في الـعين "، وكتاب " السموم والترياق "، وكتاب في أوجاع المعدة، وكتاب في الحميات، وكتاب في الفم والأسنان.

وهذا الكتاب الأخير أعجب به الخليفة الواثق لأنه يصف الفم والأسنان وصفًا دقيقًا.

وقد نقل المسعودى في كتابه "مروج الذهب (ج 4 ص 80- 81) " قسمًا منه، ذكر فيه أن عدد الأسنان في الفم اثنتان وثلاثون سنًا، منها في اللحى (الفك) الأعلى " ستة عشر سنًا، وفي اللحى الأسفل كذلك.

.

ففي الطب اخترع المسلمون التخدير لأول مرة وسموه (المرقد) واكتشفوا الدورة الدموية واخترعوا خيوط الجراحة من أمعاء الحيوانات.

واكتشفوا الكثير من الأمراض كمرض الحساسية ومرض الحصبة والأمراض النفسية والعصبية.

وفي علم طب الأعشاب اكتشفوا ألوف النباتات التي لم تكن معروفة وبينوا فوائدها وقد قفز المسلمون بالجراحة قفزة هائلة ونقلوها من مرحلة (نزع السهام) عند الإغريق إلي مرحة الجراحة الدقيقة والجراحة التجميلية.

وفي علم الفلك كانوا سباقين إلي إثبات كروية الأرض واكتشاف دورانها واكتشاف الكثير من الحقائق حول طبيعة الشمس والقمر مما ساعد في هبوط الإنسان على سطح القمر.

واكتشفوا الكثير من النجوم والمجرات السماوية وسموها بأسمائها العربية التي مازالت تسمي بها.

وقد ابتكر المسلمون علومًا جديدة لم تكن معروفة قبلهم وسموها بأسمائها العربية مثل علم (الكيمياء) وعلم الجبر وعلم المثلثات Al-chemy and Al- gebra.

وفي ظلال هذه الحضارة الإسلامية أصبحت اللغة العربية اللغة العلمية الأولي في العالم وكان علماء الإسلام يجمعون بين العلوم الفقهية والعلوم الطبيعية، فالكندي (ت 260 هـ / 873 م) كان يجمع بين الفلسفة والمنطق والحساب والفلك والهندسة والسياسة والطب والفقه وأصول العقيدة، وابن سينا (ت 428 هـ 1036 م) كان يجمع بين الطب والفلسفة والرياضيات والعلوم الطبيعية والموسيقى والفلك والحدود والشعر واثبات التنبؤات والقدر، ومثلهما الفارابي والرازي وعمر الخيام وابن النفيس وعبد اللطيف البغدادي وابن رشد وابن الطفيل والسمعاني.

لقد عرض هؤلاء العلماء لكبريات المشكلات المنطقية فعالجوها بأصالة المنهج في الملاحظة والتشخيص والكشف عن الأسباب والعلامات، فإن الشيء لا يعلم العلم اليقين إلا من جهة أسباب، ولذلك كان علم الأسباب واجبًا حتي لا يقع العلماء المسلمون فريسة التفريق بين الإلهام الإلهي والنظر الاستنباطي، فجعلوهما يلتقيان على نحو من التكامل، فغاية العلوم الفقهية، تعليم الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورسم نهج الحياة، وغرض العلوم الطبيعية، الوقوف على الحقيقة والتوجه إلى الخير والتحويل عن الشر، فالدرس والتفحص مقرون بالقياس واستخراج الحكمة هي السبل الصحيحة للوصول إلى الحقيقة العلمية.

وهذا ما جعلهم يربطون بين ما تلقوه من تعاليم القرآن وتصوراتهم وآرائهم الفلسفية والعلمية بتوازن تام ونسق منهجي.

وأعظم نشاط فكري قام به العلماء المسلمون كان في حقل المعرفة التجريبية ضمن دائرة ملاحظاتهم واختباراتهم.

واشتهرت بغداد ً بالعلوم النقلية (الشرعية) التي تتصل بالقرآن الكريم والسنة النبوية مثل التفسير والقراءات والحديث والفقه واللغة والأدب والتاريخ والجغرافيا.

وقد حرص خلفاء بني العباس علي الاهتمام بهذه العلوم الإسلامية وتشجيع العلماء فيها ولا سيما علماء أهل الحجاز الذين كانوا على دراية واختصاص بعلوم القرآن والحديث والسنة.

أما دراسات العلوم اللغوية والنحوية، فقد شهدت العراق فيها ثورة واسعة ضخمة على أيدي علماء البصرة والكوفة الذين حققوا إنجازات وابتكارات علمية في هذا المجال للحفاظ على كلام العرب وتقويم اللسان العربي، بعد أن فشا اللحن في كلام المسلمين، نتيجة لاختلاطهم بالأعاجم في البلاد المفتوحة.

لهذا قام هؤلاء العلماء بجمع وتدوين ألفاظ اللغة العربية وأشعارها من منابعها الصافية في نجد بقلب الجزيرة العربية.

كذلك وضعوا قواعد نحوية للغة العربية، وابتكروا النقط والشكل على الحروف لمعرفة نطق الكلمات نطقًا سليمًا، ولا سيما القرآن الكريم، حتى لا يتعرض للتحريف.

هذا إلى جانب تصنيف المعاجم اللغوية، ووضع علم العروض لمعرفة أوزان الشعر وأحكامه وبحوره.

ومن أشهر الرواد الذين حققوا هذه الابتكارات العلمية مع بداية العصر العباسي العالم البصري العربي، الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 175 هـ / ا 79 م) "، وتلميذه وشيخ البصريين بعده العالم الفارسي "أبو بشر عمرو بن عثمان الملقب بسييويه (ت 177 هـ / 793 م).

أما الأدب، فقد تطور في العصر العباسي تطورًا كبيرًا، ونهج الشعراء فيـه مناهج جديدة في المعاني والموضوعات والأساليب والأخيلة، وغير ها من فنون الشعر المختلفة التي تناسب ما انتشر في العصر العباسي من حضارة وترف ولا سيما في رصافة بغداد أو بغداد الشرقية.

ومن أشهر هؤلاء الشعراء،، أبو نواس " الذي ذاعت قصائده في الخمر والغزل والصيد.

و أبو تمام الطائي " المشهور بنزعته العقلية والفلسفية في الشعر، وتلميذه "أبو عبادة البحتري " صاحب المدائح الخالدة، و "ابن الرومي " المعروف بطول نفسه وغزارة شعره، و" أبو العتاهية" الذي اشتهر بالحكمة والغزل الرقيق، والمتنبي، الذي اشتهر بالفخر، وأبو العلاء المعري، شاعر الحكمة.

وفي عالم الفنون والعمـارة، نجد أن، العباسيين لم يكونوا أقل اهتماما من الأمويين في مجال التشييد والتعمير، ففي العمارة بنى (أبو جعفر المنصور" على نهر دجلة عاصمته" بغداد (145- 149 هـ) على شكل دائري، وهو اتجاه جديد في بناء المدن الإسلامية، لأن مـعظم المدن الإسلامية، كانت إما مستطيلة كالفسطاط، أو مربعة كالقاهرة، أو بيضاوية كصنعاء.

ولعل السبب في ذلك يرجع إلى أن هذه المدن نشأت بجوار مرتفعات حالت دون استدارتها.

ويعتبر تخطيط المدينة المدورة (بغداد)، ظاهرة جديدة في الفن المعماري الإسلاميد ولاسيما في المدن الأخرى التي شيدها العباسيون مثل مدينة سامراء وما حوته من مساجد وقصور خلافية فخمة.

وإلى جانب العمارة وجدت الزخرفة التي وصفت بأنهما لغة الفن الإسلامي، وتقوم على زخرفة المساجد والقصور والقباب بأشكال هندسية أو نباتية جميلة تبعث في النفس الراحة والهدوء والانشراح.

وسمي هذا الفن الزخرفي الإسلامي في أوروبا باسم أرابسك بالفرنسية " ARABESQUEوبالأسبانية (ATAURIQUE) أي التوريق (مادة).

وقد إشتهر الفنان المسلم بالفن التجريدي SURREALISM ABSTRACT) حيث الوحدة الزخرفية النباتية كالورقة أو الزهرة، وكان يجردها من شكلها الطبيعي حتى لا تعطى إحساسا بالذبول والفناء، ويحورها في أشكال هندسية حتى تعطي الشعور بالدوام والبقاء والخلود.

و وجد الفنانون المسلمون فى الحروف العربية أساسا لزخارف جميلة.

فصار الخط العربي فنًا رائعًا، على يد خطاطين مشهورين.

فظهر الخط الكوفي الذي يستعمل في الشئون الهامة مثل كتابة المصاحف والنقش على العملة، وعلى المساجد، وشواهد القبور.

ومن أبرز من اشتهر بكتابة الـخط الكوفي، مبارك المكي " في القرن الثالث الهجري, و خط النسخ الذي استخدم في الرسائل والتدوين و نسخ الكتب، لهذا سمي بخط النسخ.

وقد نبغ في كتابته عدد من الخطاطين أمثال "ابن مقلة (ت 328 هـ) " ولابن البواب (ت 13 4 هـ) " وياقوت المستعصمي في القرن السابع الهجري.

وفن التصوير، أي رسم الإنسان والحيوان، فبالرغم من أن بعض علماء المسلمين الأولين، اعتبروه مكروهًا، إلا أنهم لم يفتوا بتحريمه.

والظاهر أن خلفاء بني أمية وبني العباس قد ترخصوا في ذلك إذ توجد صور آدمية متقنة على جدران قصورهم التي اكتشفت آثارها منذ عهد قريب في شرق الأردن وسامراء، كذلك ورد في كلام المؤرخين أن الخليفة "الأمين " كان لديه قوارب لنزهته في دجلة على هيئة الأسد والنسر والدلفين، وأن قصر " (المقتدر بالله " اشتمل على تماثيل متحركة لفرسان بخيلها تتقدم وتتأخر كما في الحرب.

هذا إلى جانب قبة القصر الخلافي في بغداد التي أقيم في أعلاها على عهد "المنصور" تمثال لفارس بيده رمح يتحرك في اتجاه الريح.

كذلك وصلت إلينا كتب عربية موضحة بالصور الجميلة التي رسمها المصورون المسلمون مثل " الو اسطي " وغيره في مقامات "الحريري " وكتاب "كليلة ودمنة".

كذلك ازدهرت الموسيقى وتطورت آلاتها ولا سيما في مدينة.

ومن أشهر المغنين والمغنيات في العصر العباسي الأول: قمر البغدادية" و" إبراهيم الموصلي "، وابنه "إسحاق " وتلميذه "أبو الحسن علي بن نافع " الملقب "بزرياب " الذي هاجر إلى المغرب والأندلس وحمل معه إلى هناك الموسيقى الشرقية التي ما زال تأثيرها باقيا في الموسيقى التي تعرف إلى اليوم في المغرب والجزائر وتونس باسم "الموسيقى الأندلسية".

كذلك برع في دراسة الموسيقى من الناحيتين النظرية والعملية عدد من كبار العلماء وعلية القوم أمثال "الكندي " و! الفارابي " والخليفة "الواثق العباسي ولقد واكب هذه النهضة العلمية نشاط صناعة الورق، ونسخ الكتب وتصحيحها وتجليدها.

فلقد ابتدع المسلمون المنهج العلمي في البحث والكتابة الذي يعتمد علي التجربة والمشاهدة فالاستنتاج.

وهم أول من أدخل الرسوم التوضيحية في الكتب العلمية وأول من رسم الآلات الجراحية والعملية وأول من رسم الخرائط الجغرافية والفلكية التفصيلية لم يكن للعرب قبل الإسلام حضارة أو علوم تطبيقية.

وبعد الفتوحات لمصر والشام وفارس بدأ عصر الترجمة من كل اللغات وخاصة الفارسية والإغريقية والهندية.

فقاموا بترجمة علوم الطب والصيدلة و الفلك و الميكانيكا (علم الحيل النافعة) والعمارة والملاحة والموسيقى والبصريات والصناعات اليدوية للعربية.

وكانت مهظم العلوم ولاسيما علوم الإغريق فد ‘ندثرت وبعضها كان مدفونا مع العلماء في مقابرهم واتبع المسلمون المنهج العلمي في البحث والكتابة معتمدين علي التجربة والمشاهدة والاستنتاج.

وهم أول من أدخل الرسوم التوضيحية في الكتب العلمية وأول من رسم الآلات الجراحية والعمليات الجراحية وأول من رسم الخرائط الجغرافية والفلكيةالتفصيلية.

وبحكم تعاليم الدين الإسلامي فقد ابتعد علماء المسلمين عن الخرافات في بحثهم فلا تجد كلامًا عن الكهانة والسحر والجن والشعوذة والتمائم وغير ذلك مما تذخر به كتب الإغريق والهندوس والبيزنطيين.

وكان الخطاطون والنساخ يهتمون بمظهر الكتاب، ويزينونه بالزخارف الإسلامية.

كما تزين المصاحف تمامًا.

وتحلى المخطوطات بالآيات القرآنية والأحاديث المناسبة ويكتب بماء الذهب.

و ابتدعوا الموسوعات العلمية و ألفوا القواميس العلمية حسب الحروف الأبجدية كموسوعة علم النبات لابن البيطار.

يصدرون كتابًا سنويًا يسمى (المناخ) وهو موسوعة تبين أحوال الجو في العام القادم ومواسم الطقس والمطر من التوقعات الفلكية مما يساعد الزراع والمسافرين.

وقد نقلت أوربا هذه الفكرة وتصدر اليوم موسوعة سنوية تسمى Al- Manac (المناخ بجميع اللغارت الأوروبية تقوم على نفس الفكرة العربية وتحنل نفس الإسم العربي.

والمسلمون أول من أنشأ الجامعات العلمية وكانت أول جامعة هي (بيت الحكمة) التي أنشئت في بغداد سنة 830 م قبل أوربا بقرنين كاملين و جامعة القرويين سنة 859 م في فاس وجامعة الأزهر سنة 970 م في القاهرة جامعة (دار الحكمة) التي أنشأها الحاكم بأمر الله في القاهرة سنة395 هـ ثم انتشرت الجامعات في كل مكانبالعالم الإسلامي.

وكان للجامعات الإسلامية تقاليدوتنظيم دقيق سبقت به أحدث الجامعات العصرية.

فكان للطلاب زي موحد خاص بهم وللأساتذة زي خاص وربما اختلف الزي من بلد إلي بلد ومن عصر إلي عصر ولكنه كان في الأزهر عمامة وجبة وطيلسان وقد أخذ الأوربيون عن المسلمين الروب الجامعي المعمول به الآن في جامعاتهم.

وكان الخلفاء والوزراء إذا أرادوا زيارة الجامعة يخلعون زي الإمارة والوزراة ويلبسون زي الجامعة قبل دخولها.

وكانت اعتمادات الجامعات من ايرادات الأوقاف فكان يصرف للمستجد زي جديد وجراية لطعامه.

وأغلبهم يتلقى معونة مالية بشكل راتب دائم إذا أثبت احتياجه.

وهو ما يسمى في عصرنا " scholar ship فكان التعليم للجميع بالمجان يستوي فيه العربي والأعجمي والأبيض والأسود.

وبالجامعات مساكن للطلبة ويسمون (بالمجاورين) لسكنهم بجوارها.

وكان بالجامعة الواحدة أجناس عديدة من الأمم والشعوب الإسلامية يعيشون في اخاء ومساواة تحت مظلة الإسلام والعلم.

فهناك المغاربة والشوام والأكراد والأتراك وأهل الصين وبخارى وسمرقند وحتى من مجاهل افريقيا وآسيا وأوروبا.

وكان لكل جنس من هذه الأجناس العديدة والشعوب المختلفة رواق خاحص بهم لتسهيل أمورهم وقضاء حاجاتهم وطعامهم.

وكان نظام التدريس في حلقات بعضها يعقد داخل الفصول وأكثرها في الخلاء في الساحة أو بجوار النافورة.

ولكل حلقة أستاذها يسجل الطلاب والحضور كان الحكام المسلمون يتبارون في استجلاب العلماء المشهو رين من أنحاء العالم الإسلامي ويغرونهم بالرواتب والمناصب ويقدمون لهم أقصى التسهيلات لأبحاثهم.

وكان هذا يساعد على سرعة انتشار العلم وانتقال الحضارة الإسلامية من وطن إلي وطن في ديار الإسلام كان لاكتشاف صناعة الورق وانتشار حرفة (الوراقة) في العالم الإسلامي فضل في انتشار تأليف المخطوطات.

وقد تنوعت المخطوطات العربية بين مترجم ومؤلف.

أما المترجم فكان منها الهندي والفارسي والإغريقي والمصري (من مكتبات الاسكندرية).

ولم تكن المكتبات الإسلامية كما هي في عصرنا مجرد أماكن لحفظ الكتب بل كان في المكتبة الرئيسية جهاز خاص بالترجمة وآخر خاص بالنسخ والنقل وجهاز بالحفظ والتوزيع.

كان المترجمون من جميع الأجناس الذين يعرفون العربية مع لغة بلادهم.

ثم يراجع عليهم علماء العرب لإصلاح الأخطاء اللغوية.

أما النقلة والنساخون فكانت مهمتهم إصدار نسخ جديدة من كل كتاب علمي عربي حديث أو قديم.

وكانت أضخم المكتبات هي الملحقة بالجامعات ففي بيت الحكمة في بغداد وفي دار الحكمة في القاهرة وفي جامعة القيروان وقرطبة كانت المخطوطات في كل منها بالألوف في كل علم وفرع من فروع العلم.

ويذكر المقريزي أن مكتبة القاهرة في عهد الخليفة العزيز بالله المتوفي في سنة 996 م قد أصدرت فهرسًا بأسماء الكتب التي تحويها فبلغ الفهرس وحده أربعة وأربعين كتابًا.

وكانت كلها.

ميسرة للاطلاع أو الاستعارة بدون رهن فكان يحق للقارىء أن يستعير كتبًا تبلغ قيمتها في حدود المائتي دينار بدون رهن، ففي ذلك الوقت كانت نسبة الأمية بين فتيان المسلمين تكاد تكون معدومة وكان تعلم القرآن كتابة وقراءة إلزاميًا.

(انظر: طب عربي.

إسلام) حضارة السلال: انظر: أناسازي.

موسوعة حضارة العالم-أحمد محمد عوف-صدرت: 1421هـ/2000م


انتهت النتائج