1-المعجم الاشتقاقي المؤصل (وحي)

(وحي): {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} [الشورى: 52]

الوحْي -بالفتح: المكتوب، والكتاب. ومن أمثالهم وَحْيٌ في حَجَر "، وسمعت وَحَاة الرعد وهو صوته الممدود الخفي. وَحَى إليه وأوحى: كلّمه بكلام يُخْفيه. واستوح لنا بني فلان ما خبرهم: أي استخبرهم. والوَحَي: النارُ ".

° المعنى المحوري

تحصيل شيء في الأثناء لطيف المادة حادّ الأثر أو قويه: كوجود النار في حجرها، ومعنى المكتوب في الحجر (أو في أي مادة شديدة)، وكالشعور باقتراب المطر بسماع صوت الرعد، وكالخبر المُحَصَّل بالتلطف أي بطريقة خفية غير مباشرة علنية.

ومن ذلك الإيحاء: إيقاع المعنى في القلب بطريقة خفية: كالإفهام بالإشارة {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} [مريم: 11]، وبالإلهام {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} [النحل: 68] ونحوه {بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا} [الزلزلة: 5]، ونحو الوسوسة {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} [الأنعام: 121]، والإسرار {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ

زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} [الأنعام: 112].

وفي ضوء ذلك المعنى يمكن فهم {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ} [القصص: 7] وكذا ما في [طه: 38]، {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ} [المائدة: 111]: قذفت في قلوبهم: ألهمتهم: [طب 11/ 218]، ويشمل الوَحْيَ بالكلام المباشر، وبواسطة الرسل {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ} [الشورى: 51]، والإلهام، والإلقاء في الرُوع، والغرز في الطبع كما في {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} ونحوها. {وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا} [فصلت: 12] (وضع وأوعى) وقال الفراء: جعل فيها ملائكة فذلك أمرُها (المعاني 3/ 13). وكل ما في القرآن من التركيب هو من الوحي بأي من الطرق السابقة، والسياق يوضح الطريقة المرادة.

ومن حصول الشيء القوي في الحوزة بلطف: "أَوْحَى الإنسان: صار مَلِكًا بعد فقر (ويجوز صار ذا وَحْي أي أمر أو سلطة)، والوَحَي -كالفتى: السيد من الرجال " (المالك شيئًا مادِّيًّا أو معنويًّا).

ومن "اللطف مع الحدة في الأثناء "في المعنى المحوري جاء معنى الإسراع في معنى "وَحَي ذبيحته: ذبحها ذبحً سريعًا وَحِيًّا. وموت وَحِيّ -كغني: سريع. والوحا الوحا: السرعةَ السرعةَ. وتوحّ في شأنك: أَسْرِع ".

ومما سبق يتبين أن الذي ذكروه [ل 258 وفي المقاييس] من أن الأصل هو الإعلام في خفاء= قاصر غير جامع، إذ لا يشمل معاني حصول الملك والسيادة إلخ.

المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن الكريم-محمد حسن حسن جبل-صدر: 1432هـ/2010م


2-معجم المصطلحات البلاغية وتطورها (الوحي)

الوحي:

الوحي: الإشارة والكتابة والرسالة والالهام والكلام الخفي وكل ما ألقيته الى غيرك.

قال ابن وهب: «وأما الوحي فإنّه الإبانة عما في النفس بغير المشافهة على أي معنى وقعت من إيماء وإشارة ورسالة وكتابة، ولذلك قال الله ـ عزوجل ـ: {وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا}. وهو على وجوه كثيرة». فمنه الاشارة كقوله تعالى: {فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا}.

ومنه الوحي المسموع من الملك كقوله تعالى: {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى}.

ومنه الوحي في المنام وهو الرؤيا الصحيحة كما قال الله تعالى: {وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ}.

ومنه الالهام كما قال الله تعالى: {وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ} أي: ألهمها.

ومنه الكتاب، ويقال منه: «وحيث الكتاب» إذا كتبته، قال الشاعر:

«ما هيّج الشوق من أطلال دارسة***أضحت قفارا كوحي خطه الواحي »

ومن الوحي الاشارة باليد والغمز بالحاجب والايماض بالعين كما قال الشاعر:

«وتوحي اليه باللّحاظ سلامها***مخافة واش حاضر ورقيب »

وقال آخر:

«أشارت بطرف العين خيفة أهلها***إشارة محزون ولم تتكلّم »

«وأيقنت أنّ الطرف قد قال مرحبا***وأهلا وسهلا بالحبيب المسلّم »

معجم المصطلحات البلاغية وتطورها-أحمد مطلوب-صدر: 1403هـ/1983م


3-موسوعة الفقه الكويتية (رضاع 1)

رَضَاعٌ -1

التَّعْرِيفُ:

1- الرِّضَاعُ- بِكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا- فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ رَضَعَ أُمَّهُ يَرْضِعُهَا بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ رَضْعًا وَرَضَاعًا وَرَضَاعَةً أَيِ امْتَصَّ ثَدْيَهَا أَوْ ضَرْعَهَا وَشَرِبَ لَبَنَهُ.وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا فَهِيَ مُرْضِعٌ وَمُرْضِعَةٌ، وَهُوَ رَضِيعٌ.

وَالرَّضَاعُ فِي الشَّرْعِ: اسْمٌ لِوُصُولِ لَبَنِ امْرَأَةٍ أَوْ مَا حَصَلَ مِنْ لَبَنِهَا فِي جَوْفِ طِفْلٍ بِشُرُوطٍ تَأْتِي.

الْأَلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

الْحَضَانَةُ:

2- هِيَ فِي اللُّغَةِ: الضَّمُّ مَأْخُوذٌ مِنَ الْحِضْنِ وَهُوَ الْجَنْبُ.سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِضَمِّ الْحَاضِنَةِ الْمَحْضُونَ إِلَى جَنْبِهَا.

وَشَرْعًا: حِفْظُ مَنْ لَا يَسْتَقِلُّ بِأُمُورِهِ وَتَرْبِيَتُهُ بِمَا يُصْلِحُهُ.

وَالْحَاضِنَةُ قَدْ تَكُونُ هِيَ الْمُرْضِعَةَ، وَقَدْ تَكُونُ غَيْرَهَا.

دَلِيلُ مَشْرُوعِيَّةِ الرَّضَاعِ:

3- الْأَصْلُ فِي مَشْرُوعِيَّتِهِ قوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْفَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}.

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

أَوَّلًا: حُكْمُ الْإِرْضَاعِ:

4- لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يَجِبُ إِرْضَاعُ الطِّفْلِ مَا دَامَ فِي حَاجَةٍ إِلَيْهِ، وَفِي سِنِّ الرَّضَاعِ.

وَاخْتَلَفُوا فِي مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ.فَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يَجِبُ عَلَى الْأَبِ اسْتِرْضَاعُ وَلَدِهِ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْأُمِّ الْإِرْضَاعُ، وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ إِجْبَارُهَا عَلَيْهِ، دَنِيئَةً كَانَتْ أَمْ شَرِيفَةً، فِي عِصْمَةِ الْأَبِ كَانَتْ أَمْ بَائِنَةً مِنْهُ، إِلاَّ إِذَا تَعَيَّنَتْ بِأَنْ لَمْ يَجِدِ الْأَبُ مَنْ تُرْضِعُ لَهُ غَيْرَهَا، أَوْ لَمْ يَقْبَلِ الطِّفْلُ ثَدْيَ غَيْرِهَا، أَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْأَبِ وَلَا لِلطِّفْلِ مَالٌ، فَيَجِبُ عَلَيْهَا حِينَئِذٍ، وَلَكِنَّ الشَّافِعِيَّةَ قَالُوا: يَجِبُ عَلَى الْأُمِّ إِرْضَاعُ الطِّفْلِ اللِّبَأَ وَإِنْ وُجِدَ غَيْرُهَا، وَاللِّبَأُ مَا يَنْزِلُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ مِنَ اللَّبَنِ؛ لِأَنَّ الطِّفْلَ لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ غَالِبًا، وَيُرْجَعُ فِي مَعْرِفَةِ مُدَّةِ بَقَائِهِ لِأَهْلِ الْخِبْرَةِ.

وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: يَجِبُ عَلَى الْأُمِّ دِيَانَةً لَا قَضَاءً.

وَاسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ عَلَى وُجُوبِ الِاسْتِرْضَاعِ عَلَى الْأَبِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى}.

وَإِنِ اخْتَلَفَا فَقَدْ تَعَاسَرَا، وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: وَلِأَنَّ إِجْبَارَ الْأُمِّ عَلَى الرَّضَاعِ لَا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِحَقِّ الْوَلَدِ، أَوْ لِحَقِّ الزَّوْجِ، أَوْ لَهُمَا: لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِحَقِّ الزَّوْجِ، لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إِجْبَارَهَا عَلَى رَضَاعِ وَلَدِهِ مِنْ غَيْرِهَا، وَلَا عَلَى خِدْمَةِ نَفْسِهِ فِيمَا يَخْتَصُّ بِهِ.وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِحَقِّ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِحَقِّهِ لَلَزِمَهَا بَعْدَ الْفُرْقَةِ وَلَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ؛ وَلِأَنَّ الرَّضَاعَ مِمَّا يَلْزَمُ الْوَالِدَ لِوَلَدِهِ، فَلَزِمَ الْأَبَ عَلَى الْخُصُوصِ كَالنَّفَقَةِ، أَوْ كَمَا بَعْدَ الْفُرْقَةِ.

وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا؛ لِأَنَّ مَا لَا مُنَاسَبَةَ فِيهِ لَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِانْضِمَامِ بَعْضِهِ إِلَى بَعْضٍ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُمَا لَثَبَتَ الْحُكْمُ بِهِ بَعْدَ الْفُرْقَةِ.وقوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ} مَحْمُولٌ عَلَى حَالِ الِاتِّفَاقِ وَعَدَمِ التَّعَاسُرِ.

وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: يَجِبُ الرَّضَاعُ عَلَى الْأُمِّ بِلَا أُجْرَةٍ إِنْ كَانَتْ مِمَّنْ يُرْضِعُ مِثْلُهَا، وَكَانَتْ فِي عِصْمَةِ الْأَبِ، وَلَوْ حُكْمًا كَالرَّجْعِيَّةِ، أَمَّا الْبَائِنُ مِنَ الْأَبِ، وَالشَّرِيفَةُ الَّتِي لَا يُرْضِعُ مِثْلُهَا فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا الرَّضَاعُ، إِلاَّ إِذَا تَعَيَّنَتِ الْأُمُّ لِذَلِكَ بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهَا.

وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ}.

وَقَالُوا: اسْتَثْنَى الَّتِي لَا يُرْضِعُ مِثْلُهَا مِنْ عُمُومِ الْآيَةِ لِأَصْلٍ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ وَهُوَ: الْعَمَلُ بِالْمَصْلَحَةِ، وَلِأَنَّ الْعُرْفَ عَدَمُ تَكْلِيفِهَا بِالرَّضَاعِ فَهُوَ كَالشَّرْطِ.

حَقُّ الْأُمِّ فِي الرَّضَاعِ:

5- إِنْ رَغِبَتِ الْأُمُّ فِي إِرْضَاعِ وَلَدِهَا أُجِيبَتْ وُجُوبًا.

سَوَاءٌ أَكَانَتْ مُطَلَّقَةً، أَمْ فِي عِصْمَةِ الْأَبِ عَلَى قَوْلِ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ؛ لقوله تعالى: {لَاتُضَارَّوَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا}.

وَالْمَنْعُ مِنْ إِرْضَاعِ وَلَدِهَا مُضَارَّةٌ لَهَا؛ وَلِأَنَّهَا أَحْنَى عَلَى الْوَلَدِ وَأَشْفَقُ، وَلَبَنُهَا أَمْرَأُ وَأَنْسَبُ لَهُ غَالِبًا.وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ: لِلزَّوْجِ مَنْعُهَا مِنَ الْإِرْضَاعِ سَوَاءٌ كَانَ الْوَلَدُ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، كَمَا أَنَّ لَهُ مَنْعَهَا مِنَ الْخُرُوجِ مِنْ مَنْزِلِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ.

حَقُّ الْأُمِّ فِي أُجْرَةِ الرَّضَاعِ:

6- لِلْأُمِّ طَلَبُ أُجْرَةِ الْمِثْلِ بِالْإِرْضَاعِ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي عِصْمَةِ الْأَبِ أَمْ خَلِيَّةً، لقوله تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْفَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ.

وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ كَانَتْ فِي عِصْمَةِ الْأَبِ أَوْ فِي عِدَّتِهِ فَلَيْسَ لَهَا طَلَبُ الْأُجْرَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ عَلَيْهَا الرَّضَاعَ دِيَانَةً مُقَيَّدًا بِإِيجَابِ رِزْقِهَا عَلَى الْأَبِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} وَهُوَ قَائِمٌ بِرِزْقِهَا حَالَةَ بَقَائِهَا فِي عِصْمَتِهِ أَوْ فِي عِدَّتِهِ، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ تَكُنْ فِي عِصْمَتِهِ وَلَا فِي عِدَّتِهِ، فَتَقُومُ الْأُجْرَةُ مَقَامَ الرِّزْقِ؛ وَلِأَنَّ إِلْزَامَ الْبَائِنِ بِالْإِرْضَاعِ مَجَّانًا مَعَ انْقِطَاعِ نَفَقَتِهَا عَنِ الْأَبِ مُضَارَّةٌ لَهَا، فَسَاغَ لَهَا أَخْذُ الْأُجْرَةِ بِالرَّضَاعِ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ.وَقَالَ تَعَالَى: {لَاتُضَارَّوَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} فَإِنْ طَلَبَتِ الْأُمُّ أَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ وَوَجَدَ الْأَبُ مَنْ تُرْضِعُ لَهُ مَجَّانًا أَوْ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ جَازَ لَهُ انْتِزَاعُهُ مِنْهَا، لِأَنَّهَا أَسْقَطَتْ حَقَّهَا بِطَلَبِهَا مَا لَيْسَ لَهَا، فَدَخَلَتْ فِي عُمُومِ قوله تعالى: {وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى}.

وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْأَبُ مَنْ تُرْضِعُ لَهُ بِأَقَلَّ مِمَّا طَلَبَتْهُ الْأُمُّ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهَا فِي الرَّضَاعِ؛ لِأَنَّهَا تَسَاوَتْ مَعَ غَيْرِهَا فِي الْأُجْرَةِ فَصَارَتْ أَحَقَّ بِهَا، كَمَا لَوْ طَلَبَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أُجْرَةَ الْمِثْلِ.

وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ كَانَتِ الْأُمُّ مِمَّنْ يُرْضِعُ مِثْلُهَا وَكَانَتْ فِي عِصْمَةِ الْأَبِ فَلَيْسَ لَهَا طَلَبُ الْأُجْرَةِ بِالْإِرْضَاعِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَوْجَبَهُ عَلَيْهَا فَلَا تَسْتَحِقُّ بِوَاجِبٍ أُجْرَةً.أَمَّا الشَّرِيفَةُ الَّتِي لَا يُرْضِعُ مِثْلُهَا، وَالْمُطَلَّقَةُ مِنَ الْأَبِ، فَلَهَا طَلَبُ الْأُجْرَةِ، وَإِنْ تَعَيَّنَتْ لِلرَّضَاعِ أَوْ وَجَدَ الْأَبُ مَنْ تُرْضِعُ لَهُ مَجَّانًا.

ثَانِيًا: الْأَحْكَامُ الَّتِي تَتَرَتَّبُ عَلَى الرَّضَاعِ:

7- يَتَرَتَّبُ عَلَى الرَّضَاعِ بَعْضُ أَحْكَامِ النَّسَبِ:

أ- تَحْرِيمُ النِّكَاحِ سَوَاءٌ حَصَلَ الرَّضَاعُ فِي زَمَنِ إِسْلَامِ الْمَرْأَةِ أَوْ كُفْرِهَا؛ لِقَوْلِهِ- صلى الله عليه وسلم-: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ».وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ ذَلِكَ.

ب- ثُبُوتُ الْمَحْرَمِيَّةِ الْمُفِيدَةِ لِجَوَازِ النَّظَرِ، وَالْخَلْوَةِ، وَعَدَمِ نَقْضِ الطَّهَارَةِ بِاللَّمْسِ عِنْدَ مَنْ يَرَى ذَلِكَ مِنَ الْفُقَهَاءِ.

أَمَّا سَائِرُ أَحْكَامِ النَّسَبِ كَالْمِيرَاثِ، وَالنَّفَقَةِ، وَالْعِتْقِ بِالْمِلْكِ، وَسُقُوطِ الْقِصَاصِ، وَعَدَمِ الْقَطْعِ فِي سَرِقَةِ الْمَالِ، وَعَدَمِ الْحَبْسِ لِدَيْنِ الْوَلَدِ، وَالْوِلَايَةِ عَلَى الْمَالِ أَوِ النَّفْسِ فَلَا تَثْبُتُ بِالرَّضَاعِ، وَهَذَا مَحَلُّ اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ.

الرَّضَاعُ الْمُحَرِّمُ، وَدَلِيلُ التَّحْرِيمِ:

8- لِلرَّضَاعِ الْمُحَرِّمِ ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ:

1- الْمُرْضِعُ

2- الرَّضِيعُ

3- اللَّبَنُ.

أَوَّلًا: الْمُرْضِعُ:

9- يُشْتَرَطُ فِي الْمُرْضِعِ الَّتِي يَنْتَشِرُ بِلَبَنِهَا التَّحْرِيمُ:

1- أَنْ تَكُونَ امْرَأَةً، فَلَا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ بِلَبَنِ الرَّجُلِ لِنُدْرَتِهِ وَعَدَمِ صَلَاحِيَتِهِ غِذَاءً لِلطِّفْلِ، وَلَا بِلَبَنِ الْبَهِيمَةِ، فَلَوِ ارْتَضَعَ طِفْلَانِ مِنْ بَهِيمَةٍ لَمْ يَصِيرَا أَخَوَيْنِ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْأُخُوَّةِ فَرْعٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْأُمُومَةِ، وَلَا يَثْبُتُ تَحْرِيمُ الْأُمُومَةِ بِهَذَا الرَّضَاعِ فَالْأُخُوَّةُ أَوْلَى.

2- اشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنْ تَكُونَ مُحْتَمِلَةً لِلْوِلَادَةِ بِأَنْ تَبْلُغَ سِنَّ الْحَيْضِ وَهُوَ تِسْعُ سِنِينَ، فَلَوْ ظَهَرَ لَبَنُ الصَّغِيرَةِ دُونَ تِسْعِ سِنِينَ فَلَا يُحَرِّمُ، بِخِلَافِ مَنْ بَلَغَتْ هَذِهِ السِّنَّ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يُتَيَقَّنْ بُلُوغُهَا بِالْحَيْضِ فَاحْتِمَالُ الْبُلُوغِ قَائِمٌ، وَالرَّضَاعُ تِلْوُ النَّسَبِ فَاكْتُفِيَ فِيهِ بِالِاحْتِمَالِ، وَلَا يَشْتَرِطُ الْمَالِكِيَّةُ ذَلِكَ فَيُحَرِّمُ عِنْدَهُمْ لَبَنُ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَا تَحْتَمِلُ الْوَطْءَ.

التَّحْرِيمُ بِلَبَنِ الْمَرْأَةِ الْمَيِّتَةِ:

10- ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى التَّحْرِيمِ بِلَبَنِ الْمَرْأَةِ الْمَيِّتَةِ كَمَا يُحَرِّمُ لَبَنُ الْحَيَّةِ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ الِارْتِضَاعُ عَلَى وَجْهٍ يُنْبِتُ اللَّحْمَ وَيُنْشِزُ الْعَظْمَ مِنَ امْرَأَةٍ فَأَثْبَتَ التَّحْرِيمَ كَمَا لَوْ كَانَتْ حَيَّةً؛ وَلِأَنَّهُ لَا فَارِقَ بَيْنَ شُرْبِ لَبَنِهَا فِي حَيَاتِهَا، وَشُرْبِهِ بَعْدَ مَوْتِهَا، إِلاَّ الْحَيَاةَ أَوِ النَّجَاسَةَ، وَهَذَا لَا أَثَرَ لَهُ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ لَا يَمُوتُ، وَلَا أَثَرَ لِلنَّجَاسَةِ أَيْضًا، كَمَا لَوْ حُلِبَ بِإِنَاءٍ نَجِسٍ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ حُلِبَ مِنْهَا فِي حَيَاتِهَا فَشَرِبَهُ بَعْدَ مَوْتِهَا تَنْتَشِرُ الْحُرْمَةُ بِالِاتِّفَاقِ؛ وَلِأَنَّ ثَدْيَهَا لَا يَزِيدُ عَلَى الْإِنَاءِ فِي عَدَمِ الْحَيَاةِ، وَهِيَ لَا تَزِيدُ عَلَى عَظْمِ الْمَيِّتَةِ فِي ثُبُوتِ النَّجَاسَةِ.

وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الْمُرْضِعُ حَيَّةً حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً عِنْدَ انْفِصَالِ اللَّبَنِ مِنْهَا، فَلَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ بِلَبَنٍ انْفَصَلَ عَنْ مَيِّتَةٍ كَمَا لَا تَثْبُتُ الْمُصَاهَرَةُ بِوَطْئِهَا، وَلِضَعْفِ حُرْمَتِهِ بِمَوْتِهَا؛ وَلِأَنَّهُ مِنْ جُثَّةٍ مُنْفَكَّةٍ عَنِ الْحِلِّ وَالْحَرَامِ، كَالْبَهِيمَةِ، وَإِنِ انْفَصَلَ اللَّبَنُ فِي حَيَاتِهَا فَأَوْجَرَ الطِّفْلَ بَعْدَ مَوْتِهَا حَرَّمَ بِالِاتِّفَاقِ.

تَقَدُّمُ الْحَمْلِ عَلَى الرَّضَاعِ:

11- ذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِثُبُوتِ التَّحْرِيمِ بِلَبَنِ الْمَرْأَةِ أَنْ يَتَقَدَّمَ حَمْلٌ.فَيُحَرِّمُ لَبَنُ الْبِكْرِ الَّتِي لَمْ تُوطَأْ وَلَمْ تَحْبَلْ قَطُّ؛ لِعُمُومِ قوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ} وَلِأَنَّهُ لَبَنُ امْرَأَةٍ فَتَعَلَّقَ بِهِ التَّحْرِيمُ.وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ وَعَلَيْهِ الْمَذْهَبُ أَنَّ لَبَنَ الْبِكْرِ لَا يَنْشُرُ التَّحْرِيمَ؛ لِأَنَّهُ نَادِرٌ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهِ لِلتَّغْذِيَةِ.

ثَانِيًا: اللَّبَنُ:

12- يُشْتَرَطُ أَنْ يَصِلَ اللَّبَنُ إِلَى جَوْفِ الطِّفْلِ بِمَصٍّ مِنَ الثَّدْيِ، أَوْ إِيجَارٍ مِنَ الْحَلْقِ، أَوْ إِسْعَاطٍ مِنَ الْأَنْفِ، سَوَاءٌ كَانَ اللَّبَنُ صِرْفًا أَوْ مَشُوبًا بِمَائِعٍ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى اللَّبَنِ، بِأَنْ كَانَ اللَّبَنُ غَالِبًا، بِأَنْ كَانَتْ صِفَاتُهُ بَاقِيَةً.

وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُخَالِطُ نَجَسًا كَالْخَمْرِ وَأَنْ يَكُونَ طَاهِرًا كَالْمَاءِ وَلَبَنِ الشَّاةِ.

12 م- أَمَّا إِنْ كَانَ اللَّبَنُ مَغْلُوبًا فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ثُبُوتِ التَّحْرِيمِ بِهِ.فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ اللَّبَنَ الْمَغْلُوبَ لَا يُؤَثِّرُ فِي التَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْأَغْلَبِ، وَلِأَنَّ اسْمَ اللَّبَنِ يَزُولُ بِغَلَبَةِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ وَإِنْ كَانَ اللَّبَنُ مَغْلُوبًا، بِأَنْ لَمْ يَبْقَ مِنْ صِفَاتِهِ شَيْءٌ، بِشَرْطِ أَنْ يَشْرَبَ الطِّفْلُ الْجَمِيعَ أَوْ يَشْرَبَ بَعْضَهُ، إِذَا تَحَقَّقَ أَنَّ اللَّبَنَ قَدْ وَصَلَ إِلَى الْجَوْفِ بِأَنْ بَقِيَ مِنْهُ أَقَلُّ مِنْ قَدْرِ اللَّبَنِ، وَأَنْ يَكُونَ اللَّبَنُ مِقْدَارًا لَوِ انْفَرَدَ لأَثَّرَ.

وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: اللَّبَنُ الْمَشُوبُ كَالْمَحْضِ فِي إِثْبَاتِ التَّحْرِيمِ بِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَالْمَشُوبُ هُوَ الْمُخْتَلِطُ بِغَيْرِهِ، وَالْمَحْضُ هُوَ الْخَالِصُ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُ سِوَاهُ، سَوَاءٌ شِيبَ بِطَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ غَالِبًا أَوْ مَغْلُوبًا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يُحَرِّمُ؛ لِأَنَّهُ وَجُورٌ.وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ حَامِدٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنْ كَانَ الْغَالِبُ اللَّبَنَ حَرَّمَ وَإِلاَّ فَلَا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْأَغْلَبِ؛ وَلِأَنَّهُ يَزُولُ بِكَوْنِهِ مَغْلُوبًا الِاسْمُ وَالْمَعْنَى الْمُرَادُ بِهِ.قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ اللَّبَنَ الْمَغْلُوبَ مَتَى كَانَ لَوْنُهُ ظَاهِرًا فَقَدْ حَصَلَ شُرْبُهُ وَيَحْصُلُ مِنْهُ إِنْبَاتُ اللَّحْمِ وَإِنْشَازُ الْعَظْمِ فَحَرَّمَ، كَمَا لَوْ كَانَ غَالِبًا، وَهَذَا فِيمَا إِذَا كَانَتْ صِفَاتُ اللَّبَنِ بَاقِيَةً.

فَأَمَّا إِنْ صُبَّ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِهِ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ التَّحْرِيمُ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِلَبَنٍ مَشُوبٍ وَلَا يَحْصُلُ بِهِ التَّغَذِّي وَلَا إِنْبَاتُ اللَّحْمِ وَلَا إِنْشَازُ الْعَظْمِ فَلَيْسَ بِرَضَاعٍ وَلَا فِي مَعْنَاهُ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَثْبُتَ حُكْمُهُ فِيهِ.وَحُكِيَ عَنِ الْقَاضِي أَنَّ التَّحْرِيمَ يَثْبُتُ بِهِ أَيْضًا لِأَنَّ أَجْزَاءَ اللَّبَنِ حَصَلَتْ فِي بَطْنِهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ لَوْنُهُ ظَاهِرًا.

13- كَمَا اخْتَلَفُوا فِي ثُبُوتِ التَّحْرِيمِ بِاللَّبَنِ الْمَخْلُوطِ بِطَعَامٍ وَالْمُتَغَيِّرَةِ هَيْئَتُهُ بِأَنْ يَصِيرَ جُبْنًا أَوْ مَخِيضًا، أَوْ إِقْطًا.

فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ يَثْبُتُ بِهِ لِوُصُولِ عَيْنِ اللَّبَنِ إِلَى جَوْفِ الطِّفْلِ، وَحُصُولِ التَّغْذِيَةِ بِهِ.وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: لَا تَأْثِيرَ لِلَّبَنِ الْمَخْلُوطِ بِطَعَامٍ وَلَا الْمُتَغَيِّرِ هَيْئَتُهُ، وَلَا مَا مَسَّتْهُ النَّارُ لِأَنَّ اسْمَ الرَّضَاعِ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ.

اشْتِرَاطُ تَعَدُّدِ الرَّضَعَاتِ:

14- لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ خَمْسَ رَضَعَاتٍ فَصَاعِدًا يُحَرِّمْنَ.وَاخْتَلَفُوا فِيمَا دُونَهَا.

فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ) وَكَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إِلَى أَنَّ قَلِيلَ الرَّضَاعِ وَكَثِيرَهُ يُحَرِّمُ وَإِنْ كَانَ مَصَّةً وَاحِدَةً، فَالشَّرْطُ فِي التَّحْرِيمِ أَنْ يَصِلَ اللَّبَنُ إِلَى جَوْفِ الطِّفْلِ مَهْمَا كَانَ قَدْرُهُ.وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ}.

وَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَّقَ التَّحْرِيمَ بِاسْمِ الرَّضَاعِ، فَحَيْثُ وُجِدَ وُجِدَ حُكْمُهُ، وَوَرَدَ الْحَدِيثُ مُوَافِقًا لِلْآيَةِ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» حَيْثُ أَطْلَقَ الرَّضَاعَ وَلَمْ يَذْكُرْ عَدَدًا، وَلِحَدِيثِ «كَيْفَ بِهَا وَقَدْ زَعَمَتْ أَنَّهَا قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا» وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ عَنْ عَدَدِ الرَّضَعَاتِ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْقَوْلِ الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّ مَا دُونَ خَمْسِ رَضَعَاتٍ لَا يُؤَثِّرُ فِي التَّحْرِيمِ.وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عَائِشَةَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ- رضي الله عنهم- وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ (عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ) ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ.

وَالْمَعْنَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ: أَنَّ نَسْخَ تِلَاوَةِ ذَلِكَ تَأَخَّرَ جِدًّا حَتَّى إِنَّهُ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- وَبَعْضُ النَّاسِ لَمْ يَبْلُغْهُ نَسْخُ تِلَاوَتِهِ، فَلَمَّا بَلَغَهُمْ نَسْخُ تِلَاوَتِهِ تَرَكُوهُ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُتْلَى مَعَ بَقَاءِ حُكْمِهِ، وَهُوَ مِنْ نَسْخِ التِّلَاوَةِ دُونَ الْحُكْمِ، وَهُوَ أَحَدُ أَنْوَاعِ النَّسْخِ.

15- وَلَا يُشْتَرَطُ اتِّفَاقُ صِفَاتِ اللَّبَنِ وَطُرُقِ وُصُولِهِ إِلَى الْمَعِدَةِ.فَإِنْ مَصَّهُ مِنَ الثَّدْيِ مَرَّةً، وَشَرِبَ مِنْ إِنَاءٍ مَرَّةً، وَأَوْجَرَ مِنْ حَلْقِهِ مَرَّةً، وَأَكَلَهُ جُبْنًا مَرَّةً بِحَيْثُ تَمَّ لَهُ خَمْسُ مَرَّاتٍ أَثَّرَ فِي التَّحْرِيمِ.

وَيُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الرَّضَعَاتُ مُتَفَرِّقَاتٍ عِنْدَ مَنْ يَرَى اشْتِرَاطَ تَعَدُّدِ الرَّضَعَاتِ.

وَالْمُعْتَمَدُ فِي التَّعَدُّدِ وَالتَّفَرُّقِ هُوَ الْعُرْفُ إِذْ لَا ضَابِطَ لَهُ فِي اللُّغَةِ، وَلَا فِي الشَّرْعِ.

وَالرُّجُوعُ فِي الرَّضْعَةِ وَالرَّضَعَاتِ إِلَى الْعُرْفِ، وَمَا تَنْزِلُ عَلَيْهِ الْأَيْمَانُ فِي ذَلِكَ، وَمَتَى تَخَلَّلَ فَصْلٌ طَوِيلٌ تَعَدَّدَ.

وَلَوِ ارْتَضَعَ ثُمَّ قَطَعَ إِعْرَاضًا، وَاشْتَغَلَ بِشَيْءٍ آخَرَ، ثُمَّ عَادَ وَارْتَضَعَ، فَهُمَا رَضْعَتَانِ، وَلَوْ قَطَعَتِ الْمُرْضِعَةُ، ثُمَّ عَادَتْ إِلَى الْإِرْضَاعِ، فَهُمَا رَضْعَتَانِ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، كَمَا لَوْ قَطَعَ الصَّبِيُّ، وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهَا رَضْعَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَا يَحْصُلُ التَّعَدُّدُ بِأَنْ يَلْفِظَ الثَّدْيَ، ثُمَّ يَعُودَ إِلَى الْتِقَامِهِ فِي الْحَالِ، وَلَا بِأَنْ يَتَحَوَّلَ مِنْ ثَدْيٍ إِلَى ثَدْيٍ، أَوْ تَحَوُّلِهِ لِنَفَادِ مَا فِي الْأَوَّلِ، وَلَا بِأَنْ يَلْهُوَ عَنْ الِامْتِصَاصِ، وَالثَّدْيُ فِي فَمِهِ، وَلَا بِأَنْ يَقْطَعَ التَّنَفُّسَ، وَلَا بِأَنْ يَتَخَلَّلَ النَّوْمَةُ الْخَفِيفَةُ، وَلَا بِأَنْ تَقُومَ وَتَشْتَغِلَ بِشُغْلٍ خَفِيفٍ، ثُمَّ تَعُودَ إِلَى الْإِرْضَاعِ، فَكُلُّ ذَلِكَ رَضْعَةٌ وَاحِدَةٌ.

ثَالِثًا: الرَّضِيعُ:

أ- أَنْ يَصِلَ اللَّبَنُ إِلَى الْمَعِدَةِ:

16- يُشْتَرَطُ أَنْ يَصِلَ اللَّبَنُ إِلَى الْمَعِدَةِ بِارْتِضَاعٍ أَوْ إِيجَارٍ أَوْ إِسْعَاطٍ وَإِنْ كَانَ الطِّفْلُ نَائِمًا؛ لِأَنَّ الْمُؤَثِّرَ فِي التَّحْرِيمِ هُوَ حُصُولُ الْغِذَاءِ بِاللَّبَنِ وَإِنْبَاتِ اللَّحْمِ وَإِنْشَازِ الْعَظْمِ وَسَدِّ الْمَجَاعَةِ لِتَتَحَقَّقَ الْجُزْئِيَّةُ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إِلاَّ بِمَا وَصَلَ إِلَى الْمَعِدَةِ.

أَمَّا الْإِقْطَارُ فِي الْأُذُنِ أَوِ الْإِحْلِيلِ، أَوِ الْحُقْنَةُ فِي الدُّبُرِ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ التَّحْرِيمُ.

ب- أَلاَّ يَبْلُغَ الرَّضِيعُ حَوْلَيْنِ:

17- لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ ارْتِضَاعَ الطِّفْلِ وَهُوَ دُونَ الْحَوْلَيْنِ يُؤَثِّرُ فِي التَّحْرِيمِ.

فَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَهُوَ الْأَصَحُّ الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: إِنَّ مُدَّةَ الرَّضَاعِ الْمُؤَثِّرِ فِي التَّحْرِيمِ حَوْلَانِ، فَلَا يُحَرِّمُ بَعْدَ حَوْلَيْنِ.وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْأَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} وَقَالُوا: جَعَلَ اللَّهُ الْحَوْلَيْنِ الْكَامِلَيْنِ تَمَامَ الرَّضَاعَةِ، وَلَيْسَ وَرَاءَ تَمَامِ الرَّضَاعَةِ شَيْءٌ.وَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} وَقَالَ: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} وَأَقَلُّ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَتَبْقَى مُدَّةُ الْفِصَالِ حَوْلَيْنِ؛ وَلِحَدِيثِ: «لَا رَضَاعَ إِلاَّ مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ».وَلِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا «لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ إِلاَّ مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ فِي الثَّدْيِ وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ».

قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَقَدْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إِلَى أَنَّ إِرْضَاعَ الْكَبِيرِ يُحَرِّمُ.وَاحْتَجُّوا بِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ «أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ لِعَائِشَةَ: إِنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْكِ الْغُلَامُ الْأَيْفَعُ الَّذِي مَا أُحِبُّ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيَّ.فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَمَا لَكِ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ؟.قَالَتْ: إِنَّ امْرَأَةَ أَبِي حُذَيْفَةَ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ سَالِمًا يَدْخُلُ عَلَيَّ وَهُوَ رَجُلٌ، وَفِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْهُ شَيْءٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-: أَرْضِعِيهِ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْكِ» وَفِي رِوَايَةٍ لِمَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ قَالَ: «أَرْضِعِيهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ» فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ وَلَدِهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ.

وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخَذَتْ بِهِ عَائِشَةُ، وَأَبَى غَيْرُهَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- أَنْ يَأْخُذْنَ بِهِ، مَعَ أَنَّ عَائِشَةَ رَوَتْ عَنْهُ قَالَ: «الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ» لَكِنَّهَا رَأَتِ الْفَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقْصِدَ رَضَاعَةً أَوْ تَغْذِيَةً.فَمَتَى كَانَ الْمَقْصُودُ الثَّانِيَ لَمْ يُحَرِّمْ إِلاَّ مَا كَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ،

وَهَذَا هُوَ إِرْضَاعُ عَامَّةِ النَّاسِ.وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَيَجُوزُ إِنِ احْتِيجَ إِلَى جَعْلِهِ ذَا مَحْرَمٍ.

وَقَدْ يَجُوزُ لِلْحَاجَةِ مَا لَا يَجُوزُ لِغَيْرِهَا، وَهَذَا قَوْلٌ مُتَوَجِّهٌ.

وَقَالَ: رَضَاعُ الْكَبِيرِ تَنْتَشِرُ بِهِ الْحُرْمَةُ فِي حَقِّ الدُّخُولِ وَالْخَلْوَةِ إِذَا كَانَ قَدْ تَرَبَّى فِي الْبَيْتِ بِحَيْثُ لَا يَحْتَشِمُونَ مِنْهُ لِلْحَاجَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَائِشَةَ وَعَطَاءٍ وَاللَّيْثِ.

18- وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: يُشْتَرَطُ فِي التَّحْرِيمِ أَنْ يَرْتَضِعَ فِي حَوْلَيْنِ أَوْ بِزِيَادَةِ شَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ، وَأَلاَّ يُفْطَمَ قَبْلَ انْتِهَاءِ الْحَوْلَيْنِ فِطَامًا يَسْتَغْنِي فِيهِ بِالطَّعَامِ عَنِ اللَّبَنِ، فَإِنْ فُطِمَ وَاسْتَغْنَى بِالطَّعَامِ عَنِ اللَّبَنِ ثُمَّ رَضَعَ فِي الْحَوْلَيْنِ فَلَا يُحَرِّمُ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مُدَّةُ الرَّضَاعِ الْمُحَرِّمِ حَوْلَانِ وَنِصْفٌ وَلَا يُحَرِّمُ بَعْدَ هَذِهِ الْمُدَّةِ، سَوَاءٌ أَفُطِمَ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ أَمْ لَمْ يُفْطَمْ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ} قَالَ: فَأَثْبَتَ سُبْحَانَهُ الْحُرْمَةَ بِالرَّضَاعِ مُطْلَقًا عَنِ التَّعَرُّضِ لِزَمَانِ الرَّضَاعِ، إِلاَّ أَنَّهُ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ زَمَانَ مَا بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ وَالنِّصْفِ لَيْسَ بِمُرَادٍ، فَيُعْمَلُ بِإِطْلَاقِهِ فِيمَا وَرَاءَهُ.وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} أَيْ: وَمُدَّةُ كُلٍّ مِنْهُمَا ثَلَاثُونَ شَهْرًا.

تَحْرِيمُ النِّكَاحِ بِالرَّضَاعِ:

1- مَا يَحْرُمُ عَلَى الرَّضِيعِ:

19- لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الرَّضِيعِ مِنَ النِّسَاءِ مَنْ يَحْرُمْنَ عَلَيْهِ مِنَ النَّسَبِ وَهُنَّ السَّبْعُ اللاَّتِي ذُكِرْنَ فِي آيَةِ: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} وَهُنَّ الْأُمَّهَاتُ وَالْبَنَاتُ، وَالْأَخَوَاتُ وَالْعَمَّاتُ، وَالْخَالَاتُ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ.وَقَدْ ثَبَتَ تَحْرِيمُ الْأُمِّ وَالْأُخْتِ مِنَ الرَّضَاعِ بِنَصِّ الْكِتَابِ قَالَ تَعَالَى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} وَتَحْرِيمُ الْبِنْتِ بِالتَّبَعِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا حُرِّمَتِ الْأُخْتُ فَالْبِنْتُ أَوْلَى.

أَمَّا سَائِرُ الْمَحَارِمِ فَقَدْ ثَبَتَ تَحْرِيمُهُنَّ بِالسُّنَّةِ وَهُوَ قَوْلُهُ- صلى الله عليه وسلم-: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ».وَثَبَتَتِ الْمَحْرَمِيَّةُ لِأَنَّهَا فَرْعٌ عَلَى التَّحْرِيمِ فَتُحَرَّمُ الْمُرْضِعَةُ عَلَى الرَّضِيعِ؛ لِأَنَّهَا أُمُّهُ، وَآبَاؤُهَا وَأُمَّهَاتُهَا مِنَ النَّسَبِ أَوِ الرَّضَاعِ أَجْدَادُهُ وَجَدَّاتُهُ.فَإِنْ كَانَ أُنْثَى حَرُمَ عَلَى الْأَجْدَادِ نِكَاحُهَا أَوْ ذَكَرًا حَرُمَ عَلَيْهِ نِكَاحُ الْجَدَّاتِ.وَفُرُوعُ الْمُرْضِعَةِ مِنَ الرَّضَاعِ كَفُرُوعِهَا مِنَ النَّسَبِ، فَأَوْلَادُهَا مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ إِخْوَتُهُ وَأَخَوَاتُهُ، سَوَاءٌ كَانُوا مِنْ صَاحِبِ اللَّبَنِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَسَوَاءٌ مَنْ تَقَدَّمَتْ وِلَادَتُهُ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَتْ عَنْهُ لِأَنَّهُمْ إِخْوَتُهُ وَأَخَوَاتُهُ؛ لقوله تعالى: {وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} فَقَدْ أَثْبَتَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْحُرْمَةَ وَالْأُخُوَّةَ بَيْنَ بَنَاتِ الْمُرْضِعَةِ وَبَيْنَ الرَّضِيعِ مُطْلَقًا، مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ أُخْتٍ وَأُخْتٍ، وَكَذَا بَنَاتُ بَنَاتِهَا، وَبَنَاتُ أَبْنَائِهَا، وَإِنْ سَفَلْنَ.

2- الْمُرْضِعَةُ:

20- يَحْرُمُ عَلَى الْمُرْضِعَةِ أَبْنَاءُ رَضِيعِهَا وَأَبْنَاءُ أَبْنَائِهِ وَإِنْ سَفَلُوا، وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا أُصُولُهُ كَأَبِيهِ، وَجَدِّهِ، وَلَا حَوَاشِيهِ كَإِخْوَتِهِ وَأَعْمَامِهِ وَأَخْوَالِهِ، فَيَجُوزُ لِهَؤُلَاءِ أَنْ يَتَزَوَّجُوا الْمُرْضِعَةَ أَوْ بَنَاتِهَا أَوْ أَخَوَاتِهَا، فَالرَّضَاعَةُ لَا تَنْشُرُ الْحُرْمَةَ إِلَى أُصُولِ الرَّضِيعِ وَحَوَاشِيهِ.

3- الْفَحْلُ صَاحِبُ اللَّبَنِ:

21- إِنَّ صَاحِبَ اللَّبَنِ- وَهُوَ زَوْجُ الْمُرْضِعَةِ الَّتِي نَزَلَ لَهَا مِنْهُ اللَّبَنُ- وَهُوَ الْمُسَمَّى فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ «لَبَنُ الْفَحْلِ» يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ، فَيَحْرُمُ عَلَى صَاحِبِ اللَّبَنِ مَنْ أَرْضَعَتْهَا زَوْجَتُهُ؛ لِأَنَّهَا ابْنَتُهُ مِنَ الرَّضَاعِ، وَتَحْرُمُ عَلَى أَبْنَائِهِ الَّذِينَ مِنْ غَيْرِ الْمُرْضِعَةِ، لِأَنَّهُمْ إِخْوَتُهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَأَبْنَاءُ بَنَاتِهِ مِنْ غَيْرِ الْمُرْضِعَةِ؛ لِأَنَّهُمْ أَبْنَاءُ إِخْوَتِهَا لِأَبٍ مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَإِنْ أَرْضَعَتْ كُلٌّ مِنْ زَوْجَتَيْهِ طِفْلًا أَجْنَبِيًّا عَنِ الْآخَرِ فَقَدْ صَارَا أَخَوَيْنِ لِأَبٍ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَيَحْرُمُ التَّنَاكُحُ بَيْنَهُمَا إِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا أُنْثَى؛ لِأَنَّ بَيْنَهُمَا أُخُوَّةً لِأَبٍ مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَتَحْرُمُ الرَّضِيعَةُ عَلَى آبَاءِ زَوْجِ الْمُرْضِعَةِ؛ لِأَنَّهُمْ أَجْدَادُهَا مِنْ قِبَلِ الْأَبِ مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَعَلَى إِخْوَتِهِ؛ لِأَنَّهُمْ أَعْمَامُهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَأَخَوَاتُهُ عَمَّاتُ الرَّضِيعِ فَيَحْرُمْنَ عَلَيْهِ، وَلَا حُرْمَةَ بَيْنَ صَاحِبِ اللَّبَنِ وَأُمَّهَاتِ الرَّضِيعِ وَأَخَوَاتِهِ مِنَ النَّسَبِ.

22- وَدَلِيلُ نَشْرِ الْحُرْمَةِ مِنْ صَاحِبِ اللَّبَنِ: مَا رَوَتْهُ «عَائِشَةُ- رضي الله عنها- قَالَتْ: إِنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ بَعْدَ أَنْ نَزَلَ الْحِجَابُ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا آذَنُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- فَإِنَّ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي الْقُعَيْسِ.فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَتُهُ، فَقَالَ: ائْذَنِي لَهُ فَإِنَّهُ عَمُّكِ تَرِبَتْ يَمِينُكِ».

وَقَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ- رضي الله عنها-: حَرِّمُوا مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ- رضي الله عنه- عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَتَيْنِ فَأَرْضَعَتْ إِحْدَاهُمَا جَارِيَةً وَالْأُخْرَى غُلَامًا هَلْ يَتَزَوَّجُ الْغُلَامُ الْجَارِيَةَ؟ قَالَ: لَا، اللِّقَاحُ وَاحِدٌ.

وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى عَدَمِ التَّحْرِيمِ بِلَبَنِ الْفَحْلِ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، وَعَطَاءٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَأَبُو قِلَابَةَ، وَيُرْوَى عَدَمُ التَّحْرِيمِ بِهِ أَيْضًا عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ.

ثُبُوتُ الْأُبُوَّةِ وَلَوْ بَعْدَ الطَّلَاقِ أَوِ الْمَوْتِ:

23- تَثْبُتُ الْأُبُوَّةُ بِاللَّبَنِ وَلَوْ بَعْدَ الطَّلَاقِ أَوِ الْمَوْتِ، قَصُرَ الزَّمَانُ أَوْ طَالَ.

فَإِذَا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ أَوْ مَاتَ عَنْهَا وَلَهَا لَبَنٌ فَأَرْضَعَتْ بِهِ طِفْلًا قَبْلَ أَنْ تَتَزَوَّجَ، فَالرَّضِيعُ ابْنُ الْمُطَلِّقِ أَوِ الْمَيِّتِ مِنَ الرَّضَاعِ، وَلَا تَنْقَطِعُ نِسْبَةُ اللَّبَنِ إِلَيْهِ بِمَوْتِهِ أَوْ طَلَاقِهِ، سَوَاءٌ ارْتَضَعَ فِي الْعِدَّةِ أَوْ بَعْدَهَا، قَصُرَتِ الْمُدَّةُ أَمْ طَالَتْ، انْقَطَعَ اللَّبَنُ أَمْ لَمْ يَنْقَطِعْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ مَا يُحَالُ اللَّبَنُ عَلَيْهِ، فَهُوَ بِاسْتِمْرَارِهِ مَنْسُوبٌ إِلَيْهِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ.

فَإِنْ تَزَوَّجَتْ بَعْدَ الْعِدَّةِ زَوْجًا وَوَلَدَتْ مِنْهُ فَاللَّبَنُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ لِلثَّانِي، سَوَاءٌ انْقَطَعَ وَعَادَ أَمْ لَمْ يَنْقَطِعْ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ تَبَعٌ لِلْوَلَدِ، وَالْوَلَدُ لِلثَّانِي.وَإِنْ لَمْ تَلِدْ مِنَ الثَّانِي، وَبَقِيَ لَبَنُ الْأَوَّلِ بِحَالِهِ لَمْ يَزِدْ وَلَمْ يَنْقُصْ فَهُوَ لِلْأَوَّلِ سَوَاءٌ حَبِلَتْ مِنَ الثَّانِي أَمْ لَمْ تَحْبَلْ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ كَانَ لِلْأَوَّلِ وَلَمْ يَجِدَّ مَا يَجْعَلُهُ مِنَ الثَّانِي فَبَقِيَ لِلْأَوَّلِ.

وَإِنْ حَبِلَتْ مِنَ الثَّانِي وَزَادَ اللَّبَنُ بِالْحَمْلِ فَاخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ.فَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَوْلِ الْأَصَحِّ عِنْدَهُمْ: إِنَّهُ لِلْأَوَّلِ مَا لَمْ تَلِدْ.وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ اللَّبَنَ لَهُمَا؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ اللَّبَنِ عِنْدَ حُدُوثِ الْحَمْلِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ مِنَ الثَّانِي.وَبَقَاءُ لَبَنِ الْأَوَّلِ يَقْتَضِي كَوْنَ أَصْلِهِ مِنْهُ فَوَجَبَ أَنْ يُضَافَ إِلَيْهِمَا.

ثُبُوتُ الْحُرْمَةِ بِلَبَنِ مَنْ زَنَى:

24- إِنْ وَلَدَتْ مِنَ الزِّنَى فَنَزَلَ لَهَا لَبَنٌ فَأَرْضَعَتْ بِهِ صَبِيًّا، صَارَ الرَّضِيعُ ابْنًا لَهَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّهُ رَضَعَ لَبَنَهَا حَقِيقَةً وَالْوَلَدُ مَنْسُوبٌ إِلَيْهَا،

وَاخْتَلَفُوا فِي ثُبُوتِ الْحُرْمَةِ بَيْنَ الرَّضِيعِ وَبَيْنَ الرَّجُلِ الَّذِي ثَابَ اللَّبَنُ بِوَطْئِهِ.فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْخِرَقِيُّ وَابْنُ حَامِدٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي ثُبُوتِ الْحُرْمَةِ بَيْنَ الرَّضِيعِ وَبَيْنَ صَاحِبِ اللَّبَنِ أَنْ يَكُونَ اللَّبَنُ لَبَنَ حَمْلٍ يَنْتَسِبُ إِلَى الْوَاطِئِ بِأَنْ يَكُونَ الْوَطْءُ فِي نِكَاحٍ أَوْ شُبْهَةٍ.

أَمَّا إِنْ نَزَلَ اللَّبَنُ بِحَمْلٍ مِنَ الزِّنَى فَلَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ بَيْنَ الرَّضِيعِ وَالْفَحْلِ الزَّانِي؛ لِأَنَّهُ لَبَنٌ غَيْرُ مُحْتَرَمٍ؛ وَلِأَنَّ التَّحْرِيمَ بَيْنَهُمَا فَرْعٌ لِحُرْمَةِ الْأُبُوَّةِ، فَلَمَّا لَمْ تَثْبُتْ حُرْمَةُ الْأُبُوَّةِ لَمْ يَثْبُتْ مَا هُوَ فَرْعٌ لَهَا وَهُوَ الْأَوْجَهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.

وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ، وَأَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ وَهِيَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: إِنَّ لَبَنَ الْفَحْلِ يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ، وَإِنْ نَزَلَ بِزِنًى، وَقَالُوا:؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ فَاسْتَوَى فِي ذَلِكَ مُبَاحُهُ وَمَحْظُورُهُ كَالْوَطْءِ.فَإِنَّ الْوَاطِئَ حَصَلَ مِنْهُ وَلَدٌ وَلَبَنٌ، ثُمَّ إِنَّ الْوَلَدَ يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَاطِئِ فَكَذَلِكَ اللَّبَنُ؛ وَلِأَنَّهُ رَضَاعٌ يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ إِلَى الْمُرْضِعَةِ فَيَنْشُرُهَا إِلَى الْوَاطِئِ.

لَبَنُ الْوَلَدِ الْمَنْفِيِّ بِاللِّعَانِ:

25- إِذَا نَفَى زَوْجُ الْمُرْضِعَةِ وَلَدَهَا بِلِعَانٍ، فَأَرْضَعَتْ مَعَهُ صَغِيرَةً بِلَبَنِهِ لَمْ تَثْبُتِ الْحُرْمَةُ بَيْنَ الزَّوْجِ وَبَيْنَ الرَّضِيعِ؛ لِانْتِفَاءِ نِسْبَةِ اللَّبَنِ إِلَيْهِ بِانْتِفَاءِ الْوَلَدِ عَنْهُ.

وَإِنْ نَفَاهُ بَعْدَ الرَّضَاعِ انْتَفَى الرَّضِيعُ عَنْهُ أَيْضًا.كَمَا انْتَفَى الْوَلَدُ.

وَإِنِ اسْتَلْحَقَ الْوَلَدَ بَعْدَ اللِّعَانِ لَحِقَ الرَّضِيعُ، فَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ مَنْ يَثْبُتُ مِنْهُ النَّسَبُ لَا يَثْبُتُ مِنْهُ الرَّضَاعُ، وَمَنْ لَا يَثْبُتُ مِنْهُ النَّسَبُ لَا يَثْبُتُ مِنْهُ الرَّضَاعُ.

الْمُحَرَّمَاتُ بِالْمُصَاهَرَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالرَّضَاعِ:

26- أ- تَحْرُمُ أُمُّ الزَّوْجَةِ وَجَدَّاتُهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ مَهْمَا عَلَوْنَ، سَوَاءٌ أَكَانَ هُنَاكَ دُخُولٌ بِالزَّوْجَةِ أَمْ لَمْ يَكُنْ.

ب- زَوْجَةُ الْأَبِ وَالْجَدِّ مِنَ الرَّضَاعِ، وَإِنْ عَلَا، سَوَاءٌ دَخَلَ الْأَبُ وَالْجَدُّ بِهَا أَمْ لَمْ يَدْخُلْ، كَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ زَوْجَةُ أَبِيهِ مِنَ النَّسَبِ.

ج- زَوْجَةُ الِابْنِ وَابْنِ الِابْنِ وَابْنِ الْبِنْتِ مِنَ الرَّضَاعِ، وَإِنْ نَزَلُوا، سَوَاءٌ دَخَلَ الِابْنُ وَنَحْوُهُ بِالزَّوْجَةِ أَمْ لَمْ يَدْخُلْ، كَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ زَوْجَةُ أَوْلَادِهِ مِنَ النَّسَبِ.

د- بِنْتُ الزَّوْجَةِ مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَبَنَاتُ أَوْلَادِهَا مَهْمَا نَزَلْنَ، إِذَا كَانَتِ الزَّوْجَةُ مَدْخُولًا بِهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا، فَلَا تُحَرَّمُ فُرُوعُهَا مِنَ الرَّضَاعِ عَلَى الزَّوْجِ، كَمَا فِي النَّسَبِ.

هـ- يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ امْرَأَةٍ وَأُخْتِهَا، أَوْ عَمَّتِهَا، أَوْ خَالَتِهَا مِنَ الرَّضَاعِ.

الرَّضَاعُ الطَّارِئُ عَلَى النِّكَاحِ:

27- الرَّضَاعُ الْمُحَرِّمُ الطَّارِئُ عَلَى النِّكَاحِ يَقْطَعُهُ كَمَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَهُ؛ لِأَنَّ أَدِلَّةَ التَّحْرِيمِ لَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَ رَضَاعٍ مُقَارَنٍ وَبَيْنَ طَارِئٍ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَدْ يَقْتَضِي الرَّضَاعُ الطَّارِئُ عَلَى النِّكَاحِ مَعَ الْقَطْعِ حُرْمَةً مُؤَبَّدَةً، وَقَدْ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ.فَإِذَا كَانَتْ عِنْدَهُ زَوْجَةٌ صَغِيرَةٌ فَأَرْضَعَتْهَا امْرَأَةٌ تُحَرَّمُ عَلَيْهِ بِنْتُهَا (كَأُمِّهِ مِنَ النَّسَبِ، أَوِ الرَّضَاعِ، أَوْ جَدَّتِهِ، أَوْ بِنْتِهِ، أَوْ حَفِيدَتِهِ، أَوْ زَوْجَةِ أَبِيهِ، أَوْ زَوْجَةِ ابْنِهِ، أَوْ زَوْجَةِ أَخِيهِ بِلِبَانِهِمْ) رَضَاعًا مُحَرَّمًا انْفَسَخَ النِّكَاحُ، وَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ حُرْمَةً مُؤَبَّدَةً؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ أُخْتَهُ، أَوْ عَمَّتَهُ، أَوْ خَالَتَهُ، أَوْ حَفِيدَتَهُ، أَوْ بِنْتَ ابْنِهِ، أَوِ ابْنَةَ أَخِيهِ.

أَمَّا إِنْ كَانَ اللَّبَنُ مِنْ غَيْرِ الْأَبِ، وَالِابْنِ، وَالْأَخِ فَلَا يُؤَثِّرُ؛ لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنْ تَكُونَ رَبِيبَةً لَهُمْ وَلَيْسَتْ بِحَرَامٍ عَلَيْهِمْ.

وَإِنْ أَرْضَعَتْهَا زَوْجَةٌ لَهُ أُخْرَى فَسَدَ نِكَاحُ الْكَبِيرَةِ الْمُرْضِعَةِ فِي الْحَالِ، وَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ مُؤَبَّدًا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ أُمَّ زَوْجَتِهِ، وَالْأُمُّ تُحَرَّمُ بِنِكَاحِ الْبِنْتِ لقوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ} وَلَمْ يُشْتَرَطِ الدُّخُولُ بِهَا، أَمَّا الصَّغِيرَةُ فَإِنْ أَرْضَعَتْهَا بِلَبَنِ الزَّوْجِ أَوْ دَخَلَ بِالْمُرْضِعَةِ انْفَسَخَ النِّكَاحُ، وَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ مُؤَبَّدًا؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ بِنْتَهُ بِالرَّضَاعِ، أَوْ رَبِيبَةً دَخَلَ بِأُمِّهَا.

أَمَّا إِنْ أَرْضَعَتْ بِلَبَنِ غَيْرِهِ وَلَمْ يَدْخُلْ بِالْمُرْضِعَةِ، فَلَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ مُؤَبَّدًا، وَهَذَا مَحَلُّ اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّهَا رَبِيبَةٌ لَمْ يَدْخُلْ بِأُمِّهَا.وَاللَّهُ يَقُولُ: {فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} وَانْفَسَخَ النِّكَاحُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّ اجْتِمَاعَ الْأُمِّ وَالْبِنْتِ فِي نِكَاحٍ مُمْتَنِعٌ.

وَفِي هَذَا الْمَوْضُوعِ تَفْرِيعَاتٌ تُنْظَرُ فِي الْكُتُبِ الْمُطَوَّلَةِ فِي بَابِ الرَّضَاعِ.

مَا يَثْبُتُ بِهِ الرَّضَاعُ:

28- يَثْبُتُ الرَّضَاعُ بِالْإِقْرَارِ أَوْ بِالْبَيِّنَةِ.

موسوعة الفقه الكويتية-وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت-صدرت بدءًا من: 1404هـ/1984م


4-موسوعة الفقه الكويتية (نبي 1)

نَبِيّ -1

التَّعْرِيفُ:

1- النَّبِيُّ لُغَةً فَعِيلٌ مِنَ الْإِنْبَاءِ، وَهُوَ الْإِخْبَارُ، وَالنَّبِيءُ فَعِيلٌ مَهْمُوزٌ؛ لِأَنَّهُ أَنْبَأَ عَنِ اللَّهِ أَيْ أَخْبَرَ، وَالْإِبْدَالُ وَالْإِدْغَامُ لُغَةٌ فَاشِيَةٌ، وَقُرِئَ بِهِمَا فِي السَّبْعَةِ.

وَالنَّبِيُّ فِي الِاصْطِلَاحِ: قَالَ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْبَغْدَادِيُّ: النَّبِيُّ كُلُّ مَنْ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ مَلَكٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَكَانَ مُؤَيَّدًا بِنَوْعٍ مِنَ الْكَرَامَاتِ النَّاقِضَةِ لِلْعَادَاتِ.

وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ شَيْئًا يَكُونُ نَبِيًّا، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} وَقَوْلِهِ: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أرْضِعِيهِ} وَقَوْلُهُ: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِ قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: لِأَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُحَدَّثِينَ الْمُلْهَمِينَ الْمُخَاطَبِينَ يُوحَى إِلَيْهِمْ وَلَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ مَعْصُومِينَ مُصَدَّقِينَ فِي كُلِّ مَا يَقَعُ لَهُمْ.

الْأَلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

الرَّسُولُ:

2- الرَّسُولُ فِي اللُّغَةِ: الْمُرْسَلُ، وَيُسْتَعْمَلُ لِلْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ وَالْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ، وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: {إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى رُسُلٍ وَأَرْسُلٍ.

وَفِي الِاصْطِلَاحِ: الرَّسُولُ إِنْسَانٌ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى الْخَلْقِ لِتَبْلِيغِ الْأَحْكَامِ.

وَالرَّسُولُ أَخَصُّ مِنَ النَّبِيِّ، قَالَ الْكَلْبِيُّ وَالْفَرَّاءُ: كُلُّ رَسُولٍ نَبِيٌّ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ.

عَدَدُ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ- عليهم السلام-:

3- ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ بَعْضَ الرُّسُلِ بِأَسْمَائِهِمْ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِهِ، مِنْهُمْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ رَسُولًا ذُكِرُوا فِي قوله تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ} إِلَى قوله تعالى: {وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ} وَذَكَرَ سَبْعَةً آخَرِينَ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى هُمْ: آدَمُ وَإِدْرِيسُ وَهُودٌ وَصَالِحٌ وَشُعَيْبٌ وَذُو الْكِفْلِ وَمُحَمَّدٌ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ.

وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ عَلَى أَنَّ هُنَاكَ رُسُلًا آخَرِينَ، وَذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: {وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ} وَقَالَ: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ}.

آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ:

4- آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ بَعْثَةً مُحَمَّدٌ- صلى الله عليه وسلم- وَذَلِكَ أَمْرٌ إِجْمَاعِيٌّ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ إِلاَّ مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ: هَلاَّ وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ! ! قَالَ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ».

أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ:

5- ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى أُولِي الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ فِي قَوْلِهِ: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} وَالْمُرَادُ بِالْعَزْمِ الْقُوَّةُ وَالشِّدَّةُ وَالْحَزْمُ وَالتَّصْمِيمُ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِعْلَاءِ كَلِمَتِهِ، وَعَدَمُ التَّهَاوُنِ فِي ذَلِكَ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَحْدِيدِ مَنْ هُمْ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْأَوَّلُ: أَنَّهُمْ جَمِيعُ الرُّسُلِ، أَوْ أَنَّهُمْ جَمِيعُ الرُّسُلِ مَا عَدَا يُونُسَ بْنَ مَتَّى، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ} وَقِيلَ: إِنَّ آدَمَ أَيْضًا لَيْسَ مِنْهُمْ؛ لقوله تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا}.

الثَّانِي: أَنَّهُمْ بَعْضُ الرُّسُلِ، ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي تَعْيِينِ أَسْمَائِهِمْ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ أَقْوَالٍ: أَشْهَرُهَا مَا قَالَهُ مُجَاهِدٌ: هُمْ خَمْسَةٌ: نُوحٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.

ذِكْرُ مَنِ اخْتُلِفَ فِي كَوْنِهِ نَبِيًّا:

مِمَّنِ اخْتُلِفَ فِي نُبُوَّتِهِ:

أ- الْخَضِرُ:

6- الْخَضِرُ هُوَ صَاحِبُ مُوسَى- عليه السلام-، وَقَدْ ذُكِرَتْ قِصَّتُهُ مَعَهُ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ، وَهُوَ مَعْدُودٌ فِي الْأَنْبِيَاءِ غَيْرِ الْمُجْمَعِ عَلَى نُبُوَّتِهِمْ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْخَضِرُ نَبِيٌّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقِيلَ: هُوَ عَبْدٌ صَالِحٌ غَيْرُ نَبِيٍّ، وَالْآيَةُ- يَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى: {آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} تَشْهَدُ بِنُبُوَّتِهِ، قَالَ: وَقَوْلُهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْهُ: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} يَقْتَضِي أَنَّهُ نَبِيٌّ.

ب- لُقْمَانُ:

7- لُقْمَانُ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي السُّورَةِ الْمُسَمَّاةِ بِاسْمِهِ، وَقَدْ قَالَ بِنُبُوَّتِهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: كَانَ جُمْهُورُ السَّلَفِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، وَإِنَّمَا يُنْقَلُ كَوْنُهُ نَبِيًّا عَنْ عِكْرِمَةَ.

ج- ذُو الْكِفْلِ:

8- ذُو الْكِفْلِ هُوَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ: {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ} قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: الظَّاهِرُ مِنْ ذِكْرِهِ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ مَقْرُونًا مَعَ هَؤُلَاءِ السَّادَةِ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُ نَبِيٌّ، قَالَ: وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.وَقَدْ زَعَمَ آخَرُونَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا وَإِنَّمَا كَانَ رَجُلًا صَالِحًا، وَحَكَمًا مُقْسِطًا عَادِلًا، قَالَ: وَتَوَقَّفَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي ذَلِكَ.وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

د- عُزَيْرٌ:

9- قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: الْمَشْهُورُ أَنَّ عُزَيْرًا نَبِيٌّ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ.

الْأَحْكَامُ الْخَاصَّةُ بِالْأَنْبِيَاءِ:

10- الْأَنْبِيَاءُ مُكَلَّفُونَ كَغَيْرِهِمْ مِنَ الْبَشَرِ، فَمَا شُرِعَ فِي حَقِّ أُمَمِهِمْ فَهُوَ مَشْرُوعٌ فِي حَقِّهِمْ فِي الْجُمْلَةِ، وَهُنَاكَ أَحْكَامٌ تَخُصُّهُمْ مِنْهَا:

أ- تَحْرِيمُ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِمْ:

11- اخْتَصَّ النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ- صلى الله عليه وسلم- بِتَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَتْ فَرْضًا أَوْ تَطَوُّعًا، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لآِلِ مُحَمَّدٍ، إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ» وَجَاءَ فِي نَعْتِهِ- صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ.

وَقَدْ نَصَّ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ عَلَى ذَلِكَ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا قَالَ الْقَلْيُوبِيُّ: أَخْذُ الصَّدَقَةِ وَقَبُولُهَا جَائِزٌ إِلاَّ لِلنَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- فَلَا تَحِلُّ لَهُ، قَالَ: وَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْحِلِّ أَيْضًا فِي سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ.

ب- أَمْوَالُهُمْ لَا تُورَثُ عَنْهُمْ بَلْ تَكُونُ صَدَقَةً بَعْدَهُمْ:

12- دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَدِيثُ: «لَا تَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ» وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ: «إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُورِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَرَّثُوا الْعِلْمَ» قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى صَانَ الْأَنْبِيَاءَ أَنْ يُورِّثُوا دُنْيَا، لِئَلاَّ يَكُونَ ذَلِكَ شُبْهَةً لِمَنْ يَقْدَحُ فِي نُبُوَّتِهِمْ بِأَنَّهُمْ طَلَبُوا الدُّنْيَا وَوَرَّثُوهَا لِوَرَثَتِهِمْ.

وَفِي قَوْلٍ: إِنَّ هَذِهِ خَاصِّيَّةٌ لِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ- صلى الله عليه وسلم- وَحْدَهُ، فَلَيْسَتْ لِغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ.

وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ، كَمَا فِي تَفْسِيرِ الْقُرْطُبِيِّ، قَالَ: وَقَوْلُ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم-: «لَا نُورَثُ» مِنْ بَابِ تَعْبِيرِ الْوَاحِدِ عَنْ نَفْسِهِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ وَاحْتَجَّ بِظَاهِرِ قوله تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ} وَقَالَ حَاكِيًا عَنْ زَكَرِيَّا- عليه السلام-: {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ}.

ج- لَا يُدْفَنُ نَبِيٌّ إِلاَّ حَيْثُ قُبِضَ:

13- يُدْفَنُ النَّبِيُّ حَيْثُ قُبِضَ؛ لِحَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ- رضي الله عنه- أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: «مَا دُفِنَ نَبِيٌّ قَطُّ إِلاَّ فِي مَكَانِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ.فَحُفِرَ لَهُ- صلى الله عليه وسلم- فِي مَكَانِهِ».

الْأَحْكَامُ الثَّابِتَةُ عَلَى الْأُمَّةِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْأَنْبِيَاءِ:

أ- وُجُوبُ الْإِيمَانِ بِنُبُوَّتِهِمْ وَرِسَالَةِ الرُّسُلِ مِنْهُمْ:

14- يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَنْ يُؤْمِنَ بِمَنِ اخْتَارَهُمُ اللَّهُ لِنُبُوَّتِهِ وَاصْطَفَاهُمْ لِرِسَالَتِهِ، وَالْإِيمَانُ بِهِمْ عَلَى دَرَجَتَيْنِ: إِيمَانٌ مُجْمَلٌ: بِأَنْ يُؤْمِنَ بِكُلِّ نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ إِجْمَالًا، سَوَاءٌ مَنْ عَلِمَ اسْمَهُ أَوْ جَهِلَهُ.

وَإِيمَانٌ مُفَصَّلٌ: وَذَلِكَ بِأَنْ يُؤْمِنَ بِأَنَّ نُوحًا بِعَيْنِهِ نَبِيٌّ وَرَسُولٌ، وَكَذَا إِبْرَاهِيمُ وَسَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ الْمَقْطُوعِ بِنُبُوَّتِهِمْ.

وَيَشْمَلُ الْأَمْرَيْنِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}.

فَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِمْ عَلَى الْإِجْمَالِ، أَوْ شَكَّ فِي نُبُوَّةِ بَعْضِ الْمُجْمَعِ عَلَى نُبُوَّتِهِمْ فَهُوَ كَافِرٌ.

أَمَّا مَنْ شَكَّ فِي بَعْضِ مَنْ لَمْ يُجْمَعْ عَلَى نَبُّوتِهِمْ كَالْخَضِرِ وَلُقْمَانَ فَلَا يَكْفُرُ؛ لِعَدَمِ الْقَطْعِ بِنُبُوَّتِهِمْ.

قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: لَمَّا كَانَ عَدَدُ الْأَنْبِيَاءِ غَيْرَ مَعْلُومٍ عَلَى الْقَطْعِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: آمَنْتُ بِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ أَوَّلُهُمْ آدَمُ، وَآخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَلَا يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّهُمْ مِائَةٌ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا، وَأَنَّ الرُّسُلَ مِنْهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ، لِأَنَّهُ خَبَرُ آحَادٍ.

ب- طَاعَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَمُتَابَعَتُهُمْ وَمَحَبَّتُهُمْ:

15- يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ طَاعَةُ مَنْ بُعِثَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ فِيمَا يَأْمُرُونَهُمْ بِهِ، لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا يَأْمُرُونَ بِمَا يَأْمُرُ اللَّهُ بِهِ.

وَقَدْ كَانَ الْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ قَبْلَ مُحَمَّدٍ- صلى الله عليه وسلم- يُبْعَثُ كُلُّ رَسُولٍ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، فَرِسَالَةُ نُوحٍ إِلَى قَوْمِهِ، وَرِسَالَةُ هُودٍ إِلَى عَادٍ، وَرِسَالَةُ صَالِحٍ إِلَى ثَمُودَ، وَرِسَالَةُ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ خَاصَّةً، وَلَمْ يَكُنْ غَيْرُ الْإِسْرَائِيلِيِّينَ مُكَلَّفِينَ بِطَاعَةِ مُوسَى- عليه السلام- وَاتِّبَاعِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} وَقَالَ: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} وَقَالَ: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} وَقَالَ: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} وَقَالَ: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ} وَقَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ عِيسَى- عليه السلام-: {وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ}.

أَمَّا رِسَالَةُ مُحَمَّدٍ- صلى الله عليه وسلم- فَهِيَ عَامَّةٌ، فَمَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْبَشَرِ سَمِعَ بِدَعْوَتِهِ إِلاَّ هُوَ مُكَلَّفٌ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَاتِّبَاعِهِ وَطَاعَتِهِ وَالدُّخُولِ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ وَالْتِزَامِ أَحْكَامِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} وَقَالَ: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} وَقَالَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم-: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي...» فَذَكَرَ مِنْهَا: «كَانَ كُلُّ نَبِيٍّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى كُلِّ أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ» وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ أَتْبَاعِ الدِّيَانَاتِ السَّابِقَةِ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِدِيَانَتِهِ وَيَكْتَفِيَ بِهَا، بَلْ عَلَيْهِ اتِّبَاعُ مُحَمَّدٍ- صلى الله عليه وسلم- وَالْإِيمَانُ بِهِ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ لَهُ أَجْرُ مَرَّتَيْنِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَقِّ جَمَاعَةٍ مِنْ عُلَمَاءِ النَّصَارَى قَدِمُوا مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ- رضي الله عنه- مِنَ الْحَبَشَةِ وَأَسْلَمُوا {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا} وَقَالَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم-: «ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ، وَأَدْرَكَ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- فَآمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ وَاتَّبَعَهُ، فَلَهُ أَجْرَانِ».

وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ- صلى الله عليه وسلم- مُكَلَّفًا بِالرُّجُوعِ إِلَى كُتُبِ الدِّيَانَاتِ السَّابِقَةِ لِاسْتِمْدَادِ الْأَحْكَامِ مِنْهَا وَالْعَمَلِ بِمَا فِيهَا، إِلاَّ أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنْ أَحْكَامِ تِلْكَ الدِّيَانَاتِ فِي الْقُرْآنِ أَوِ السُّنَّةِ فَنَحْنُ مُتَعَبِّدُونَ بِهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ (ر: نُبُوَّة، شَرْع مَنْ قَبْلَنَا ف 3).

ج- وُجُوبُ تَوْقِيرِ الْأَنْبِيَاءِ:

16- يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ تَوْقِيرُ الْأَنْبِيَاءِ وَهُوَ تَعْظِيمُهُمْ وَإِكْرَامُ ذِكْرِهُمْ وَتَجَنُّبُ أَيِّ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ يَغُضُّ مِنْ أَقْدَارِهِمْ، وَمِنْ هُنَا قَالَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم-: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى» أَيْ لِمَا يُوحِي بِهِ التَّفْضِيلُ عَلَيْهِ مِنْ غَضٍّ لِمَقَامِهِ، قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: حُقُوقُ الْأَنْبِيَاءِ فِي تَعْزِيرِهِمْ وَتَوْقِيرِهِمْ وَمَحَبَّتِهِمْ مَحَبَّةٌ مُقَدَّمَةٌ عَلَى مَحَبَّةِ النُّفُوسِ وَالْمَالِ وَالْأَهْلِ، وَإِيثَارُ طَاعَتِهِمْ وَمُتَابَعَةُ سُنَنِهِمْ وَنَحْوُ ذَلِكَ.

د- التَّسْلِيمُ وَالصَّلَاةُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ:

17- لَقَدْ أُمِرْنَا بِالصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ عَلَى مُحَمَّدٍ- صلى الله عليه وسلم- فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ.

وَأَمَّا سَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ فَقَدْ وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي سُورَةِ الصَّافَّاتِ ذِكْرُ السَّلَامِ عَلَى نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَإِلْيَاسَ، وَفِي خِتَامِ السُّورَةِ عَمَّ الْمُرْسَلِينَ بِالسَّلَامِ فَقَالَ: وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِين وَفِي سُورَةِ مَرْيَمَ ذَكَرَ السَّلَامَ عَلَى يَحْيَى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ.وَقَالَ تَعَالَى: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} وَمِنْ هُنَا لَمْ يُوجَدْ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي اسْتِحْبَابِ السَّلَامِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، لِأَنَّ مِثْلَ قوله تعالى: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ} يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، قِيلَ: {فِي الْآخِرِينَ} الْمُرَادُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ- صلى الله عليه وسلم-، وَقِيلَ: هُمْ جَمِيعُ الْأُمَمِ بَعْدَهُ، وَعَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ هُوَ دَلِيلُ الْمَشْرُوعِيَّةِ.وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم-: «إِذَا سَلَّمْتُمْ عَلَيَّ فَسَلِّمُوا عَلَى الْمُرْسَلِينَ، فَإِنَّمَا أَنَا رَسُولٌ مِنَ الْمُرْسَلِينَ».

وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَرِدْ فِيهَا بِخُصُوصِهِمْ نَصٌّ خَاصٌّ يَصِحُّ، وَمِنْ هُنَا ذَهَبَ مَالِكٌ فِي قَوْلٍ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الشِّفَا، وَبَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ، أَنَّهُ لَا تُشْرَعُ الصَّلَاةُ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ غَيْرَ مُحَمَّدٍ- صلى الله عليه وسلم-، وَأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ.

وَلَكِنْ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ بِجَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ وَاسْتِحْبَابِهَا قِيَاسًا عَلَى الصَّلَاةِ عَلَى مُحَمَّدٍ- صلى الله عليه وسلم-، وَلِأَنَّ أَكْثَرَهُمْ وَهُوَ مَنْ كَانَ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ يَدْخُلُونَ فِي الصَّلَاةِ الْإِبْرَاهِيمِيَّةِ: «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» دُخُولًا أَوَّلِيًّا، حَتَّى لَقَدْ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ: أَجْمَعَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِهَا وَاسْتِحْبَابِهَا عَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ اسْتِقْلَالًا.

وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ كَثِيرٍ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدِهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ نَاسًا مِنَ النَّاسِ قَدِ الْتَمَسُوا الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ، وَإِنَّ نَاسًا مِنَ الْقُصَّاصِ قَدْ أَحْدَثُوا فِي الصَّلَاةِ عَلَى خُلَفَائِهِمْ وَأُمَرَائِهِمْ عَدْلَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم-، فَإِذَا جَاءَكَ كِتَابِي هَذَا فَمُرْهُمْ أَنْ تَكُونَ صَلَاتُهُمْ عَلَى النَّبِيِّينَ وَدُعَاؤُهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً.

هـ- حُكْمُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ:

18- لَا يَجُوزُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْإِيمَانِ، وَلَا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ بَعْضِهِمْ وَبَعْضٍ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ بِاللَّهِ وَكَافِرٌ بِالْأَنْبِيَاءِ أَوْ بِبَعْضِهِمْ، أَوْ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ بِبَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ وَكَافِرٌ بِبَعْضِهِمُ الْآخَرِ، لَمْ يَسْتَحِقَّ اسْمَ الْإِيمَانِ وَلَمْ يَخْرُجْ بِإِيمَانِهِ بِمَنْ آمَنَ بِهِ عَنْ أَنْ يَسْتَحِقَّ اسْمَ الْكُفْرِ حَقِيقَةً، دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا}.ذَلِكَ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ يُصَدِّقُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَلَا يَنْفَعُ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ أَوْ بِبَعْضِ رُسُلِهِ إِيمَانُهُ إِذَا كَفَرَ بِرَسُولٍ مِنْ رُسُلِهِ، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ كَفَرَ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي أَوْحَى إِلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ، وَكَفَرَ بِسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ.

وَمَنْ سَمَّى أَتْبَاعَ الدِّيَانَاتِ السَّابِقَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ- صلى الله عليه وسلم- مُؤْمِنِينَ فَقَدْ خَالَفَ الشَّرِيعَةَ وَنَاقَضَ الْقُرْآنَ.

قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إِنَّمَا ذَلِكَ لِأَنَّ الْإِيمَانَ وَاجِبٌ بِكُلِّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، فَمَنْ رَدَّ نُبُوَّتَهُ لِلْحَسَدِ أَوِ الْعَصَبِيَّةِ أَوِ التَّشَهِّي يَتَبَيَّنُ أَنَّ إِيمَانَهُ بِمَنْ آمَنَ بِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لَيْسَ إِيمَانًا شَرْعِيًّا، إِنَّمَا هُوَ عَنْ غَرَضٍ وَهَوًى وَعَصَبِيَّةٍ، إِذْ لَوْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ بِهِ لِكَوْنِهِ رَسُولَ اللَّهِ لآَمَنُوا بِنَظِيرِهِ وَبِمَنْ هُوَ أَوْضَحُ دَلِيلًا وَأَقْوَى بُرْهَانًا.

وَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّينَ أَنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَأَلاَّ يَمْنَعَ أَحَدًا مِنْهُمْ مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْعِلْمِ وَالنُّبُوَّةِ مِنِ اتِّبَاعِ مَنْ يُبْعَثُ بَعْدَهُ وَنُصْرَتِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم-: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى- صلى الله عليه وسلم- كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلاَّ أَنْ يَتَّبِعَنِي» فَبِالْأَحْرَى أَتْبَاعُ مُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ يَلْزَمُهُمُ اتِّبَاعُ مُحَمَّدٍ- صلى الله عليه وسلم- وَالْإِيمَانُ بِهِ، وَإِلاَّ فَهُمْ مِنَ الْكَافِرِينَ حَقًّا.

وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْحُكْمِ أَيْضًا مَنْ قَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا- صلى الله عليه وسلم- إِنَّمَا أُرْسِلَ إِلَى جَاهِلِيَّةِ الْعَرَبِ خَاصَّةً، وَلَا يَلْزَمُ أَتْبَاعَ مُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ اتِّبَاعُهُ.

الْمُفَاضَلَةُ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ:

19- لَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ دَرَجَاتٌ وَأَنَّ بَعْضَهُمْ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا} وَقَوْلِهِ: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ}.وَقَالَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم-: «أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

وَمَنْ كَانَ مِنَ النَّبِيِّينَ رَسُولًا فَهُوَ أَفْضَلُ مِمَّنْ لَمْ يُرْسَلْ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فَإِنَّ مَنْ أُرْسِلَ فُضِّلَ عَلَى غَيْرِهِ بِالرِّسَالَةِ وَاسْتَوَوْا فِي النُّبُوَّةِ.

وَأَفْضَلُ الرُّسُلِ أُولُو الْعَزْمِ مِنْهُمْ، وَهَذَا الْقَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- رضي الله عنه-.

وَأَفْضَلُهُمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ مُحَمَّدٌ- صلى الله عليه وسلم-، ثُمَّ بَعْدَهُ إِبْرَاهِيمُ، ثُمَّ مُوسَى، ثُمَّ عِيسَى، - عليهم السلام-، عَلَى الْمَشْهُورِ، قَالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.

وَأَمَّا مَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- مِنَ النَّهْيِ عَنِ الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَهُمْ، حَيْثُ قَالَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم-: «لَا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ».وَقَالَ: «لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ» وَقَالَ: «لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى» وَقَالَ- صلى الله عليه وسلم-: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى».فَقِيلَ: هَذَا كَانَ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتُ التَّفْضِيلِ، وَقَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ بِأَنَّهُ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ.فَعَلَى هَذَا: التَّفْضِيلُ الْآنَ جَائِزٌ.

وَقِيلَ: إِنَّمَا قَالَهُ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم- عَلَى سَبِيلِ التَّوَاضُعِ.

وَقِيلَ: إِنَّمَا نَهَى عَنِ الْخَوْضِ فِي ذَلِكَ لِئَلاَّ يُؤَدِّيَ إِلَى أَنْ يُذْكَرَ بَعْضُهُمْ بِمَا لَا يَنْبَغِي، وَيَقِلَّ احْتِرَامُهُ عِنْدَ الْمُمَارَاةِ.

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وَابْنُ تَيْمِيَّةَ: إِنَّمَا نُهِيَ عَنْ تَعْيِينِ الْمَفْضُولِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ فُضِّلَ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ.

وَقَالَ شَارِحُ الطَّحَاوِيَّةِ: الْمَنْهِيُّ عَنْهُ التَّفْضِيلُ إِذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْعَصَبِيَّةِ وَالْفَخْرِ وَالْحَمِيَّةِ وَهَوَى النَّفْسِ، أَوْ عَلَى وَجْهِ الِانْتِقَاصِ لِلْمَفْضُولِ.

وَاخْتَارَ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّ الْمَنْعَ مِنَ التَّفْضِيلِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ النُّبُوَّةِ الَّتِي هِيَ خَصْلَةٌ وَاحِدَةٌ لَا تَفَاضُلَ فِيهَا، وَالتَّفْضِيلُ فِي زِيَادَةِ الْأَحْوَالِ وَالْخُصُوصِ وَالْكَرَامَاتِ وَالْأَلْطَافِ.

الْمُفَاضَلَةُ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْخَلْقِ:

20- لَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ سَائِرِ الْبَشَرِ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَمِنْ جَمِيعِ الْأَوْلِيَاءِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ} إِلَى أَنْ قَالَ: {وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ} فَقَوْلُهُ: {وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ} وَرَدَ بَعْدَ ذِكْرِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ نَبِيًّا، مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ.وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ}.قَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَلَا نُفَضِّلُ أَحَدًا مِنَ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَنَقُولُ: نَبِيٌّ وَاحِدٌ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ الْأَوْلِيَاءِ.

وَاخْتُلِفَ هَلِ الْأَنْبِيَاءُ أَفْضَلُ أَمِ الْمَلَائِكَةُ؟ فَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ خَوَاصَّ بَنِي آدَمَ، وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ الْمَلَائِكَةِ، وَعَوَّامَ بَنِي آدَمَ وَهُمُ الْأَتْقِيَاءُ أَفْضَلُ مِنْ عَوَامِّ الْمَلَائِكَةِ.وَالْمَسْأَلَةُ عِنْدَهُمْ خِلَافِيَّةٌ ظَنِّيَّةٌ، وَرُوِيَ التَّوَقُّفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ لِعَدَمِ الْقَاطِعِ، وَتَفْوِيضِ عِلْمِ مَا لَمْ يَحْصُلْ لَنَا الْجَزْمُ بِعِلْمِهِ إِلَى عَالِمِهِ.

وَأَطْلَقَ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْبَغْدَادِيُّ الْقَوْلَ بِأَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ يَقُولُونَ بِتَفْضِيلِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ، قَالَ: عَلَى خِلَافِ قَوْلِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَضْلِ مَعَ أَكْثَرِ الْقَدَرِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِتَفْضِيلِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ.

التَّسَمِّي بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ:

21- لَا بَأْسَ بِالتَّسَمِّي بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ، وَاسْتَحَبَّهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي وَهْبٍ الْجُشَمِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-: «تَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ» قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَقَدْ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ أَسْمَاءُ الْأَنْبِيَاءِ.قَالَ: وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ.

وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ- رضي الله عنه- أَنَّ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ غُلَامٌ فَسَمَّيْتُهُ بَاسِمِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ».

وَقِيلَ: يُكْرَهُ التَّسَمِّي بِأَسْمَائِهِمْ، قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَلَعَلَّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ قَصَدَ صِيَانَةَ أَسْمَائِهِمْ عَنِ الِابْتِذَالِ وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ (تَسْمِيَة ف 11).

حُكْمُ مَنْ آذَى نَبِيًّا أَوِ انْتَقَصَهُ:

22- مَنْ آذَى نَبِيًّا مِنَ الْمُتَّفَقِ عَلَى نُبُوَّتِهِمْ، أَوْ سَبَّهُ، أَوِ اسْتَخَفَّ بِهِ، أَوْ كَذَّبَهُ أَوْ جَوَّزَ عَلَيْهِ الْكَذِبَ، فَقَدْ كَفَرَ، وَحُكْمُهُ كَحُكْمِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ- صلى الله عليه وسلم-، لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ فَضَّلَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْبَشَرِ جَمِيعًا، كَمَا فِي قَوْلِهِ: {وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ} فَفِي انْتِقَاصِ أَحَدٍ مِنْهُمْ تَكْذِيبٌ لِلْقُرْآنِ.

وَهَذَا بِخِلَافِ مَنِ اخْتُلِفَ فِي نُبُوَّتِهِ مِنْهُمْ.قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: لَيْسَ الْحُكْمُ فِي سَابِّ أَحَدٍ مِنَ الْمُخْتَلَفِ فِي نُبُوَّتِهِ مِنْهُمْ وَالْكَافِرِ بِهِ كَالْحُكْمِ فِيمَنِ اتُّفِقَ عَلَى نُبُوَّتِهِ، إِذْ لَمْ تَثْبُتْ لَهُمْ تِلْكَ الْحُرْمَةُ، وَلَكِنْ يُزْجَرُ مَنْ تَنَقَّصَهُمْ وَآذَاهُمْ، وَيُؤَدَّبُ بِقَدْرِ حَالِ الْمَقُولِ فِيهِ، لَا سِيَّمَا مَنْ عُرِفَتْ صِدِّيقِيَّتُهُ وَفَضْلُهُ مِنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ نُبُوَّتُهُمْ.قَالَ: وَأَمَّا إِنْكَارُ نُبُوَّتِهِمْ فَإِنْ كَانَ الْمُتَكَلِّمُ فِي ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ، لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ عَوَامِّ النَّاسِ زُجِرَ عَنِ الْخَوْضِ فِي مِثْلِ هَذَا، فَإِنْ عَادَ أُدِّبَ.

حُكْمُ تَصْوِيرِ الْأَنْبِيَاءِ:

23- ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى تَحْرِيمِ تَصْوِيرِ كُلِّ ذِي رُوحٍ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ.

وَتَصْوِيرُ الْأَنْبِيَاءِ أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ خَشْيَةَ الْفِتْنَةِ بِهِمْ وَتَطَوُّرَ الْأَمْرِ إِلَى عِبَادَةِ صُوَرِهِمْ وَتَمَاثِيلِهِمْ كَمَا يَفْعَلُهُ جَهَلَةُ النَّصَارَى.

وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ- صلى الله عليه وسلم- قَالَ فِيهِمْ: «إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- لَمَّا رَأَى الصُّوَرَ فِي الْبَيْتِ لَمْ يَدْخُلْ حَتَّى أَمَرَ بِهَا فَمُحِيَتْ، وَرَأَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ بِأَيْدِيهِمَا الْأَزْلَامُ، فَقَالَ: قَاتَلَهُمُ اللَّهُ، وَاللَّهِ إِنِ اسْتَقْسَمَا بِالْأَزْلَامِ قَطُّ».

وَلِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ مُصْطَلَحَ (تَصْوِير ف 26).

نَبِيُّ اللَّهِ مُحَمَّدٌ- صلى الله عليه وسلم-:

24- النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ- صلى الله عليه وسلم-، اصْطَفَاهُ اللَّهُ تَعَالَى وَشَرَّفَهُ بِالنُّبُوَّةِ، وَجَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ وَرَسُولًا إِلَى الثَّقَلَيْنِ، وَخَتَمَ اللَّهُ تَعَالَى النُّبُوَّاتِ بِهِ، فَلَا نَبِيَّ بَعْدَهُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ.

موسوعة الفقه الكويتية-وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت-صدرت بدءًا من: 1404هـ/1984م


5-الغريبين في القرآن والحديث (وحي)

(وحي)

قوله تعالى: {وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه} قيل: معنى أوحينا ها هنا إلقاء الله تعالى في قلبها، قال أبو منصور: الذي بعد هذا دل على أنه وحي إعلام لا وحي إلهام، ألا تراه يقول: {إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين} وأصله في اللغة: إعلام في خفاء ولذلك كان الإلهام يسمى وحيا.

ومنه قوله: {وإذ أوحيت إلى الحواريين}.

وقوله: {وأوحى ربك إلى النحل} وقيل معنى (أوحيت إلى الحواريين)

أي أمرتهم يقال: وحى وأوحى وحي وأوحي بمعناه قال العجاج:

«وحى لها القراد فاستقرت *** أي: أمر الأرض بالإقرار»

قوله تعالى: {بأن ربك أوحى لها} أي: ألهمها.

وقوله تعالى: {فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا} أي: أومأ ورمز، وقيل: كتب لهم في الأرض بيده.

وقوله تعالى: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم} أي: يوسوسون فيلقون في قلوبهم الجدال بالباطل.

وفي الحديث (الوحاء الوحاء) هو السرعة، والفعل منه توحيت توحيا.

الغريبين في القرآن والحديث-أبو عبيد أحمد بن محمد الهروي-توفي: 401هـ/1010م


6-لسان العرب (تهم)

تهم: تَهِمَ الدُّهْنُ واللحمُ تَهَمًا، فَهُوَ تَهِمٌ: تَغَيَّرَ.

وَفِيهِ تَهَمةٌ أَي خُبْث رِيح نَحْوُ الزُّهومة.

والتَّهَمُ: شدَّة الحرِّ وسكونُ الرِّيحِ.

وتِهامةُ: اسْمُ مَكَّةَ وَالنَّازِلُ فِيهَا مُتْهِمٌ، يَجُوزُ أَن يَكُونَ اشتِقاقُها مِنْ هَذَا، وَيَجُوزُ أَن يَكُونَ مِنَ الأَوَّل لأَنها سَفُلتْ عَنْ نَجْدٍ فَخبُث ريحُها، وَقِيلَ: تِهامةُ بَلَدٌ، وَالنَّسَبُ إِليه تِهامِيٌّ وتَهامٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، كأَنهم بَنَوا الِاسْمَ عَلَى تَهْمِيّ أَو تَهَمِيٍّ، ثُمَّ عوَّضوا الأَلف قَبْلَ الطَّرف مِنْ إِحْدى الياءَين اللَّاحِقَتين بَعْدَهَا؛ قَالَ ابْنُ جِنِّي: وَهَذَا يدُلُّك عَلَى أَن الشَّيْئَيْنِ إِذا اكتَنَفا الشَّيْءَ مِنْ نَاحِيَتِهِ تقاربَتْ حَالَاهُمَا وحالاهُ بِهِمَا، ولأَجله وبسبَبه مَا ذهَب قَوْمٌ إِلى أَن حَرَكَةَ الْحَرْفِ تَحْدُث قَبْلَهُ، وَآخَرُونَ إِلى أَنها تَحْدُث بَعْدَهُ، وَآخَرُونَ إِلى أَنها تحدُث مَعَهُ؛ قَالَ أَبو عَلِيٍّ: وَذَلِكَ لغُمُوضِ الأَمر وَشِدَّةِ القُرْب، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي شَآمٍ ويَمانٍ.

قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: فإِن قُلْتَ فإِنَّ فِي تِهامةَ أَلِفًا فلِمَ ذهَبْتَ فِي تَهام إِلى أَن الأَلف عِوَض مِنْ إِحْدَى ياءَي الإِضافة؟ قِيلَ: قَالَ الْخَلِيلُ فِي هَذَا إِنهم كأَنهم نسَبوا إِلى فَعْل أَو فَعَل، فكأَنهم فَكُّوا صِيغة تِهامةَ فأَصاروها إِلى تَهْمٍ أَو تَهَم، ثُمَّ أَضافوا إِليه فَقَالُوا تَهامٍ، وإِنما مثَّل الْخَلِيلُ بَيْنَ فَعْل وفَعَل وَلَمْ يَقْطَعْ بأَحدهما لأَنه قَدْ جَاءَ هَذَا الْعَمَلُ فِي هَذَيْنِ جَمِيعًا، وَهُمَا الشَّامُ وَالْيَمَنُ؛ قَالَ ابْنُ جِنِّي: وَهَذَا التَّرْخيم الَّذِي أَشرف عَلَيْهِ الْخَلِيلُ ظَنًّا قَدْ جَاءَ بِهِ السَّمَاعُ نَصًّا؛ أَنْشَدَ أَحمد بْنُ يَحْيَى:

أَرَّقَنِي الليلةَ ليلٌ بالتَّهَمْ، ***يَا لَكَ بَرْقًا، مَن يَشِمْه لَا يَنَمْ

قَالَ: فَانْظُرْ إِلى قوَّة تصوُّر الْخَلِيلِ إِلى أَن هَجَم بِهِ الظنُّ عَلَى الْيَقِينِ، ومَن كَسَرَ التَّاءَ قَالَ تِهامِيّ؛ هَذَا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ.

الْجَوْهَرِيُّ: النِّسْبَةُ إِلى تِهامةَ تِهامِيّ وتَهامٍ، إِذا فَتَحْتَ التَّاءَ لَمْ تُشَدِّدْ كَمَا قَالُوا يَمانٍ وشآمٍ، إِلَّا أَنَّ الأَلف فِي تَهامٍ مِنْ لَفْظِهَا، والأَلف فِي يَمانٍ وشآمٍ عِوَضٌ مِنْ ياءَي النِّسْبَةِ؛ قَالَ ابْنُ أَحمر:

وكنَّا وهُم كابْنَيْ سُباتٍ تَفَرَّقا ***سِوىً، ثُمَّ كَانَا مُنْجِدًا وتَهامِيَا

وأَلْقى التَّهامِي مِنْهُمَا بِلَطاتِه، ***وأَحْلَط هَذَا: لَا أَرِيمُ مَكانِيَا

قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: قَوْلُ الْجَوْهَرِيِّ إِلا أَنَّ الأَلف فِي تَهام مِنْ لَفْظِهَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، بَلِ الأَلف غَيْرُ الَّتِي فِي تِهامة، بِدَلِيلِ انْفِتَاحِ التَّاءِ فِي تَهام، وأَعاد مَا ذَكَرْنَاهُ عَنِ الْخَلِيلِ أَنه مَنْسُوبٌ إِلى تَهْم أَو تَهَم، أَراد بِذَلِكَ أَن الأَلف عِوَض مِنْ إِحدى ياءَي النَّسَبِ، قَالَ: وَحَكَى ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ عَنِ الزِّيَادِيِّ عَنِ الأَصمعي أَن التَّهَمةَ الأَرض المُتَصَوِّبة إِلى الْبَحْرِ، قَالَ: وكأَنها مَصْدَرٌ مِنْ تِهامةَ.

قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَهَذَا "يقوِّي قَوْلَ الْخَلِيلِ فِي تَهامٍ كأَنه مَنْسُوبٌ إِلى تَهَمَة أَو تَهْمة؛ قَالَ: وشاهدُ تَهامٍ قَوْلُ أَبي بَكْرِ بْنِ الأَسود الْمَعْرُوفِ بِابْنِ شُعُوبَ اللِّيثِيِّ وَشُعُوبُ أُمُّه:

ذَرِيني أَصْطَبِحْ يَا بَكْرُ، إِني ***رأَيتُ الْمَوْتَ نقَّب عَنْ هِشامِ

تَخَيَّره وَلَمْ يَعْدِلَ سِواهُ، ***فَنِعْمَ المَرْءُ مِنْ رجُل تَهامِ

وأَتْهَم الرجلُ وتَتَهَّمَ: أَتَى تِهامَةَ؛ قَالَ الممزَّق العَبْدِيّ:

فإِنْ تُتْهِمُوا أُنْجِدْ خِلافًا عليكُم، ***وإِنْ تُعْمِنوا مُستَحْقبي الحَرب أُعْرِق

قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: صَوَابُ إِنْشاد الْبَيْتِ: فإِنْ يُتْهِموا أُنْجِدْ خِلَافًا عليهمُ "عَلَى الغَيبة لَا عَلَى الْخِطَابِ، يُخاطب بِذَلِكَ بَعْضَ الْمُلُوكِ ويَعْتَذِرُ إِليه لسُوءٍ بلَغه عَنْهُ؛ وَقَبْلَ الْبَيْتِ:

أَكَلَّفْتَني أَدْواءَ قَومٍ تَرَكْتُهمْ، ***فإِلَّا تَداركْني مِنَ البَحْر أَغْرَق

أَي كلَّفْتَنِي جِنَايَاتِ قَوْمٍ أَنا مِنْهُمْ بَرِيءٌ ومُخالِف لَهُمْ ومُتباعد عَنْهُمْ، إِن أَتْهَموا أَنْجَدْت مخالِفًا لَهُمْ، وإِن أَنْجَدوا أَعْرَقْت، فَكَيْفَ تأْخُذني بذَنْب مَن هَذِهِ حَالُهُ؟ وَقَالَ أُمية بْنُ أَبي عَائِذٍ الهُذليّ:

شَآم يَمان مُنْجِد مُتَتَهِّم، ***حِجازِيَّة أَعْجازُه وَهُوَ مُسْهِلُ

قَالَ الرِّياشيّ: سَمِعْتُ الأَعراب يَقُولُونَ: إِذا انْحَدرْت مِنْ ثَنايا ذاتِ عِرْق فَقَدْ أَتْهَمْت.

قَالَ الرِّياشيّ: والغَوْرُ تهِامةُ، قَالَ: وأَرض تَهِمةٌ شَدِيدَةُ الْحَرِّ، قَالَ: وتَبالةُ مِنْ تِهامةَ.

وَفِي الْحَدِيثِ: «أَنَّ رَجُلًا أَتى النَّبِيَّ، صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، وَبِهِ وَضَحٌ، فَقَالَ: انظُرْ بَطْن وادٍ لَا مُنْجِدٍ وَلَا مُتْهِمٍ فَتَمَعَّكْ فِيهِ، فَفَعَلَ فَلَمْ يَزِدِ الوَضَحُ حَتَّى مَاتَ»؛ فالمُتْهِمُ: الَّذِي يَنْصبُّ مَاؤُهُ إِلى تِهامةَ؛ قَالَ الأَزهري: لَمْ يُرد سيدُنا رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْوَادِي لَيْسَ مِنْ نَجْد وَلَا تِهامةَ، وَلَكِنَّهُ أَراد حَدًّا مِنْهُمَا فَلَيْسَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ مِنْ نَجْد كُلُّهُ وَلَا مِنْ تِهامةَ كُلُّهُ، وَلَكِنَّهُ مِنْهُمَا، فَهُوَ مُنْجِد مُتْهِم، ونَجْد مَا بَيْنَ العُذَيب إِلى ذاتِ عِرْق وإِلى الْيَمَامَةِ وإِلى جَبَلَيْ طَيِءٍ وإِلى وَجْرة وإِلى الْيَمَنِ، وَذَاتُ عِرْق: أَوّل تِهامة إِلى الْبَحْرِ وجُدَّةَ، وَقِيلَ: تِهامةُ مَا بَيْنَ ذَاتِ عِرْق إِلى مَرْحَلَتين مِنْ وَرَاءِ مَكَّةَ، وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ المَغْرب فَهُوَ غَوْر، وَالْمَدِينَةُ لَا تِهاميَّة وَلَا نَجْديَّة فإِنها فَوْقَ الغَوْر وَدُونَ نَجْد.

وقومٌ تَهامون: كَمَا يُقَالُ يَمانون.

وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: مِنْهُمْ مَن يَقُولُ تَهامِيّ ويَمانيّ وشآمِيّ، بِالْفَتْحِ مَعَ التَّشْدِيدِ.

والتَّهْمة: تُسْتَعمل فِي مَوْضِعِ تِهامةَ كأَنها الْمَرَّةُ فِي قِيَاسِ قَوْلِ الأَصمعي.

والتَّهَم، بِالتَّحْرِيكِ: مَصْدَرٌ مِنْ تِهامة؛ وَقَالَ:

نَظَرْت، والعينُ مُبينةُ التَّهَمْ، ***إِلى سَنا نارٍ وَقُودُها الرَّتَمْ،

شُبَّتْ بأَعْلى عانِدَيْن مِنْ إِضَمْ "والمِتْهامُ: الْكَثِيرُ الإِتْيان إِلى تِهامةَ.

وإِبل مَتاهِيم ومَتاهِم: تأْتي تِهامةَ؛ قَالَ:

أَلا انْهَماها إِنَّها مَناهِيمْ، ***وإِنَّنا مَناجِدٌ مَتاهِيمْ

يَقُولُ: نَحْنُ نأْتي نَجْدًا ثُمَّ كَثِيرًا مَا نأْخُذ مِنْهَا "إِلى تِهامةَ.

وأَتْهَمَ الرجلُ إِذا أَتى بِمَا يُتْهَم عَلَيْهِ؛ قَالَ الشَّاعِرُ:

هُما سَقَياني السُّمَّ مِنْ غَيْرِ بَغْضةٍ، ***عَلَى غَيْرِ جُرْم فِي أَقاوِيل مُتْهِم

وَرَجُلٌ تِهامٌ وامرأَة تِهاميَّة إِذا نُسِبَا إِلى تِهامةَ.

الأَصمعي: التَّهَمةُ الأَرض المُتَصَوِّبة إِلى الْبَحْرِ كأَنها مَصْدَرٌ مِنْ تِهامة.

والتَّهائم: المُتصوِّبة إِلى الْبَحْرِ.

قَالَ الْمُبَرِّدُ: إِنما قَالُوا رَجُلٌ تَهام فِي النِّسْبَةِ إِلى التَّهْمة لأَن الأَصل تَهمة، فَلَمَّا زَادُوا أَلفًا خفَّفوا يَاءَ النِّسْبَةِ كَمَا قَالُوا رَجُلٌ يَمان إِذا نَسَبُوا إِلى الْيَمَنِ، خفَّفوا لَمَّا زَادُوا أَلفًا، وشآمٍ إِذا نسبتَ إِلى الشَّامِ زَادُوا أَلفًا فِي تَهام وخفَّفوا يَاءَ النِّسْبَةِ.

وتَهِمَ البعيرُ تَهَمًا: وَهُوَ أَن يستنكِر المَرْعَى وَلَا يَسْتَمْرِئه وتَسُوء حالُه، وَقَدْ تَهِم أَيضًا، وَهُوَ تَهِمٌ إِذا أَصابه حَرُورٌ فهُزِل، وتَهِم الرَّجُلُ، فَهُوَ تَهِمٌ: خَبُثت ريحُه.

وتَهِمَ الرَّجُلُ، فَهُوَ تَهِمٌ: ظَهَرَ عَجْزُهُ وتحيَّر؛ وأَنشد ابْنُ الأَعرابي:

مَنْ مُبْلِغ الحَسْنَا اْنَّ بَعْلَها تَهِمْ، ***وأَنَّ مَا يُكْتَم مِنْهُ قَدْ عُلِمْ؟

أَراد الحَسْناء فقصَر لِلضَّرُورَةِ، وأَراد أَنَّ فَحَذَفَ الْهَمْزَةَ لِلضَّرُورَةِ أَيضًا كَقِرَاءَةِ مَنْ قرأَ: أَنِ ارْضِعيه.

والتُّهْمةُ: أَصلها الْوَاوُ فَتُذْكَرُ هناك.

لسان العرب-ابن منظور الإفريقي-توفي: 711هـ/1311م


7-لسان العرب (دلم)

دلم: الأَدلَمُ: الشَّدِيدُ السَّوَادِ مِنَ الرِّجَالِ والأُسْدِ وَالْحَمِيرِ وَالْجِبَالِ والصَّخرِ فِي مُلُوسَةٍ، وَقِيلَ: هُوَ الآدَمُ، وَقَدْ دَلِمَ دَلَمًا.

التَّهْذِيبُ: الأَدْلَمُ مِنَ الرِّجَالِ الطويلُ الأَسْودُ، وَمِنَ الْجَبَلِ كَذَلِكَ فِي مُلُوسَةِ الصَّخْر غَيْرُ جِدّ شَدِيدِ السَّوَادِ؛ قَالَ رُؤْبَةُ يَصِفُ فِيلًا: " كَانَ دَمْخًا ذَا الهِضابِ الأَدْلَمَا "وَقَالَ ابْنُ الأَعرابي: الأَدْلَمُ مِنَ الأَلوان الأَدْغَمُ.

وَقَالَ شِمْرٌ: رَجُلٌ أَدْلَمُ وَجَبَلٌ أَدْلَمُ، وَقَدْ دَلِمَ دَلَمًا، وَقَدِ ادْلامَّ الرجلُ وَالْحِمَارُ ادْلِيمامًا؛ وَقَوْلُ عَنْتَرَةَ:

وَلَقَدْ هَمَمْتُ بِغارةٍ فِي ليلةٍ ***سَوْداءَ حالِكةٍ، كلَوْنِ الأَدْلَمِ

قَالُوا: الأَدْلَمُ هَاهُنَا الأَرَنْدَجُ.

وَيُقَالُ لِلِحْيَةِ الأَسود: أَدْلَمُ.

وَيُقَالُ: الأَدْلامُ أَولاد الْحَيَّاتِ، وَاحِدُهَا دُلْمٌ.

وَمِنْ أَمثالهم: أَشدُّ مِنْ دَلَمٍ؛ يُقَالُ: إِنه يشبه الحيَّة يكون بِنَاحِيَةِ الْحِجَازِ؛ الدَّلَمُ يُشَبِّهُ الطَّبُّوعَ وَلَيْسَ بِالْحَيَّةِ.

والدَّلْماءُ: لَيْلَةُ ثَلَاثِينَ مِنَ الشَّهْرِ لِسَوَادِهَا.

والدَّلامُ: السَّوَادُ؛ عَنِ السِّيرَافِيِّ.

والدَّلامُ: الأَسود؛ قَالَ: وإِياه عَنَى سِيبَوَيْهِ بِقَوْلِهِ: انْعَتْ دَلامًا.

ودَلَمٌ: مِنْ أَسماء شُعَرَائِهِمْ، وَهُوَ دَلَمٌ أَبو زُغَيْبٍ، وإِليه عَزَا ابْنُ جِنِّيٍّ قَوْلَهُ:

حَتَّى يقولَ كلُّ رَاهٍ إِذْ راهْ: ***يَا وَيْحَهُ مِنْ جَمَلٍ، مَا أَشْقاهْ!

أَراد إِذْ رَآه، فأَلقى حَرَكَةَ الْهَمْزَةِ عَلَى الْهَاءِ وَكَسَرَهَا لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وَحَذَفَ الْهَمْزَةَ البَتَّة كَقِرَاءَةِ مَنْ قرأَ: أَنِ ارْضِعيه، بِكَسْرِ النُّونِ وَوَصْلِ الأَلف، وَهُوَ شَاذٌّ.

والدَّيْلَمُ: الْجَمَاعَةُ الْكَثِيرَةُ مِنَ النَّاسِ.

والدَّيْلَمُ: الحَبَشِيّ مِنَ النَّمْلِ، يَعْنِي الأَسود، وَقِيلَ الدَّيْلَمُ مُجْتَمَعُ النَّمْلِ والقِرْدانِ فِي أَعْقارِ الحِياض وأَعْطان الإِبل، وَقِيلَ هِيَ الْجَمَاعَةُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، قَالَ: يُعْطِي الهُنَيْداتِ ويُعْطِي الدَّيْلَمَا اللَّيْثُ: الدَّيْلَمُ جيلٌ مِنَ النَّاسِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: هُمْ مِنْ وَلَدِ ضَبَّةَ بْنَ أُدٍّ، وَكَانَ بَعْضُ مُلوك الْعَجَمِ وضَعهم فِي تِلْكَ الْجِبَالِ فَرَبَلُوا بِهَا.

ابْنُ الأَعرابي: الدَّيْلَم النَّمْلُ والدَّيْلَمُ السُّودان.

ابْنُ سِيدَهْ: والدّيْلَمُ جِيلٌ مِنَ النَّاسِ مَعْرُوفٌ يُسَمَّى التُّرْكَ، عَنْ كُرَاعٍ.

وَفِي الْحَدِيثِ: «أَميرُكم رَجُلٌ طُوالٌ أَدْلَمُ، الأَدْلمُ الأَسود الطَّوِيلُ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: فَجَاءَ رَجُلٌ أَدْلَمُ فاستأْذن عَلَى النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّه عليه وَسَلَّمَ، قِيلَ: هُوَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ».

وَفِي حَدِيثِ مُجَاهِدٍ فِي ذِكْرِ أَهل النَّارِ: «لَسَعَتْهم عقارِبُ كأَمثال البِغال الدُّلْمِ» أَي السُّودِ، جَمْعُ أَدْلَم.

والدَّيْلَمُ: الإِبل، وأَما قَوْلُ رُؤْبَةَ: فِي ذِي قُدامَى مُرْجَحِنٍّ ديْلَمُه فإِن أَبا عَمْرٍو قَالَ: كَثْرَته كَكَثْرةِ النَّمْلِ، وَهُوَ الدَّيْلَمُ، قَالَ: وَيُقَالُ لِلْجَيْشِ الْكَثِيرِ دَيْلَم، أَراد فِي جَيش ذِي قُدامَى، والمُرْجَحِنُّ: الثَّقِيلُ الْكَثِيرُ.

والدَّيْلَمُ: الأَعداء.

والديْلَمُ: مَاءٌ مَعْرُوفٌ بأَقاصي البَدْوِ، وَفِي التَّهْذِيبِ: الدَّيْلَمُ مَاءَةٌ لِبَنِي عَبْسٍ، وَقَوْلُ عَنْتَرَةَ:

شَرِبَتْ بِمَاءِ الدُّحْرُضَيْنِ، فأَصْبَحَتْ ***زَوْراءَ، تَنْفِرُ عَنْ حِياضِ الدَّيْلَمِ

يُفَسَّرُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ، وَقِيلَ فِيهِ: عَنْ حِياض الأَعْداء، وَقِيلَ: الدَّيْلَمُ حِيَاضٌ بالغَوْرِ، وَقِيلَ: عَنْ حِيَاضِ ماءٍ لِبَنِي عَبْسٍ، وَقِيلَ: أَراد بالدَّيْلَمِ بَنِي ضَبَّة، سُمُّوا دَيْلَمًا لدُغْمَةٍ فِي أَلوانهم.

يُقَالُ: هُمْ ضَبَّة لأَنهم أَو عامَّتَهُمْ دُلْمٌ، قَالَ ابْنُ الأَعرابي: سأَل أَبو مُحَلّم بَعْضَ الأَعراب عَنِ الدَّيْلَمِ فِي هَذَا الْبَيْتِ فَقَالَ: هِيَ حِياض بالغَوْر، قَالَ: وَقَدْ أَورد بِهَا إِبلًا وأَراد بِذَلِكَ تَخْطِئَةَ الأَصمعي، قَالَ: وَالصَّحِيحُ أَن الدَّيْلَمَ رَجُلٌ مِنْ ضَبَّةَ، وَهُوَ الدَّيْلَمُ بن ناسِكِ ابن ضَبَّةَ، وَذَلِكَ أَنه لَمَّا سَارَ ناسِك إِلى أَرض الْعِرَاقِ وأَرض فارِسَ اسْتَخْلَفَ الدَّيْلَمَ ولَده عَلَى أَرض الْحِجَازِ، فَقَامَ بأَمر أَبيه وحَوَّضَ الحِياض وحَمَى الأَحْماء، ثُمَّ إِن الدّيْلَمَ لَمَّا سَارَ إِلى أَبيه أَوْحَشَتْ دَارُهُ وَبَقِيَتْ آثَارُهُ، فَقَالَ عَنْتَرَةُ فِي ذَلِكَ مَا قَالَ.

والدُّحْرُضانِ: هُمَا دُحْرُضٌ ووَسِيعٌ مَاءَانِ: فدُحْرُضٌ لِآلِ الزِّبْرِقانِ بْنِ بَدْرٍ، ووَسِيعٌ لِبَنِي أَنْف النَّاقةِ، وَقِيلَ: أَراد عَنْتَرَةُ بِالْبَيْتِ أَن عَدَاوَتَهُمْ كَعَدَاوَةِ الدَّيْلَمِ مِنَ الْعَدُوِّ لِلْعَرَبِ، وَلَمْ يُرِدِ النملَ وَلَا القِرْدان كَمَا قال:

جاؤوا يَجُرُّونَ البُرُودَ جَرّا، ***صُهْبَ السِّبالِ يَبْتَغُون الشَّرّا

أَراد أَن عَدَاوَتَهُمْ كَعَدَاوَةِ الرُّومِ لِلْعَرَبِ، والرُّومُ صُهْبُ السِّبال وأَلوانُ الْعَرَبِ السُّمْرَةُ والأُدْمَةُ إِلّا قَلِيلًا.

والدّيْلَمُ: ذَكَر الدُّرّاج، عَنْ كُرَاعٍ.

ودَلَمٌ ودُلَمٌ ودُلامٌ ودُلامَةُ ودُلَيْمٌ كُلُّهَا: أَسماء، قَالَ:

إِن دُلَيْمًا قَدْ أَلاحَ بعَشِي ***وَقَالَ: أَنْزِلْني، فَلَا إِيضاع بِي

أَراد لَا قُوَّةَ بِي عَلَى الإِيضاع.

وأَبو دُلامةَ: كُنْيَةُ رَجُلٍ.

وأَبو دُلامَة: اسْمُ الْجَبَلِ المُطِلِّ عَلَى الحَجُونِ، وَقِيلَ: كَانَ الحَجُون هُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ أَبو دُلامَة.

والدّيْلَمُ: الدَّاهِيَةُ، أَنشد أَبو زَيْدٍ يَصِفُ سَهْمًا، وَقِيلَ: هُوَ للمَيْدانِ الفَقْعَسِيِّ، وَقِيلَ: هُوَ للكُمَيْتِ بْنِ مَعْرُوفٍ، وَيُرْوَى لأَبيه:

أَنْعَتُ أَعْيارًا رَعَيْنَ كِيرَا، ***مُسْتَبْطناتٍ قَصَبًا ضُمُورَا

يَحْمِلْنَ عَنْقاءَ وعَنْقَفِيرَا، ***وأُمَّ خَشَّافٍ وخَنْشَفيرَا،

والدَّلْوَ والدَّيْلَمَ والزَّفيرَا وَكُلُّهَا دواهٍ، وأَعْيار النُّصُول هِيَ النَّاتِئَةُ فِي وَسَطِهَا، ورَعْيُهنّ كِيرَ الحَدّادِ كونُهن فِي النَّارِ ثُمَّ رُكِّبْنَ فِي قَصَبِ السِّهَامِ.

والدَّيْلَمُ: الْمَوْتُ، وَقَالَ ابْنُ السِّيرَافِيِّ: أَراد بالأَعْيارِ حُمُرَ الْوَحْشِ، وكيرٌ: اسْمُ مَوْضِعٍ، وأَراد بِقَوْلِهِ يَحْمِلْنَ عَنْقاء وعنْقفيرا وَنَحْوَهَا مِنَ الدَّوَاهِي كَمَرًا وجَرادينَ تُهْدَى لامرأَة وأَنها تَصْلُحُ لَهَا، يَهْجُو بِذَلِكَ سالم بن دارَةَ، ودارةُ أُمُّه، وَالَّذِي ذَكَرَهُ أَبو زَيْدٍ مِنْ أَنه وَصَفَ سِهَامًا أَقرب وأَبين مِنْ هَذَا.

التَّهْذِيبُ: ابْنُ شُمَيْلٍ السَّلامُ شَجَرَةٌ تَنْبُتُ فِي الْجِبَالِ نُسَمِّيهَا الدَّيْلَمَ.

لسان العرب-ابن منظور الإفريقي-توفي: 711هـ/1311م


8-لسان العرب (وحي)

وحي: الوَحْيُ: الإِشارة وَالْكِتَابَةُ والرِّسالة والإِلْهام وَالْكَلَامُ الخَفِيُّ وكلُّ مَا أَلقيته إِلى غَيْرِكَ.

يُقَالُ: وحَيْتُ إِليه الكلامَ وأَوْحَيْتُ.

ووَحَى وَحْيًا وأَوْحَى أَيضًا أَي كَتَبَ؛ قَالَ الْعَجَاجُ:

حَتَّى نَحَاهُمْ جَدُّنا والنَّاحِي ***لقَدَرٍ كانَ وحَاه الوَاحِي

بِثَرْمَداء جَهْرَةَ الفِضاحِ "والوَحْيُ: الْمَكْتُوبُ والكِتاب أَيضًا، وَعَلَى ذَلِكَ جَمَعُوا فَقَالُوا وُحِيٌّ مِثْلَ حَلْيٍ وحُلِيٍّ؛ قَالَ لَبِيدٌ:

فمَدافِعُ الرَّيّانِ عُرِّيَ رَسْمُها ***خَلَقًا، كَمَا ضَمِنَ الوُحِيَّ سِلامُها

أَراد مَا يُكتب فِي الْحِجَارَةِ ويُنقش عَلَيْهَا.

وَفِي حَدِيثِ "الحرث الأَعْوَر: « قَالَ عَلْقَمَةُ قرأْتُ القُرآن فِي سَنَتَيْنِ»، فَقَالَ الحرثُ: الْقُرْآنُ هَيِّنٌ، الوَحْيُ أَشدُّ مِنْهُ؛ أَراد بِالْقُرْآنِ القِراءة وبالوَحْي الكِتابة والخَطَّ.

يُقَالُ: وحَيْتُ الكِتاب وَحْيًا، فأَنا واحٍ؛ قَالَ أَبو مُوسَى: كَذَا ذَكَرَهُ عَبْدُ الْغَافِرِ، قَالَ: وإِنما الْمَفْهُومُ مِنْ كلام الحرث عِنْدَ الأَصحاب شَيْءٌ تَقُولُهُ الشِّيعَةُ أَنه أُوحِيَ إِلى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شيءٌ فخَصَّ بِهِ أَهل الْبَيْتِ.

وأَوْحى إِليه: بَعَثه.

وأَوْحى إِليه: أَلْهَمَه.

وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: {وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ}، وَفِيهِ: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها "؛ أَي إِليها، فَمَعْنَى هَذَا أَمرها، ووَحَى فِي هَذَا الْمَعْنَى؛ قَالَ الْعَجَاجُ:

وحَى لَهَا القَرارَ فاسْتَقَرَّتِ، ***وشَدَّها بالرّاسِياتِ الثُّبَّتِ

وَقِيلَ: أَراد أَوْحى إِلا أَنَّ مِنْ لُغَةِ هَذَا الرَّاجِزِ إِسقاط الْهَمْزَةِ مَعَ الْحَرْفِ، وَيُرْوَى أَوْحى؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: ووَحَى فِي الْبَيْتِ بِمَعْنَى كَتَبَ.

ووَحَى إِليه وأَوْحَى: كلَّمه بِكَلَامٍ يُخفِيه مِنْ غَيْرِهِ.

ووَحى إِليه وأَوْحى: أَوْمَأَ.

وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: {فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا}؛ وَقَالَ: " فأَوْحَتْ إِلينا والأَنامِلُ رُسْلُها وَقَالَ الْفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِ {فَأَوْحى إِلَيْهِمْ}: أَي أَشار إِليهم، قَالَ: وَالْعَرَبُ تَقُولُ أَوْحى ووَحَى وأَوْمى ووَمى بِمَعْنًى وَاحِدٍ، ووَحى يحِي ووَمى يَمِي.

الْكِسَائِيُّ: وَحَيْتُ إِلَيْهِ بِالْكَلَامِ أَحي بِهِ وأَوْحَيْتُه إِليه، وَهُوَ أَن تُكَلِّمَهُ بِكَلَامٍ تُخْفِيهِ مِنْ غَيْرَهُ؛ وَقَوْلُ أَبي ذُؤَيْبٍ:

فَقَالَ لَهَا، وقدْ أَوْحَتْ إِليه: ***أَلا للهِ أُمُّك مَا تَعِيفُ

أَوحت إِلَيْهِ أَي كَلَّمَتْهُ، وَلَيْسَتِ العَقاة مُتَكَلِّمَةً، إِنَّمَا هُوَ عَلَى قَوْلِهِ: قَدْ قالتِ الأَنْساعُ للبَطْن الحَقي "وَهُوَ بَابٌ وَاسِعٌ، وأَوْحى اللَّهُ إِلَى أَنبيائه.

ابْنُ الأَعرابي: أَوْحى الرجلُ إِذا بعَث بِرَسُولٍ ثِقَةٍ إِلَى عَبْدٍ مِنْ عبيدِه ثِقة، وأَوْحى أَيضًا إِذا كَلَّم عبدَه بِلَا رَسُولٍ، وأَوْحى الإِنسانُ إِذا صارَ ملِكًا بَعْدَ فَقْر، وأَوْحى الإِنسانُ ووَحَى وأَحَى إِذا ظَلَمَ فِي سُلْطَانِهِ، واسْتَوْحَيْتُه إِذَا اسْتَفْهَمْته.

والوَحْيُ: مَا يُوحِيه اللهُ إِلى أَنْبيائه.

ابْنُ الأَنباري فِي قَوْلِهِمْ: أَنا مُؤْمِنٌ بوَحْيِ اللَّهِ، قَالَ: سَمِّيَ وَحْيًا لأَنَّ الْمَلِكَ أَسَرَّه عَلَى الْخَلْقِ وخَصَّ بِهِ النبيَّ، صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، المبعوثَ إِليهِ؛ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا}؛ مَعْنَاهُ يُسِرُّ بعضُهم إِلى بَعْضٍ، فَهَذَا أَصل الْحَرْفِ ثُمَّ قُصِرَ الوَحْيُ للإِلهامِ، وَيَكُونُ للأَمر، وَيَكُونُ للإِشارة؛ قَالَ عَلْقَمَةُ: " يُوحي إِليها بأَنْقاضٍ ونَقْنَقَةٍ وَقَالَ الزَّجَّاجُ فِي قَوْلِهِ تعالى: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي}؛ قَالَ بَعْضُهُمْ: أَلْهَمْتُهم كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَوْحَيْتُ إِلى الحَوارِيِّين أَمرتهم}؛ وَمِثْلُهُ: " وحَى لَهَا القَرارَ فاسْتَقَرَّتِ أَي أَمرها، وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي قَوْلِهِ: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ "؛ أَتَيْتُهم فِي الوَحْي إِلَيْكَ بالبَراهِين وَالْآيَاتِ الَّتِي اسْتَدَلُّوا بِهَا عَلَى الإِيمان فَآمَنُوا بِي وَبِكَ.

قَالَ الأَزهري: وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ}؛ قَالَ: الوَحْيُ هَاهُنَا إِلقاءُ اللهِ فِي قلبِها، قَالَ: وَمَا بَعْدُ هَذَا يَدُلُّ، وَاللَّهُ أَعلم، عَلَى أَنه وَحْيٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى جِهَةِ الإِعلامِ للضَّمانِ لَهَا: إِنَّارَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ؛ وَقِيلَ: إنَّ مَعْنَى الوَحْي هَاهُنَا الإِلهام، قَالَ: وَجَائِزٌ أَن يُلْقِيَ اللَّهُ فِي قَلْبِهَا أَنه مَرْدُودٌ إِلَيْهَا وأَنه يَكُونُ مُرْسَلًا، وَلَكِنَّ الإِعلام أَبين فِي مَعْنَى الْوَحْيِ هَاهُنَا.

قَالَ أَبو إسحق: وأَصل الْوَحْيِ فِي اللُّغَةِ كُلِّهَا إِعْلَامٌ فِي خَفاء، وَلِذَلِكَ صَارَ الإِلهام يُسَمَّى وَحْيًا؛ قَالَ الأَزهري: وَكَذَلِكَ الإِشارةُ والإِيماءُ يُسَمَّى وَحْيًا وَالْكِتَابَةُ تُسَمَّى وَحْيًا.

وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ}؛ مَعْنَاهُ إِلَّا أَن يُوحيَ إِليه وَحْيًا فيُعْلِمَه بِمَا يَعْلمُ البَشَرُ أَنه أَعْلَمَه، إِما إِلْهَامًا أَو رؤْيا، وَإِمَّا أَن يُنزل عَلَيْهِ كِتَابًا كَمَا أُنزِل عَلَى مُوسَى، أَو قُرْآنًا يُتْلى عَلَيْهِ كَمَا أَنْزَله عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكُلُّ هَذَا إعْلامٌ وَإِنِ اختلَفت أَسبابُ الإِعلامِ فِيهَا.

وَرَوَى الأَزهري عَنْ أَبي زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَ}، مِنْ أَوْحَيْتُ، قَالَ: وناسٌ مِنَ الْعَرَبِ يَقُولُونَ وحَيْتُ إِلَيْهِ ووَحَيْتُ لَهُ وأَوْحَيْتُ إِليه وَلَهُ، قَالَ: وقرأَ جُؤَيَّة الأَسدي قل أُحِيَ إليَ "مِنْ وحَيْتُ، هَمَزَ الْوَاوَ.

ووَحَيْتُ لَكَ بِخَبَرِ كَذَا أَي أَشَرْتُ وصَوَّتُّ بِهِ رُوَيْدًا.

قَالَ أَبو الْهَيْثَمِ: يُقَالُ وَحَيْتُ إِلَى فُلَانٍ أَحي إِلَيْهِ وَحْيًا، وأَوْحَيْتُ إِليه أُوحِي إِيحَاءً إِذَا أَشرت إِليه وأَوْمأْتَ، قَالَ: وأَما اللُّغَةُ الْفَاشِيَةُ فِي الْقُرْآنِ فبالأَلف، وأَما فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ فوَحَيْتُ إِلَى فُلَانٍ مَشْهُورَةٌ؛ وأَنشد الْعَجَاجُ: " وَحَى لَهَا القَرارَ فاسْتَقَرَّتِ أَي وحَى اللهُ تَعَالَى للأَرض بأَن تَقِرَّ قَرَارًا وَلَا تميدَ بأَهلها أَي أَشار إِلَيْهَا بِذَلِكَ، قَالَ: وَيَكُونُ وَحى لَهَا القَرارَ أَي كَتب لَهَا القَرارَ.

يُقَالُ: وحَيْتُ الكتابَ أَحِيهِ وَحْيًا أَي كَتَبْتُهُ فَهُوَ مَوحِيٌّ.

قَالَ رُؤْبَةُ: إِنْجيلُ تَوْراةٌ وَحى مُنَمْنِمُهْ "أَي كتَبه كاتِبُه.

والوَحى: النارُ، وَيُقَالُ للمَلِكِ وَحًى مِنْ هَذَا.

قَالَ ثعلب: قلت لابن الأَعرابي مَا الوَحى؟ فَقَالَ: المَلِكُ، فَقُلْتُ: وَلِمَ سُمِّيَ الملِكُ وَحىً؟ فَقَالَ: الوَحى النَّارُ فكأَنه مِثلُ النَّارِ يَنْفَع ويَضُرُّ.

والوَحى: السِّيدُ مِنَ الرِّجَالِ؛ قَالَ:

وعَلِمْتُ أَني إِن عَلِقْتُ بحَبْلِه، ***نشِبَتْ يَدايَ إِلى وَحًى لَمْ يَصْقَعِ

يُرِيدُ: لَمْ يَذْهَبْ عَنْ طَرِيقِ الْمَكَارِمِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الصَّقْع.

والوَحْيُ والوَحى مِثْلُ الوَغى: الصَّوْتُ يَكُونُ فِي النَّاسِ وَغَيْرِهِمْ؛ قَالَ أَبو زُبَيْدٍ: " مُرْتَجِز الجَوفِ بوَحْيٍ أَعْجَم "وَسَمِعْتُ وَحاهُ ووَغاه؛ وأَنشد ابْنُ الأَعرابي:

يَذُودُ بسَحْماوَيْن لَمْ يَتَفَلَّلا ***وَحى الذئبِ عَنْ طَفْلٍ مَناسِمهُ مُخْلي

وَهَذَا الْبَيْتُ مَذْكُورٌ فِي سَحَمَ؛ وأَنشد الْجَوْهَرِيُّ عَلَى الوَحى الصَّوْتَ لِشَاعِرٍ:

مَنَعْناكُمْ كَراء وجانِبَيْه، ***كَمَا مَنَعَ العَرِينُ وَحى اللُّهامِ

وَكَذَلِكَ الوَحاة بِالْهَاءِ؛ قَالَ الرَّاجِزُ:

يَحدُو بِهَا كلُّ فَتًى هَيَّاتِ، ***تَلْقاهُ بَعْدَ الوَهْنِ ذَا وحاةِ،

وهُنَّ نحوَ البيْتِ عامِداتِ وَنَصَبَ عَامِدَاتٍ عَلَى الْحَالِ.

النَّضْرُ: سَمِعْتُ وَحاةَ الرَّعْد وَهُوَ صَوْتُهُ الْمَمْدُودُ الْخَفِيُّ، قَالَ: والرَّعْدُ يَحي وَحاةً، وَخَصَّ ابْنُ الأَعرابي مَرَّةً بِالْوَحَاةِ صوتَ الطَّائِرِ.

والوَحى: العَجَلةُ، يَقُولُونَ: الوَحى الوَحى "والوَحاء الوَحاء يَعْنِي البِدارَ البِدارَ، والوَحاء الوَحاء يَعْنِي الإِسراع، فيمدُّونهما ويَقْصُرونهما إِذا جَمَعُوا بَيْنَهُمَا، فإِذا أَفردوه مَدُّوهُ وَلَمْ يَقْصروه؛ قَالَ أَبو النَّجْمِ: " يَفِيضُ عَنْهُ الرَّبْوُ مِنْ وَحائه التَّهْذِيبُ: الوَحاء مَمْدُودٌ، السُّرْعة، وَفِي الصِّحَاحِ: يُمَدُّ وَيُقْصَرُ، وَرُبَّمَا أَدخلوا الْكَافَ مَعَ الأَلف وَاللَّامِ فَقَالُوا الوَحاك الوَحاك، قَالَ: وَالْعَرَبُ تَقُولُ النَّجاء النَّجاء والنَّجى النَّجى والنَّجاك النَّجاك والنَّجاءك النَّجاءك.

وتَوحَّ يَا هَذَا فِي شأْنك أَي أَسْرِع.

ووحَّاه تَوْحِيةً أَي عَجَّله.

وَفِي الْحَدِيثِ: « إِذا أَرَدْتَ أَمرًا فتَدَبَّر عاقِبتَه، فإِن كَانَتْ شَرًّا فانْتَهِ، وإِن كَانَتْ خَيْرًا فَتَوَحَّهْ »أَي أَسْرِعْ إِليه، وَالْهَاءُ لِلسَّكْتِ.

ووَحَّى فُلَانٌ ذَبِيحَتَهُ إِذا ذَبَحها ذَبْحًا سَرِيعًا وَحِيًّا؛ وَقَالَ الْجَعْدِيُّ:

أَسِيرانِ مَكْبُولانِ عندَ ابنِ جعْفَرٍ، ***وآخرُ قَدْ وحَّيْتُمُوه مُشاغِبُ

والوَحِيُّ، عَلَى فَعِيلٍ: السَّريعُ.

يُقَالُ: مَوْتٌ وَحِيٌّ.

وَفِي حَدِيثِ أَبي بَكْرٍ: « الوَحا الوَحا »أَي السُّرْعةَ السُّرعةَ، يُمَدُّ وَيُقْصَرُ.

يُقَالُ: تَوَحَّيْتُ تَوَحِّيًا إِذا أَسرعت، وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الإِغْراء بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ.

واسْتَوْحَيْناهم أَي اسْتَصْرَخْناهم.

واسْتَوْحِ لَنَا بَنِي فُلَانٍ مَا خَبَرُهم أَي اسْتَخْبِرهم، وَقَدْ وَحى.

وتَوَحَّى بِالشَّيْءِ: أَسْرَعَ.

وَشَيْءٌ وَحِيٌّ: عَجِلٌ مُسْرِعٌ.

واسْتَوْحى الشيءَ: حرَّكه ودَعاه ليُرْسِله.

واسْتَوْحَيْتُ الكلبَ واسْتَوْشَيْتُه وآسَدْتُه إِذا دَعَوْتَهُ لِتُرْسِلَهُ.

بَعْضُهُمْ: الإِيحاء البُكاء.

يُقَالُ: فُلَانٌ يُوحي أَباه أَي يَبْكِيه.

والنائحةُ تُوحي الْمَيِّتَ: تَنُوحُ عَلَيْهِ؛ وَقَالَ:

تُوحي بِحالِ أَبيها، وَهُوَ مُتَّكِئٌ ***عَلَى سِنانٍ كأَنْفِ النِّسْرِ مَفْتُوقِ

أَي مَحَدِّد.

ابْنُ كَثْوَةَ: مِنْ أَمثالهم: إِن مَنْ لَا يَعرِف الوَحى أَحْمَقُ؛ يُقَالُ لِلَّذِي يُتَواحى دُونه بِالشَّيْءِ أَو يُقَالُ عِنْدَ تَعْيِيرِ الَّذِي لَا يَعْرِفُ الوَحى.

أَبو زَيْدٍ مِنْ أَمثالهم: وَحْيٌ فِي حجَر؛ يُضْرَبُ مَثَلًا لِمَنْ يَكْتُم سِرَّه، يَقُولُ: الْحَجَرُ لَا يُخْبِر أَحدًا بِشَيْءٍ فأَنا مِثْلُهُ لَا أُخبر أَحدًا بِشَيْءٍ أَكْتُمُه؛ قَالَ الأَزهري: وَقَدْ يُضْرَبُ مَثَلًا لِلشَّيْءِ الظَّاهِرِ الْبَيِّنِ.

يُقَالُ: هُوَ كالوَحْي فِي الْحَجَرِ إِذا نُقِرَ فِيهِ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: " كالوَحْي فِي حَجَرِ المَسيل المُخْلِدِ "وخي: الوَخْي: الطريقُ المُعْتَمد، وَقِيلَ: هُوَ الطَّرِيقُ الْقَاصِدُ؛ وَقَالَ ثَعْلَبٌ: هُوَ الْقَصْدُ؛ وأَنشد:

فقلتُ: وَيْحَكَ أَبْصِرْ أَين وَخْيُهُمُو ***فَقَالَ: قَدْ طَلَعُوا الأَجْمادَ واقْتَحَمُوا

وَالْجَمْعُ وُخِيٌّ ووِخِيٌّ، فإِن كَانَ ثَعْلَبٌ عَنَى بالوَخْي القَصْدَ الَّذِي هُوَ الْمَصْدَرُ فَلَا جَمْعَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ إِنما عَنَى الوَخْيَ الَّذِي هُوَ الطَّرِيقُ الْقَاصِدُ فَهُوَ صَحِيحٌ لأَنه اسْمٌ.

قَالَ أَبو عَمْرٍو: وَخى يَخي وَخْيًا إِذا تَوَجَّه لِوَجْهٍ؛ وأَنشد الأَصمعي: " قالتْ وَلَمْ تَقْصِدْ لَهُ وَلَمْ تَخِهْ أَي لَمْ تَتَحَرَّ فِيهِ الصَّوَابَ.

قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: والتَّوَخِّي بِمَعْنَى التَّحَري لِلْحَقِّ مأْخوذ مِنْ هَذَا.

وَيُقَالُ: تَوَخَّيْتُ مَحَبَّتَك أَي تَحَرَّيْتُ، وَرُبَّمَا قُلِبَتِ الْوَاوُ أَلفًا فَقِيلَ تأَخَّيْت.

وَقَالَ اللَّيْثُ: تَوَخَّيْت أَمر كَذَا أَي تيَمَّمْتُه، وإِذا قُلْتَ وَخَّيْتُ فُلَانًا لأَمر كَذَا "عَدَّيت الْفِعْلَ إِلى غَيْرِهِ.

ووَخَى الأَمْرَ: قصَدَه؛ قَالَ:

قالتْ وَلَمْ تَقْصِدْ بِهِ وَلَمْ تَخِهْ: ***مَا بالُ شَيْخٍ آضَ منْ تَشَيُّخِهْ،

كالكُرَّزِ المَرْبُوطِ بينَ أَفْرُخِهْ؟ وتَوخَّاه: كوَخاه.

وَقَدْ وخَيْتُ غَيْرِي، وَقَدْ وخَيْتُ وَخْيَكَ أَي قَصَدْتُ قَصْدَكَ.

وَفِي الْحَدِيثِ: « قَالَ لَهُمَا اذْهَبا فتَوَخَّيا واستَهِما »أَي اقْصِدا الحَقَّ فِيمَا تَصْنَعانِه مِنَ القِسمة، ولْيأْخذْ كلٌّ مِنْكُمَا مَا تُخْرِجُهُ القُرْعة مِنَ القِسمة.

يُقَالُ: تَوَخَّيْتُ الشَّيْءَ أَتَوَخَّاه تَوخِّيًا إِذا قَصَدْتَ إِليه وتَعَمَّدْت فِعلَه وتحَرَّيْت فِيهِ.

وَهَذَا وَخْيُ أَهْلِك أَي سَمْتُهم حَيْثُ سارُوا.

وَمَا أَدري أَين وَخَى فُلَانٌ أَي أَينَ تَوجَّهَ.

الأَزهري: سَمِعْتُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الْعَرَبِ الْفُصَحَاءِ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ إِذا أَرشده لصَوْب بَلَدٍ يأْتَمُّه: أَلا وخُذْ عَلَى سَمْت هَذَا الوَخْي أَي عَلَى هَذَا القَصْدِ والصَّوْبِ.

قَالَ: وَقَالَ النَّضْرُ اسْتَوْخَيْتُ فُلَانًا عَنْ مَوْضِعِ كَذَا إِذَا سأَلته عَنْ قَصْدِه؛ وأَنشد:

أَما مِنْ جَنُوبٍ تُذْهِبُ الغِلَّ طَلَّةٍ ***يَمانِيةٍ مِنْ نَحْو رَيّا، وَلَا رَكْب

يَمانِينَ نَسْتَوخِيهمُ عَنْ بِلادِنا ***عَلَى قُلُصٍ، تَدْمى أَخِشَّتُها الحُدْب

وَيُقَالُ: عرفتُ وَخى الْقَوْمِ وخِيَّتَهم وأَمَّهم وإمَّتَهم أَي قَصْدَهم.

ووَخَت النَّاقَةُ تَخي وَخْيًا: سَارَتْ سَيْرًا قَصْدًا؛ وَقَالَ:

افْرُغْ لأَمثالِ مِعًى أُلَّافِ ***يَتْبَعْنَ وَخْيَ عَيْهَلٍ نِيافِ،

وهْيَ إِذَا مَا ضَمَّها إِيجَافِي "وَذَكَرَ ابْنُ بَرِّيٍّ عَنْ أَبي عَمْرٍو: الوَخْيُ حُسْنُ صَوْتِ مَشْيِها.

وَوَاخَاهُ: لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ فِي آخَاهُ، يُبْنَى عَلَى تَواخى.

وتَوخَّيْتُ مَرْضاتَك أَي تحرَّيْت وقصدْت.

وَتَقُولُ: استَوْخِ لَنَا بَنِي فُلَانٍ مَا خَبَرُهم أَي استَخْبِرْهم؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَهَذَا الْحَرْفُ هَكَذَا رَوَاهُ أَبو سَعِيدٍ بِالْخَاءِ مُعْجَمَةً؛ وأَنشد: الأَزهري فِي تَرْجَمَةِ صَلَخَ:

لَوْ أَبْصَرَتْ أَبْكَمَ أَعْمى أَصْلَخا ***إِذًا لَسَمَّى، واهْتَدى أَنَّى وَخَى

أَي أَنَّى تَوَجَّهَ.

يُقَالُ: وَخى يَخي وَخْيًا، وَاللَّهُ أَعلم.

لسان العرب-ابن منظور الإفريقي-توفي: 711هـ/1311م


9-تهذيب اللغة (وحي)

وحي: قال أبو الهيثم: يقال وحيْتُ إلى فلان أَحِي إليه وَحْيًا وأَوْحَيْتُ إليه أُوحِي إيحاءً: إذا أشرتَ إليه وأومأْتَ، قال فأمّا اللُّغَةُ الفاشية في القرآن فبالألف، وأما في غيرِ القرآن فوحيْتُ إلى فلان مشهورةٌ قال العجّاج:

وَحَى لها القرارَ فاستقرَّتِ

أي: وَحَى اللهُ الأرضَ بأن تَقِرّ قرارًا فلا تميدُ بأهلها، أي أشار إليها بذلك.

قال: ويكون وَحَى لها القرارَ أي كتب لها القَرار، ويقال: وَحَيْتُ الكتاب أَحِيه وَحْيًا أي كتبته فهو مَوْحِيّ وقال لبيد بن ربيعة:

فَمَدَافِعُ الرَّيَانِ عُرِّيَ رَسْمُها *** خَلَقًا كما ضَمِنَ الوُحِي سلَامُها

قال والوُحِيُ جمع وَحَى وقال رؤبة:

إِنْجِيلُ تَوراة وَحَى مُنَمْنِمُه

أي: كتبَه كاتِبُه.

أبو عبيد عن الكسائي وَحَى إليه بالكلام يَحِي به وَحْيًا، وأَوْحَى إليه، وهو أن يكلِّمه بكلام يُخفِيه من غيره.

وقال أبو إسحاق الزجّاج في قوله {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي} [المَائدة: 111].

قال بعضُهُمْ: معناه أَلْهَمْتُهم كما قال {وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} [النّحل: 68].

وقال بعضهم: أوحيتُ إلى الحواريّين أمرْتُهم.

ومثله:

وَحَى لها القَرار فاستقرَّت

أي: أَمَرها.

وقال بعضهم: معنى قوله (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ) أتيتُهم في الوحْي إليك بالبراهين التي استدلُّوا بها على الإيمان فآمنوا بي وبك.

وقال الفرّاء في قوله تعالى {فَأَوْحى إِلَيْهِمْ} [مريم: 11] أشار إليهم.

قال: والعربُ تقول: أَوْحى وَوَحى، وأَوْمى ووَمَى بمعنى واحد، وَوَحى يحِي وَوَمى يمِي.

وقال جلّ وعزّ {وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ} [القَصَص: 7] قيل إن الوحي ههنا إِلْقَاءُ اللهِ في قلبها وما بعد هذا يدلُّ ـ واللهُ أعلم ـ على أنه وَحْيٌ من اللهِ على

جهة الإعلام للضمان لها {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القَصَس: 7] وقد قيل إن معنى الوحْي ههنا الإلْهَامُ، وجائز أن يُلْقي اللهُ في قلبها أنه مردودٌ إليها وأنه يكون مرسَلًا ولكن الإعلام أبْينَ في معنى الوَحْي ههنا.

وقال أبو إسحاق: وأصل الوَحْي في اللغة كلّها إعلامٌ في خفاءٍ، ولذلك صار الإلمامُ يُسمَّى وحْيًا.

قلت: وكذلك الإشارَةُ والإيماءُ يسمى وَحْيًا، والكتابة تسمى وَحْيًا.

وقال اللهُ جلّ وعزّ: {وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ} [الشورى: 51] معناه إلا أنْ يُوحِي اللهُ إليه وحيًا فيُعلمه بما يعلم البشر أنه أَعْلَمَه إمّا إِلْهَامًا وإما رُؤْيَا، وإما أن يُنْزِل عليه كِتَابًا، كما أَنْزَل على موسى أو قُرآنًا يُتْلَى عليه كما أَنْزَل على محمدٍ، وكل هذا إعلام وإن اختلفت أسبابُ الإعلام فيها.

وأفادني المنذريّ عن ابن اليزيدي عن أبي زيد في قوله: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ} [الجنّ: 1] من أَوْحَيْتُ.

قال: وناسٌ من العرب يقولون: وَحَيْتُ إِليه، ووحيْتُ له، وأَوْحَيْتُ إليه وله.

قال وقرأ جُؤَيّةُ الأسديّ: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ} [الجن: 1] من وَحَيْتُ، همزَ الواوَ.

وذكر الفراءُ عن جؤية نحوًا مما ذكَرَ أبو زيد.

ثعلب عن ابن الأعرابي: أَوْحَى الرجلُ إذا بعثَ برسولٍ ثقةٍ إلى عبد من عبيده ثِقَةٍ، وأوحى أيضًا إذا كلّم عبده بلا رَسُولٍ.

وأَوْحَى الإنسانُ إذا صار مَلِكًا بعد فقر.

وأَوْحَى الإنسان وَوَحى وأَحَى إذا ظلم في سلطانه.

واستَوْحَيْتَهُ أي استفهمته.

قال: واستوحيْتُ الكلبَ واستوشيْتُه وآسَدْتُه: إذا دَعْوتَه لتُرْسِله.

قال: والوَحَى النار، ويقال للملك وَحى من هذا.

وقال بعضُهم: الإيحاءُ البكاء، يقال فلان يُوحِي أبَاه أي يَبْكِيه، والنائحة تُوحِي الميِّتَ تَنُوح عليه، وقال:

تُوحِي بحالٍ أبَاهَا وهو مُتَّكِىءٌ *** على سِنَانٍ كأنْفِ النَّسْرِ مَفْتُوقِ

أي: مُحدَّد.

أبو عبيد عن أبي زيد: الوَحَاةُ الصوتُ ويقال: سمعت وَحَاه ووَعَاه.

والوَحَاءُ ممدود: السرعة.

يُقال: تَوَحَ في شأُنِك أي أَسْرِع فيه.

وَوَحَّى فلانٌ ذبيحته إذا ذبحه ذبحًا وَحِيًّا.

وقال الجَعْدِيُّ:

أسِيرَانِ مَكْبُولانِ عِنْدَ ابنِ جَعْفَرٍ *** وآخَرُ قد وحَّيْتُمُوه مُشَاغِبُ

والعرب تقول الوَحَاءَ الوحاءَ، والوحَا والوحَا، ممدودًا ومقصورًا، وربما أدخلوا الكاف مع الألف فقالوا: الوحَاكَ الوحَاكَ، ورَوى سلمةُ عن الفرَّاء قال: العرب تقول النَّجَاءَ النَّجَاءَ والنَّجَا النَّجَا، والنجاءَك النجاءَك، والنَّجَاك النّجَاك.

وقال أبو العباس: قلت لابن الأعرابي: ما الوَحَى؟ فقال: المُلْكُ، فقلْت: ولم سُمِّي المُلْكُ وحىً؟ فقال.

الوَحَى النّارُ فكأنّه مثلُ النار، ينفَعُ ويضرُّ.

وقال أبو زَيْدٍ من أمثالِهم وَحْيٌ في حَجَرٍ، يُضْرَبُ مثَلًا لمن يكتم سِرَّه، يقول الحَجَرُ لا يُخْبِرُ أحدًا بشيءٍ فأنا مثْلُه لا أُخبر أحدًا بشيء أكتُمُه.

قلت: وقد يُضْرَبُ مَثَلًا للشيء

الظاهر البيّن، يقال هو كالوحْي في الحجر إذا نُقِرَ فيه نَقْرًا، ومنه قول زهير:

كالوَحْي في حَجَرِ المَسِيلِ المُخْلِدِ

وقال لبيد:

فَمَدَافِعُ الرَّيَّان عُرِّي رَسْمُها *** خَلَقًا كما ضَمِن الوَحِيُ سِلامُها

تهذيب اللغة-أبومنصور الأزهري-توفي: 370هـ/980م


انتهت النتائج