1-التوقيف على مهمات التعاريف (الأنثى)

الأنثى: أدنى نوعي الحيوان المتناكح، ذكره الحرالي. وقال الراغب: خلاف الذكر والتأنيث ضد التذكير، ويقالان في الأصل اعتبارا بالفرجين، ولما كانت الأنثى من جميع الحيوان تضعف عن الذكر اعتبر فيها الضعف فقيل لما يضعف عمله أنثى، ومنه قيل أرض أنيث سهلة اعتبارا بالسهولة التي هي الأنثى لجودة إنباتها تشبيها بالأنثى. قال ابن السكيت: وإذا كان الاسم مؤنثا ولم يكن فيه هاء تأنيث جاز تذكير فعله كقوله: "ولا أرض أبقل إبقالها". قال الفيومي. ويلزمه أن يقال الشمس طلع وهو غير مشهور. والأنثيان الخصيتان. قال الراغب: لما شبه في حكم اللفظ بعض الأشياء بالذكر ذكر أحكامه وبعضها بالأنثى أنث أحكامه نحو يد وأذن والخصية سميت الخصية لتأنيث لفظ أنثيين.

التوقيف على مهمات التعاريف-زين الدين محمد المدعو بعبدالرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري-توفي: 1031هـ/1622م


2-موسوعة الفقه الكويتية (إرث 6)

إِرْثٌ -6

110- وَإِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ عَنْ حَمْلٍ يَرِثُهُ، وَقَفَ الْأَمْرُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ، فَإِنْ طَالَبَ الْوَرَثَةُ بِالْقِسْمَةِ لَمْ يُعْطُوا كُلَّ الْمَالِ بِغَيْرِ خِلَافٍ.وَلَكِنْ يُدْفَعُ إِلَى مَنْ لَا يُنْقِصُهُ الْحَمْلُ كُلُّ مِيرَاثِهِ، وَيُدْفَعُ إِلَى مَنْ يُنْقِصُ الْحَمْلُ نَصِيبَهُ أَقَلُّهُ، وَلَا يُدْفَعُ إِلَى مَنْ يُسْقِطُهُ الْحَمْلُ شَيْءٌ.

111- وَيَرِثُ الْحَمْلُ إِذَا وُلِدَ لِأَقَلِّ مُدَّةِ الْحَمْلِ.وَكَذَلِكَ يَرِثُ إِذَا وُلِدَ لِأَقْصَى مُدَّةِ الْحَمْلِ عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ.فَإِنْ وُلِدَ بَعْدَهَا فَلَا يَرِثُ إِلاَّ بِإِقْرَارِ الْوَرَثَةِ.

112- وَيَرِثُ الْحَمْلُ بِشَرْطَيْنِ:

الشَّرْطُ الْأَوَّلُ: أَنْ يُولَدَ حَيًّا، حَتَّى تُعْتَبَرَ حَيَاتُهُ عِنْدَ الْوِلَادَةِ امْتِدَادًا لِحَيَاتِهِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَدَلِيلًا عَلَيْهَا.يَقُولُ الرَّسُولُ- عليه الصلاة والسلام-: «إِذَا اسْتَهَلَّ الْمَوْلُودُ وَرِثَ» وَيَرْوِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَوْلَهُمَا: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-: لَا يَرِثُ الصَّبِيُّ حَتَّى يَسْتَهِلَّ».

فَإِذَا وُلِدَ مَيِّتًا بِغَيْرِ جِنَايَةٍ عَلَى أُمِّهِ.وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ دَلِيلٌ عَلَى حَيَاتِهِ فِيمَا قَبْلُ، لَا يَكُونُ وَارِثًا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، لِأَنَّ شَرْطَ الْمِيرَاثِ حَيَاةُ الْوَارِثِ.وَإِذَا نَزَلَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ بِجِنَايَةٍ عَلَيْهَا فَلَا يَرِثُ أَيْضًا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، لِعَدَمِ وُجُودِ دَلِيلٍ عَلَى حَيَاتِهِ، وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَرِثُ، لِأَنَّ الشَّارِعَ اعْتَبَرَهُ حَيًّا قَبْلَ الْجِنَايَةِ؛ إِذْ أَوْجَبَ عَلَى الْجَانِي (الْغُرَّةَ) وَوُجُوبُهَا لِلْجِنَايَةِ عَلَى الْحَيِّ دُونَ الْمَيِّتِ، وَكَذَلِكَ يَرِثُ عِنْدَهُمْ مُورَثُهُ الَّذِي مَاتَ، وَهُوَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، ثُمَّ يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ.

113- وَيَكْفِي عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ يَخْرُجَ أَكْثَرُ الْحَمْلِ حَيًّا.فَإِذَا ابْتَدَأَ نُزُولُهُ مُسْتَقِيمًا بِرَأْسِهِ وَبَقِيَ حَيًّا حَتَّى خَرَجَ صَدْرُهُ كُلُّهُ، أَوِ ابْتَدَأَ نُزُولُهُ مَنْكُوسًا بِرِجْلَيْهِ وَاسْتَمَرَّ حَيًّا حَتَّى ظَهَرَتْ سُرَّتُهُ ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَرِثَ عِنْدَهُمْ، لِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ.

وَاشْتَرَطَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ أَنْ تَتِمَّ وِلَادَتُهُ كُلُّهُ حَيًّا.وَتُعْرَفَ حَيَاتُهُ بِالِاسْتِهْلَالِ صَارِخًا.وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا سِوَى الِاسْتِهْلَالِ.فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَرِثُ حَتَّى يَسْتَهِلَّ، وَلَا يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ.ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الِاسْتِهْلَالِ مَا هُوَ؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَرِثُ حَتَّى يَسْتَهِلَّ صَارِخًا، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَرُوِيَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، مُسْتَدِلِّينَ بِأَنَّ مَفْهُومَ قَوْلِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم-: «إِذَا اسْتَهَلَّ الْمَوْلُودُ وَرِثَ» أَنَّهُ لَا يَرِثُ بِغَيْرِ الِاسْتِهْلَالِ، وَلِأَنَّ الِاسْتِهْلَالَ لَا يَكُونُ إِلاَّ مِنْ حَيٍّ.وَالْحَرَكَةُ تَكُونُ مِنْ غَيْرِ حَيٍّ.وَرُوِيَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: يَرِثُ السِّقْطُ وَيُورَثُ إِذَا اسْتَهَلَّ.فَقِيلَ لَهُ مَا اسْتِهْلَالُهُ؟ قَالَ: إِذَا صَاحَ أَوْ عَطَسَ أَوْ بَكَى، فَعَلَى هَذَا كُلُّ صَوْتٍ يُوجَدُ مِنْهُ تُعْلَمُ بِهِ حَيَاتُهُ فَهُوَ اسْتِهْلَالٌ، وَهَذَا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، لِأَنَّهُ صَوْتٌ عُلِمَتْ بِهِ حَيَاتُهُ فَأَشْبَهَ الصُّرَاخَ.وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ: إِذَا عُلِمَتْ حَيَاتُهُ بِصَوْتٍ أَوْ حَرَكَةٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ وَرِثَ وَثَبَتَتْ لَهُ أَحْكَامُ الْمُسْتَهِلِّ، لِأَنَّهُ حَيٌّ.وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ.

الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ تَأْتِيَ بِهِ فِي أَثْنَاءِ الْعِدَّةِ، فَإِنْ أَقَرَّتْ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَأَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ كَذَبَتْ، وَوَرِثَ، وَتَبَيَّنَ أَنَّهَا كَاذِبَةٌ فِي دَعْوَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَإِنْ لَمْ تُقِرَّ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَأَتَتْ بِهِ لِتَمَامِ أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَمْلِ، أَوْ لِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَرِثَ، لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهَا كَانَتْ عَالِقَةً قَبْلَ الْمَوْتِ.

وَإِنْ أَتَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ تَمَامِ مُدَّةِ الْحَمْلِ- عَلَى الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ- فَلَا يَرِثُ، لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهَا عَلِقَتْ بِهِ بَعْدَ الْوَفَاةِ.

114- وَإِذَا أُرِيدَ تَقْسِيمُ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ الَّذِي فِي وَرَثَتِهِ حَمْلٌ، أُوقِفَ لَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ نَصِيبُ أَرْبَعَةِ بَنِينَ أَوْ نَصِيبُ أَرْبَعِ بَنَاتٍ أَيُّهُمَا أَكْثَرُ.وَيُعْطَى بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ أَقَلَّ الْأَنْصِبَاءِ.وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ؛ إِذِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا ضَبْطَ لَهُ.وَمِثَالُ أَكْثَرِيَّةِ نَصِيبِ الْبَنِينَ: إِذَا مَاتَ عَنْ زَوْجَةٍ حَامِلٍ وَعَمٍّ أَوْ أَخٍ.وَمِثَالُ أَكْثَرِيَّةِ نَصِيبِ الْبَنَاتِ: إِذَا مَاتَ الْمَيِّتُ عَنْ زَوْجَةٍ حَامِلٍ وَأَبَوَيْنِ، فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ تَكُونُ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ، فَلِلزَّوْجَةِ الثُّمُنُ، وَلِلْأَبَوَيْنِ السُّدُسَانِ، فَيَبْقَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ، وَذَلِكَ لِلْعَصَبَاتِ إِذَا قُدِّرَ أَرْبَعَةُ بَنِينَ، وَإِذَا قُدِّرَتْ أَرْبَعُ بَنَاتٍ فَلَهُنَّ الثُّلُثَانِ (سِتَّةَ عَشَرَ).

فَإِذَا ظَهَرَ الْحَمْلُ، وَزَالَ الِاشْتِبَاهُ، فَإِنْ كَانَ الْحَمْلُ مُسْتَحِقًّا لِجَمِيعِ الْمَوْقُوفِ أَخَذَهُ، وَانْتَهَى الْأَمْرُ.وَإِنْ كَانَ مُسْتَحِقًّا لِلْبَعْضِ فَيَأْخُذُ الْحَمْلُ هَذَا الْبَعْضَ، وَيُقْسَمُ الْبَاقِي بَيْنَ الْوَرَثَةِ، فَيُعْطَى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا كَانَ مَوْقُوفًا مِنْ نَصِيبِهِ.

وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ مَعَهُ هُوَ مَذْهَبُ شَرِيكٍ النَّخَعِيِّ، فَقَدْ قَالَ: رَأَيْتُ بِالْكُوفَةِ لِأَبِي إِسْمَاعِيلَ أَرْبَعَةَ بَنِينَ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ.وَلَمْ يُنْقَلْ عَنِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّ امْرَأَةً وَلَدَتْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.

وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُوقَفُ نَصِيبُ ثَلَاثَةِ بَنِينَ أَوْ ثَلَاثِ بَنَاتٍ أَيُّهُمَا أَكْثَرُ.رَوَاهُ عَنْهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ.وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ، أَنَّهُ يُوقَفُ نَصِيبُ ابْنَيْنِ أَوْ بِنْتَيْنِ أَيُّهُمَا أَكْثَرُ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ.وَذَلِكَ لِأَنَّ وِلَادَةَ أَرْبَعَةٍ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ فِي غَايَةِ النُّدْرَةِ، فَلَا يُبْنَى عَلَيْهِ حُكْمٌ بَلْ يُبْنَى عَلَى مَا يُعْتَادُ فِي الْجُمْلَةِ، وَهُوَ وِلَادَةُ اثْنَيْنِ.وَرَوَى الْخَصَّافُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُوقَفُ نَصِيبُ ابْنٍ وَاحِدٍ أَوْ بِنْتٍ وَاحِدَةٍ أَيُّهُمَا أَكْثَرُ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُعْتَادَ الْغَالِبَ إِلاَّ تَلِدَ الْمَرْأَةُ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ إِلاَّ وَلَدًا وَاحِدًا فَيُبْنَى عَلَيْهِ الْحُكْمُ مَا لَمْ يُعْلَمْ خِلَافُهُ.

115- وَذُكِرَ فِي فَتْوَى أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ: أَنَّ الْوِلَادَةَ إِنْ كَانَتْ قَرِيبَةً تُوقَفُ الْقِسْمَةُ لِوُجُودِ الْحَمْلِ، إِذْ لَوْ عُجِّلَتْ فَرُبَّمَا لَغَتْ بِظُهُورِ الْحَمْلِ عَلَى خِلَافِ مَا قُدِّرَ، وَإِنْ كَانَتْ بَعِيدَةً لَمْ تُوقَفْ، لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إِضْرَارًا بِبَاقِي الْوَرَثَةِ، وَلَمْ يُعَيَّنْ لِلْقُرْبِ مُدَّةٌ بَلْ أُحِيلَ عَلَى الْعَادَةِ.وَقِيلَ: هُوَ مَا دُونَ الشَّهْرِ.وَعَلَى رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ يَأْخُذُ الْقَاضِي مِنَ الْوَرَثَةِ كَفِيلًا عَلَى مَا إِذَا كَانَ الْحَمْلُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ.

وَمَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ كُلٍّ مِنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ- كَمَا تَقَدَّمَ- أَنَّهُ يُوقَفُ لِلْحَمْلِ نَصِيبُ ذَكَرَيْنِ أَوْ أُنْثَيَيْنِ أَيُّهُمَا أَكْثَرُ.وَعُلِّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ وِلَادَةَ التَّوْأَمَيْنِ كَثِيرَةٌ مُعْتَادَةٌ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِمَا فَنَادِرٌ لَا يُبْنَى عَلَيْهِ حُكْمٌ.وَالْقَاعِدَةُ بِالنِّسْبَةِ لِحَجْزِ نَصِيبِ ذَكَرَيْنِ أَوْ أُنْثَيَيْنِ أَيُّهُمَا أَكْثَرُ.أَنَّهُ مَتَى زَادَتِ الْفُرُوضُ عَلَى الثُّلُثِ فَمِيرَاثُ الْإِنَاثِ أَكْثَرُ، لِأَنَّهُ يُفْرَضُ لَهُنَّ الثُّلُثَانِ، وَيَدْخُلُ النَّقْصُ عَلَى الْكُلِّ بِالْمُحَاصَّةِ، وَإِنْ نَقَصَتْ عَنْهُ كَانَ مِيرَاثُ الذَّكَرَيْنِ أَكْثَرَ، وَإِنِ اسْتَوَتْ كَأَبَوَيْنِ وَحَمْلٍ، اسْتَوَى مِيرَاثُ الذَّكَرَيْنِ وَالْأُنْثَيَيْنِ.

مِيرَاثُ الْمَفْقُودِ:

116- الْمَفْقُودُ لُغَةً: هُوَ الْمَعْدُومُ.وَفِي الِاصْطِلَاحِ: هُوَ الْغَائِبُ الَّذِي انْقَطَعَ خَبَرُهُ، وَلَا يُدْرَى حَيَاتُهُ مِنْ مَوْتِهِ.وَفَسَّرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ بِأَنَّهُ: اسْمٌ لِمَوْجُودٍ هُوَ حَيٌّ بِاعْتِبَارِ أَوَّلِ حَالِهِ، وَلَكِنَّهُ كَالْمَيِّتِ بِاعْتِبَارِ مَآلِهِ.وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا أَحْسَنُ تَعْرِيفٍ.

117 وَالْحُكْمُ فِي مِيرَاثِهِ: أَنَّهُ حَيٌّ فِي حَقِّ مَالِهِ، فَلَا يَرِثُ مِنْهُ أَحَدٌ، وَمَيِّتٌ فِي مَالِ غَيْرِهِ فَلَا يَرِثُ مِنْ أَحَدٍ.وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَصْلَ ثُبُوتُ حَيَاتِهِ مَا لَمْ يَظْهَرْ خِلَافُهُ، فَاعْتُبِرَ حَيًّا اسْتِصْحَابًا لِحَالِهِ، وَاسْتِصْحَابُ الْحَالِ حُجَّةٌ تَدْفَعُ الِاسْتِحْقَاقَ، وَلِذَلِكَ فَلَا يَسْتَحِقُّ أَحَدٌ فِي مِيرَاثِهِ، لِاعْتِبَارِهِ حَيًّا، وَلَا يَسْتَحِقُّ هُوَ فِي مِيرَاثِ غَيْرِهِ.وَيُوقَفُ مَالُهُ حَتَّى يَصِحَّ مَوْتُهُ، أَوْ يَمْضِيَ عَلَيْهِ مُدَّةٌ لَا يَحْيَا إِلَى مِثْلِهَا مِثْلُهُ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ.وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحَدُ رَأْيَيْنِ لِلْحَنَفِيَّةِ.

118- وَاخْتَلَفَتْ رِوَايَاتُ الْحَنَفِيَّةِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي يُحْكَمُ بَعْدَهَا بِمَوْتِ الْمَفْقُودِ.فَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْ أَقْرَانِهِ فِي بَلَدِهِ، وَقِيلَ أَقْرَانُهُ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ.لَكِنِ الْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِأَنَّ فِي الْعَمَلِ بِالْقَوْلِ الثَّانِي حَرَجًا عَظِيمًا، كَمَا أَنَّ الْأَعْمَارَ تَتَفَاوَتُ بِتَفَاوُتِ الْأَقَالِيمِ.

وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمُدَّةَ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً مِنْ يَوْمِ وِلَادَةِ الْمَفْقُودِ.وَقَالَ مُحَمَّدٌ: مِائَةٌ وَعَشْرُ سِنِينَ.وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: مِائَةٌ وَخَمْسُ سِنِينَ.وَرُوِيَ عَنْهُ مِائَةُ سَنَةٍ.وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تِسْعُونَ سَنَةً، لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَيْهَا فِي غَايَةِ النُّدْرَةِ فَلَا تُنَاطُ بِهَا الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ، لِأَنَّهَا تُبْنَى عَلَى الْأَغْلَبِ.قَالَ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهَا سَبْعُونَ سَنَةً، لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ فِي أَعْمَارِ هَذِهِ الْأُمَّةِ «أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ سِتِّينَ إِلَى سَبْعِينَ».وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَالُ الْمَفْقُودِ مَوْقُوفٌ إِلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ.وَنُقِلَ عَنْ شَرْحِ الْفَرَائِضِ الْعُثْمَانِيَّةِ أَنَّ الْإِمَامَ أَبَا حَنِيفَةَ لَمْ يُقَدِّرْ فِي ذَلِكَ تَقْدِيرًا، وَفَوَّضَ الْمُدَّةَ إِلَى اجْتِهَادِ الْقَاضِي فِي كُلِّ عَصْرٍ يَحْكُمُ بِمَوْتِهِ فِي أَيِّ مُدَّةٍ يَرَى فِيهَا مَصْلَحَةً بِاجْتِهَادِهِ، وَيَقْسِمُ مَالَهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ الْمَوْجُودِينَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.

وَلَمْ يُحَدِّدِ الْمَالِكِيَّةُ مُدَّةً مُعَيَّنَةً بَلْ قَالُوا: (لَا يَقْسِمُ وَرَثَةُ الْمَفْقُودِ مَالَهُ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيْهِ مِنَ الزَّمَنِ مَا لَا يَحْيَا إِلَى مِثْلِهِ).

وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ، فَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ: (مَنْ أُسِرَ أَوْ فُقِدَ وَانْقَطَعَ خَبَرُهُ، تُرِكَ مَالُهُ حَتَّى تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِمَوْتِهِ، أَوْ تَمْضِيَ مُدَّةٌ يُظَنُّ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ فَوْقَهَا، وَلَا تَتَقَدَّرُ بِشَيْءٍ عَلَى الصَّحِيحِ، فَيَجْتَهِدُ الْقَاضِي وَيَحْكُمُ بِمَوْتِهِ) وَقِيلَ تُقَدَّرُ (بِسَبْعِينَ وَبِثَمَانِينَ وَبِتِسْعِينَ وَبِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ).

119- أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَالُوا: (إِنَّ الْمَفْقُودَ نَوْعَانِ: النَّوْعُ الْأَوَّلُ: مَنْ كَانَ الْغَالِبُ مِنْ حَالِهِ الْهَلَاكَ، وَهُوَ مَنْ يُفْقَدُ فِي مُهْلِكَةٍ كَاَلَّذِي يُفْقَدُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، أَوْ فِي مَفَازَةٍ يَهْلَكُ فِيهَا النَّاسُ، أَوْ يُفْقَدُ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ، أَوْ يَخْرُجُ لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الصَّلَوَاتِ، أَوْ لِحَاجَةٍ قَرِيبَةٍ فَلَا يَرْجِعُ، وَلَا يُعْلَمُ خَبَرُهُ، فَهَذَا يُنْتَظَرُ بِهِ أَرْبَعُ سِنِينَ، فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ خَبَرٌ قُسِمَ مَالُهُ، وَاعْتَدَّتِ امْرَأَتُهُ عِدَّةَ الْوَفَاةِ، وَحَلَّتْ لِلْأَزْوَاجِ.وَنَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ.وَذَكَرَ الْقَاضِي: أَنَّهُ لَا يُقْسَمُ مَالُهُ حَتَّى تَمْضِيَ عِدَّةُ الْوَفَاةِ بَعْدَ أَرْبَعِ سِنِينَ.لِأَنَّهُ الْوَقْتُ الَّذِي يُبَاحُ لِامْرَأَتِهِ التَّزَوُّجُ فِيهِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِأَنَّ الْعِدَّةَ إِنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ الْوَفَاةِ.فَإِذَا حُكِمَ بِوَفَاتِهِ فَلَا وَجْهَ لِلْوُقُوفِ عَنْ قَسْمِ مَالِهِ.

النَّوْعُ الثَّانِي: مَنْ لَيْسَ الْغَالِبُ مِنْ حَالِهِ الْهَلَاكَ، كَالْمُسَافِرِ لِتِجَارَةٍ، أَوْ طَلَبِ عِلْمٍ، أَوْ سِيَاحَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَمْ يُعْلَمْ خَبَرُهُ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ:

إِحْدَاهُمَا: لَا يُقْسَمُ مَالُهُ، وَلَا تَتَزَوَّجُ امْرَأَتُهُ، حَتَّى يَتَيَقَّنَ مَوْتَهُ، أَوْ يَمْضِيَ عَلَيْهِ مُدَّةٌ لَا يَعِيشُ لِمِثْلِهَا، وَذَلِكَ مَرْجِعُهُ اجْتِهَادُ الْحَاكِمِ.قَالَ صَاحِبُ الْمُغْنِي: (لِأَنَّ الْأَصْلَ حَيَاتُهُ، وَالتَّقْدِيرُ لَا يُصَارُ إِلَيْهِ إِلاَّ بِتَوْقِيفٍ، وَلَا تَوْقِيفَ هُنَا، فَوَجَبَ التَّوَقُّفُ عَنْهُ)

الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يُنْتَظَرُ بِهِ تَتِمَّةُ تِسْعِينَ سَنَةً مُنْذُ وُلِدَ، لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا.

120- وَيُوقَفُ لِلْمَفْقُودِ حِصَّتُهُ مِنْ مَالِ مَوْرُوثِهِ الَّذِي مَاتَ فِي مُدَّةِ الِانْتِظَارِ، فَإِنْ مَضَتِ الْمُدَّةُ، وَلَمْ يُعْلَمْ خَبَرُهُ، رُدَّ الْمَوْقُوفُ إِلَى وَرَثَةِ مَوْرُوثِ الْمَفْقُودِ.

وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرِثُ الْمَفْقُودَ إِلاَّ الْأَحْيَاءُ مِنْ وَرَثَتِهِ يَوْمَ قَسْمِ مَالِهِ، لَا مَنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَلَوْ بِيَوْمٍ.

121- وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ مَاتَ وَفِي وَرَثَتِهِ مَفْقُودٌ، فَمَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ: أَنَّهُ يُعْطَى كُلُّ وَارِثٍ مِنْ وَرَثَتِهِ نَصِيبَهُ الْمُتَيَقَّنَ، وَيُوقَفُ الْبَاقِي حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرُهُ، أَوْ تَمْضِي مُدَّةُ الِانْتِظَارِ.وَذَلِكَ إِذَا كَانَ وُجُودُ الْمَفْقُودِ يُنْقِصُ أَنْصِبَةَ الْوَرَثَةِ الْآخَرِينَ، فَإِنْ كَانَ يَحْجُبُهُمْ حَجْبَ حِرْمَانٍ فَلَا يُعْطَى أَحَدٌ مِنْهُمْ شَيْئًا مِنَ التَّرِكَةِ، بَلْ تُوقَفُ كُلُّهَا حَتَّى يَتَبَيَّنَ مَوْتُهُ أَوْ حَيَاتُهُ.

مِيرَاثُ الْأَسِيرِ:

122- الْأَسِيرُ لُغَةً: الْأَخِيذُ وَالْمُقَيَّدُ وَالْمَسْجُونُ.

وَفِي الِاصْطِلَاحِ: يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ مَنْ أُخِذَ سَوَاءٌ شُدَّ أَوْ لَمْ يُشَدَّ.

123- وَالْحُكْمُ فِيهِ أَنَّهُ إِذَا عُلِمَتْ حَيَاتُهُ فَإِنَّهُ يَرِثُ.

فَإِنْ فَارَقَ دِينَهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ؛ إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَرْتَدَّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ يَلْحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَبَيْنَ أَنْ يَرْتَدَّ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَيُقِيمَ فِيهَا، فَهُوَ فِي الْحَالَيْنِ يَصِيرُ حَرْبِيًّا.

فَإِذَا لَمْ تُعْلَمْ رِدَّتُهُ وَلَا حَيَاتُهُ وَلَا مَوْتُهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَفْقُودِ، عَلَى التَّفْصِيلِ وَالْخِلَافِ الَّذِي سَبَقَ (ف: 121).فَإِنِ ادَّعَى وَرَثَتُهُ أَنَّهُ ارْتَدَّ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ إِلاَّ بِشَهَادَةِ مُسْلِمَيْنِ عَدْلَيْنِ، لِأَنَّ إِسْلَامَهُ كَانَ مَعْلُومًا بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ، فَلَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِعَدَمِهِ بِشَهَادَةِ غَيْرِ الْمُسْلِمِ، لِأَنَّ شَهَادَةَ غَيْرِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ لَا تُقْبَلُ فِي الْأُمُورِ الْجُزْئِيَّةِ، فَعَدَمُ قَبُولِهَا فِي أَمْرِ الدِّينِ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ الْأُمُورِ مِنْ بَابِ أَوْلَى.فَإِنْ جَاءَ بَعْدَ الْقَضَاءِ بِرِدَّتِهِ، وَأَنْكَرَ الرِّدَّةَ فَلَا يَنْقُضُ الْقَاضِي حُكْمَهُ، فَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ وَلَا مَالُهُ إِلاَّ مَا كَانَ قَائِمًا بِعَيْنِهِ فِي يَدِ وَارِثِهِ، كَمَا فِي الْمُرْتَدِّ الْمَعْرُوفِ إِذَا جَاءَ تَائِبًا.

مِيرَاثُ الْغَرْقَى وَالْحَرْقَى وَالْهَدْمَى:

124- قَالَ السَّرَخْسِيُّ: اتَّفَقَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ- رضي الله عنهم- فِي الْغَرْقَى وَالْحَرْقَى إِذَا لَمْ يُعْلَمْ أَيُّهُمْ مَاتَ أَوَّلًا أَنَّهُ لَا يَرِثُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَإِنَّمَا يُجْعَلُ مِيرَاثُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِوَرَثَتِهِ الْأَحْيَاءِ، وَبِذَلِكَ قَضَى زَيْدٌ فِي قَتْلَى الْيَمَامَةِ، وَفِيمَنْ مَاتَ فِي طَاعُونِ عَمَوَاسَ، وَفِي قَتْلَى الْحَرَّةِ، وَنُقِلَ عَنِ الْإِمَامِ عَلِيٍّ فِي قَتْلَى الْجَمَلِ وَصِفِّينَ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَبِهِ أَخَذَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ.

وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَنَّ بَعْضَهُمْ يَرِثُ مِنْ بَعْضٍ إِلاَّ فِيمَا وَرِثَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ صَاحِبِهِ، لِأَنَّ سَبَبَ اسْتِحْقَاقِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِيرَاثَ صَاحِبِهِ مَعْلُومٌ، وَهُوَ حَيَاتُهُ، وَسَبَبُ الْحِرْمَانِ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَيَجِبُ التَّمَسُّكُ بِحَيَاتِهِ حَتَّى يَأْتِيَ بِيَقِينٍ آخَرَ، وَسَبَبُ الْحِرْمَانِ مَوْتُهُ قَبْلَ مَوْتِ صَاحِبِهِ، وَذَلِكَ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلَا يَثْبُتُ الْحِرْمَانُ بِالشَّكِّ إِلاَّ فِيمَا وَرِثَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ، لِأَنَّهُ إِذَا أَعْطَيْنَا أَحَدَهُمَا مِيرَاثَ صَاحِبِهِ فَقَدْ حَكَمْنَا بِحَيَاتِهِ فِيمَا وَرِثَ مِنْ صَاحِبِهِ، وَمِنْ ضَرُورَتِهِ الْحُكْمُ بِمَوْتِ صَاحِبِهِ قَبْلَهُ، وَلَكِنِ الثَّابِتُ بِالضَّرُورَةِ لَا يَعْدُو مَوْضِعَ الضَّرُورَةِ، وَقَدْ تَحَقَّقَتِ الضَّرُورَةُ فِيمَا وَرِثَ كُلٌّ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ، وَفِيمَا سِوَى ذَلِكَ يَتَمَسَّكُ بِالْأَصْلِ، وَذَلِكَ عَمَلًا بِالْقَاعِدَةِ الْقَائِلَةِ: (إِنَّ الْيَقِينَ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ).وَهِيَ أَصْلٌ لِأَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ.

وَوَجْهُ قَوْلِ الْمَانِعِينَ مِنَ الْمِيرَاثِ أَنَّ سَبَبَ اسْتِحْقَاقِ كُلٍّ مِنْهُمَا مِيرَاثَ صَاحِبِهِ غَيْرُ مَعْلُومٍ يَقِينًا، وَالِاسْتِحْقَاقُ يَنْبَنِي عَلَى السَّبَبِ، فَمَا لَمْ يَتَيَقَّنِ السَّبَبَ لَا يَثْبُتُ الِاسْتِحْقَاقُ، وَفِي الْفِقْهِ أَصْلٌ كَبِيرٌ: أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ لَا يَثْبُتُ بِالشَّكِّ.

مِيرَاثُ وَلَدِ الزِّنَى:

125- وَلَدُ الزِّنَى: وَهُوَ الْوَلَدُ الَّذِي تَأْتِي بِهِ أُمُّهُ نَتِيجَةَ ارْتِكَابِهَا الْفَاحِشَةَ.وَالْحُكْمُ: فِيهِ ثُبُوتُ نَسَبِهِ مِنْ أُمِّهِ.وَيَرِثُ بِجِهَتِهَا فَقَطْ، لِأَنَّ صِلَتَهُ بِهَا حَقِيقَةٌ مَادِّيَّةٌ لَا شَكَّ فِيهَا، أَمَّا نَسَبُهُ إِلَى الزَّانِي فَلَا يَثْبُتُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَلَوْ أَقَرَّ بِبُنُوَّتِهِ لَهُ مِنَ الزِّنَى، لِأَنَّ النَّسَبَ نِعْمَةٌ، فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الزِّنَى الَّذِي هُوَ جَرِيمَةٌ، فَإِذَا لَمْ يُصَرِّحْ بِأَنَّهُ ابْنُهُ مِنَ الزِّنَى، وَكَانَتْ أُمُّ الْوَلَدِ غَيْرَ مُتَزَوِّجَةٍ، وَتَحَقَّقَتْ شُرُوطُ الْإِقْرَارِ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ حَمْلًا لِحَالِهِ عَلَى الصَّلَاحِ، وَعَمَلًا بِالظَّاهِرِ.وَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا وَرِثَهُ الْآخَرُ.

وَذَهَبَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَابْنُ تَيْمِيَّةَ وَغَيْرُهُمَا إِلَى ثُبُوتِ نَسَبِ وَلَدِ الزِّنَى مِنَ الزَّانِي بِغَيْرِ صَاحِبَةِ فِرَاشِ الزَّوْجِيَّةِ، لِأَنَّ زِنَاهُ حَقِيقَةٌ ثَابِتَةٌ، فَكَمَا ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنَ الْأُمِّ يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنَ الزَّانِي، كَيْ لَا يَضِيعَ نَسَبُ الْوَلَدِ، وَيُصِيبَهُ الضَّرَرُ وَالْعَارُ بِسَبَبِ جَرِيمَةٍ لَمْ يَرْتَكِبْهَا، وَاَللَّهُ- تَعَالَى- يَقُولُ: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}.

وَمُقْتَضَى هَذَا الرَّأْيِ أَنَّ التَّوَارُثَ يَثْبُتُ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّ التَّوَارُثَ فَرْعُ ثُبُوتِ النَّسَبِ، وَهُمْ يُثْبِتُونَهُ عَلَى الْوَضْعِ الْمَذْكُورِ.

مِيرَاتُ وَلَدِ اللِّعَانِ وَالْمُتَلَاعِنِينَ:

126- وَلَدُ اللِّعَانِ لَا تَوَارُثَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُلَاعِنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَبَاقِي الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ.

قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: إِذَا لَاعَنَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ، وَنَفَى وَلَدَهَا، وَفَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا، انْتَفَى وَلَدُهَا عَنْهُ، وَانْقَطَعَ تَعْصِيبُهُ مِنْ جِهَةِ الْمُلَاعِنِ، فَلَمْ يَرِثْهُ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ عَصَبَتِهِ، وَتَرِثُهُ أُمُّهُ، وَذَوُو الْفُرُوضِ مِنْهُ فُرُوضَهُمْ، وَيَنْقَطِعُ التَّوَارُثُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا خِلَافًا.

وَأَمَّا إِنْ مَاتَ أَحَدُهُمْ قَبْلَ تَمَامِ اللِّعَانِ مِنَ الزَّوْجِيَّةِ، وَرِثَهُ الْآخَرَانِ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ- رحمه الله-: إِذَا أَكْمَلَ الزَّوْجُ لِعَانَهُ لَمْ يَتَوَارَثَا.وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ مَاتَ الزَّوْجُ بَعْدَ لِعَانِهِ.فَإِنْ لَاعَنَتِ الْمَرْأَةُ لَمْ تَرِثْ وَلَمْ تُحَدَّ.وَإِنْ لَمْ تُلَاعِنْ وَرِثَتْ وَحُدَّتْ.وَإِنْ مَاتَتْ هِيَ بَعْدَ لِعَانِ الزَّوْجِ وَرِثَهَا فِي قَوْلِ جَمِيعِهِمْ إِلاَّ الشَّافِعِيَّ.

وَإِنْ تَمَّ اللِّعَانُ بَيْنَهُمَا فَمَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ تَفْرِيقِ الْحَاكِمِ بَيْنَهُمَا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ:

إِحْدَاهُمَا: لَا يَتَوَارَثَانِ.وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَزُفَرَ، وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَرَبِيعَةَ وَالْأَوْزَاعِيِّ، لِأَنَّ اللِّعَانَ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ الْمُؤَبَّدَ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِي حُصُولِ الْفُرْقَةِ بِهِ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا كَالرَّضَاعِ.

وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَتَوَارَثَانِ مَا لَمْ يُفَرِّقِ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- فَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ، وَلَوْ حَصَلَ التَّفْرِيقُ بِاللِّعَانِ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَفْرِيقِهِ.

وَإِنْ فَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا قَبْلَ تَمَامِ اللِّعَانِ لَمْ تَقَعِ الْفُرْقَةُ، وَلَمْ يَنْقَطِعِ التَّوَارُثُ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ: إِنْ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ أَنْ تَلَاعَنَا ثَلَاثًا وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ، وَانْقَطَعَ التَّوَارُثُ، لِأَنَّهُ وُجِدَ مِنْهُمَا مُعْظَمُ اللِّعَانِ، وَإِنْ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ تَقَعِ الْفُرْقَةُ وَلَمْ يَنْقَطِعِ التَّوَارُثُ.

وَرُوِيَ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ التَّوَارُثَ لَا يَنْقَطِعُ بِاللِّعَانِ بَيْنَ الْوَلَدِ وَالْمُلَاعِنِ.

اسْتِحْقَاقُ الْمُقَرِّ لَهُ بِالنَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ:

127- إِذَا لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ مِنَ الْوَرَثَةِ السَّابِقِ ذِكْرُهُمْ بِتَرْتِيبِهِمْ، فَإِنَّ الْمَالَ يَئُولُ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ عَلَى رَأْيٍ، أَوْ إِلَى الْمُقَرِّ لَهُ بِالنَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ، أَوِ الْمُوصَى لَهُ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ حَسَبَ الْخِلَافِ السَّابِقِ ذِكْرُهُ.

128- وَالْإِقْرَارُ بِالنَّسَبِ قِسْمَانِ، الْأَوَّلُ: إِقْرَارٌ بِنَسَبٍ عَلَى الْمُقِرِّ، وَهُوَ الْإِقْرَارُ بِأَصْلِ النَّسَبِ: الْبُنُوَّةُ وَالْأُبُوَّةُ وَالْأُمُومَةُ مُبَاشَرَةً.فَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْإِقْرَارِ مَتَى تَوَافَرَتْ فِيهِ الشُّرُوطُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْفُقَهَاءُ لِصِحَّتِهِ صَحَّ الْإِقْرَارُ وَثَبَتَ نَسَبُ الْمُقَرِّ لَهُ بِالْبُنُوَّةِ أَوِ الْأُبُوَّةِ لِلْمُقِرِّ، فَيَرِثُهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ كَسَائِرِ أَبْنَائِهِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ.

الثَّانِي: إِقْرَارٌ بِنَسَبٍ عَلَى غَيْرِ الْمُقِرِّ، وَهُوَ الْإِقْرَارُ بِقَرَابَةٍ يَكُونُ فِيهَا وَاسِطَةً بَيْنَ الْمُقِرِّ وَالْمُقَرِّ لَهُ، كَإِقْرَارِ شَخْصٍ لآِخَرَ بِأَنَّهُ أَخُوهُ أَوْ عَمُّهُ أَوْ جَدُّهُ، فَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْإِقْرَارِ لَا يَثْبُتُ بِهِ النَّسَبُ، وَيَجُوزُ الرُّجُوعُ عَنْهُ، وَلَكِنْ يُعَامَلُ الْمُقِرُّ بِمُقْتَضَى إِقْرَارِهِ، فَيَصِحُّ فِي حَقِّ نَفْسِهِ فِي الْأُمُورِ الْمَالِيَّةِ مَتَى تَحَقَّقَتْ شُرُوطُ صِحَّتِهِ؛ إِذْ لَيْسَ فِيهِ إِلْحَاقُ ضَرَرٍ بِالْغَيْرِ.

فَإِذَا تُوُفِّيَ الْمَيِّتُ عَنِ ابْنَيْنِ، وَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِثَالِثٍ وَأَنْكَرَ الثَّانِي.فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ: إِنَّ لِلْمُقَرِّ لَهُ حَقًّا عَلَى الْمُقِرِّ، فَيُشَارِكُهُ فِي مِيرَاثِهِ، لَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي الْقَدْرِ الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْمُقِرِّ إِعْطَاؤُهُ لِلْمُقَرِّ لَهُ، فَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ: عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ مَا زَادَ عَنْ نَصِيبِهِ فِيمَا لَوْ ثَبَتَ نَسَبُ الْمُقَرِّ لَهُ أَيْ ثُلُثُ مَا فِي يَدِهِ.وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ: يُعْطِيهِ نِصْفَ مَا فِي يَدِهِ، لِأَنَّ الْمُقِرَّ بِمُقْتَضَى إِقْرَارِهِ يَقُولُ لِلْمُقَرِّ لَهُ: أَنَا وَأَنْتَ سَوَاءٌ فِي مِيرَاثِ أَبِينَا، وَمَا أَخَذَهُ الْمُنْكِرُ، فَكَأَنَّهُ تَلِفَ أَوْ أَخَذَتْهُ يَدٌ مُعْتَدِيَةٌ، فَنَسْتَوِي فِيمَا بَقِيَ وَهُوَ الَّذِي بِيَدِيِّ.

وَاحْتَجَّ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ بِأَنَّ الْمُقِرَّ أَقَرَّ بِالزَّائِدِ عَنْ مِيرَاثِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِمَّا أَقَرَّ بِهِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْمُقِرَّ شَيْءٌ قَضَاءً.وَهَلْ يَلْزَمُهُ دِيَانَةً؟ قَوْلَانِ: أَصَحُّهُمَا لَا يَلْزَمُهُ، لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ بِهَذَا الْإِقْرَارِ، وَإِذَا كَانَ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ فَلَا يَرِثُ.وَالْقَوْلُ الْآخَرُ إِنَّهُ يَلْزَمُهُ، وَالْقَدْرُ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ دَفْعُهُ دِيَانَةً فِيهِ الْوَجْهَانِ السَّابِقَانِ.

129- وَإِذَا تَرَكَ الْمُتَوَفَّى ابْنًا وَاحِدًا فَأَقَرَّ بِأَخٍ لَهُ فَلَا يَثْبُتُ نَسَبُ الْمُقَرِّ لَهُ بِالْإِقْرَارِ، لِأَنَّ نِصَابَ الشَّهَادَةِ لَمْ يَتِمَّ، وَلَكِنْ يُشَارِكُهُ فِي الْمِيرَاثِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ لَهُ نِصْفَ مَا فِي يَدِهِ.وَعَنِ الشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ وَلَا يَجِبُ الْمِيرَاثُ.وَالثَّانِي يَثْبُتُ النَّسَبُ وَيَجِبُ الْمِيرَاثُ.وَالضَّابِطُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْمَالَ كُلَّهُ مِيرَاثًا يَثْبُتُ بِإِقْرَارِهِ النَّسَبُ وَيَتْبَعُهُ الْمِيرَاثُ فِي الْحُكْمِ.

الْمُوصَى لَهُ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ وَلَا وَارِثَ لَهُ:

130- إِذَا لَمْ يُوجَدْ وَارِثٌ لِلْمُتَوَفَّى حَسْبَمَا سَبَقَ، أَوْ مُقَرٌّ لَهُ بِالنَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ، كَانَتْ تَرِكَتُهُ كُلُّهَا لِلْمُوصَى لَهُ بِجَمِيعِ الْمَالِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، لِأَنَّهُمْ يُقَدِّمُونَهُ هُنَا عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَإِنَّمَا أَجَازُوا الْوَصِيَّةَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، لِأَنَّ عَدَمَ تَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ فِيمَا زَادَ عَنِ الثُّلُثِ كَانَ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَقَدْ زَالَ الْمَانِعُ.أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فَإِنَّهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالِ لَا يُجِيزُونَ الْوَصِيَّةَ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ لِعَدَمِ وُجُودِ مَنْ لَهُ حَقُّ الْإِجَازَةِ.

التَّخَارُجُ:

131- التَّخَارُجُ لُغَةً: أَنْ يَأْخُذَ بَعْضُ الشُّرَكَاءِ الدَّارَ، وَبَعْضُهُمُ الْأَرْضَ مَثَلًا.

وَفِي الِاصْطِلَاحِ: أَنْ يَتَصَالَحَ الْوَرَثَةُ عَلَى إِخْرَاجِ بَعْضِهِمْ مِنَ الْمِيرَاثِ عَلَى شَيْءٍ مَعْلُومٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ الشَّيْءُ الْمَعْلُومُ مِنْ تَرِكَةِ الْمُوَرِّثِ أَمْ مِنْ غَيْرِهَا

132- حُكْمُهُ: أَنَّهُ جَائِزٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ.

وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَيُجِيزُونَهُ فِي الْمَوَارِيثِ الْقَدِيمَةِ، أَمَّا فِي التَّرِكَاتِ الْحَاضِرَةِ، فَقَدْ صَرَّحَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ إِذَا عُلِمَ لِلطَّرَفَيْنِ، أَمَّا إِذَا جَهِلَ صَاحِبُ الْحَقِّ الْمُتَصَالَحَ عَلَيْهِ فَيَمْتَنِعُ.

133- وَإِذَا كَانَ فِي التَّرِكَةِ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ، أَوْ هُمَا مَعًا فَلَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاةِ أَحْكَامِ الصَّرْفِ، مِنْ وُجُوبِ التَّقَابُضِ فِي الْمَجْلِسِ وَالْمُسَاوَاةِ إِنْ تَعَيَّنَتْ.كَمَا أَنَّهُ عِنْدَ التَّخَارُجِ تُغْتَفَرُ الْجَهَالَةُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُسَامَحَةِ.

وَتَفْصِيلُ أَحْكَامِهِ وَالْخِلَافُ فِيهِ وَتَخْرِيجُ مَسَائِلِهِ فِي مُصْطَلَحِهِ.

الْمُنَاسَخَةُ:

134- التَّنَاسُخُ لُغَةً: التَّتَابُعُ وَالتَّدَاوُلُ، وَمِنْهُ تَنَاسَخَ الْوَرَثَةُ؛ لِأَنَّ الْمِيرَاثَ لَا يُقْسَمُ عَلَى حُكْمِ الْمَيِّتِ الْأَوَّلِ، بَلْ عَلَى حُكْمِ الثَّانِي، وَكَذَا مَا بَعْدَهُ.

وَفِي الِاصْطِلَاحِ: انْتِقَالُ نَصِيبِ بَعْضِ الْوَرَثَةِ بِمَوْتِهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ إِلَى مَنْ يَرِثُ مِنْهُ.

135- فَإِذَا مَاتَ إِنْسَانٌ وَلَمْ تُقْسَمْ تَرِكَتُهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ حَتَّى مَاتَ بَعْضُهُمْ فَلَا يَخْلُو الْحَالُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ:

إِمَّا أَنْ يَكُونَ وَرَثَةُ الثَّانِي هُمْ وَرَثَةُ الْأَوَّلِ.أَوْ يَكُونَ مِنْ بَيْنِهِمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثًا لِلْأَوَّلِ، فَإِذَا كَانَ وَرَثَةُ الثَّانِي هُمْ وَرَثَةُ الْأَوَّلِ فَيُكْتَفَى بِقِسْمَةِ التَّرِكَةِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ الْمَوْجُودِينَ، بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمُتَوَفَّى الثَّانِيَ لَمْ يَكُنْ حَيًّا حِينَ وَفَاةِ الْمُتَوَفَّى الْأَوَّلِ، وَلَا دَاعِيَ لِقِسْمَةِ التَّرِكَةِ بَيْنَ وَرَثَةِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ وَرَثَةِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَغَيَّرُوا.

136- فَلَوْ مَاتَ شَخْصٌ عَنْ بَنِينَ وَبَنَاتٍ مِنْ زَوْجَةٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمْ قَبْلَ قِسْمَةِ التَّرِكَةِ، وَلَا وَارِثَ لَهُ سِوَى إِخْوَتِهِ الْبَاقِينَ، فَيُكْتَفَى بِقِسْمَةٍ وَاحِدَةٍ بَيْنَهُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ.

137- وَأَمَّا إِذَا كَانَ مِنْ وَرَثَةِ الْمُتَوَفَّى الثَّانِي مَنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثًا لِلْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ قِسْمَةُ تَرِكَةِ الْمُتَوَفَّى الْأَوَّلِ بَيْنَ وَرَثَتِهِ، ثُمَّ يَقْسِمُ نَصِيبَ الثَّانِي بَيْنَ وَرَثَتِهِ حَسَبَ أَحْكَامِ الْمِيرَاثِ.وَذَلِكَ كَأَنْ يَمُوتَ إِنْسَانٌ عَنِ ابْنِهِ وَبِنْتِهِ، ثُمَّ قَبْلَ قِسْمَةِ التَّرِكَةِ بَيْنَهُمَا مَاتَ الِابْنُ عَنْ: بِنْتٍ وَأُخْتٍ، فَإِنَّ تَرِكَةَ الْأَوَّلِ تُقْسَمُ بَيْنَ الِابْنِ وَالْبِنْتِ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، ثُمَّ يُقْسَمُ نَصِيبُ الِابْنِ بَيْنَ بِنْتِهِ وَأُخْتِهِ مُنَاصَفَةً بَيْنَهَا، وَهَكَذَا يَكُونُ الْحُكْمُ فِي الْمُنَاسَخَاتِ.

حِسَابُ الْمَوَارِيثِ:

138- إِذَا اسْتَحَقَّ التَّرِكَةَ وَارِثٌ وَاحِدٌ فَلَا حَاجَةَ إِلَى تَقْسِيمِهَا، سَوَاءٌ أَكَانَ عَاصِبًا، أَمْ صَاحِبَ فَرْضٍ، أَمْ ذَا رَحِمٍ.

أَمَّا إِذَا تَعَدَّدَ الْوَرَثَةُ فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْسِيمِ التَّرِكَةِ بَيْنَهُمْ، فَيَأْخُذُ كُلُّ وَارِثٍ نَصِيبَهُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ مِنْهَا، وَيَلْزَمُ لِتَقْسِيمِ التَّرِكَةِ عَلَى الْوَرَثَةِ الْأُمُورُ الْآتِيَةُ:

139- أَوَّلًا: مَعْرِفَةُ الْفُرُوضِ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا أَصْحَابُ الْفُرُوضِ مِنَ الْوَرَثَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَعْرُوضَةِ.وَتَتَوَقَّفُ مَعْرِفَتُهَا عَلَى مَعْرِفَةِ أَحْوَالِ ذَوِي الْفُرُوضِ فِي الْمِيرَاثِ مَعَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْوَرَثَةِ.

140- ثَانِيًا: مَعْرِفَةُ أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ الْمَعْرُوضَةِ، وَهُوَ أَقَلُّ عَدَدٍ يُمْكِنُ أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُ سِهَامُ الْوَرَثَةِ بِدُونِ كَسْرٍ، وَهَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مَنْ يُوجَدُ مِنَ الْوَرَثَةِ.فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْعَصَبَاتِ النَّسَبِيَّةِ، أَوْ مِنْ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ، أَوْ مُشْتَرَكًا.فَإِذَا وُجِدَ عَصَبَةٌ فَقَطْ يُعْتَبَرُ عَدَدُ رُءُوسِهِمْ أَصْلَ الْمَسْأَلَةِ، فَتُقْسَمُ التَّرِكَةُ عَلَيْهِمْ بِحَسَبِ عَدَدِ الرُّءُوسِ.فَفِي ثَلَاثَةِ أَبْنَاءٍ، أَوْ ثَلَاثَةِ إِخْوَةٍ أَشِقَّاءٍ، أَوْ لِأَبٍ، أَصْلُ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةٌ، وَتُقْسَمُ عَلَيْهِمْ أَثْلَاثًا، يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ ثُلُثَ التَّرِكَةِ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.وَإِذَا وُجِدَتْ مَعَهُمْ أُنْثَى مُعَصَّبَةٌ بِهِمْ، عُدَّ كُلُّ ذَكَرٍ بِاثْنَتَيْنِ مِنَ الْإِنَاثِ، وَتُقْسَمُ التَّرِكَةُ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، فَفِي ابْنَيْنِ وَثَلَاثِ بَنَاتٍ أَصْلُ الْمَسْأَلَةِ سَبْعَةٌ، لِكُلِّ ابْنٍ سُبُعَانِ، وَلِكُلِّ بِنْتٍ سُبُعٌ.وَفِي ثَلَاثَةِ إِخْوَةٍ أَشِقَّاءٍ وَأَرْبَعِ أَخَوَاتٍ شَقِيقَاتٍ.أَصْلُ الْمَسْأَلَةِ عَشَرَةٌ، لِكُلِّ أَخٍ عُشْرَانِ، وَلِكُلِّ أُخْتٍ عَشْرٌ.

141- وَإِذَا وُجِدَ وَاحِدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ مَعَ غَيْرِهِ مِنَ الْعَصَبَاتِ النَّسَبِيَّةِ.فَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ مَقَامُ الْكَسْرِ الِاعْتِيَادِيِّ الدَّالِّ عَلَى فَرْضِ صَاحِبِ الْفَرْضِ، وَلَمَّا كَانَتِ الْفُرُوضُ لَا تَتَعَدَّى الْكُسُورَ الْآتِيَةَ:

النِّصْفَ، الرُّبُعَ، الثُّمُنَ، الثُّلُثَيْنِ، الثُّلُثَ، السُّدُسَ.

12 14 18 23 13 16

فَلَا يَخْرُجُ أَصْلُ الْمَسْأَلَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَنْ مَقَامَاتِ هَذِهِ الْكُسُورِ.

142- وَإِذَا وُجِدَ أَصْحَابُ فُرُوضٍ مُخْتَلِفَةٍ وَحْدَهُمْ، أَوْ مَعَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْعَصَبَاتِ النَّسَبِيَّةِ، فَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ الْمُضَاعَفُ الْبَسِيطُ لِمَقَامَاتِ الْكُسُورِ الِاعْتِيَادِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْفُرُوضِ، وَقَدْ دَلَّ الِاسْتِقْرَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُضَاعَفَ الْبَسِيطَ لِمَقَامَاتِ الْكُسُورِ فِي أَيِّ مَسْأَلَةٍ لَا يَخْرُجُ أَوَّلًا عَنْ سَبْعَةِ أَعْدَادٍ، وَهِيَ: (2، 3، 4، 6، 8، 12، 24).

143- وَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَائِلَةٌ، أَوْ فِيهَا رَدٌّ، يَخْرُجُ أَصْلُ الْمَسْأَلَةِ عَنْ هَذِهِ الْأَعْدَادِ، وَالْخَمْسَةُ الْأُولَى مِنْ هَذِهِ الْأَعْدَادِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ مَقَامَاتِ الْكُسُورِ الِاعْتِيَادِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْفُرُوضِ، وَالْعَدَدُ (12) مَأْخُوذٌ مِنِ اخْتِلَاطِ.1: 4 بِالنَّوْعِ الثَّانِي مِنَ الْفُرُوضِ وَهُوَ:

الثُّلُثَانِTab الثُّلُثُTabTab السُّدُسُ.

23TabTab 13 TabTab 16 وَأَمَّا النَّوْعُ الْأَوَّلُ مِنَ الْفُرُوضِ فَهُوَ:

النِّصْفُTabالرُّبُعُ TabTabالثُّمُنُ

12TabTab14TabTab18

وَالْعَدَدُ (24) مَأْخُوذٌ مِنِ اخْتِلَاطِ الثُّمُنِ بِالنَّوْعِ الثَّانِي الْمَذْكُورِ.

وَيُغْنِي عَمَّا تَقَدَّمَ اعْتِبَارُ الْعَدَدِ (24) أَصْلًا لِمَسَائِلِ الْمَوَارِيثِ، فَذَلِكَ أَيْسَرُ وَأَسْهَلُ.

وَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ الْمَعْرُوضَةِ، حَتَّى يُمْكِنَ مَعْرِفَةُ سِهَامِ كُلِّ وَارِثٍ مِنَ الْوَرَثَةِ الْمُسْتَحِقِّينَ لِلتَّرِكَةِ.

موسوعة الفقه الكويتية-وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت-صدرت بدءًا من: 1404هـ/1984م


3-موسوعة الفقه الكويتية (توأم)

تَوْأَمٌ

التَّعْرِيفُ:

1- التَّوْأَمُ لُغَةً: اسْمٌ لِوَلَدٍ يَكُونُ مَعَهُ آخَرُ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ، وَلَا يُقَالُ تَوْأَمٌ إِلاَّ لِأَحَدِهِمَا، وَيُقَالُ لِلْأُنْثَى تَوْأَمَةٌ، وَالْوَلَدَانِ تَوْأَمَانِ، وَالْجَمْعُ تَوَائِمُ.

وَأَتْأَمَتِ الْمَرْأَةُ وَضَعَتِ اثْنَيْنِ مِنْ حَمْلٍ وَاحِدٍ فَهِيَ مُتْئِمٌ.

جَاءَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ: أَنَّ التَّوْأَمَ مِنْ جَمِيعِ الْحَيَوَانِ الْمَوْلُودُ مَعَ غَيْرِهِ فِي بَطْنٍ مِنَ الِاثْنَيْنِ إِلَى مَا زَادَ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى أَوْ ذَكَرًا مَعَ أُنْثَى.

وَاصْطِلَاحًا: قَالَ الْجُرْجَانِيُّ: التَّوْأَمَانِ هُمَا وَلَدَانِ مِنْ بَطْنٍ وَاحِدٍ بَيْنَ وِلَادَتِهِمَا أَقَلُّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ.

الْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالتَّوَائِمِ:

ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَحْكَامَ التَّوَائِمِ فِي عِدَّةِ مَوَاطِنَ وَهِيَ كَمَا يَلِي: فِي النِّفَاسِ:

2- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الدَّمِ الْخَارِجِ بَيْنَ التَّوْأَمَيْنِ، أَوِ التَّوَائِمِ، أَهُوَ دَمُ نِفَاسٍ، أَمِ اسْتِحَاضَةٍ، أَمْ حَيْضٍ؟

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ- وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ- إِلَى أَنَّ نِفَاسَ أُمِّ التَّوْأَمَيْنِ أَوِ التَّوَائِمِ يَبْدَأُ مِنَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَ وِلَادَةِ الْوَلَدِ الْأَوَّلِ دَمٌ بَعْدِ وِلَادَةٍ، فَكَانَ نِفَاسًا كَالْمُنْفَرِدِ.

فَإِنْ تَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا أَكْثَرُ النِّفَاسِ وَهُوَ- أَرْبَعُونَ يَوْمًا- عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَسِتُّونَ يَوْمًا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ لَمْ يَكُنْ مَا بَعْدَهُ نِفَاسًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، بَلْ هُوَ دَمُ اسْتِحَاضَةٍ وَفَسَادٍ، وَلَا نِفَاسَ مِنَ الثَّانِي لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْأَوَّلِ.رُوِيَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ قَالَ لِأَبِي حَنِيفَةَ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ بَيْنَ الْوَلَدَيْنِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا قَالَ: هَذَا لَا يَكُونُ.قَالَ: فَإِنْ كَانَ قَالَ: لَا نِفَاسَ لَهَا مِنَ الثَّانِي وَلَكِنَّهَا تَغْتَسِلُ وَقْتَ أَنْ تَضَعَ الثَّانِيَ وَتُصَلِّيَ.

أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَإِنْ تَخَلَّلَ بَيْنَ وِلَادَةِ التَّوْأَمَيْنِ أَقَلُّ مِنْ سِتِّينَ يَوْمًا فَنِفَاسٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ تَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا أَكْثَرُ النِّفَاسِ وَهُوَ سِتُّونَ يَوْمًا فَنِفَاسَانِ، وَتَسْتَأْنِفُ لِلثَّانِي نِفَاسًا مُبْتَدَأً إِذَا كَانَ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي سِتَّةُ أَشْهُرٍ الَّتِي هِيَ أَقَلُّ مُدَّةِ الْحَمْلِ لِأَنَّهَا وِلَادَةٌ ثَانِيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ.

وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ: إِنَّ بِدَايَةَ النِّفَاسِ تَكُونُ مِنَ الْأَوَّلِ وَنِهَايَتَهُ تَكُونُ مِنَ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ وُلِدَ فَلَا تَنْتَهِي مُدَّةُ النِّفَاسِ قَبْلَ انْتِهَائِهَا مِنْهُ، فَعَلَى هَذَا تَزِيدُ مُدَّةُ النِّفَاسِ عَلَى الْأَرْبَعِينَ فِي حَقِّ مَنْ وَلَدَتْ تَوْأَمَيْنِ أَوْ أَكْثَر.

وَذَهَبَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ وَآخَرُونَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ الْقَدِيمُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ إِلَى أَنَّ النِّفَاسَ يَبْدَأُ مِنَ الثَّانِي فَقَطْ؛ لِأَنَّ مُدَّةَ النِّفَاسِ تَتَعَلَّقُ بِالْوِلَادَةِ فَكَانَ ابْتِدَاؤُهَا وَانْتِهَاؤُهَا مِنَ الثَّانِي، وَعَلَى هَذَا فَمَا تَرَاهُ الْمَرْأَةُ مِنَ الدَّمِ قَبْلَ وِلَادَةِ الثَّانِي أَوِ الْأَخِيرِ مِنَ التَّوَائِمِ لَا يَكُونُ نِفَاسًا، وَإِنَّمَا يَكُونُ اسْتِحَاضَةً.

أَمَّا الْجَدِيدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فَإِنَّ الدَّمَ الْخَارِجَ بَيْنَ التَّوْأَمَيْنِ أَوِ التَّوْأَمِ حَيْضٌ، وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَهُمْ.

فِي اللِّعَانِ وَالنَّسَبِ:

3- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ اسْتَلْحَقَ الرَّجُلُ أَحَدَ التَّوْأَمَيْنِ أَوِ التَّوَائِمِ وَنَفَى الْآخَرَ لَحِقُوا بِهِ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ الْوَاحِدَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُ مِنْهُ وَبَعْضُهُ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنْ ثَبَتَ نَسَبُ أَحَدِهِمَا مِنْهُ ثَبَتَ نَسَبُ الْآخَرِ ضَرُورَةً بِجَعْلِ مَا نَفَاهُ تَابِعًا لِمَا اسْتَلْحَقَهُ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ يُحْتَاطُ لِإِثْبَاتِهِ لَا لِنَفْيِهِ.

وَإِنْ اسْتَلْحَقَ أَحَدَهُمَا وَسَكَتَ عَنِ الْآخَرِ لَحِقَ بِهِ الْمَسْكُوتُ عَنْهُ، لِأَنَّهُ لَوْ نَفَاهُ لَلَحِقَهُ، فَإِذَا سَكَتَ كَانَ أَوْلَى.

وَإِنْ نَفَى أَحَدَهُمَا وَسَكَتَ عَنِ الْآخَرِ لَحِقَا بِهِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ حَقَّ النَّسَبِ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّغْلِيبِ، وَهُوَ يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الْإِمْكَانِ.

4- وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا لَوْ أَتَتِ الْمَرْأَةُ بِوَلَدٍ فَنَفَاهُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ بِاللِّعَانِ، ثُمَّ وَلَدَتْ آخَرَ تَوْأَمًا لِلْأَوَّلِ بِأَنْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا مُدَّةٌ أَقَلُّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ.

فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْوَلَدَ الثَّانِيَ لَا يَنْتَفِي بِاللِّعَانِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ تَنَاوَلَ الْوَلَدَ الْأَوَّلَ وَحْدَهُ.

فَإِذَا أَرَادَ نَفْيَ الثَّانِي فَعَلَيْهِ أَنْ يَنْفِيَهُ بِلِعَانٍ آخَرَ، وَلَا يَحْتَاجُ فِي اللِّعَانِ الثَّانِي إِلَى إِعَادَةِ ذِكْرِ الْوَلَدِ الْأَوَّلِ.

وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ اللِّعَانَ الْأَوَّلَ لِعَانٌ فِي حَقِّ الثَّانِي لِأَنَّهُمَا مِنْ حَمْلٍ وَاحِدٍ.وَلَكِنِ الْفُقَهَاءُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِالْوَلَدِ الثَّانِي بَعْدَ نَفْيِهِ لِلْوَلَدِ الْأَوَّلِ لَحِقَهُ الثَّانِي وَالْأَوَّلُ، وَعَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّهُ أَكْذَبَ نَفْسَهُ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِثُبُوتِ نَسَبِ بَعْضِ الْحَمْلِ إِقْرَارٌ بِالْكُلِّ.

وَكَذَا إِنْ سَكَتَ بَعْدَ وِلَادَةِ الْوَلَدِ الثَّانِي وَلَمْ يَنْفِهِ لَحِقَاهُ جَمِيعًا، إِلاَّ أَنَّهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْأَخِيرَةِ لَيْسَ عَلَيْهِ حَدٌّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنَاقِضْ قَوْلَهُ الْأَوَّلَ، وَلُحُوقُ الْوَلَدِ الْأَوَّلِ بِهِ هُوَ حُكْمُ الشَّرْعِ.

5- وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَيِّتِ مِنَ التَّوْأَمَيْنِ هَلْ يَحِقُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْفِيَهُ أَمْ لَا؟

فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ لِنَفْيِ الْمَيِّتِ مِنَ التَّوْأَمَيْنِ أَوِ التَّوَائِمِ، كَمَا أَنَّ لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ لِنَفْيِ الْحَيِّ مِنْهُمَا وَلِنَفْيِ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ نَسَبَهُ لَا يَنْقَطِعُ بِالْمَوْتِ، بَلْ يُقَالُ مَاتَ وَلَدُ فُلَانٍ، وَهَذَا قَبْرُ وَلَدِ فُلَانٍ؛ وَلِأَنَّ عَلَيْهِ مُؤْنَةَ تَجْهِيزِهِ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَوْ نَفَاهُمَا فَمَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ قُتِلَ قَبْلَ اللِّعَانِ لَزِمَهُ نَسَبُهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ نَفْيُ الْمَيِّتِ، لِانْتِهَائِهِ بِالْمَوْتِ وَاسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ.

قَالَ الْكَاسَانِيُّ: وَمِنْهَا (أَيْ شُرُوطِ اللِّعَانِ) أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ حَيًّا وَقْتَ قَطْعِ النَّسَبِ وَهُوَ وَقْتُ التَّفْرِيقِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَا يُقْطَعُ نَسَبُهُ مِنَ الْأَبِ حَتَّى لَوْ جَاءَتْ بِوَلَدٍ فَمَاتَ ثُمَّ نَفَاهُ الزَّوْجُ يُلَاعِنُ وَيَلْزَمُهُ الْوَلَدُ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ يَتَقَرَّرُ بِالْمَوْتِ فَلَا يُحْتَمَلُ الِانْقِطَاعُ.

وَإِذَا لَمْ يَنْتِفِ الْمَيِّتُ مِنَ التَّوْأَمَيْنِ لَمْ يَنْتِفِ الْحَيُّ مِنْهُمَا لِأَنَّهُمَا حَمْلٌ وَاحِدٌ، وَعَلَيْهِ فَيَلْزَمُهُ نَسَبُ الْحَيِّ، وَلَهُ أَنْ يُلَاعِنَ لِنَفْيِ الْحَدِّ عَنْهُ.

وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا نَفَى الْحَمْلَ بِاللِّعَانِ وَوَضَعَتِ الْمَرْأَةُ تَوْأَمَيْنِ أَوْ تَوَائِم انْتَفَوْا بِاللِّعَانِ جَمِيعًا، سَوَاءٌ وُلِدُوا مُتَعَاقِبِينَ أَوْ تَخَلَّلَتْ بَيْنَهُمْ فَتْرَةٌ تَقِلُّ عَنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ؛ لِأَنَّهُ لَاعَنَ عَنِ الْحَمْلِ، وَالْحَمْلُ اسْمٌ لِجَمِيعِ مَا فِي الْبَطْنِ.

فِي الْإِرْثِ:

6- تَطَرَّقَ عُلَمَاءُ الْفَرَائِضِ فِي أَبْوَابِ إِرْثِ الْحَمْلِ إِلَى مَسْأَلَتَيْنِ تَتَعَلَّقَانِ بِالتَّوَائِمِ:

الْأُولَى: افْتِرَاضُ الْحَمْلِ بِأَنَّهُ تَوْأَمَانِ أَوْ تَوَائِمُ عَمَلًا بِالْأَحْوَطِ فِي حَقِّهِ.وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَدَدِ الَّذِي يُفْتَرَضُ مِنَ التَّوَائِمِ: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ يُوقَفُ نَصِيبُ تَوْأَمَيْنِ مِنَ التَّرِكَةِ؛ لِأَنَّ وِلَادَةَ التَّوْأَمَيْنِ كَثِيرَةٌ وَمُعْتَادَةٌ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِمَا نَادِرٌ، فَلَا يُوقَفُ لِمَا زَادَ شَيْءٌ.

وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ- إِنَّ الْحَمْلَ لَا يَتَقَدَّرُ بِعَدَدٍ وَلَا يَتَحَدَّدُ بِحَدٍّ مُعَيَّنٍ لِعَدَمِ انْضِبَاطِهِ، فَيُوقَفُ الْمَالُ كُلُّهُ إِذَا كَانَ مِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ يُحْجَبَ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ بِالتَّوَائِمِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُمْكِنِ حَجْبُهُمْ وَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ الْفَرَائِضِ الْمُقَدَّرَةِ أُعْطِيَ لَهُمْ حَظُّهُمْ مِنَ التَّرِكَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ نَصِيبٌ مَفْرُوضٌ لَمْ يُعْطَوْا شَيْئًا حَتَّى تَضَعَ الْحَامِلُ.

وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: فِي الْمَرْجُوحِ يُوقَفُ نَصِيبُ أَرْبَعَةِ أَوْلَادٍ ذُكُورٍ.

وَالتَّفَاصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (إِرْثٌ).

الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ: إِذَا وَلَدَتِ الْحَامِلُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ تَوْأَمَيْنِ فَاسْتَهَلَّ أَحَدُهُمَا وَمَاتَا وَلَمْ يُعْلَمِ الْمُسْتَهِلُّ بِعَيْنِهِ، فَإِنْ كَانَا ذَكَرَيْنِ، أَوْ أُنْثَيَيْنِ، أَوْ ذَكَرًا وَأُنْثَى، لَا يَخْتَلِفُ مِيرَاثُهُمَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَا ذَكَرًا وَأُنْثَى يَخْتَلِفُ مِيرَاثُهُمَا، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِمَا:

فَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: ذَهَبَ الْفَرَضِيُّونَ إِلَى أَنْ تُعْمَلَ الْمَسْأَلَةُ عَلَى الْحَالَيْنِ وَيُعْطَى كُلُّ وَارِثٍ الْيَقِينَ، وَيُوقَفُ الْبَاقِي حَتَّى يَصْطَلِحُوا عَلَيْهِ.

ثُمَّ قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقْسَمَ بَيْنَهُمْ عَلَى حَسَبِ الِاحْتِمَالِ.

وَالتَّفَاصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (إِرْثٌ).

فِي الْعِدَّةِ:

7- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْحَامِلِ بِانْفِصَالِ جَمِيعِ الْوَلَدِ إِذَا كَانَ الْحَمْلُ وَاحِدًا وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيمَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ إِذَا كَانَ الْحَمْلُ اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَر.

فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ عِدَّتَهَا لَا تَنْقَضِي إِلاَّ بِوَضْعِ آخِرِ التَّوَائِمِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ وَاضِعَةً لِحَمْلِهَا مَا لَمْ يَخْرُجْ كُلُّهُ، وَالْحَمْلُ اسْمٌ لِلْجَمِيعِ.

وَذَهَبَ عِكْرِمَةُ وَأَبُو قِلَابَةَ إِلَى أَنَّ الْعِدَّةَ تَنْقَضِي بِأَوَّلِ التَّوَائِمِ، وَلَكِنَّهَا لَا تَتَزَوَّجُ حَتَّى تَضَعَ الْأَخِيرَ مِنَ التَّوَائِمِ.

فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْجَنِينِ:

8- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ ضَرَبَ بَطْنَ امْرَأَةٍ حَامِلٍ فَأَلْقَتْ جَنِينَيْنِ أَوْ أَجِنَّةً فَفِي كُلِّ وَاحِدٍ غُرَّةٌ لِأَنَّهُ ضَمَانُ آدَمِيٍّ فَتَعَدَّدَ بِتَعَدُّدِهِ.

وَإِنْ أَلْقَتْهُمْ أَحْيَاءَ فِي وَقْتٍ يَعِيشُونَ فِي مِثْلِهِ، ثُمَّ مَاتُوا فَفِي كُلِّ وَاحِدٍ دِيَةٌ كَامِلَةٌ.وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ حَيًّا فَمَاتَ، وَبَعْضُهُمْ مَيِّتًا، فَفِي الْحَيِّ دِيَةٌ، وَفِي الْمَيِّتِ غُرَّةٌ.

وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ هَذَا إِذَا مَاتَ عَاجِلًا بَعْدَ الضَّرْبِ، لِأَنَّ مَوْتَهُ بِالْفَوْرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَاتَ مِنْ ضَرْبِ الْجَانِي.

وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا مَاتَتِ الْأُمُّ الْمَضْرُوبَةُ ثُمَّ خَرَجَا مَيِّتَيْنِ، أَوْ خَرَجَ أَحَدُهُمَا مَيِّتًا قَبْلَ مَوْتِ الْأُمِّ، ثُمَّ خَرَجَ الْآخَرُ مَيِّتًا بَعْدَ مَوْتِهَا.

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ شَيْءٌ فِي الَّذِي خَرَجَ بَعْدَ مَوْتِ الْأُمِّ، وَهُوَ مَيِّتٌ؛ لِأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى أَعْضَاءِ الْأُمِّ، وَسَقَطَ ضَمَانُ أَعْضَائِهَا بِمَوْتِهَا.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى وُجُوبِ غُرَّتَيْنِ فِي اللَّذَيْنِ خَرَجَا مَيِّتِينَ بَعْدَ مَوْتِ الْأُمِّ، وَكَذَلِكَ فِي الَّذِي خَرَجَ مِنْهُمَا بَعْدَ مَوْتِهَا؛ لِأَنَّهُ جَنِينٌ خَرَجَ بِجِنَايَةٍ، فَوَجَبَ ضَمَانُهُ كَاَلَّذِي خَرَجَ قَبْلَ مَوْتِ الْأُمِّ؛ وَلِأَنَّهُ آدَمِيٌّ مَوْرُوثٌ فَلَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ أُمِّهِ كَمَا لَوْ خَرَجَ حَيًّا فَمَاتَ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَشْهَبُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ.

وَأَمَّا وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ أَسْقَطَ أَجِنَّةً خَطَأً.

فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْجَانِي عَنْ كُلِّ جَنِينٍ مِنَ التَّوَائِمِ؛ لِأَنَّهُ آدَمِيٌّ مَعْصُومٌ لقوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ}

وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنْ لَا كَفَّارَةَ فِي الْأَجِنَّةِ إِنْ خَرَجُوا أَمْوَاتًا، وَلَكِنْ يُنْدَبُ لِلْجَانِي أَنْ يُكَفِّرَ.

موسوعة الفقه الكويتية-وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت-صدرت بدءًا من: 1404هـ/1984م


4-موسوعة الفقه الكويتية (جناية على ما دون النفس 1)

جِنَايَةٌ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ -1

التَّعْرِيف:

1- الْجِنَايَةُ فِي اللُّغَةِ الذَّنْبُ وَالْجُرْمُ.وَقَالَ الْحَصْكَفِيُّ: الْجِنَايَةُ شَرْعًا: اسْمٌ لِفِعْلٍ مُحَرَّمٍ حَلَّ بِمَالٍ أَوْ نَفْسٍ، إِلاَّ أَنَّ الْفُقَهَاءَ خَصُّوا لَفْظَ الْجِنَايَةِ بِمَا حَلَّ بِنَفْسٍ أَوْ أَطْرَافٍ، وَالْغَصْبَ وَالسَّرِقَةَ بِمَا حَلَّ بِمَالٍ.

وَالْجِنَايَةُ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ كُلُّ فِعْلٍ مُحَرَّمٍ وَقَعَ عَلَى الْأَطْرَافِ أَوِ الْأَعْضَاءِ، سَوَاءٌ أَكَانَ بِالْقَطْعِ، أَمْ بِالْجَرْحِ، أَمْ بِإِزَالَةِ الْمَنَافِعِ.

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيّ:

كُلُّ جِنَايَةٍ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ عَمْدًا عُدْوَانًا مُحَرَّمَةٌ شَرْعًا.

الْحُكْمُ الْوَضْعِيّ:

2- يَخْتَلِفُ حُكْمُ الْجِنَايَةِ بِاخْتِلَافِ كَوْنِهَا عَمْدًا أَوْ خَطَأً، فَإِذَا كَانَتْ عَمْدًا فَمُوجِبُهَا الْقِصَاصُ إِذَا تَوَفَّرَتْ فِيهَا شُرُوطٌ مُعَيَّنَةٌ يَأْتِي ذِكْرُهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ، وَالْإِجْمَاعُ، وَالْمَعْقُولُ.

أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} وقوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}.

وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَمَا رَوَى أَنَسٌ- رضي الله عنه- قَالَ: «كَسَرَتِ الرُّبَيِّعُ، وَهِيَ عَمَّةُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَطَلَبَ الْقَوْمُ الْقِصَاصَ، فَأَتَوْا النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- فَأَمَرَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم- بِالْقِصَاصِ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: لَا: وَاللَّهِ لَا تُكْسَرُ سِنُّهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-: يَا أَنَسُ، كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ، فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَقَبِلُوا الْأَرْشَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-: إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ».

وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ: فَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَرَيَانِ الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ إِذَا أَمْكَنَ.

وَأَمَّا الْمَعْقُولُ: فَلِأَنَّ مَا دُونَ النَّفْسِ كَالنَّفْسِ فِي الْحَاجَةِ إِلَى حِفْظِهِ؛ لِأَنَّهُ خُلِقَ وِقَايَةً لِلنَّفْسِ فَشُرِعَ الْجَزَاءُ صَوْنًا لَهُ.

وَإِذَا كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ خَطَأً أَوْ عَمْدًا غَيْرَ مُسْتَجْمِعٍ لِسَائِرِ الشُّرُوطِ الْمُوجِبَةِ لِلْقِصَاصِ فَمُوجِبُهَا الدِّيَةُ، أَوِ الْأَرْشُ، أَوْ حُكُومَةُ عَدْلٍ، عَلَى حَسَبِ الْأَحْوَالِ.

فَالْجِنَايَةُ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ قِسْمَانِ: الْجِنَايَةُ الْمُوجِبَةُ لِلْقِصَاصِ، وَالْجِنَايَةُ الْمُوجِبَةُ لِلدِّيَةِ وَغَيْرِهَا.

الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: الْجِنَايَةُ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ الْمُوجِبَةُ لِلْقِصَاصِ:

3- تَكُونُ الْجِنَايَةُ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ مُوجِبَةً لِلْقِصَاصِ إِذَا تَحَقَّقَتْ فِيهَا الشُّرُوطُ الْآتِيَةُ:

(1) أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ عَمْدًا:

4- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْعَمْدَ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ.وَاخْتَلَفُوا فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ:

فَذَهَبَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى مِنْ فُقَهَاءِ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ شِبْهُ عَمْدٍ، فَمَا كَانَ شِبْهَ عَمْدٍ فِي النَّفْسِ فَهُوَ عَمْدٌ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ؛ لِأَنَّ مَا دُونَ النَّفْسِ لَا يُقْصَدُ إِتْلَافُهُ بِآلَةٍ دُونَ آلَةٍ عَادَةً فَاسْتَوَتِ الْآلَاتُ كُلُّهَا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْقَصْدِ، فَكَانَ الْفِعْلُ عَمْدًا مَحْضًا.

وَيَشْتَرِطُ الْمَالِكِيَّةُ لِلْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ أَنْ يَكُونَ الْجُرْحُ نَاتِجًا عَنْ قَصْدِ الضَّرْبِ عَدَاوَةً، فَالْجُرْحُ النَّاتِجُ عَنِ اللَّعِبِ، أَوِ الْأَدَبِ لَا قِصَاصَ فِيهِ.

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ كَمَا يُعْتَبَرُ فِي الْقَتْلِ أَنْ يَكُونَ عَمْدًا مَحْضًا، يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي الطَّرَفِ أَيْضًا، فَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ بِالْجِرَاحَاتِ وَإِبَانَةِ الْأَطْرَافِ إِذَا كَانَتْ خَطَأً أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ، وَمِنْ صُوَرِ شِبْهِ الْعَمْدِ أَنْ يَضْرِبَ رَأْسَهُ بِلَطْمَةٍ أَوْ حَجَرٍ لَا يَشُجُّ غَالِبًا لِصِغَرِهِ، فَيَتَوَرَّمُ الْمَوْضِعُ وَيَتَّضِحُ الْعَظْمُ.

وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ شِبْهَ الْعَمْدِ لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ، وَهُوَ أَنْ يَقْصِدَ ضَرْبَهُ بِمَا لَا يُفْضِي إِلَى ذَلِكَ غَالِبًا، مِثْلَ أَنْ يَضْرِبَهُ بِحَصَاةٍ لَا تُوضِحُ مِثْلُهَا، فَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ شِبْهُ عَمْدٍ.

(2) أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ عُدْوَانًا:

5- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْعُدْوَانَ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ كَمَا هُوَ شَرْطٌ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى النَّفْسِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْجَانِي مُتَعَدِّيًا فِي فِعْلِهِ، فَلَا يُقْتَصُّ مِنْهُ.كَأَنْ يَكُونَ الْجَانِي:

أ- غَيْرَ أَهْلٍ لِلْعُقُوبَةِ؛ لِأَنَّ الْأَهْلِيَّةَ هِيَ مَنَاطُ التَّكْلِيفِ، وَيُعْتَبَرُ الشَّخْصُ كَامِلَ الْأَهْلِيَّةِ بِالْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ.

ب- إِذَا كَانَ ارْتِكَابُ الْفِعْلِ الضَّارِّ بِحَقٍّ أَوْ شُبْهَةٍ.

فَلَا يُقْتَصُّ مِمَّنْ أَقَامَ الْحَدَّ، أَوْ نَفَّذَ التَّعْزِيرَ، سَوَاءٌ أَكَانَ قَتْلًا أَمْ قَطْعًا، وَلَا مِنَ الطَّبِيبِ بِشُرُوطِهِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ فِعْلِ الطَّبِيبِ هُوَ شِفَاءُ الْمَرِيضِ لَا الِاعْتِدَاءُ عَلَيْهِ، وَلَا مِمَّنْ وَجَبَ عَلَيْهِ دَفْعُ الصَّائِلِ بِشُرُوطِهِ.وَلَا مِمَّنِ ارْتَكَبَ الْجِنَايَةَ بِأَمْرٍ مِنَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، فَمَنْ قَالَ لآِخَرَ: اقْطَعْ يَدَيَّ وَلَا شَيْءَ عَلَيْكَ، فَقَطَعَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مَعَ الْإِثْمِ عَلَيْهِمَا.

وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ يَجِبُ الْقِصَاصُ إِنْ لَمْ يَسْتَمِرَّ الْمَقْطُوعُ عَلَى إِبْرَاءِ الْقَاطِعِ، بِأَنْ رَجَعَ عَنْهُ بَعْدَ الْقَطْعِ، أَمَّا إِنِ اسْتَمَرَّ عَلَى الْإِبْرَاءِ فَلَيْسَ عَلَى الْقَاطِعِ إِلاَّ الْأَدَبُ، وَقِيلَ: عَلَيْهِ الْأَدَبُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بَيْنَ اسْتِمْرَارِ الْمَقْطُوعِ عَلَى الْإِبْرَاءِ وَالرُّجُوعِ عَنْهُ.

(3) كَوْنُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مُكَافِئًا لِلْجَانِي فِي الصِّفَاتِ الْآتِيَةِ عَلَى الْخِلَافِ وَالتَّفْصِيلِ الْآتِيَيْنِ:

أ- التَّكَافُؤُ فِي النَّوْعِ (الذُّكُورَةُ وَالْأُنُوثَةُ):

6- ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ التَّكَافُؤُ بَيْنَ الْجَانِي وَالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فِي النَّوْعِ، فَيَجْرِي الْقِصَاصُ بَيْنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ بِنَفْسِ أَحْكَامِ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ.

وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ وَالْمُعْتَمَدِ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُكَافِئَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ الْجَانِيَ فِي النَّوْعِ؛ لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِلتَّكَافُؤِ أَنْ يَكُونَ أَرْشُ كُلٍّ مِنَ الْجَانِي وَالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مُسَاوِيًا لِلْآخَرِ، فَيَجْرِي الْقِصَاصُ عِنْدَهُمْ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ إِذَا كَانَا ذَكَرَيْنِ أَوْ أُنْثَيَيْنِ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا ذَكَرًا وَالْآخَرُ أُنْثَى، فَلَا قِصَاصَ؛ لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ فِي الْأُرُوشُ شَرْطُ وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ.وَفِي الْوَاقِعَاتِ: لَوْ قَطَعَتِ الْمَرْأَةُ يَدَ رَجُلٍ كَانَ لَهُ الْقَوَدُ، إِذَا رَضِيَ بِالْقَوَدِ عَنِ الْأَرْشِ.

وَنَصَّ مُحَمَّدٌ عَلَى جَرَيَانِ الْقِصَاصِ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِي الشِّجَاجِ الَّتِي يَجْرِي فِيهَا الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الشِّجَاجِ تَفْوِيتُ مَنْفَعَةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ إِلْحَاقُ شَيْنٍ وَقَدِ اسْتَوَيَا فِيهِ، وَفِي الطَّرَفِ تَفْوِيتُ الْمَنْفَعَةِ، وَقَدِ اخْتَلَفَا فِيهِ.

ب- التَّكَافُؤُ فِي الدِّينِ:

7- اخْتَلَفَتْ آرَاءُ الْفُقَهَاءِ فِي اشْتِرَاطِ التَّكَافُؤِ فِي الدِّينِ:

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجْرِي الْقِصَاصُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ لِتَسَاوِيهِمَا فِي الْأَرْشِ، وَكَذَا بَيْنَ الْمُسْلِمَةِ وَالْكِتَابِيَّةِ.

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يُقْتَصُّ مِنَ الْكَافِرِ لِلْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ جِنَايَةَ النَّاقِصِ عَلَى الْكَامِلِ كَجِنَايَةِ ذِي يَدٍ شَلاَّءَ عَلَى صَحِيحَةٍ فِي الْجِرَاحِ، وَيَلْزَمُهُ لِلْكَامِلِ مَا فِيهِ مِنَ الدِّيَةِ، وَإِلاَّ فَحُكُومَةُ عَدْلٍ إِنْ بَرِئَ عَلَى شَيْنٍ، وَإِلاَّ فَلَيْسَ عَلَى الْجَانِي إِلاَّ الْأَدَبُ.

وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي قِصَاصِ الطَّرَفِ التَّسَاوِي فِي الْبَدَلِ، فَيُقْطَعُ الذِّمِّيُّ بِالْمُسْلِمِ، وَلَا عَكْسَ فِيهِ.وَكَذَلِكَ قَالَ الْحَنَابِلَةُ: مَنْ لَا يُقْتَلُ بِقَتْلِهِ، لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ لَهُ أَيْضًا كَالْمُسْلِمِ مَعَ الْكَافِرِ؛ لِأَنَّهُ لَا تُؤْخَذُ نَفْسُهُ بِنَفْسِهِ، فَلَا يُؤْخَذُ طَرَفُهُ بِطَرَفِهِ، وَلَا يُجْرَحُ بِجُرْحِهِ كَالْمُسْلِمِ مَعَ الْمُسْتَأْمَنِ. ج- التَّكَافُؤُ فِي الْعَدَدِ:

8- ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ إِذَا اشْتَرَكُوا فِي جُرْحٍ مُوجِبٍ لِلْقِصَاصِ وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى جَمِيعِهِمْ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ شَاهِدَيْنِ شَهِدَا عِنْدَ عَلِيٍّ- رضي الله عنه- عَلَى رَجُلٍ بِالسَّرِقَةِ فَقَطَعَ يَدَهُ، ثُمَّ جَاءَا بِآخَرَ، فَقَالَا: هَذَا هُوَ السَّارِقُ وَأَخْطَأْنَا فِي الْأَوَّلِ فَرَدَّ شَهَادَتَهُمَا عَلَى الثَّانِي وَغَرَّمَهُمَا دِيَةَ الْأَوَّلِ وَقَالَ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكُمَا تَعَمَّدْتُمَا لَقَطَعْتُكُمَا.فَأَخْبَرَ أَنَّ الْقِصَاصَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوْ تَعَمَّدَ؛ وَلِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيِ الْقِصَاصِ، فَتُؤْخَذُ الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ كَالْأَنْفُسِ.

هَذَا إِذَا لَمْ يَتَمَيَّزْ فِعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ، أَمَّا لَوْ تَمَيَّزَ: بِأَنْ قَطَعَ هَذَا مِنْ جَانِبٍ، وَهَذَا مِنْ جَانِبٍ حَتَّى الْتَقَتِ الْحَدِيدَتَانِ، أَوْ قَطَعَ أَحَدُهُمَا بَعْضَ الْيَدِ، وَأَبَانَهَا الْآخَرُ، فَلَا قِصَاصَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.وَيَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكُومَةُ عَدْلٍ تَلِيقُ بِجِنَايَتِهِ.وَيَنْبَغِي أَنْ يَبْلُغَ مَجْمُوعُ الْحُكُومَتَيْنِ دِيَةَ الْيَدِ.

وَالْأَظْهَرُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ يُقْتَصُّ مِنَ الْكُلِّ إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً: قَلَعَ أَحَدُهُمْ عَيْنَهُ، وَالْآخَرُ قَطَعَ يَدَهُ، وَالثَّالِثُ رِجْلَهُ وَلَمْ يُعْلَمْ مَنِ الَّذِي فَقَأَ الْعَيْنَ وَقَطَعَ الرِّجْلَ أَوِ الْيَدَ، وَلَا تَمَالُؤَ بَيْنَهُمُ، اقْتُصَّ مِنْ كُلٍّ بِفَقْءِ عَيْنِهِ، وَقَطْعِ يَدِهِ وَرِجْلِهِ، وَأَمَّا إِنْ تَمَيَّزَتْ جِنَايَةُ كُلِّ وَاحِدٍ وَلَا تَمَالُؤَ بَيْنَهُمْ، فَيُقْتَصُّ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمْ كَفِعْلِهِ بِالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ.

وَأَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي وَجْهٍ فَلَا تُقْطَعُ الْأَيْدِي بِالْيَدِ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ، كَالِاثْنَيْنِ إِذَا قَطَعَا يَدَ رَجُلٍ، أَوْ رِجْلَهُ، أَوْ أَذْهَبَا سَمْعَهُ أَوْ بَصَرَهُ، أَوْ قَلَعَا سِنًّا لَهُ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْجِنَايَاتِ الَّتِي عَلَى الْوَاحِدِ مِنْهُمَا فِيهَا الْقِصَاصُ لَوِ انْفَرَدَ بِهَا، فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِمَا، بَلْ عَلَيْهِمَا الْأَرْشُ نِصْفَيْنِ، وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْنِ فَعَلَيْهِمُ الْأَرْشُ عَلَى عَدَدِهِمْ بِالسَّوَاءِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ مُعْتَبَرَةٌ، وَلَا مُمَاثَلَةَ بَيْنَ الْأَيْدِي وَيَدٍ وَاحِدَةٍ لَا فِي الذَّاتِ وَلَا فِي الْمَنْفَعَةِ وَلَا فِي الْفِعْلِ.وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَالزُّهْرِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ.

(4) الْمُمَاثَلَةُ فِي الْمَحَلِّ:

9- لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ تَوَافُرُ التَّمَاثُلِ بَيْنَ مَحَلِّ الْجِنَايَةِ، وَمَحَلِّ الْقِصَاصِ، فَلَا يُؤْخَذُ شَيْءٌ مِنَ الْأَصْلِ إِلاَّ بِمِثْلِهِ، فَلَا تُؤْخَذُ الْيَدُ إِلاَّ بِالْيَدِ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْيَدِ لَيْسَ مِنْ جِنْسِهَا، فَلَمْ يَكُنْ مِثْلًا لَهَا، إِذْ التَّجَانُسُ شَرْطٌ لِلْمُمَاثِلَةِ، وَكَذَا الرِّجْلُ، وَالْإِصْبَعُ، وَالْعَيْنُ، وَالْأَنْفُ وَنَحْوُهَا.وَكَذَا لَا تُؤْخَذُ الْأَصَابِعُ إِلاَّ بِمِثْلِهَا، فَلَا تُؤْخَذُ الْإِبْهَامُ إِلاَّ بِالْإِبْهَامِ، وَلَا السَّبَّابَةُ إِلاَّ بِالسَّبَّابَةِ، وَهَكَذَا فِي الْبَاقِي؛ لِأَنَّ مَنَافِعَ الْأَصَابِعِ مُخْتَلِفَةٌ، فَكَانَتْ كَالْأَجْنَاسِ الْمُخْتَلِفَةِ.

وَكَذَلِكَ لَا تُؤْخَذُ الْيَمِينُ بِالْيَسَارِ فِي كُلِّ مَا انْقَسَمَ إِلَى يَمِينٍ وَيَسَارٍ، كَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، وَالْأُذُنَيْنِ وَالْمَنْخِرَيْنِ وَغَيْرِهَا.وَكَذَلِكَ فِي الْأَسْنَانِ لَا تُؤْخَذُ الثَّنِيَّةُ إِلاَّ بِالثَّنِيَّةِ لِاخْتِلَافِ مَنَافِعِهَا، فَإِنَّ بَعْضَهَا قَوَاطِعُ، وَبَعْضَهَا ضَوَاحِكُ، وَاخْتِلَافُ الْمَنْفَعَةِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ يُلْحِقُهُمَا بِجِنْسَيْنِ، وَلَا مُمَاثَلَةَ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلِ مِنَ الْأَسْنَانِ لِلتَّفَاوُتِ بَيْنَ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلِ، وَهُوَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ مَا انْقَسَمَ إِلَى أَعْلَى وَأَسْفَل.

(5) الْمُمَاثَلَةُ فِي الْمَنْفَعَةِ:

10- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ أَنْ تَتَمَاثَلَ مَنَافِعُهَا عِنْدَ الْجَانِي وَعِنْدَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَإِذَا اتَّحَدَ الْجِنْسُ فِي الْأَطْرَافِ كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ لَمْ يُؤَثِّرِ التَّفَاوُتُ فِي الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، وَالطُّولِ وَالْقِصَرِ، وَالْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، وَالضَّخَامَةِ وَالنَّحَافَةِ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الْحَجْمِ لَا يُؤَثِّرُ فِي مَنَافِعِهَا.وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي بَعْضِ الْأَعْضَاءِ عَلَى تَفْصِيلٍ يَأْتِي عِنْدَ الْكَلَامِ عَنْ أَنْوَاعِ الْجِنَايَةِ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ مِنَ الْأَعْضَاءِ وَالْأَطْرَافِ.

إِمْكَانُ الِاسْتِيفَاءِ مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ:

11- يَتَحَقَّقُ هَذَا بِأَنْ يَكُونَ الْقَطْعُ مِنْ مَفْصِلٍ، فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ مَفْصِلٍ فَلَا قِصَاصَ فِيهِ مِنْ مَوْضِعِ الْقَطْعِ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَقَدْ رَوَى نَمِرُ بْنُ جَابِرٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَجُلًا ضَرَبَ عَلَى سَاعِدِهِ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا مِنْ غَيْرِ مَفْصِلٍ، فَاسْتَعْدَى عَلَيْهِ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- فَأَمَرَ لَهُ بِالدِّيَةِ، قَالَ: إِنِّي أُرِيدُ الْقِصَاصَ، قَالَ: خُذِ الدِّيَةَ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا» وَلَمْ يَقْضِ لَهُ بِالْقِصَاصِ. وَهَذَا مَا لَمْ يَرْضَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِالْقَطْعِ مِنْ مَفْصِلٍ أَدْنَى مِنْ مَحَلِّ الْجِنَايَةِ عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْعَظْمِ..

أَنْوَاعُ الْجِنَايَةِ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ:

(إِذَا كَانَتْ عَمْدًا):

12- الْجِنَايَةُ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ بِالْقَطْعِ وَالْإِبَانَةِ، أَوْ بِالْجُرْحِ الَّذِي يَشُقُّ، أَوْ بِإِزَالَةِ مَنْفَعَةٍ بِلَا شَقٍّ وَلَا إِبَانَةَ.

النَّوْعُ الْأَوَّلُ- أَنْ تَكُونَ الْجِنَايَةُ بِالْقَطْعِ وَالْإِبَانَةِ:

13- يَجِبُ الْقِصَاصُ بِالْجِنَايَةِ عَلَى الْأَعْضَاءِ وَالْأَطْرَافِ إِذَا أَدَّتْ إِلَى قَطْعِ الْعُضْوِ أَوِ الطَّرَفِ بِشُرُوطٍ مُعَيَّنَةٍ، وَفِيمَا يَلِي تَفْصِيلُ الْكَلَامِ عَلَى كُلٍّ:

1- الْجِنَايَةُ عَلَى الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ:

14- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ تُؤْخَذُ الْيَدُ بِالْيَدِ، وَالرِّجْلُ بِالرِّجْلِ، وَلَا يُؤَثِّرُ التَّفَاوُتُ فِي الْحَجْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَوْصَافِ، فَتُؤْخَذُ الْيَدُ الصَّغِيرَةُ بِالْكَبِيرَةِ، وَالْقَوِيَّةُ بِالضَّعِيفَةِ، وَيَدُ الصَّانِعِ بِيَدِ الْأَخْرَقِ.وَلَكِنْ يُؤَثِّرُ الْكَمَالُ وَالصِّحَّةُ عَلَى الْوَجْهِ التَّالِي:

أ- الْكَمَال:

15- اخْتَلَفَتْ آرَاءُ الْفُقَهَاءِ فِي قَطْعِ كَامِلَةِ الْأَصَابِعِ مِنْ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ بِنَاقِصَةِ الْأَصَابِعِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لَا تُؤْخَذُ كَامِلَةُ الْأَصَابِعِ بِنَاقِصَةِ الْأَصَابِعِ، لِعَدَمِ الْمُمَاثَلَةِ وَعَدَمِ الْمُسَاوَاةِ، فَلَوْ قَطَعَ مَنْ لَهُ خَمْسُ أَصَابِعَ، يَدَ مَنْ لَهُ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَجُزِ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهَا فَوْقَ حَقِّهِ، وَلَا ذَاتُ أَظْفَارٍ بِمَا لَا أَظْفَارَ لَهَا؛ لِزِيَادَتِهَا عَلَى حَقِّهِ، وَلَا بِنَاقِصَةِ الْأَظْفَارِ، سَوَاءٌ رَضِيَ الْجَانِي بِذَلِكَ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ الدِّمَاءَ لَا تُسْتَبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ.وَإِنْ كَانَتْ أَظْفَارُ الْمَقْطُوعَةِ مِنْ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ خَضْرَاءَ أَوْ رَدِيئَةٍ أُخِذَتْ بِهَا السَّلِيمَةُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عِلَّةٌ وَمَرَضٌ، وَالْمَرَضُ لَا يَمْنَعُ الْقِصَاصَ.

ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ وَجْهٌ لَدَى الْحَنَابِلَةِ أَنَّ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَنْ يَقْطَعَ مِنْ أَصَابِعِ الْجَانِي بِعَدَدِ أَصَابِعِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الْمَقْطُوعَةِ، أَوْ يَأْخُذَ دِيَتَهَا.

وَأَمَّا إِنْ كَانَ النُّقْصَانُ فِي طَرَفِ الْجَانِي، فَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ اقْتَصَّ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ أَرْشَ الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الْمِثْلِ هُوَ السَّلِيمُ، وَلَا يُمْكِنُهُ اسْتِيفَاءُ حَقِّهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ مَعَ فَوَاتِ السَّلَامَةِ، وَأَمْكَنَهُ مِنْ وَجْهٍ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى إِلْزَامِ الِاسْتِيفَاءِ حَتْمًا؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إِلْزَامِ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ نَاقِصًا، وَهَذَا لَا يَجُوزُ فَيُخَيَّرُ: إِنْ شَاءَ رَضِيَ بِقَدْرِ حَقِّهِ وَاسْتَوْفَاهُ نَاقِصًا، وَإِنْ شَاءَ عَدَلَ إِلَى بَدَلِ حَقِّهِ وَهُوَ كَمَالُ الْأَرْشِ، وَلَيْسَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَهُ، وَيُضَمِّنَهُ النُّقْصَانَ، خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي وَجْهٍ.

وَفَرَّقَ الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ النُّقْصَانِ إِذَا كَانَ أُصْبُعًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ أُصْبُعٍ فَقَالُوا: إِنْ نَقَصَتْ يَدُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوْ رِجْلُهُ أُصْبُعًا، فَالْقَوَدُ عَلَى الْجَانِي الْكَامِلِ الْأَصَابِعِ وَلَا غَرَامَةَ عَلَيْهِ، حَتَّى وَلَوْ كَانَ الْأُصْبُعُ النَّاقِصُ إِبْهَامًا.وَإِنْ كَانَ النَّاقِصُ أَكْثَرَ مِنْ أُصْبُعٍ بِأَنْ نَقَصَتِ الْيَدُ أُصْبُعَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فَلَا يُقْتَصُّ مِنَ الْكَامِلَةِ.

وَكَذَلِكَ تُقْطَعُ يَدُ أَوْ رِجْلُ الْجَانِي النَّاقِصَةُ أُصْبُعًا بِالْكَامِلَةِ بِلَا غُرْمٍ عَلَيْهِ لِأَرْشِ الْأُصْبُعِ، إِذْ هُوَ نَقْصٌ لَا يَمْنَعُ الْمُمَاثَلَةَ.وَلَا خِيَارَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.

وَيُخَيَّرُ إِنْ نَقَصَتْ يَدُ الْجَانِي أَوْ رِجْلُهُ أَكْثَر مِنْ أُصْبُعٍ فِي الْقِصَاصِ، وَأَخْذِ الدِّيَةِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتَصَّ وَيَأْخُذَ أَرْشَ النَّاقِصِ.

وَأَمَّا النَّاقِصَةُ بِالنَّاقِصَةِ، فَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ مُقْتَضَى قَوَاعِدِ الْمَذَاهِبِ الْأُخْرَى، بِأَنَّهُ تُؤْخَذُ إِذَا تَسَاوَتَا فِيهِ، بِأَنْ يَكُونَ الْمَقْطُوعُ مِنْ يَدِ الْجَانِي كَالْمَقْطُوعِ مِنْ يَدِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمَا تَسَاوَتَا فِي الذَّاتِ وَالصِّفَةِ، فَأَمَّا إِنِ اخْتَلَفَا فِي النَّقْصِ، بِأَنْ يَكُونَ الْمَقْطُوعُ مِنْ يَدِ أَحَدِهِمَا الْإِبْهَامَ، وَمِنَ الْأُخْرَى أُصْبُعَ غَيْرِهَا لَمْ يَجُزِ الْقِصَاصُ؛ لِعَدَمِ الْمُسَاوَاةِ.

ب- الصِّحَّة:

16- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا تُقْطَعُ يَدٌ أَوْ رِجْلٌ صَحِيحَةٌ بِشَلاَّءَ وَإِنْ رَضِيَ الْجَانِي؛ لِأَنَّ الشَّلاَّءَ لَا نَفْعَ فِيهَا سِوَى الْجَمَالِ، فَلَا يُؤْخَذُ بِهَا مَا فِيهِ نَفْعٌ، وَالْوَاجِبُ فِي الطَّرَفِ الْأَشَلِّ حُكُومَةُ عَدْلٍ.

وَاخْتَلَفُوا فِي قَطْعِ الشَّلاَّءِ بِالصَّحِيحَةِ، وَقَطْعِ الشَّلاَّءِ بِالشَّلاَّءِ عَلَى أَقْوَالٍ: فَفِي قَطْعِ الشَّلاَّءِ بِالصَّحِيحَةِ: يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ أَخَذَهَا، فَذَلِكَ لَهُ، وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُهَا، وَإِنْ شَاءَ عَفَا، وَأَخَذَ دِيَةَ يَدِهِ.

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي وَجْهٍ لَا تُقْطَعُ يَدُ الْجَانِي إِذَا كَانَتْ شَلاَّءَ بِالْيَدِ الصَّحِيحَةِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِالْقِصَاصِ فِيهَا.وَعَلَيْهِ الْعَقْلُ أَيِ الدِّيَةُ.

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ الْوَجْهُ الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهَا تُقْطَعُ إِنْ قَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ وَالْبَصَرِ، بِأَنَّهُ يَنْقَطِعُ الدَّمُ، وَلَا تُقْطَعُ إِنْ قَالُوا: لَا يَنْسَدُّ فَمُ الْعُرُوقِ بِالْحَسْمِ، وَلَا يَنْقَطِعُ الدَّمُ، وَتَجِبُ دِيَةُ يَدِهِ.

وَفِي قَطْعِ الشَّلاَّءِ بِالشَّلاَّءِ: ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ إِلَى أَنَّهُ لَا تُقْطَعُ، لِأَنَّ الشَّلَلَ عِلَّةٌ، وَالْعِلَلُ يَخْتَلِفُ تَأْثِيرُهَا فِي الْبَدَنِ.

وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ الصَّحِيحُ لَدَى الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُمَا إِنِ اسْتَوَيَا فِي الشَّلَلِ، أَوْ كَانَ شَلَلُ يَدِ الْقَاطِعِ أَكْثَرَ قُطِعَتْ بِهَا بِشَرْطِ أَنْ لَا يُخَافَ نَزْفُ الدَّمِ.وَإِنْ كَانَ الشَّلَلُ فِي يَدِ الْمَقْطُوعِ أَكْثَرَ لَمْ يُقْطَعْ بِهَا.

وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لَا قِصَاصَ بَيْنَ الْأَشَلَّيْنِ، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الْمَقْطُوعَةُ يَدُهُ أَقَلَّ شَلَلًا أَمْ أَكْثَرَهُمَا، أَمْ هُمَا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الشَّلَلِ فِي يَدَيْهِمَا يُوجِبُ اخْتِلَافَ أَرْشَيْهِمَا، وَذَلِكَ يُعْرَفُ بِالْحَزْرِ وَالظَّنِّ، فَلَا تُعْرَفُ الْمُمَاثَلَةُ.

وَقَالَ زُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: إِنْ كَانَا سَوَاءً فَفِيهِمَا الْقِصَاصُ، وَإِنْ كَانَتْ يَدُ الْمَقْطُوعَةِ يَدُهُ أَقَلَّ شَلَلًا كَانَ بِالْخِيَارِ، وَإِنْ شَاءَ قَطَعَ يَدَ الْقَاطِعِ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ أَرْشَ يَدِهِ شَلاَّءَ، وَإِنْ كَانَتْ يَدُ الْمَقْطُوعَةِ يَدُهُ أَكْثَرَ شَلَلًا، فَلَا قِصَاصَ وَلَهُ أَرْشُ يَدِهِ.

2- الْجِنَايَةُ عَلَى الْعَيْنِ:

17- لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَى الْعَيْنِ بِالْقَلْعِ مُوجِبَةٌ لِلْقِصَاصِ؛ لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ}؛ وَلِأَنَّهَا تَنْتَهِي إِلَى مَفْصِلٍ فَجَرَى الْقِصَاصُ فِيهَا كَالْيَدِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَسْرُوقٌ، الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، كَمَا رُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَلِيٍّ- رضي الله عنه-.

وَتُؤْخَذُ عَيْنُ الشَّابِّ بِعَيْنِ الشَّيْخِ، وَعَيْنُ الصَّغِيرِ، بِعَيْنِ الْكَبِيرِ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِي الصِّفَةِ لَا يَمْنَعُ الْقِصَاصَ، لَكِنْ إِنْ كَانَ الْجَانِي قَدْ قَلَعَ عَيْنَهُ بِأُصْبُعِهِ لَا يَجُوزُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتَصَّ بِإِصْبَعِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْمُمَاثَلَةُ فِيهِ.

وَأَمَّا أَخْذُ الْعَيْنِ السَّلِيمَةِ بِالْمَرِيضَةِ، فَقَدْ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ تُؤْخَذُ الْعَيْنُ السَّلِيمَةُ بِالضَّعِيفَةِ الْإِبْصَارِ.

وَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ- فِي الْأَرْجَحِ- إِلَى أَنَّهُ لَوْ فَقَأَ شَخْصٌ عَيْنًا حَوْلَاءَ، وَكَانَ الْحَوَلُ لَا يَضُرُّ بِبَصَرِهِ يُقْتَصُّ مِنْهُ، وَإِلاَّ فَفِيهِ حُكُومَةُ عَدْلٍ.وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا قِصَاصَ فِي الْعَيْنِ الْحَوْلَاءِ مُطْلَقًا.وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لَوْ جَنَى عَلَى عَيْنٍ فِيهَا بَيَاضٌ يُبْصِرُ بِهَا، وَعَيْنُ الْجَانِي كَذَلِكَ فَلَا قِصَاصَ بَيْنَهُمَا، وَلَوْ فَقَأَ عَيْنَ رَجُلٍ، وَفِي عَيْنِ الْفَاقِئِ بَيَاضٌ يُنْقِصُهَا، فَلِلرَّجُلِ أَنْ يَفْقَأَ الْبَيْضَاءَ، أَوْ أَنْ يَأْخُذَ أَرْشَ عَيْنِهِ.

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لَا تُؤْخَذُ الْعَيْنُ السَّلِيمَةُ بِالْحَدَقَةِ الْعَمْيَاءِ. جِنَايَةُ الْأَعْوَرِ عَلَى صَحِيحِ الْعَيْنَيْنِ وَعَكْسُهَا:

18- إِذَا قَلَعَ الْأَعْوَرُ الْعَيْنَ الْيُمْنَى لِصَحِيحِ الْعَيْنَيْنِ، وَيُسْرَى الْفَاقِئِ ذَاهِبَةٌ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْهُ، وَيُتْرَكُ أَعْمَى، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَسْرُوقٌ وَالشَّعْبِيُّ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَابْنُ مُغَفَّلٍ، وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.

وَفَصَّلَ الْمَالِكِيَّةُ فَقَالُوا: إِنْ فَقَأَ أَعْوَرُ مِنْ سَالِمٍ مُمَاثَلَتَهُ فَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِالْخِيَارِ: إِنْ شَاءَ اقْتَصَّ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ دِيَةً كَامِلَةً، وَإِنْ فَقَأَ غَيْرَ مُمَاثَلَتِهِ فَنِصْفُ دِيَةٍ فَقَطْ فِي مَالِ الْجَانِي، وَلَيْسَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ؛ لِانْعِدَامِ مَحَلِّهِ، وَإِنْ فَقَأَ الْأَعْوَرُ عَيْنَيِ السَّالِمِ عَمْدًا فَالْقِصَاصُ فِي الْمُمَاثِلَةِ لِعَيْنِهِ، وَنِصْفُ الدِّيَةِ فِي الْعَيْنِ الَّتِي لَيْسَ لَهُ مِثْلُهَا.

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، إِنْ قَلَعَ الْأَعْوَرُ عَيْنَ صَحِيحٍ فَلَا قَوَدَ، وَعَلَيْهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ- رضي الله عنهما- وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمَا مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمَا، فَصَارَ إِجْمَاعًا.وَلِأَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ بِجَمِيعِ بَصَرِهِ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الِاقْتِصَاصُ مِنْهُ بِجَمِيعِ بَصَرِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ ذَا عَيْنَيْنِ.

وَصَرَّحَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ كَالْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ بِأَنَّهُ إِنْ شَاءَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَخَذَ دِيَةً كَامِلَةً، وَإِنْ شَاءَ اقْتَصَّ، وَأَعْطَاهُ نِصْفَ دِيَةٍ.

وَإِنْ قَلَعَ الْأَعْوَرُ عَيْنَيْ صَحِيحٍ فَقَدْ صَرَّحَ الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ بِأَنَّ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ اقْتَصَّ وَلَا شَيْءَ لَهُ سِوَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ جَمِيعَ بَصَرِهِ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ دِيَةً وَاحِدَةً وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم-: «وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ».

وَإِذَا فَقَأَ صَحِيحُ الْعَيْنَيْنِ الْعَيْنَ السَّالِمَةَ مِنْ عَيْنِ أَعْوَرَ:

فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ وَجْهٌ لَدَى الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الْقَوَدَ بِأَخْذِ نَظِيرَتِهَا مِنْ صَحِيحِ الْعَيْنَيْنِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ، أَوْ أَخْذِ الدِّيَةِ كَامِلَةً؛ لِأَنَّ عَيْنَهُ بِمَنْزِلَةِ عَيْنَيْنِ.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ لَهُ الْقِصَاصَ مِنْ مِثْلِهَا، وَيَأْخُذُ نِصْفَ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ ذَهَبَ بِجَمِيعِ بَصَرِهِ، وَأَذْهَبَ الضَّوْءَ الَّذِي بَدَلُهُ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَقَدْ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ جَمِيعِ الضَّوْءِ، إِذْ لَا يُمْكِنُ أَخْذُ عَيْنَيْنِ بِعَيْنٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا أَخْذُ يُمْنَى بِيُسْرَى، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ بِبَدَلِ نِصْفِ الضَّوْءِ. قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إِلاَّ الْقِصَاصُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ أَوِ الْعَفْوُ عَلَى الدِّيَةِ كَمَا لَوْ قَطَعَ الْأَشَلُّ يَدًا صَحِيحَةً، وَلِعُمُومِ قوله تعالى: {وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ}.

وَلَوْ قَلَعَ الْأَعْوَرُ عَيْنَ مِثْلِهِ فَفِيهِ الْقِصَاصُ بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِتَسَاوِيهِمَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، إِذَا كَانَتِ الْعَيْنُ مِثْلَ الْعَيْنِ فِي كَوْنِهَا يَمِينًا أَوْ يَسَارًا، وَإِنْ عَفَا إِلَى الدِّيَةِ فَلَهُ جَمِيعُهَا.

19- أَمَّا الْأَجْفَانُ، وَالْأَشْفَارُ، فَلَا قِصَاصَ فِيهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ قَالُوا بِالدِّيَةِ وَالْمَالِكِيَّةَ بِحُكُومَةِ عَدْلٍ.

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِيهَا الْقِصَاصُ؛ لقوله تعالى: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ الْقِصَاصُ فِيهِ لِانْتِهَائِهِ إِلَى مَفْصِلٍ، وَيُؤْخَذُ جَفْنُ الْبَصِيرِ بِجَفْنِ الْبَصِيرِ وَالضَّرِيرِ، وَجَفْنُ الضَّرِيرِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي السَّلَامَةِ مِنَ النَّقْصِ.

3- الْجِنَايَةُ عَلَى الْأَنْفِ:

20- الْجِنَايَةُ عَلَى الْمَارِنِ- وَهُوَ مَا لَانَ مِنَ الْأَنْفِ- مُوجِبٌ لِلْقِصَاصِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: {وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ} وَلِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْمِثْلِ فِيهِ مُمْكِنٌ؛ لِأَنَّ لَهُ حَدًّا مَعْلُومًا وَهُوَ مَا لَانَ مِنْهُ، وَإِنْ قَطَعَ الْمَارِنَ كُلَّهُ مَعَ قَصَبَةِ الْأَنْفِ، فَفِي الْمَارِنِ الْقِصَاصُ، وَفِي الْقَصَبَةِ حُكُومَةُ عَدْلٍ إِذْ لَا قِصَاصَ فِي الْعَظْمِ وَلَكِنْ فِي الْمَارِنِ قِصَاصٌ.

وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يُؤْخَذُ الْأَنْفُ الْكَبِيرُ بِالصَّغِيرِ، وَالْأَقْنَى بِالْأَفْطَسِ، وَأَنْفُ صَحِيحِ الشَّمِّ بِالْأَخْشَمِ الَّذِي لَا يَشُمُّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِعِلَّةٍ فِي الدِّمَاغِ، وَالْأَنْفُ صَحِيحٌ.وَكَذَلِكَ يُؤْخَذُ الصَّحِيحُ بِالْمَجْذُومِ مَا لَمْ يَسْقُطْ مِنْهُ شَيْءٌ، لِأَنَّ ذَلِكَ مَرَضٌ، فَإِنْ سَقَطَ مِنْهُ شَيْءٌ، يُقْطَعُ مِنْهُ مَا كَانَ بَقِيَ مِنَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إِنْ أَمْكَنَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِالْخِيَارِ: إِنْ شَاءَ قَطَعَ مِثْلَ مَا بَقِيَ مِنْهُ، أَوْ أَخَذَ أَرْشَ ذَلِكَ.

وَفَصَّلَ الْبَغَوِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ فَقَالَ: يُؤْخَذُ الْأَنْفُ السَّلِيمُ بِالْمَجْذُومِ إِنْ كَانَ فِي حَالِ الِاحْمِرَارِ، وَإِنِ اسْوَدَّ فَلَا قِصَاصَ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي حَدِّ الْبِلَى، وَإِنَّمَا تَجِبُ فِيهِ الْحُكُومَةُ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ أَنْفُ الْقَاطِعِ أَصْغَرَ، خُيِّرَ الْمَقْطُوعُ أَنْفُهُ الْكَبِيرُ إِنْ شَاءَ قَطَعَ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْأَرْشَ، وَكَذَا إِذَا كَانَ قَاطِعُ الْأَنْفِ أَخْشَمَ، أَوْ أَصْرَمَ الْأَنْفِ، أَوْ بِأَنْفِهِ نُقْصَانٌ مِنْ شَيْءٍ أَصَابَهُ، فَإِنَّ الْمَقْطُوعَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْقَطْعِ وَبَيْنَ أَخْذِ دِيَةِ أَنْفِهِ.

وَيُؤْخَذُ الْمَنْخِرُ الْأَيْمَنُ بِالْأَيْمَنِ، وَالْأَيْسَرُ بِالْأَيْسَرِ، وَلَا يُؤْخَذُ الْعَكْسُ، وَيُؤْخَذُ الْحَاجِزُ بِالْحَاجِزِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الْقِصَاصُ فِيهِ لِانْتِهَائِهِ إِلَى حَدٍّ.

وَفِي قَطْعِ بَعْضِ الْمَارِنِ الْقِصَاصُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَقُدِّرَ ذَلِكَ بِالْأَجْزَاءِ دُونَ الْمِسَاحَةِ، وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: لَا قِصَاصَ فِيهِ لِتَعَذُّرِ اسْتِيفَاءِ الْمِثْلِ.

4- الْجِنَايَةُ عَلَى الْأُذُنِ:

21- لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْأُذُنَ تُؤْخَذُ بِالْأُذُنِ؛ لقوله تعالى: {وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ}.وَلِأَنَّهَا تَنْتَهِي إِلَى حَدٍّ فَاصِلٍ، فَأَشْبَهَتِ الْيَدَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ.

وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ أُذُنِ السَّمِيعِ وَالْأَصَمِّ؛ لِتَسَاوِيهِمَا، فَإِنَّ ذَهَابَ السَّمْعِ نَقْصٌ فِي الرَّأْسِ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّهُ، وَلَيْسَ بِنَقْصٍ فِيهَا، كَمَا نَصَّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى أَخْذِ الْأُذُنِ الشَّلاَّءِ بِغَيْرِهَا، لِبَقَاءِ مَنْفَعَتِهَا بِجَمْعِ الصَّوْتِ.

فَإِنْ قُطِعَ بَعْضُهَا، فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُقْتَصُّ فِي بَعْضِ الْأُذُنِ، وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ فِيهِ الْقِصَاصَ إِنْ كَانَ لَهُ حَدٌّ يُعْرَفُ وَتُمْكِنُ فِيهِ الْمُمَاثَلَةُ، وَإِلاَّ سَقَطَ الْقِصَاصُ.

وَتُؤْخَذُ الصَّحِيحَةُ بِالْمَثْقُوبَةِ؛ لِأَنَّ الثُّقْبَ لَيْسَ بِعَيْبٍ، وَإِنَّمَا يُفْعَلُ فِي الْعَادَةِ لِلْقُرْطِ وَالتَّزَيُّنِ بِهِ، فَإِنْ كَانَ الثُّقْبُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، أَوْ كَانَتْ أُذُنُ الْقَاطِعِ مَخْرُومَةً، وَالْمَقْطُوعَةُ سَالِمَةً، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ قَطَعَ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ نِصْفَ الدِّيَةِ، وَإِنْ كَانَتِ الْمَقْطُوعَةُ نَاقِصَةً كَانَتْ لَهُ حُكُومَةُ عَدْلٍ.

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تُؤْخَذُ الْمَخْرُومَةُ بِالصَّحِيحَةِ، وَيُؤْخَذُ مِنَ الدِّيَةِ بِقَدْرِ مَا ذَهَبَ مِنَ الْمَخْرُومَةِ.

وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: تُؤْخَذُ الْمَخْرُومَةُ بِالصَّحِيحَةِ، وَلَا تُؤْخَذُ الصَّحِيحَةُ بِهَا؛ لِأَنَّ الثُّقْبَ إِذَا انْخَرَمَ صَارَ نَقْصًا فِيهَا، وَالثُّقْبُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ عَيْبٌ.

أَمَّا الْأُذُنُ الْمُسْتَحْشِفَةُ (الْيَابِسَةُ) فَتُؤْخَذُ بِالصَّحِيحَةِ، وَكَذَلِكَ الصَّحِيحَةُ تُؤْخَذُ بِهَا فِي الْأَظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا جَمْعُ الصَّوْتِ، وَحِفْظُ مَحَلِّ السَّمْعِ وَالْجَمَالِ، وَهَذَا يَحْصُلُ بِهَا، كَحُصُولِهِ بِالصَّحِيحَةِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ.وَمُقَابِلُ الْأَظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ وَجْهٌ آخَرُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لَا تُؤْخَذُ الصَّحِيحَةُ بِالْمُسْتَحْشِفَةِ؛ لِأَنَّهَا نَاقِصَةٌ، فَتَكُونُ كَالْيَدِ الشَّلاَّءِ، وَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ.

5- الْجِنَايَةُ عَلَى اللِّسَانِ:

22- ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ وَالْحَنَابِلَةُ- وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ- إِلَى أَنَّهُ يُؤْخَذُ اللِّسَانُ بِاللِّسَانِ، لقوله تعالى: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ}.وَلِأَنَّ لَهُ حَدًّا يَنْتَهِي إِلَيْهِ، فَاقْتُصَّ مِنْهُ كَالْعَيْنِ، وَلَا يُؤْخَذُ لِسَانُ نَاطِقٍ بِلِسَانِ أَخْرَسَ؛ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ، وَيَجُوزُ الْعَكْسُ بِرِضَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ- مَا عَدَا أَبَا يُوسُفَ- إِلَى أَنَّهُ لَا قِصَاصَ فِي اللِّسَانِ، وَلَوْ قُطِعَ مِنْ أَصْلِهِ، وَذَلِكَ لِعُسْرِ اسْتِقْصَاءِ اللِّسَانِ مِنْ أَصْلِهِ.

6- الْجِنَايَةُ عَلَى الشَّفَةِ:

23- يَرَى الشَّافِعِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ وَالْحَنَابِلَةُ وُجُوبَ الْقِصَاصِ فِي الشَّفَةِ مُطْلَقًا لقوله تعالى: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ}.وَلِأَنَّ لَهَا حَدًّا يَنْتَهِي إِلَيْهِ، يُمْكِنُ الْقِصَاصُ مِنْهُ، فَوَجَبَ كَالْيَدَيْنِ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الشَّفَةِ إِذَا قَطَعَهَا جَمِيعًا؛ لِلْمُسَاوَاةِ، وَإِمْكَانِ اسْتِيفَاءِ الْمِثْلِ.

موسوعة الفقه الكويتية-وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت-صدرت بدءًا من: 1404هـ/1984م


5-موسوعة الفقه الكويتية (خصاء)

خِصَاءٌ

التَّعْرِيفُ:

1- الْخِصَاءُ: سَلُّ الْخُصْيَيْنِ، وَخَصَيْتُ الْفَرَسَ أَخْصِيهِ، قَطَعْتَ ذَكَرَهُ فَهُوَ مَخْصِيٌّ وَخَصِيٌّ.

فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، وَالْجَمْعُ خِصْيَةٌ وَخِصْيَانٌ.

وَالْخُصْيَةُ: الْبَيْضَةُ مِنْ أَعْضَاءِ التَّنَاسُلِ، وَهُمَا خُصْيَتَانِ.

وَفِي الِاصْطِلَاحِ أَطْلَقَ الْفُقَهَاءُ الْخِصَاءَ عَلَى أَخْذِ الْخُصْيَتَيْنِ دُونَ الذَّكَرِ أَوْ مَعَهُ.

الْأَلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ- الْجَبُّ:

2- يُقَالُ: جَبَبْتُهُ مِنْ بَابِ قَتَلَ أَيْ قَطَعْتَهُ.فَهُوَ مَجْبُوبٌ بَيِّنُ الْجِبَابِ- بِالْكَسْرِ- إِذَا اسْتُؤْصِلَتْ مَذَاكِيرُهُ.

وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ: الْمَجْبُوبُ هُوَ الَّذِي قُطِعَ ذَكَرُهُ.

وَذَكَرَ ابْنُ قُدَامَةَ الْمَجْبُوبَ فَقَالَ: الْمُتَضَمِّنُ مَعْنَى الْعُنَّةِ فِي الْعَجْزِ عَنِ الْوَطْءِ.

وَقَالَ الْمُطَرِّزِيُّ: الْمَجْبُوبُ: الْخَصِيُّ الَّذِي اسْتُؤْصِلَ ذَكَرُهُ وَخُصْيَاهُ.

ب- الْعُنَّةُ:

3- الْعُنَّةُ وَالتَّعْنِينُ: الْعَجْزُ عَنْ إِتْيَانِ النِّسَاءِ، أَوْ أَنْ لَا يَشْتَهِيَ النِّسَاءَ فَهُوَ عِنِّينٌ، وَالْمَرْأَةُ عِنِّينَةٌ: أَيْ: لَا تَشْتَهِي الرِّجَالَ.

وَعُنِّنَ عَنِ امْرَأَتِهِ تَعْنِينًا بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ: إِذَا حَكَمَ عَلَيْهِ الْقَاضِي بِذَلِكَ، أَوْ مُنِعَ عَنْهَا بِالسِّحْرِ.

وَالِاسْمُ مِنْهُ: الْعُنَّةُ، وَسُمِّيَ عِنِّينًا: لِأَنَّ ذَكَرَهُ يَعِنُّ لِقُبُلِ الْمَرْأَةِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ، أَيْ يَعْتَرِضُ إِذَا أَرَادَ إِيلَاجَهُ.

وَسُمِّيَ عِنَانُ اللِّجَامِ مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ يَعِنُّ: أَيْ يَعْتَرِضُ الْفَمَ فَلَا يَلِجُهُ.

فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْخَصِيِّ وَالْعِنِّينِ وُجُودُ الْآلَةِ فِي الْعِنِّينِ.

وَيَجْتَمِعُ الْخَصِيُّ مَعَ الْعِنِّينِ فِي عَدَمِ الْإِنْزَالِ، وَعَدَمُ الْإِنْزَالِ عِنْدَ الْخَصِيِّ لِذَهَابِ الْخُصْيَةِ، أَمَّا عَدَمُ الْإِنْزَالِ عِنْدَ الْعِنِّينِ فَهُوَ لِعِلَّةٍ فِي الظَّهْرِ أَوْ غَيْرِهِ.

ج- الْوِجَاءُ:

4- الْوِجَاءُ اسْمٌ لِـ وَجَأَ، وَيُطْلَقُ عَلَى رَضِّ عُرُوقِ الْبَيْضَتَيْنِ حَتَّى تَنْفَضِخَا مِنْ غَيْرِ إِخْرَاجٍ، فَيَكُونُ شَبِيهًا بِالْخِصَاءِ، لِأَنَّهُ يَكْسِرُ الشَّهْوَةَ.

وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ هَذَا الْمَعْنَى فَقَالُوا:

الْمَوْجُوءُ هُوَ الَّذِي رُضَّتْ بَيْضَتَاهُ.

وَقِيلَ فِي مَعْنَى الْوِجَاءِ:

إِنَّ الْمَوْجُوءَ هُوَ مَنْزُوعُ الْأُنْثَيَيْنِ، وَقِيلَ: هُوَ الْمَشْقُوقُ عِرْقُ الْأُنْثَيَيْنِ وَالْخُصْيَتَانِ بِحَالِهِمَا.

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

أَوَّلًا: فِي الْآدَمِيِّ:

5- إِنَّ خِصَاءَ الْآدَمِيِّ حَرَامٌ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْهُ عَلَى مَا يَأْتِي: وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هُوَ نَهْيُ تَحْرِيمٍ بِلَا خِلَافٍ فِي بَنِي آدَمَ.

وَمِنَ النَّهْيِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: « كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- وَلَيْسَ لَنَا شَيْءٌ، فَقُلْنَا: أَلَا نَسْتَخْصِي؟ فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ ».

وَحَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: « رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا ».وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَخْرَجَهَا الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ نَفْسِهِ أَنَّهُ « قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَجُلٌ تَشُقُّ عَلَيَّ هَذِهِ الْعُزُوبَةُ فِي الْمَغَازِي فَتَأْذَنُ لِي فِي الْخِصَاءِ فَأَخْتَصِي؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالصِّيَامِ ».

وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ عُثْمَانَ- رضي الله عنه- قَالَ: « يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فِي الِاخْتِصَاءِ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَنَا بِالرَّهْبَانِيَّةِ الْحَنِيفِيَّةَ السَّمْحَةَ ».

وَيُرْوَى مَوْقُوفًا عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: (لَا كَنِيسَةَ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا خِصَاءَ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ تَعْقِيبًا عَلَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ:

وَالْحِكْمَةُ فِي مَنْعِ الْخِصَاءِ أَنَّهُ خِلَافُ مَا أَرَادَهُ الشَّارِعُ مِنْ تَكْثِيرِ النَّسْلِ لِيَسْتَمِرَّ جِهَادُ الْكُفَّارِ، وَإِلاَّ لَوْ أَذِنَ فِي ذَلِكَ لأَوْشَكَ تَوَارُدُهُمْ عَلَيْهِ فَيَنْقَطِعُ النَّسْلُ فَيَقِلُّ الْمُسْلِمُونَ بِانْقِطَاعِهِ وَيَكْثُرُ الْكُفَّارُ، فَهُوَ خِلَافُ الْمَقْصُودِ مِنْ بَعْثَةِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم-.

كَمَا أَنَّ فِيهِ مِنَ الْمَفَاسِدِ، تَعْذِيبَ النَّفْسِ وَالتَّشْوِيهَ مَعَ إِدْخَالِ الضَّرَرِ الَّذِي قَدْ يُفْضِي إِلَى الْهَلَاكِ.وَفِيهِ إِبْطَالُ مَعْنَى الرُّجُولِيَّةِ الَّتِي أَوْجَدَهَا اللَّهُ فِيهِ، وَتَغْيِيرُ خَلْقِ اللَّهِ، وَكُفْرُ النِّعْمَةِ، وَفِيهِ تَشَبُّهٌ بِالْمَرْأَةِ وَاخْتِيَارُ النَّقْصِ عَلَى الْكَمَالِ.

ثَانِيًا: فِي غَيْرِ الْآدَمِيِّ:

6- قَرَّرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِخِصَاءِ الْبَهَائِمِ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةً لِلْبَهِيمَةِ وَالنَّاسِ.

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: يَجُوزُ خِصَاءُ الْمَأْكُولِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ صَلَاحِ اللَّحْمِ.

وَالشَّافِعِيَّةُ فَرَّقُوا بَيْنَ الْمَأْكُولِ وَغَيْرِهِ، فَقَالُوا: يَجُوزُ خِصَاءُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فِي الصِّغَرِ، وَيَحْرُمُ فِي غَيْرِهِ.وَشَرَطُوا أَنْ لَا يَحْصُلَ فِي الْخِصَاءِ هَلَاكٌ.

أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَيُبَاحُ عِنْدَهُمْ خَصِيُّ الْغَنَمِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِصْلَاحِ لَحْمِهَا، وَقِيلَ: يُكْرَهُ كَالْخَيْلِ وَغَيْرِهَا وَالشَّدْخُ أَهْوَنُ مِنَ الْجَبِّ.وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَا يُعْجِبُنِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَخْصِيَ شَيْئًا، وَإِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِلنَّهْيِ الْوَارِدِ عَنْ إِيلَامِ الْحَيَوَانِ.وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: « نَهَى رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- عَنْ إِخْصَاءِ الْبَهَائِمِ نَهْيًا شَدِيدًا ».

الْأَحْكَامُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى الْخِصَاءِ:

أ- فِي الْعُيُوبِ الَّتِي يُفْسَخُ بِهَا النِّكَاحُ:

7- ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْخَصِيَّ يَأْخُذُ حُكْمَ الْعِنِّينِ فَيُؤَجَّلُ سَنَةً، وَلَا فَرْقَ عِنْدَهُمْ بَيْنَ سَلِّ الْخُصْيَتَيْنِ أَوْ قَطْعِهِمَا، وَبَيْنَ مَا لَوْ كَانَ ذَكَرُهُ لَا يَنْتَشِرُ؛ لِأَنَّ آلَتَهُ لَوْ كَانَتْ تَنْتَشِرُ فَلَا خِيَارَ لِلزَّوْجَةِ.

وَحُكْمُ ذَلِكَ التَّأْجِيلِ كَالْعِنِّينِ لِدُخُولِهِ تَحْتَ اسْمِ الْعِنِّينِ، وَعِنْدَهُمْ أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ عَالِمَةً بِحَالِهِ لَا خِيَارَ لَهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَالِمَةً فَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِالْفُرْقَةِ.

وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ: الْخَصِيُّ بِمَنْزِلَةِ الْعِنِّينِ، لِأَنَّ الْوُصُولَ فِي حَقِّهِ مَوْجُودٌ لِبَقَاءِ الْآلَةِ.وَلَوْ تَزَوَّجَتْ وَهِيَ تَعْلَمُ بِحَالِهِ فَلَا خِيَارَ لَهَا فِيهِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ رَاضِيَةً بِهِ حِينَ أَقْدَمَتْ عَلَى الْعَقْدِ مَعَ عِلْمِهَا بِحَالِهِ، وَلَوْ رَضِيَتْ بِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ بِأَنْ قَالَتْ: رَضِيتُ، سَقَطَ خِيَارُهَا، فَكَذَلِكَ إِذَا كَانَتْ عَالِمَةً بِهِ، وَلَا فَرْقَ فِي قَوْلِهَا رَضِيتُ بِالْمُقَامِ مَعَهُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ السُّلْطَانِ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ إِسْقَاطٌ لِحَقِّهَا.

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: لَهَا الْخِيَارُ إِذَا كَانَ لَا يُمْنِي، أَمَّا إِنْ أَمْنَى فَلَا رَدَّ بِهِ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ إِنَّمَا هُوَ لِعَدَمِ تَمَامِ اللَّذَّةِ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ مَعَ الْإِنْزَالِ.

وَلِلشَّافِعِيَّةِ إِذَا وَجَدَتِ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا خَصِيًّا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَهَا الْخِيَارُ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ تَعَافُهُ.

وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا خِيَارَ لَهَا لِأَنَّهَا، تَقْدِرُ عَلَى الِاسْتِمْتَاعِ بِهِ.

وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: الْخَصِيُّ إِنْ وَصَلَ إِلَيْهَا فَلَا خِيَارَ لَهَا؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ مُمْكِنٌ، وَالِاسْتِمْتَاعُ حَاصِلٌ بِوَطْئِهِ.

ب- حُكْمُ الْخِصَاءِ فِي الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ:

8- سَبَقَ أَنْ بَيَّنَّا أَنَّ الْخِصَاءَ هُوَ أَخْذُ الْخُصْيَتَيْنِ دُونَ الذَّكَرِ أَوْ مَعَهُ، وَفِيمَا يَلِي نَذْكُرُ مُوجِبَ قَطْعِ الْخُصْيَتَيْنِ دُونَ الذَّكَرِ أَوْ مَعَهُ:

ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْقِصَاصَ يَجْرِي عِنْدَ تَوَافُرِ شُرُوطِهِ فِي الْأُنْثَيَيْنِ لقوله تعالى: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} فَيُقْطَعُ الْأُنْثَيَانِ بِالْأُنْثَيَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَهِي إِلَى حَدٍّ فَاصِلٍ يُمْكِنُ الْقِصَاصُ فِيهِ فَوَجَبَ فِيهِ الْقِصَاصُ.

وَأَلْحَقَ الشَّافِعِيَّةُ إِشْلَالَ الْأُنْثَيَيْنِ وَدَقَّهُمَا بِالْقَطْعِ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ.قَالَ النَّوَوِيُّ: وَفِي قَطْعِ الْأُنْثَيَيْنِ وَإِشْلَالِهِمَا الْقِصَاصُ، سَوَاءٌ أَقُطِعَ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَيَيْنِ مَعًا، أَمْ قُدِّمَ الذَّكَرُ أَوِ الْأُنْثَيَيْنِ، وَلَوْ دَقَّ خُصْيَيْهِ فَفِي التَّهْذِيبِ أَنَّهُ يُقْتَصُّ بِمِثْلِهِ إِنْ أَمْكَنَ، وَإِلاَّ وَجَبَتِ الدِّيَةُ.

وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ لَا يُقْتَصُّ فِي الرَّضِّ، قَالَ أَشْهَبُ: إِنْ قُطِعَتِ الْأُنْثَيَانِ أَوْ أُخْرِجَتَا فَفِيهِمَا الْقَوَدُ لَا فِي رَضِّهِمَا، لِأَنَّهُ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى التَّلَفِ لِعَدَمِ الِانْضِبَاطِ فِي الْقِصَاصِ.

أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدْ جَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ نَقْلًا عَنِ الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ، أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكُتُبِ الظَّاهِرَةِ نَصٌّ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي قَطْعِ الْأُنْثَيَيْنِ حَالَةَ الْعَمْدِ وَيَقُولُ الْكَاسَانِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ الْقِصَاصُ فِيهِمَا، حَيْثُ لَيْسَ لَهُمَا مَفْصِلٌ مَعْلُومٌ فَلَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْمِثْلِ.

وَإِذَا سَقَطَ الْقِصَاصُ لِعَدَمِ تَوَافُرِ أَيِّ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهِ تَجِبُ الدِّيَةُ فِي الْأُنْثَيَيْنِ، فَقَدْ وَرَدَ فِي كِتَابِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ « وَفِي الْبَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ » وَلِأَنَّ فِيهِمَا الْجَمَالَ وَالْمَنْفَعَةَ، فَإِنَّ النَّسْلَ يَكُونُ بِهِمَا، فَكَانَتْ فِيهِمَا الدِّيَةُ كَالْيَدَيْنِ، وَرَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ: مَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ فِي الصُّلْبِ الدِّيَةَ، وَفِي الْأُنْثَيَيْنِ الدِّيَةَ.وَفِي إِحْدَاهُمَا نِصْفَ الدِّيَةِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، لِأَنَّ مَا وَجَبَ فِي اثْنَيْنِ مِنْهُ الدِّيَةُ، وَجَبَ فِي أَحَدِهِمَا نِصْفُهَا، كَالْيَدَيْنِ وَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ؛ وَلِأَنَّهُمَا ذَوَا عَدَدٍ تَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ فَاسْتَوَتْ دِيَتُهُمَا كَالْأَصَابِعِ، وَحُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ فِي الْيُسْرَى ثُلُثَيِ الدِّيَةِ، وَفِي الْيُمْنَى ثُلُثَهَا؛ لِأَنَّ الْيُسْرَى أَكْثَرُ لِأَنَّ النَّسْلَ يَكُونُ بِهَا.

قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: وَإِنْ رَضَّ أُنْثَيَيْهِ أَوْ أَشَلَّهُمَا كَمُلَتْ دِيَتُهُمَا كَمَا لَوْ أَشَلَّ يَدَيْهِ أَوْ ذَكَرَهُ، فَإِنْ قَطَعَ أُنْثَيَيْهِ فَذَهَبَ نَسْلُهُ لَمْ يَجِبْ أَكْثَرُ مِنْ دِيَةٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ نَفْعَهُمَا فَلَمْ تَزْدَدِ الدِّيَةُ بِذَهَابِهِ مَعَهُمَا، كَالْبَصَرِ مَعَ ذَهَابِ الْعَيْنَيْنِ، وَالْبَطْشِ مَعَ ذَهَابِ الْيَدَيْنِ، وَإِنْ قُطِعَ إِحْدَاهُمَا فَذَهَبَ النَّسْلُ لَمْ يَجِبْ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ ذَهَابَهُ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ.

هَذَا مُوجِبٌ قَطْعَ الْأُنْثَيَيْنِ دُونَ الذَّكَرِ، أَمَّا إِذَا قَطَعَ الْأُنْثَيَيْنِ مَعَ الذَّكَرِ مَرَّةً وَاحِدَةً فَفِيهِمَا دِيَتَانِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، دِيَةٌ لِلْأُنْثَيَيْنِ وَدِيَةٌ لِلذَّكَرِ؛ لِأَنَّ الْجَانِيَ فَوَّتَ مَنْفَعَةَ الْجِمَاعِ بِقَطْعِ الذَّكَرِ وَمَنْفَعَةَ الْإِنْزَالِ بِقَطْعِ الْأُنْثَيَيْنِ، فَقَدْ وُجِدَ تَفْوِيتُ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ فِي قَطْعِ كُلٍّ مِنْهُمَا فَيَجِبُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دِيَةٌ كَامِلَةٌ.

وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ إِنْ قَطَعَ الذَّكَرَ أَوَّلًا ثُمَّ قَطَعَ الْأُنْثَيَيْنِ تَجِبُ دِيَتَانِ، فَإِنْ قَطَعَ الْأُنْثَيَيْنِ ثُمَّ قَطَعَ الذَّكَرَ لَمْ يَلْزَمْهُ إِلاَّ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الْأُنْثَيَيْنِ، وَفِي الذَّكَرِ حُكُومَةُ الْعَدْلِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرُ الْخَصِيِّ وَلَا تَكْمُلُ الدِّيَةُ فِي ذَكَرِ الْخَصِيِّ.

وَقَالَ الْكَاسَانِيُّ فِي تَعْلِيلِهِ لِهَذَا الْحُكْمِ: لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْأُنْثَيَيْنِ كَانَتْ كَامِلَةً وَقْتَ قَطْعِهِمَا، وَمَنْفَعَةَ الذَّكَرِ تَفُوتُ بِقَطْعِ الْأُنْثَيَيْنِ إِذْ لَا يَتَحَقَّقُ الْإِنْزَالُ بَعْدَ قَطْعِ الْأُنْثَيَيْنِ فَنَقَصَ أَرْشُهُ.

وَيُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ تَجِبُ فِي قَطْعِ الْأُنْثَيَيْنِ مَعَ الذَّكَرِ دِيَتَانِ سَوَاءٌ أَقُطِعَتَا قَبْلَ الذَّكَرِ أَمْ بَعْدَهُ.

قَالَ الْمَوَّاقُ: إِنْ قُطِعَتِ الْأُنْثَيَانِ مَعَ الذَّكَرِ فَفِي ذَلِكَ دِيَتَانِ، إِنْ قُطِعَتَا قَبْلَ الذَّكَرِ أَوْ بَعْدَهُ فَفِيهِمَا الدِّيَةُ، وَإِنْ قُطِعَ الذَّكَرُ قَبْلَهُمَا أَوْ بَعْدَهُمَا فَفِيهِ الدِّيَةُ، وَمَنْ لَا ذَكَرَ لَهُ فَفِي أُنْثَيَيْهِ الدِّيَةُ، وَمَنْ لَا أُنْثَيَيْنِ لَهُ فَفِي ذَكَرِهِ الدِّيَةُ.

كَمَا أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ يُوجِبُونَ دِيَةً كَامِلَةً فِي الْأُنْثَيَيْنِ، وَدِيَةً كَامِلَةً فِي الذَّكَرِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ ذَكَرُ الشَّيْخِ، وَالشَّابِّ، وَالصَّغِيرِ، وَالْعِنِّينِ، وَالْخَصِيِّ وَغَيْرِهِمْ.

وَلِلتَّفْصِيلِ (ر: جِنَايَةٌ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ، دِيَةٌ، قِصَاصٌ).

حُكْمُ الْخَصِيِّ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فِي الْأُضْحِيَّةِ وَالْهَدْيِ:

9- أَصْلُ ذَلِكَ: مَا رَوَى أَبُو رَافِعٍ قَالَ: « ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ خَصِيَّيْنِ ».

وَمَا رَوَى أَبُو سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ- رضي الله عنها- أَوْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- رضي الله عنه-: « أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ اشْتَرَى كَبْشَيْنِ عَظِيمَيْنِ سَمِينَيْنِ أَقَرْنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ فَذَبَحَ أَحَدَهُمَا عَنْ أُمَّتِهِ لِمَنْ شَهِدَ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ وَشَهِدَ لَهُ بِالْبَلَاغِ، وَذَبَحَ الْآخَرَ عَنْ مُحَمَّدٍ وَعَنْ آلِ مُحَمَّدٍ ».

وَالْمَوْجُوءُ هُوَ مَنْزُوعُ الْأُنْثَيَيْنِ كَمَا ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقِيلَ: هُوَ الْمَشْقُوقُ عِرْقُ الْأُنْثَيَيْنِ، وَالْخُصْيَتَانِ بِحَالِهِمَا.

قَالَ الشَّوْكَانِيُّ: هَذِهِ الْأَحَادِيثُ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّضْحِيَةِ بِالْمَوْجُوءِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ وَعَلَى الصِّفَاتِ الْوَارِدَةِ فِي الْأَحَادِيثِ.

ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا مُقْتَضَى لِلِاسْتِحْبَابِ، لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ- صلى الله عليه وسلم- التَّضْحِيَةُ بِالْفَحِيلِ، فَيَكُونُ الْكُلُّ سَوَاءً.

وَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ:

أَنْ يَكُونَ مِنَ الْأَجْنَاسِ الثَّلَاثَةِ، الْغَنَمِ، أَوِ الْإِبِلِ أَوِ الْبَقَرِ، وَيَدْخُلُ فِي كُلِّ جِنْسٍ نَوْعُهُ، وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى مِنْهُ، وَالْخَصِيُّ وَالْفَحْلُ لِإِطْلَاقِ اسْمِ الْجِنْسِ عَلَى ذَلِكَ.

أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَيُفَضِّلُونَ الْفَحِيلَ فِي الْأُضْحِيَّةِ عَلَى الْخَصِيِّ، إِنْ لَمْ يَكُنِ الْخَصِيُّ أَسْمَنَ، وَإِلاَّ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَإِنْ كَانَ بِخُصْيَةٍ وَاحِدَةٍ فَيُجْزِئُ إِنْ لَمْ يَحْصُلْ بِهَا مَرَضٌ.

وَإِنَّمَا أَجْزَأَ لِأَنَّهُ يَعُودُ بِمَنْفَعَةٍ فِي لَحْمِهَا، فَيُجْبَرُ مَا نَقَصَ.

وَعِنْدَهُمْ أَيْضًا سَوَاءٌ كَانَ فَوَاتُ الْجُزْءِ خِلْقَةً أَوْ كَانَ طَارِئًا بِقَطْعٍ فَجَائِزٌ لِمَا ذَكَرُوا.

كَمَا نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى جَوَازِ الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ بِالْخَصِيِّ بِقَوْلِهِمْ: وَيُجْزِئُ الْخَصِيُّ وَمَكْسُورُ الْقَرْنِ، وَالْخَصِيُّ هُوَ مَقْطُوعُ الْأُنْثَيَيْنِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُجْزِئُ؛ لِأَنَّ نَقْصَهُمَا سَبَبٌ لِزِيَادَةِ اللَّحْمِ وَطِيبِهِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ كَجٍّ فَحَكَى فِيهِ قَوْلَيْنِ، وَوَجْهُ عَدَمِ الْإِجْزَاءِ مَا فِيهِ مِنْ فَوَاتِ جُزْءٍ مَأْكُولٍ مُسْتَطَابٍ.

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَيْضًا: أَنَّ التَّضْحِيَةَ بِخَصِيٍّ بِلَا جَبٍّ تُجْزِئُ، لِأَنَّ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- « ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ »، وَعَنْ عَائِشَةَ- رضي الله عنها- نَحْوُهُ.

وَالْمَوْجُوءُ: الْمَرْضُوضُ الْخُصْيَتَيْنِ سَوَاءٌ أَقُطِعَتَا أَمْ سُلَّتَا؛ وَلِأَنَّهُ إِذْهَابُ عُضْوٍ غَيْرِ مُسْتَطَابٍ، بَلْ يَطِيبُ اللَّحْمُ بِزَوَالِهِ وَيَسْمَنُ، أَمَّا الْخَصِيُّ الْمَجْبُوبُ فَعِنْدَهُمْ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ.

موسوعة الفقه الكويتية-وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت-صدرت بدءًا من: 1404هـ/1984م


6-موسوعة الفقه الكويتية (ديات 3)

دِيَاتٌ -3

الْعَيْنَانِ:

42- لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ فِي قَطْعِ أَوْ فَقْءِ الْعَيْنَيْنِ دِيَةً كَامِلَةً، وَفِي إِحْدَاهُمَا نِصْفَ الدِّيَةِ، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الْعَيْنُ كَبِيرَةً أَمْ صَغِيرَةً، صَحِيحَةً أَمْ مَرِيضَةً، سَلِيمَةً أَمْ حَوْلَاءَ، وَذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم-: «وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ.»

وَلِأَنَّ فِي تَفْوِيتِ الِاثْنَيْنِ مِنْهُمَا تَفْوِيتَ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ أَوِ الْجَمَالِ عَلَى الْكَمَالِ، فَيَجِبُ فِيهِ كَمَالُ الدِّيَةِ، وَفِي تَفْوِيتِ أَحَدِهِمَا تَفْوِيتُ النِّصْفِ، فَيَجِبُ نِصْفُ الدِّيَةِ.

هَذَا فِي الْعُيُونِ الْمُبْصِرَةِ، أَمَّا الْعَيْنُ الْعَوْرَاءُ فَلَا دِيَةَ فِي قِلْعِهَا بَلْ تَجِبُ حُكُومَةُ عَدْلٍ.

وَاخْتَلَفُوا فِي قَلْعِ الْعَيْنِ السَّلِيمَةِ مِنَ الْأَعْوَرِ.

فَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: تَجِبُ فِي قَلْعِ عَيْنِ الْأَعْوَرِ السَّلِيمَةِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ وَاللَّيْثُ وَقَتَادَةُ وَإِسْحَاقُ؛ لِأَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَابْنَ عُمَرَ- رضي الله عنهم- قَضَوْا فِي عَيْنِ الْأَعْوَرِ بِالدِّيَةِ، وَلَمْ نَعْلَمْ لَهُمْ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا، فَيَكُونُ إِجْمَاعًا وَلِأَنَّ قَلْعَ عَيْنِ الْأَعْوَرِ يَتَضَمَّنُ إِذْهَابَ الْبَصَرِ كُلِّهِ، فَوَجَبَتِ الدِّيَةُ الْكَامِلَةُ، كَمَا لَوْ أَذْهَبَهُ مِنَ الْعَيْنَيْنِ؛ لِأَنَّ السَّلِيمَةَ الَّتِي عَطَّلَهَا بِمَنْزِلَةِ عَيْنَيْ غَيْرِهِ.

وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَقَوْلُ مَسْرُوقٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ: إِذَا قَلَعَ عَيْنَ الْأَعْوَرِ الْأُخْرَى فَفِيهَا نِصْفُ الدِّيَةِ لِقَوْلِهِ- صلى الله عليه وسلم-: «وَفِي الْعَيْنِ خَمْسُونَ مِنَ الْإِبِلِ»

وَقَوْلُ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم-: «وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ» يَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِمَا أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، فَإِذَا قُلِعَتْ عَيْنُ شَخْصٍ وَوَجَبَتْ فِيهَا نِصْفُ الدِّيَةِ ثُمَّ قُلِعَتِ الثَّانِيَةُ، فَقَالِعُ الثَّانِيَةِ قَالِعُ عَيْنِ أَعْوَرَ، فَلَوْ وَجَبَتْ فِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ لَوَجَبَ فِيهِمَا دِيَةٌ وَنِصْفُ دِيَةٍ.

الْيَدَانِ:

43- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ الدِّيَةِ فِي قَطْعِ الْيَدَيْنِ وَوُجُوبِ نِصْفِهَا فِي قَطْعِ إِحْدَاهُمَا؛ لِمَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «وَفِي الْيَدَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الْيَدِ خَمْسُونَ مِنَ الْإِبِلِ»؛ وَلِأَنَّ فِيهِمَا جَمَالًا ظَاهِرًا وَمَنْفَعَةً كَامِلَةً، وَلَيْسَ فِي الْبَدَنِ مِنْ جِنْسِهِمَا غَيْرُهُمَا، فَكَانَ فِيهِمَا الدِّيَةُ كَالْعَيْنَيْنِ.

وَيَجِبُ فِي قَطْعِ الْكَفِّ تَحْتَ الرُّسْغِ مَا يَجِبُ فِي الْأَصَابِعِ عَلَى مَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- قَالَ فِي الْأَصَابِعِ: «فِي كُلِّ أُصْبُعٍ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ» مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ مَا إِذَا قُطِعَتِ الْأَصَابِعُ وَحْدَهَا أَوْ قُطِعَتِ الْكَفُّ الَّتِي فِيهَا الْأَصَابِعُ.وَهَذَا فِي الْيَدِ السَّلِيمَةِ، أَمَّا الْيَدُ الشَّلاَّءُ فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لَا دِيَةَ فِي قَطْعِهَا بَلْ فِيهِ حُكُومَةُ عَدْلٍ، وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ ذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهَا مِنْ قَبْلُ، فَلَمْ تَفُتِ الْمَنْفَعَةُ بِالْقَطْعِ، وَلَا تَقْدِيرَ فِيهَا، فَتَجِبُ فِيهَا حُكُومَةُ عَدْلٍ.

وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ فِي الْيَدِ الشَّلاَّءِ ثُلُثَ دِيَتِهَا؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- فِي الْيَدِ الشَّلاَّءِ إِذَا قُطِعَتْ بِثُلُثِ دِيَتِهَا» وَحَدُّ الْيَدِ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الدِّيَةُ مِنَ الرُّسْغِ أَوِ الْكُوعِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْيَدِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَنْصَرِفُ إِلَيْهِ، بِدَلِيلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} وَالْوَاجِبُ قَطْعُهُمَا مِنَ الْكُوعِ.

وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا إِذَا قَطَعَ مَا فَوْقَ الْكُوعِ أَيْ: مِنْ بَعْضِ السَّاعِدِ أَوِ الْمِرْفَقِ أَوِ الْمَنْكِبِ: فَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو يُوسُفَ: إِنْ قَطَعَهَا مَعَ نِصْفِ السَّاعِدِ أَوْ مِنَ الْمِرْفَقِ أَوِ الْمَنْكِبِ فَفِي الْكَفِّ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي الزِّيَادَةِ حُكُومَةُ عَدْلٍ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِتَابِعَةٍ لِلْكَفِّ.وَهُوَ إِحْدَى رِوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ.وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ أُخْرَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ: إِنَّ مَا زَادَ عَلَى أَصَابِعِ الْيَدِ فَهُوَ تَبَعٌ لِلْأَصَابِعِ إِلَى الْمَنْكِبِ، فَإِنْ قَطَعَ يَدَهُ مِنْ فَوْقِ الْكُوعِ مِثْلَ أَنْ يَقْطَعَهَا مِنَ الْمِرْفَقِ أَوْ نِصْفِ السَّاعِدِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلاَّ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ الْيَدَ اسْمٌ لِلْجَمِيعِ إِلَى الْمَنْكِبِ بِدَلِيلِ قوله تعالى: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} وَلَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ مَسَحَ الصَّحَابَةُ إِلَى الْمَنَاكِبِ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ: الْيَدُ إِلَى الْمَنْكِبِ، وَفِي عُرْفِ النَّاسِ أَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ يُسَمَّى يَدًا، فَإِذَا قَطَعَهَا مِنْ فَوْقِ الْكُوعِ فَمَا قَطَعَ إِلاَّ يَدًا وَاحِدَةً، وَالشَّرْعُ أَوْجَبَ فِي الْيَدِ الْوَاحِدَةِ نِصْفَ الدِّيَةِ فَلَا يُزَادُ عَلَى تَقْدِيرِ الشَّرْعِ.

وَفَصَّلَ الْمَالِكِيَّةُ فَقَالُوا: فِي الْيَدَيْنِ سَوَاءٌ مِنَ الْمَنْكِبِ أَوِ الْمِرْفَقِ أَوِ الْكُوعِ دِيَةٌ، وَكَذَلِكَ فِي الْأَصَابِعِ، وَأَمَّا إِنْ قَطَعَ الْأَصَابِعَ أَوْ مَعَ الْكَفِّ فَأُخِذَتِ الدِّيَةُ ثُمَّ حَصَلَتْ جِنَايَةٌ عَلَيْهَا بَعْدَ إِزَالَةِ الْأَصَابِعِ فَحُكُومَةٌ، سَوَاءٌ أَقْطَعَ الْيَدَ مِنَ الْكُوعِ، أَمِ الْمِرْفَقِ، أَمِ الْمَنْكِبِ.

وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ دِيَةِ الْأَصَابِعِ فِي مَوْضِعِهَا.

الْأُنْثَيَانِ:

44- الْأُنْثَيَانِ وَالْبَيْضَتَانِ فِي قَطْعِهِمَا دِيَةٌ كَامِلَةٌ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ؛ لِمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «وَفِي الْبَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ» وَلِأَنَّ فِيهِمَا الْجَمَالَ وَالْمَنْفَعَةَ، فَإِنَّ النَّسْلَ يَكُونُ بِهِمَا بِإِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَكَانَتْ فِيهِمَا الدِّيَةُ الْكَامِلَةُ، وَرَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: مَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ فِي الصُّلْبِ الدِّيَةَ، وَفِي الْأُنْثَيَيْنِ الدِّيَةَ، وَفِي إِحْدَاهُمَا نِصْفَ الدِّيَةِ.

وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْيُسْرَى وَالْيُمْنَى فَتَجِبُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ.

وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَطَعَ الْأُنْثَيَيْنِ وَالذَّكَرَ مَعًا تَجِبُ دِيَتَانِ.وَكَذَا لَوْ قَطَعَ الذَّكَرَ ثُمَّ قَطَعَ الْأُنْثَيَيْنِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ).أَمَّا إِذَا قَطَعَ أُنْثَيَيْهِ ثُمَّ قَطَعَ ذَكَرَهُ فَفِيهِ دِيَةٌ لِلْأُنْثَيَيْنِ، وَحُكُومَةٌ لِلذَّكَرِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ؛ لِفَوَاتِ مَنْفَعَةِ الذَّكَرِ قَبْلَ قَطْعِهِ، فَهُوَ ذَكَرُ خَصِيٍّ.

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ رِوَايَةٌ أُخْرَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ تَجِبُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ دِيَتَانِ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِمْ بِوُجُوبِ الدِّيَةِ فِي قَطْعِ ذَكَرِ الْخَصِيِّ وَالْعِنِّينِ.

أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَالُوا: إِنْ قُطِعَتِ الْأُنْثَيَانِ مَعَ الذَّكَرِ فَفِي ذَلِكَ دِيَتَانِ، وَإِنْ قُطِعَتَا قَبْلَ الذَّكَرِ أَوْ بَعْدَهُ فَفِيهِمَا الدِّيَةُ، وَإِنْ قُطِعَ الذَّكَرُ قَبْلَهُمَا أَوْ بَعْدَهُمَا فَفِيهِ الدِّيَةُ، وَمَنْ لَا ذَكَرَ لَهُ فَفِي أُنْثَيَيْهِ الدِّيَةُ، وَمَنْ لَا أُنْثَيَيْنِ لَهُ فَفِي ذَكَرِهِ الدِّيَةُ.

اللَّحْيَانِ:

45- اللَّحْيَانِ هُمَا الْعَظْمَانِ اللَّذَانِ تَنْبُتُ عَلَيْهِمَا الْأَسْنَانُ السُّفْلَى، وَمُلْتَقَاهُمَا الذَّقَنُ، وَقَدْ صَرَّحَ فُقَهَاءُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ بِأَنَّ فِي اللَّحْيَيْنِ دِيَةً كَامِلَةً، وَفِي إِحْدَاهُمَا نِصْفَ الدِّيَةِ كَالْأُذُنَيْنِ.

وَعَلَّلُوا وُجُوبَ الدِّيَةِ فِيهِمَا بِأَنَّ فِيهِمَا جَمَالًا وَمَنْفَعَةً، وَلَيْسَ فِي الْبَدَنِ مِثْلُهُمَا فَكَانَتْ فِيهِمَا الدِّيَةُ كَسَائِرِ مَا فِي الْبَدَنِ مِنْهُ شَيْئَانِ، وَإِنْ قَلَعَهُمَا بِمَا عَلَيْهِمَا مِنْ أَسْنَانٍ وَجَبَتْ دِيَتُهُمَا وَدِيَةُ الْأَسْنَانِ، وَلَمْ تَدْخُلْ دِيَةُ الْأَسْنَانِ فِي دِيَتِهِمَا، بِخِلَافِ دِيَةِ الْأَصَابِعِ فَإِنَّهَا تَدْخُلُ فِي دِيَةِ الْيَدِ.

وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ اللَّحْيَيْنِ يُوجَدَانِ قَبْلَ وُجُودِ الْأَسْنَانِ فِي الْخِلْقَةِ وَيَبْقَيَانِ بَعْدَ ذَهَابِهَا فِي حَقِّ الْكَبِيرِ، وَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ اللَّحْيَيْنِ وَالْأَسْنَانِ يَنْفَرِدُ بِاسْمِهِ، وَلَا يَدْخُلُ أَحَدُهُمَا فِي اسْمِ الْآخَرِ، بِخِلَافِ الْأَصَابِعِ وَالْكَفِّ، فَإِنَّ اسْمَ الْيَدِ يَشْمَلُهُمَا، وَأَنَّ الْأَسْنَانَ مَغْرُوزَةٌ فِي اللَّحْيَيْنِ وَلَا تُعْتَبَرُ جُزْءًا مِنْهُمَا بِخِلَافِ الْكَفِّ مَعَ الْأَصَابِعِ؛ لِأَنَّهُمَا كَالْعُضْوِ الْوَاحِدِ.

وَاسْتَشْكَلَ الْمُتَوَلِّي مِنَ الشَّافِعِيَّةِ إِيجَابَ الدِّيَةِ فِي اللَّحْيَيْنِ بِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِمَا خَبَرٌ، وَالْقِيَاسُ لَا يَقْتَضِيهِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنَ الْعِظَامِ الدَّاخِلَةِ فَيُشْبِهَانِ التَّرْقُوَةَ وَالضِّلْعَ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَا دِيَةَ فِي السَّاعِدِ وَالْعَضُدِ وَالسَّاقِ وَالْفَخِذِ، وَهِيَ عِظَامٌ فِيهَا جَمَالٌ وَمَنْفَعَةٌ.

وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: إِنَّ اللَّحْيَيْنِ مِنَ الْوَجْهِ فَيَتَحَقَّقُ الشِّجَاجُ فِيهِمَا، فَيَجِبُ فِيهِمَا مُوجِبُهَا خِلَافًا لِمَا يَقُولُهُ مَالِكٌ أَنَّهُمَا لَيْسَا مِنَ الْوَجْهِ؛ لِأَنَّ الْمُوَاجَهَةَ لَا تَقَعُ بِهِمَا.

وَلَمْ نَعْثُرْ فِي كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى نَصٍّ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ.

الثَّدْيَانِ:

46- لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ فِي قَطْعِ ثَدْيَيِ الْمَرْأَةِ دِيَةً كَامِلَةً، وَفِي الْوَاحِدِ مِنْهُمَا نِصْفَ الدِّيَةِ.

قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ فِي ثَدْيِ الْمَرْأَةِ نِصْفَ الدِّيَةِ، وَفِي الثَّدْيَيْنِ الدِّيَةَ، وَلِأَنَّ فِيهِمَا جَمَالًا وَمَنْفَعَةً فَأَشْبَهَا الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ.

كَذَلِكَ تَجِبُ الدِّيَةُ الْكَامِلَةُ فِي قَطْعِ حَلَمَتَيِ الثَّدْيَيْنِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) وَفِي إِحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ، وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنِ الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ الْكَامِلَةَ وَجَمَالَ الثَّدْيِ بِهِمَا كَمَنْفَعَةِ الْيَدَيْنِ وَجَمَالِهِمَا بِالْأَصَابِعِ.

وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: تَجِبُ الدِّيَةُ فِي حَلَمَتَيْهِمَا إِذَا بَطَلَ اللَّبَنُ أَوْ فَسَدَ، وَإِلاَّ وَجَبَتْ حُكُومَةٌ بِقَدْرِ الشَّيْنِ.قَالُوا: وَكَذَا تَلْزَمُ الدِّيَةُ كَامِلَةً إِنْ بَطَلَ اللَّبَنُ أَوْ فَسَدَ مِنْ غَيْرِ قَطْعِ الْحَلَمَتَيْنِ، فَالدِّيَةُ عِنْدَهُمْ لِفَسَادِ اللَّبَنِ لَا لِقَطْعِ الْحَلَمَتَيْنِ، وَمِنْ ثَمَّ اسْتَظْهَرَ ابْنُ عَرَفَةَ أَنَّ فِي قَطْعِ حَلَمَتَيِ الْعَجُوزِ حُكُومَةً كَالْيَدِ الشَّلاَّءِ.

وَهَذَا فِي ثَدْيِ الْمَرْأَةِ، أَمَّا ثَدْيَا الرَّجُلِ فَفِيهِمَا حُكُومَةُ عَدْلٍ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ) إِذْ لَيْسَ فِيهِمَا مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ، بَلْ مُجَرَّدُ جَمَالٍ،

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تَجِبُ فِيهِمَا الدِّيَةُ كَثَدْيَيِ الْمَرْأَةِ.

الْأَلْيَتَانِ:

47- الْأَلْيَتَانِ هُمَا مَا عَلَا وَأَشْرَفَ مِنْ أَسْفَلِ الظَّهْرِ عِنْدَ اسْتِوَاءِ الْفَخِذَيْنِ، وَفِيهِمَا الدِّيَةُ الْكَامِلَةُ إِذَا أُخِذَتَا إِلَى الْعَظْمِ الَّذِي تَحْتَهُمَا، وَفِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ، وَهَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ؛ لِمَا فِيهِمَا مِنَ الْجَمَالِ وَالْمَنْفَعَةِ فِي الرُّكُوبِ وَالْقُعُودِ.وَهَذَا إِذَا أُخِذَتَا إِلَى الْعَظْمِ وَاسْتُؤْصِلَ لَحْمُهُمَا حَتَّى لَا يَبْقَى عَلَى الْوَرِكِ لَحْمٌ.أَمَّا بَعْضُ اللَّحْمِ فَإِذَا عُرِفَ قَدْرُهُ فَبِقِسْطِهِ مِنَ الدِّيَةِ، وَإِلاَّ فَالْحُكُومَةُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَقَالُوا: لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ.

وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: فِي أَلْيَتَيِ الرَّجُلِ حُكُومَةٌ، وَكَذَلِكَ فِي أَلْيَتَيِ الْمَرْأَةِ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ.وَقَالَ أَشْهَبُ: فِيهِمَا الدِّيَةُ؛ لِأَنَّهُمَا أَعْظَمُ عَلَيْهَا مِنْ ثَدْيَيْهَا.

الرِّجْلَانِ:

48- لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ تَجِبُ الدِّيَةُ الْكَامِلَةُ فِي قَطْعِ الرِّجْلَيْنِ كِلْتَيْهِمَا، وَأَنَّ فِي إِحْدَاهُمَا نِصْفَ الدِّيَةِ وَحَدُّ الْقَطْعِ هُنَا هُوَ مَفْصِلِ الْكَعْبَيْنِ.

وَالْخِلَافُ فِيمَا إِذَا قُطِعَ أَكْثَرُ مِنَ الْكَعْبَيْنِ إِلَى أَصْلِ الْفَخِذِ مِنَ الْوَرِكِ أَوِ الرُّكْبَةِ، كَالْخِلَافِ فِي قَطْعِ الْيَدَيْنِ فَوْقَ الْكُوعَيْنِ فِي وُجُوبِ حُكُومَةِ عَدْلٍ مَعَ الدِّيَةِ أَوْ عَدَمِ وُجُوبِهَا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ (ر: ف 43)، وَرِجْلُ الْأَعْرَجِ كَرِجْلِ الصَّحِيحِ، كَمَا أَنَّ يَدَ الْأَعْسَمِ كَيَدِ الصَّحِيحِ.

الشَّفَتَانِ:

49- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ فِي قَطْعِ الشَّفَتَيْنِ دِيَةً كَامِلَةً؛ لِمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ «وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ» وَلِأَنَّهُمَا عُضْوَانِ لَيْسَ فِي الْبَدَنِ مِثْلُهُمَا، فِيهِمَا جَمَالٌ ظَاهِرٌ وَمَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ، فَإِنَّهُمَا طَبَقٌ عَلَى الْفَمِ تَقِيَانِ مَا يُؤْذِيهِ، وَيَسْتُرَانِ الْأَسْنَانَ، وَيَرُدَّانِ الرِّيقَ، وَيُنْفَخُ بِهِمَا، وَيَتِمُّ بِهِمَا الْكَلَامُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمَنَافِعِ، فَتَجِبُ فِيهِمَا الدِّيَةُ كَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ.

وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ تَجِبُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ- رضي الله عنهما-.وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، يَجِبُ فِي الشَّفَةِ الْعُلْيَا ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي السُّفْلَى الثُّلُثَانِ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالزُّهْرِيُّ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ بِهَا أَعْظَمُ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي تَدُورُ وَتَتَحَرَّكُ، وَتَحْفَظُ الرِّيقَ، وَالطَّعَامَ، وَالْعُلْيَا سَاكِنَةٌ.

الْحَاجِبَانِ وَاللِّحْيَةُ وَقَرَعُ الرَّأْسِ:

50- ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ فِي إِتْلَافِ شَعْرِ الْحَاجِبَيْنِ إِذَا لَمْ يَنْبُتَا الدِّيَةَ، وَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفَ الدِّيَةِ، وَكَذَلِكَ فِي شَعْرِ اللِّحْيَةِ إِذَا لَمْ يَنْبُتِ الدِّيَةُ، وَهَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَشُرَيْحٍ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ- رضي الله عنهما-؛ لِأَنَّ فِيهِ إِذْهَابَ الْجَمَالِ عَلَى الْكَمَالِ، وَفِيهِ إِذْهَابَ مَنْفَعَةٍ، فَإِنَّ الْحَاجِبَ يَرُدُّ الْعَرَقَ عَنِ الْعَيْنِ وَيُفَرِّقُهُ، وَهُدْبُ الْعَيْنِ يَرُدُّ عَنْهَا وَيَصُونُهَا.

وَأَمَّا اللِّحْيَةُ فَلِأَنَّ فِيهَا جَمَالًا كَامِلًا؛ لِقَوْلِهِ- عليه الصلاة والسلام-: «إِنَّ مَلَائِكَةَ سَمَاءِ الدُّنْيَا تَقُولُ: سُبْحَانَ مَنْ زَيَّنَ الرِّجَالَ بِاللِّحَى وَالنِّسَاءَ بِالذَّوَائِبِ.»

وَعَنْ عَلِيٍّ- رضي الله عنه- أَنَّهُ أَوْجَبَ فِي شَعْرِ الرَّأْسِ إِذَا حُلِقَ فَلَمْ يَنْبُتْ دِيَةً كَامِلَةً.وَنَقَلَ الْمُوصِلِيُّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيِّ قَوْلَهُ: إِنَّمَا تَجِبُ الدِّيَةُ فِي اللِّحْيَةِ إِذَا كَانَتْ كَامِلَةً يَتَجَمَّلُ بِهَا.أَمَّا إِذَا كَانَتْ طَاقَاتٍ مُتَفَرِّقَةً لَا يَتَجَمَّلُ بِهَا فَلَا شَيْءَ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُتَفَرِّقَةٍ وَلَا يَتَجَمَّلُ بِهَا وَلَيْسَتِ الْجِنَايَةُ عَلَيْهَا مِمَّا تَشِينُهَا فَفِيهَا حُكُومَةُ عَدْلٍ.

وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: وَلَا تَجِبُ الدِّيَةُ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الشُّعُورِ إِلاَّ بِذَهَابِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُرْجَى عَوْدُهُ مِثْلَ أَنْ يَقْلِبَ عَلَى رَأْسِهِ مَاءً حَارًّا فَيَتْلَفَ مَنْبَتُ الشَّعْرِ، فَيَنْقَلِعَ بِالْكُلِّيَّةِ بِحَيْثُ لَا يَعُودُ، وَإِنْ رُجِيَ عَوْدُهُ إِلَى مُدَّةٍ انْتُظِرَ إِلَيْهَا.

وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: لَا يَجِبُ فِي إِتْلَافِ الشُّعُورِ غَيْرُ الْحُكُومَةِ؛ لِأَنَّهُ إِتْلَافُ جَمَالٍ مِنْ غَيْرِ الْمَنْفَعَةِ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ غَيْرُ الْحُكُومَةِ، كَإِتْلَافِ الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ وَالْيَدِ الشَّلاَّءِ.

الشُّفْرَانِ:

51- الشُّفْرَانِ بِالضَّمِّ هُمَا اللَّحْمَانِ الْمُحِيطَانِ بِفَرْجِ الْمَرْأَةِ الْمُغَطِّيَانِ لَهُ، وَفِي قَطْعِهِمَا أَوْ إِتْلَافِهِمَا إِنْ بَدَا الْعَظْمُ مِنْ فَرْجِهَا الدِّيَةُ الْكَامِلَةُ، وَفِي إِتْلَافِ أَوْ قَطْعِ أَحَدِهِمَا نِصْفُ الدِّيَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ- رضي الله عنه- أَنَّهُ قَضَى فِي شُفْرَيِ الْمَرْأَةِ بِالدِّيَةِ.وَلِأَنَّ فِيهِمَا جَمَالًا وَمَنْفَعَةً مَقْصُودَةً، إِذْ بِهِمَا يَقَعُ الِالْتِذَاذُ بِالْجِمَاعِ.وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنِ الرَّتْقَاءِ وَالْقَرْنَاءِ وَغَيْرِهِمَا، وَلَا بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ، وَالْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ.

وَلَمْ نَجِدْ فِيمَا اطَّلَعْنَا عَلَيْهِ مِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ كَلَامًا فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ.

الْأَعْضَاءُ الَّتِي فِي الْبَدَنِ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ:

أَشْفَارُ الْعَيْنَيْنِ وَأَهْدَابُهُمَا:

52- الْأَشْفَارُ هِيَ حُرُوفُ الْعَيْنِ الَّتِي يَنْبُتُ عَلَيْهَا الشَّعْرُ، وَالشَّعْرُ النَّابِتُ عَلَيْهَا هُوَ الْهُدْبُ.

وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ فِي قَطْعِ أَوْ قَلْعِ أَشْفَارِ الْعَيْنَيْنِ الْأَرْبَعَةِ دِيَةً كَامِلَةً، وَفِي أَحَدِهَا رُبْعَ الدِّيَةِ، وَهَذَا إِذَا أُتْلِفَتْ بِالْكُلِّيَّةِ بِحَيْثُ لَا يُرْجَى عَوْدُهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهَا الْجَمَالُ عَلَى الْكَمَالِ، وَتَتَعَلَّقُ بِهَا الْمَنْفَعَةُ وَهِيَ دَفْعُ الْأَذَى وَالْقَذَى عَنِ الْعَيْنِ، وَتَفْوِيتُ ذَلِكَ يُنْقصُ الْبَصَرَ، وَيُورِثُ الْعَمَى، فَإِذَا وَجَبَ فِي الْكُلِّ الدِّيَةُ وَهِيَ أَرْبَعَةٌ وَجَبَ فِي الْوَاحِدِ مِنْهَا رُبْعُ الدِّيَةِ، وَفِي الِاثْنَيْنِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي الثَّلَاثَةِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الدِّيَةِ.

وَلَوْ قَطَعَ أَوْ قَلَعَ الْجُفُونَ مَعَ الْأَهْدَابِ وَالْأَشْفَارِ تَجِبُ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ الْأَشْفَارَ مَعَ الْجُفُونِ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ كَالْمَارِنِ مَعَ الْقَصَبَةِ.

وَلَوْ قَلَعَ أَوْ قَطَعَ الْأَهْدَابَ وَحْدَهَا دُونَ الْأَشْفَارِ، قَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ تَجِبُ فِيهَا دِيَةُ مِثْلِ قَطْعِ الْأَشْفَارِ؛ لِأَنَّ فِيهَا جَمَالًا وَنَفْعًا، فَإِنَّهَا تَقِي الْعَيْنَيْنِ وَتَرُدُّ عَنْهُمَا، وَتُجَمِّلُهُمَا تُحَسِّنُهُمَا، فَوَجَبَتْ فِيهَا الدِّيَةُ كَمَا تَجِبُ فِي حَلَمَتَيِ الثَّدْيِ وَالْأَصَابِعِ.

وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: فِي قَطْعِ الْأَهْدَابِ وَحْدَهَا حُكُومَةُ عَدْلٍ كَسَائِرِ الشُّعُورِ؛ لِأَنَّ الْفَائِتَ بِقَطْعِهَا الزِّينَةُ وَالْجَمَالُ دُونَ الْمَقَاصِدِ الْأَصْلِيَّةِ وَهَذَا إِذَا فَسَدَ مَنْبَتُهَا، وَإِلاَّ فَالتَّعْزِيرُ.

أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَالُوا: لَا دِيَةَ فِي قَلْعِ أَشْفَارِ الْعَيْنَيْنِ، وَلَا فِي أَهْدَابِهِمَا، بَلْ تَجِبُ فِيهِمَا حُكُومَةُ عَدْلٍ مُطْلَقًا، قَالَ الْمَوَّاقُ نَقْلًا عَنِ الْمُدَوَّنَةِ: لَيْسَ فِي أَشْفَارِ الْعَيْنِ وَجُفُونِهَا إِلاَّ الِاجْتِهَادُ.أَيْ حُكُومَةُ عَدْلٍ.

مَا فِي الْبَدَنِ مِنْهُ عَشَرَةٌ:

أَصَابِعُ الْيَدَيْنِ وَأَصَابِعُ الرِّجْلَيْنِ:

53- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ فِي قَطْعِ أَوْ قَلْعِ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ الْعَشَرَةِ دِيَةً كَامِلَةً، وَكَذَلِكَ فِي قَطْعِ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ، وَفِي قَطْعِ كُلِّ أُصْبُعٍ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ أَوِ الرِّجْلَيْنِ عُشْرُ الدِّيَةِ أَيْ عَشَرَةٌ مِنَ الْإِبِلِ؛ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ».وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ- رضي الله عنهما- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-: «دِيَةُ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ لِكُلِّ أُصْبُعٍ» وَلِأَنَّ فِي قَطْعِ الْكُلِّ تَفْوِيتَ مَنْفَعَةِ الْبَطْشِ أَوِ الْمَشْيِ، فَتَجِبُ فِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَأَصَابِعُ كُلٍّ مِنَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ عَشْرٌ، فَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ عُشْرُ الدِّيَةِ، وَدِيَةُ كُلِّ أُصْبُعٍ مَقْسُومَةٌ عَلَى أَنَامِلِهَا (سُلَامِيَّاتِهَا)، وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ ثَلَاثُ أَنَامِلَ إِلاَّ الْإِبْهَامَ فَإِنَّهَا أُنْمُلَتَانِ.وَعَلَى ذَلِكَ فَفِي كُلِّ أُنْمُلَةٍ مِنَ الْأَصَابِعِ غَيْرِ الْإِبْهَامِ ثُلُثُ دِيَةِ الْأُصْبُعِ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَبْعِرَةٍ وَثُلُثٌ، وَفِي الْإِبْهَامِ فِي كُلِّ أُنْمُلَةٍ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ وَهُوَ خَمْسَةُ أَبْعِرَةٍ، وَالْأَصَابِعُ كُلُّهَا سَوَاءٌ لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ.

أَمَّا الْأُصْبُعُ الزَّائِدَةُ فَفِيهَا حُكُومَةُ عَدْلٍ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ)؛ لِعَدَمِ وُرُودِ النَّصِّ فِيهَا، وَالتَّقْدِيرُ لَا يُصَارُ إِلَيْهِ إِلاَّ بِالتَّوْقِيفِ.

وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: فِي إِتْلَافِ الْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ فِي يَدٍ أَوْ رِجْلٍ إِذَا كَانَتْ قَوِيَّةً عَلَى التَّصَرُّفِ قُوَّةَ الْأَصَابِعِ الْأَصْلِيَّةِ عُشْرُ الدِّيَةِ إِنْ أُفْرِدَتْ بِالْإِتْلَافِ، وَإِنْ قُطِعَتْ مَعَ الْأَصَابِعِ الْأَصْلِيَّةِ فَلَا شَيْءَ فِيهَا.

وَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ- رضي الله عنه- أَنَّ فِيهَا ثُلُثَ دِيَةِ الْأُصْبُعِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ عَلَى رِوَايَةِ إِيجَابِ الثُّلُثِ فِي الْيَدِ الشَّلاَّءِ.

مَا فِي الْبَدَنِ مِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ عَشَرَةٍ: دِيَةُ الْأَسْنَانِ:

54- لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يَجِبُ فِي كُلِّ سِنٍّ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ، وَهُوَ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ أَوْ خَمْسُونَ دِينَارًا؛ لِقَوْلِهِ- عليه الصلاة والسلام-: «وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ».وَالْأَسْنَانُ كُلُّهَا سَوَاءٌ لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ: «وَالْأَسْنَانُ كُلُّهَا سَوَاءٌ» وَلِأَنَّ الْكُلَّ فِي أَصْلِ الْمَنْفَعَةِ سَوَاءٌ، فَلَا يُعْتَبَرُ التَّفَاوُتُ فِيهِ، كَالْأَيْدِي وَالْأَصَابِعِ، وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِهَا زِيَادَةُ مَنْفَعَةٍ فَفِي الْآخَرِ زِيَادَةُ جَمَالٍ.

وَعَلَى ذَلِكَ تَزِيدُ دِيَةُ الْأَسْنَانِ كُلِّهَا عَلَى دِيَةِ النَّفْسِ بِثَلَاثَةِ أَخْمَاسِ الدِّيَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَهُ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ سِنًّا، فَإِذَا وَجَبَ فِي الْوَاحِدَةِ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ يَجِبُ فِي الْكُلِّ مِائَةٌ وَسِتُّونَ مِنَ الْإِبِلِ.

وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لَا يَزِيدُ عَلَى دِيَةٍ إِنْ اتَّحَدَ الْجَانِي وَاتَّحَدَتِ الْجِنَايَةُ، كَأَنْ أَسْقَطَهَا بِشُرْبِ دَوَاءٍ أَوْ بِضَرْبٍ أَوْ ضَرَبَاتٍ مِنْ غَيْرِ تَخَلُّلِ انْدِمَالٍ؛ لِأَنَّ الْأَسْنَانَ جِنْسٌ مُتَعَدِّدٌ فَأَشْبَهَ الْأَصَابِعَ، فَإِنْ تَخَلَّلَ الِانْدِمَالُ بَيْنَ كُلِّ سِنٍّ وَأُخْرَى أَوْ تَعَدَّدَ الْجَانِي فَإِنَّهَا تَزِيدُ قَطْعًا.وَهَذَا فِي قَلْعِ الْأَسْنَانِ الْأَصْلِيَّةِ الْمَثْغُورَةِ (الدَّائِمَةِ).وَلَوْ ضَرَبَ أَسْنَانَ رَجُلٍ فَتَحَرَّكَتْ أَوْ تَغَيَّرَتْ إِلَى السَّوَادِ أَوِ الْحُمْرَةِ أَوِ الْخُضْرَةِ أَوْ نَحْوِهَا فَفِيهِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ تَفْصِيلٌ:

فَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ ضَرَبَ أَسْنَانَ رَجُلٍ وَتَحَرَّكَتْ يَنْتَظِرُ مُضِيَّ حَوْلٍ؛ لِأَنَّهُ مُدَّةٌ يَظْهَرُ فِيهَا حَقِيقَةُ حَالِهَا مِنَ السُّقُوطِ وَالتَّغَيُّرِ وَالثُّبُوتِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَضْرُوبُ صَغِيرًا أَمْ كَبِيرًا، فَإِنْ تَغَيَّرَتْ إِلَى السَّوَادِ أَوْ إِلَى الْحُمْرَةِ أَوْ إِلَى الْخُضْرَةِ فَفِيهَا الْأَرْشُ تَامًّا؛ لِأَنَّهُ ذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهَا، وَذَهَابُ مَنْفَعَةِ الْعُضْوِ كَذَهَابِ الْعُضْوِ، وَإِنْ كَانَ التَّغَيُّرُ إِلَى الصُّفْرَةِ فَفِيهَا حُكُومَةُ عَدْلٍ.

وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: تَجِبُ الدِّيَةُ فِي الْأَسْنَانِ بِقَلْعٍ أَوِ اسْوِدَادٍ أَوْ بِهِمَا، أَوْ بِحُمْرَةٍ بَعْدَ بَيَاضٍ، أَوْ بِصُفْرَةٍ إِنْ كَانَا عُرِفَا كَالسَّوَادِ فِي إِذْهَابِ الْجَمَالِ، وَإِلاَّ فَعَلَى حِسَابِ مَا نَقَصَ، كَمَا تَجِبُ الدِّيَةُ بِاضْطِرَابِهَا جِدًّا بِحَيْثُ لَا يُرْجَى ثُبُوتُهَا، وَفِي الِاضْطِرَابِ الْخَفِيفِ الْأَرْشُ بِقَدْرِهِ.

وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: تَكْمُلُ دِيَةُ السِّنِّ بِقَلْعِ كُلِّ سِنٍّ أَصْلِيَّةٍ تَامَّةٍ مَثْغُورَةٍ غَيْرِ مُتَقَلْقِلَةٍ.

فَلَا تَجِبُ الدِّيَةُ فِي السِّنِّ الشَّاغِيَةِ وَتَجِبُ فِيهَا حُكُومَةٌ، وَلَوْ سَقَطَتْ سِنُّهُ فَاتَّخَذَ سِنًّا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ حَدِيدٍ أَوْ عَظْمٍ طَاهِرٍ فَلَا دِيَةَ فِي قَلْعِهَا، وَإِنْ قُلِعَتْ قَبْلَ الِالْتِحَامِ لَمْ تَجِبِ الْحُكُومَةُ لَكِنْ يُعَزَّرُ الْقَالِعُ، وَإِنْ قُلِعَتْ بَعْدَ تَشَبُّثِ اللَّحْمِ بِهَا وَاسْتِعْدَادِهَا لِلْمَضْغِ وَالْقَطْعِ فَلَا حُكُومَةَ أَيْضًا عَلَى الْأَظْهَرِ، وَتَكْمُلُ دِيَةُ السِّنِّ بِكَسْرِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَإِنْ بَقِيَ السِّنْخُ بِحَالِهِ.وَلَوْ قَلَعَ السِّنَّ مِنَ السِّنْخِ وَجَبَ أَرْشُ السِّنِّ فَقَطْ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَإِنْ قَلَعَ سِنَّ صَغِيرٍ لَمْ يُثْغِرْ يُنْتَظَرُ عَوْدُهَا، فَإِنْ عَادَتْ فَلَا دِيَةَ وَتَجِبُ الْحُكُومَةُ إِنْ بَقِيَ شَيْنٌ.وَإِنْ مَضَتِ الْمُدَّةُ الَّتِي يُتَوَقَّعُ فِيهَا الْعَوْدُ وَلَمْ تَعُدْ وَفَسَدَ الْمَنْبَتُ تَجِبُ الدِّيَةُ.وَإِنْ قَلَعَ سِنًّا وَكَانَتْ مُتَقَلْقِلَةً (مُتَحَرِّكَةً) فَإِنْ كَانَ بِهَا اضْطِرَابٌ شَدِيدٌ بِهَرَمٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ نَحْوِهِمَا وَبَطَلَتْ مَنْفَعَتُهَا فَفِيهَا الْحُكُومَةُ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَحَرِّكَةً حَرَكَةً يَسِيرَةً لَا تُنْقِصُ الْمَنَافِعَ فَلَا أَثَرَ لَهَا وَتَجِبُ الدِّيَةُ.

وَلَوْ تَزَلْزَلَتْ سِنٌّ صَحِيحَةٌ بِجِنَايَةٍ ثُمَّ سَقَطَتْ بَعْدَهَا لَزِمَ الْأَرْشُ، وَإِنْ ثَبَتَتْ وَعَادَتْ كَمَا كَانَتْ فَفِيهَا حُكُومَةُ عَدْلٍ.

وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: فِي كُلِّ سِنٍّ مِمَّنْ قَدْ أَثْغَرَ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ سَوَاءٌ أُقْلِعَتْ بِسَخَنِهَا أَوْ قَطَعَ الظَّاهِرَ مِنْهَا فَقَطْ، وَسَوَاءٌ أَقَلَعَهَا فِي دَفْعَةٍ أَوْ دَفَعَاتٍ، وَإِنْ قَلَعَ مِنْهَا السِّنْخَ فَقَطْ فَفِيهِ حُكُومَةٌ، وَلَا يَجِبُ بِقَلْعِ سِنِّ الصَّغِيرِ الَّذِي لَمْ يُثْغِرْ شَيْءٌ فِي الْحَالِ، لَكِنْ يُنْتَظَرُ عَوْدُهَا، فَإِنْ مَضَتْ مُدَّةٌ يَحْصُلُ بِهَا الْيَأْسُ مِنْ عَوْدِهَا وَجَبَتْ دِيَتُهَا، وَإِنْ عَادَتْ فَصِيرَةً أَوْ شَوْهَاءَ أَوْ أَطْوَلَ مِنْ أَخَوَاتِهَا أَوْ صَفْرَاءَ أَوْ حَمْرَاءَ أَوْ سَوْدَاءَ، أَوْ خَضْرَاءَ فَحُكُومَةٌ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَذْهَبْ بِمَنْفَعَتِهَا فَلَمْ تَجِبْ دِيَتُهَا، وَوَجَبَتِ الْحُكُومَةُ لِنَقْصِهَا، وَإِنْ جَعَلَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مَكَانَ السِّنِّ الْمَقْلُوعَةِ سِنًّا أُخْرَى فَثَبَتَتْ لَمْ يُسْقِطْ دِيَةَ الْمَقْلُوعَةِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَجْعَلْ مَكَانَهَا شَيْئًا.ثُمَّ إِنْ قُلِعَتِ السِّنُّ الْمَجْعُولَةُ فَفِيهَا حُكُومَةٌ لِلنَّقْصِ، وَإِنْ قَلَعَ سِنَّهُ فَرَدَّهُ فَالْتَحَمَ فَلَهُ أَرْشُ نَقْصِهِ فَقَطْ وَهُوَ حُكُومَةٌ، ثُمَّ إِنْ أَبَانَهَا أَجْنَبِيٌّ بَعْدَ ذَلِكَ وَجَبَتْ دِيَتُهَا كَمَا لَوْ لَمْ تَتَقَدَّمْ جِنَايَةٌ عَلَيْهَا.

دِيَةُ الْمَعَانِي وَالْمَنَافِعِ:

55- الْأَصْلُ فِي دِيَةِ الْمَعَانِي- فَضْلًا عَمَّا وَرَدَ فِي بَعْضِهَا مِنْ نُصُوصٍ- أَنَّهُ إِذَا فَوَّتَ جِنْسَ مَنْفَعَةٍ عَلَى الْكَمَالِ، أَوْ أَزَالَ جَمَالًا مَقْصُودًا فِي الْآدَمِيِّ عَلَى الْكَمَالِ يَجِبُ كُلُّ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إِتْلَافَ النَّفْسِ مِنْ وَجْهٍ، إِذِ النَّفْسُ لَا تَبْقَى مُنْتَفَعًا بِهَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَإِتْلَافُ النَّفْسِ مِنْ وَجْهٍ مُلْحَقٌ بِالْإِتْلَافِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فِي الْآدَمِيِّ تَعْظِيمًا لَهُ.

وَهَذَا الْأَصْلُ كَمَا هُوَ مُعْتَبَرٌ فِي الْأَعْضَاءِ مُطَبَّقٌ كَذَلِكَ فِي إِذْهَابِ الْمَعَانِي وَالْمَنَافِعِ مِنَ الْأَعْضَاءِ وَإِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً فِي الظَّاهِرِ.وَمِمَّا تَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ مِنَ الْمَعَانِي الْعَقْلُ وَالنُّطْقُ وَقُوَّةُ الْجِمَاعِ وَالْإِمْنَاءُ فِي الذَّكَرِ وَالْحَبَلُ فِي الْمَرْأَةِ، وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالشَّمُّ وَالذَّوْقُ وَاللَّمْسُ.

وَهَذَا إِذَا أُتْلِفَتِ الْمَعَانِي دُونَ إِتْلَافِ الْأَعْضَاءِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَيْهَا.فَإِنْ تَلِفَ الْعُضْوُ وَالْمَنْفَعَةُ مَعًا فَفِي ذَلِكَ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ.وَإِنْ أَتْلَفَهُمَا بِجِنَايَتَيْنِ مُنْفَرِدَتَيْنِ تَخَلَّلَهُمَا الْبُرْءُ فَدِيَةُ كُلِّ عُضْوٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ بِحَسَبِ الْحَالَةِ.

وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:

أ- الْعَقْلُ:

56- لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ فِي إِذْهَابِ الْعَقْلِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَكْبَرِ الْمَعَانِي قَدْرًا وَأَعْظَمِهَا نَفْعًا، فَإِنَّ بِهِ يَتَمَيَّزُ الْإِنْسَانُ وَيَعْرِفُ حَقَائِقَ الْأَشْيَاءِ، وَيَهْتَدِي إِلَى مَصَالِحِهِ، وَيَتَّقِي مَا يَضُرُّهُ، وَيَدْخُلُ فِي التَّكْلِيفِ.وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «وَفِي الْعَقْلِ الدِّيَةُ.»

قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: فَإِنْ أَذْهَبَ عَقْلَهُ تَمَامًا بِالضَّرْبِ وَغَيْرِهِ تَجِبُ الدِّيَةُ الْكَامِلَةُ، وَإِنْ نَقَصَ عَقْلُهُ نَقْصًا مَعْلُومًا بِالزَّمَانِ وَغَيْرِهِ، مِثْلَ إِنْ صَارَ يَجِنُّ يَوْمًا وَيُفِيقُ يَوْمًا فَعَلَيْهِ مِنَ الدِّيَةِ بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مِثْلَ أَنْ صَارَ مَدْهُوشًا، أَوْ يَفْزَعُ مِمَّا لَا يُفْزَعُ مِنْهُ وَيَسْتَوْحِشُ إِذَا خَلَا، فَهَذَا لَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُهُ، فَتَجِبُ فِيهِ حُكُومَةٌ.

وَمِثْلُهُ مَا فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ.

وَتَقْدِيرُ الْجِنَايَةِ يَكُونُ بِتَقْدِيرِ الْقَاضِي مُسْتَعِينًا بِقَوْلِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ.

ب- قُوَّةُ النُّطْقِ:

57- ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ فِي إِذْهَابِ قُوَّةِ النُّطْقِ دِيَةً فَإِذَا فَعَلَ بِلِسَانِهِ مَا يُعْجِزُهُ عَنِ النُّطْقِ بِالْكَمَالِ تَجِبُ الدِّيَةُ الْكَامِلَةُ، وَإِنْ عَجَزَ عَجْزًا جُزْئِيًّا بِأَنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى نُطْقِ بَعْضِ الْحُرُوفِ دُونَ بَعْضِهَا فَالدِّيَةُ تُقْسَمُ بِحِسَابِ الْحُرُوفِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ- رضي الله عنه- أَنَّهُ قَسَمَ الدِّيَةَ عَلَى الْحُرُوفِ، فَمَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنَ الْحُرُوفِ أُسْقِطَ بِحِسَابِهِ مِنَ الدِّيَةِ، وَمَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ أَلْزَمَهُ بِحِسَابِهِ مِنْهَا.

وَقِيلَ: تُوَزَّعُ الدِّيَةُ عَلَى الْحُرُوفِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِاللِّسَانِ دُونَ حُرُوفِ الْحَلْقِ السِّتَّةِ وَالْحُرُوفِ الشَّفَوِيَّةِ الْخَمْسَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي دِيَةِ اللِّسَانِ.

وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ يُقَدَّرُ نَقْصُ النُّطْقِ بِالْكَلَامِ اجْتِهَادًا مِنَ الْعَارِفِينَ، لَا بِقَدْرِ الْحُرُوفِ، لِاخْتِلَافِهَا بِالْخِفَّةِ وَالثِّقَلِ.

وَتَجِبُ هَذِهِ الدِّيَةُ بِالْجِنَايَةِ عَلَى النُّطْقِ، وَإِنْ كَانَ اللِّسَانُ بَاقِيًا.

ج- قُوَّةُ الذَّوْقِ:

58- الذَّوْقُ قُوَّةٌ مُثَبَّتَةٌ فِي الْعَصَبِ الْمَفْرُوشِ عَلَى جُرْمِ اللِّسَانِ، تُدْرَكُ بِهِ الطُّعُومُ لِمُخَالَطَةِ الرُّطُوبَةِ اللُّعَابِيَّةِ الَّتِي فِي الْفَمِ، وَوُصُولِهَا إِلَى الْعَصَبِ.

وَقَدْ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى وُجُوبِ الدِّيَةِ فِي إِتْلَافِ حَاسَّةِ الذَّوْقِ، وَلَوْ جَنَى عَلَيْهِ فَأَذْهَبَ كَلَامَهُ وَذَوْقَهُ مَعًا فَعَلَيْهِ دِيَتَانِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ فِي الْإِنْسَانِ.

قَالَ النَّوَوِيُّ: يَبْطُلُ الذَّوْقُ بِالْجِنَايَةِ عَلَى اللِّسَانِ أَوِ الرَّقَبَةِ أَوْ نَحْوِهِمَا.وَالْمُدْرَكُ بِالذَّوْقِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ: الْحَلَاوَةُ وَالْحُمُوضَةُ وَالْمَرَارَةُ وَالْمُلُوحَةُ وَالْعُذُوبَةُ.وَالدِّيَةُ تَتَوَزَّعُ عَلَيْهَا.

فَإِذَا أَبْطَلَ إِدْرَاكَ وَاحِدَةٍ وَجَبَ خُمُسُ الدِّيَةِ، وَإِذَا أَبْطَلَ إِدْرَاكَ اثْنَتَيْنِ وَجَبَ خُمُسَا الدِّيَةِ وَهَكَذَا.وَلَوْ نَقَصَ الْإِحْسَاسَ فَلَمْ يُدْرِكِ الطُّعُومَ عَلَى كَمَالِهَا فَالْوَاجِبُ الْحُكُومَةُ.

د- السَّمْعُ وَالْبَصَرُ:

59- تَجِبُ الدِّيَةُ الْكَامِلَةُ فِي إِذْهَابِ قُوَّةِ السَّمْعِ أَوْ قُوَّةِ الْبَصَرِ إِذَا ذَهَبَتِ الْمَنْفَعَةُ بِتَمَامِهَا، عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ.وَلَوْ أَذْهَبَ الْبَصَرَ مِنْ إِحْدَى الْعَيْنَيْنِ أَوِ السَّمْعَ مِنْ إِحْدَى الْأُذُنَيْنِ فَفِيهِ نِصْفُ الدِّيَةِ.أَمَّا لَوْ أَذْهَبَ بَعْضَ الْبَصَرِ أَوْ بَعْضَ السَّمْعِ مِنْ إِحْدَى الْعَيْنَيْنِ أَوِ الْأُذُنَيْنِ أَوْ كِلَيْهِمَا، فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ بِحِسَابِ مَا ذَهَبَ إِنْ كَانَ مُنْضَبِطًا، كَمَا يَقُولُ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: فِي نُقْصَانِ السَّمْعِ أَوِ الْبَصَرِ حُكُومَةٌ مُطْلَقًا.

وَلَوْ أَزَالَ أُذُنَيْهِ وَسَمْعَهُ تَجِبُ دِيَتَانِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ السَّمْعِ غَيْرُ مَحَلِّ الْقَطْعِ، فَالسَّمْعُ قُوَّةٌ أَوْدَعَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الْعَصَبِ الْمَفْرُوشِ فِي الصِّمَاخِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ فَقَأَ عَيْنَيْهِ فَأَذْهَبَ بَصَرَهُ فَتَجِبُ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ الْبَصَرَ يَكُونُ بِهِمَا.

هـ- قُوَّةُ الشَّمِّ:

60- ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ) إِلَى أَنَّهُ تَجِبُ الدِّيَةُ الْكَامِلَةُ فِي إِتْلَافِ الشَّمِّ كَامِلًا؛ لِأَنَّهُ حَاسَّةٌ تَخْتَصُّ بِمَنْفَعَةٍ، فَكَانَتْ فِيهِ الدِّيَةُ كَسَائِرِ الْحَوَاسِّ.

وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «وَفِي الْمَشَامِّ الدِّيَةُ».

وَإِنْ نَقَصَ الشَّمُّ بِأَنْ عَلِمَ قَدْرَ الذَّاهِبِ وَجَبَ قِسْطُهُ مِنَ الدِّيَةِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ وَجَبَتْ حُكُومَةٌ يُقَدِّرُهَا الْحَاكِمُ بِالِاجْتِهَادِ.

وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لَا تَجِبُ الدِّيَةُ فِي الشَّمِّ بَلْ فِيهِ حُكُومَةٌ.

و- اللَّمْسُ:

61- اللَّمْسُ قُوَّةٌ مُثْبَتَةٌ عَلَى سَطْحِ الْبَدَنِ تُدْرَكُ بِهِ الْحَرَارَةُ وَالْبُرُودَةُ وَالنُّعُومَةُ وَالْخُشُونَةُ وَنَحْوُهَا عِنْدَ الْمُمَاسَّةِ.وَقَدْ ذَكَرَ فُقَهَاءُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ فِي إِذْهَابِ هَذِهِ الْقُوَّةِ دِيَةً كَامِلَةً قِيَاسًا عَلَى الشَّمِّ.وَلَمْ نَجِدْ لِبَقِيَّةِ الْفُقَهَاءِ كَلَامًا فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ.

ز- قُوَّةُ الْجِمَاعِ وَالْإِمْنَاءِ:

62- صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِأَنَّهُ تَجِبُ الدِّيَةُ الْكَامِلَةُ بِالْجِنَايَةِ عَلَى قُوَّةِ الْجِمَاعِ إِذَا عَجَزَ عَنْهُ كَامِلًا بِإِفْسَادِ إِنْعَاظِهِ، وَلَوْ مَعَ بَقَاءِ الْمَنِيِّ وَسَلَامَةِ الصُّلْبِ وَالذَّكَرِ، أَوِ انْقَطَعَ مَاؤُهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ بِالضَّرْبِ عَلَى الصُّلْبِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْجِمَاعَ مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ تَتَعَلَّقُ بِهِ مَصَالِحُ جَمَّةٌ، فَإِذَا فَاتَ وَجَبَ بِهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ.وَكَذَلِكَ بِانْقِطَاعِ الْمَاءِ يَفُوتُ جِنْسُ الْمَنْفَعَةِ مِنَ التَّوَالُدِ وَالتَّنَاسُلِ.

وَلَا تَنْدَرِجُ فِي إِتْلَافِ الْجِمَاعِ أَوِ الْإِمْنَاءِ دِيَةُ الصُّلْبِ وَإِنْ كَانَتْ قُوَّةُ الْجِمَاعِ فِيهِ كَمَا قَالَ الْمَالِكِيَّةُ.فَلَوْ ضَرَبَ صُلْبَهُ فَأَبْطَلَهُ وَأَبْطَلَ جِمَاعَهُ فَعَلَيْهِ دِيَتَانِ.

وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ إِتْلَافَ قُوَّةِ حَبَلِ الْمَرْأَةِ فَيَكْمُلُ فِيهِ دِيَتُهَا لِانْقِطَاعِ النَّسْلِ.

موسوعة الفقه الكويتية-وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت-صدرت بدءًا من: 1404هـ/1984م


7-موسوعة الفقه الكويتية (مماثلة)

مُمَاثَلَةٌ

التَّعْرِيفُ:

1- الْمُمَاثَلَةُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ مَاثَلَ، يُقَالُ: مَاثَلَ الشَّيْءَ: شَابَهَهُ، وَيُقَالُ مَاثَلَ فُلَانًا: شَبَّهَهُ بِهِ.

وَلَا تَكُونُ الْمُمَاثَلَةُ إِلاَّ بَيْنَ الْمُتَّفِقَيْنِ، تَقُولُ: نَحْوُهُ كَنَحْوِهِ، وَفِقْهُهُ كَفِقْهِهِ، وَلَوْنُهُ كَلَوْنِهِ.

وَلَا يَخْرُجُ الْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

الْأَلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

الْمُسَاوَاةُ:

2- الْمُسَاوَاةُ مِنْ سَاوَى الشَّيْءُ الشَّيْءَ مُسَاوَاةً: مَاثَلَهُ وَعَادَلَهُ قَدْرًا أَوْ قِيمَةً.

وَالْعَلَاقَةُ بَيْنَ الْمُمَاثَلَةِ وَالْمُسَاوَاةِ: أَنَّ الْمُسَاوَاةَ تَكُونُ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَيْنِ فِي الْجِنْسِ وَالْمُتَّفِقَيْنِ فِيهِ، لِأَنَّ التَّسَاوِي: هُوَ التَّكَافُؤُ فِي الْمِقْدَارِ: لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ.

أَمَّا الْمُمَاثَلَةُ: فَلَا تَكُونُ إِلاَّ بَيْنَ مُتَّفِقَيْنِ.

الْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمُمَاثَلَةِ:

تَتَعَلَّقُ بِالْمُمَاثَلَةِ أَحْكَامٌ مِنْهَا:

أ- الْمُمَاثَلَةُ فِي بَيْعِ الرِّبَوِيِّ بِجِنْسِهِ

3- يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ بَيْعِ الرِّبَوِيِّ بِجِنْسِهِ- مَعَ التَّقَابُضِ فِي الْمَجْلِسِ وَالْحُلُولُ- الْمُمَاثَلَةُ بَيْنَ الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ يَقِينًا، لِقَوْلِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم-: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلِ، سَوَاءً بِسَوَاءِ، يَدًا بِيَدِ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ».

وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (رِبًا ف 27 وَمَا بَعْدَهَا).

ب- الْمُمَاثَلَةُ بَيْنَ الْجَانِي وَالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لِثُبُوتِ الْقِصَاصِ

4- يُشْتَرَطُ لِثُبُوتِ الْقَوَدِ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوْ لِوَرَثَتِهِ عَلَى الْجَانِي: الْمُمَاثَلَةُ بَيْنَهُمَا فِي خِصَالٍ، فَإِنْ فُضِّلَ الْجَانِي بِخَصْلَةِ مِنْهَا عَنِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لَمْ يُقْتَصَّ لَهُ مِنْهُ عَلَى اخْتِلَافٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي بَعْضِ التَّفَاصِيلِ.

وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (قِصَاصٌ ف 13 وَمَا بَعْدَهَا، جِنَايَةٌ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ ف 3 وَمَا بَعْدَهَا).

ج- الْمُمَاثَلَةُ فِي اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ الْمَالِيِّ

5- الْأَصْلُ فِي اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ الْمَالِيِّ أَنْ يَسْتَوْفِيَ صَاحِبُ الْحَقِّ عَيْنَ حَقِّهِ إِذَا وُجِدَ، فَإِنْ لَمْ تُوجَدِ الْعَيْنُ فَمِثْلُهُ إِذَا كَانَ مِثْلِيًّا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ فَقِيمَتُهُ، وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ.

وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِيفَاءٌ ف 17)، وَمُصْطَلَحِ (ظَفَرٌ بِالْحَقِّ ف 11 وَمَا بَعْدَهَا).

د- الْمُمَاثَلَةُ فِي بَابِ الْإِرْثِ

6- الْمُرَادُ بِالْمُمَاثَلَةِ فِي حِسَابِ الْفَرَائِضِ كَوْنُ أَحَدِ الْعَدَدَيْنِ مُسَاوِيًا لِلْآخَرِ، كَالثَّلَاثَةِ مَعَ الثَّلَاثَةِ، وَالْخَمْسَةِ مَعَ الْخَمْسَةِ.

وَالْفُرُوضِ الْمُقَدَّرَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ سِتَّةٌ:

الثُّلُثَانِ، وَالثُّلُثُ، وَالسُّدُسُ، وَالنِّصْفُ، وَالرُّبُعُ، وَالثُّمُنُ.

ثُمَّ إِنْ كَانَتِ الْوَرَثَةُ عَصَبَاتٍ قُسِّمَ الْمَالُ عَلَيْهِمْ بِالسَّوِيَّةِ إِنْ تَمَحَّضُوا ذُكُورًا أَوْ إِنَاثًا، وَإِنِ اجْتَمَعَ الصِّنْفَانِ قُدِّرَ كُلُّ ذَكَرٍ أُنْثَيَيْنِ، وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَاتِ: عَدَدُ رُءُوسِ الْمَقْسُومِ عَلَيْهِمْ.

وَإِنْ كَانَ مَعَ الْعَصَبَاتِ ذُو فَرْضٍ وَاحِدٍ فَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ مَخْرَجُ ذَلِكَ الْكَسْرِ، كَبِنْتٍ وَعَمٍّ، وَفَرْضُ الْبِنْتِ النِّصْفُ، وَأَقَلُّ مَخْرَجٍ لِلنِّصْفِ اثْنَانِ: فَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ إِذًا اثْنَانِ.

فَإِنْ كَانَ فِي الْوَرَثَةِ ذَوَا فَرْضَيْنِ: فَإِنْ كَانَا مُتَمَاثِلَيْنِ فِي الْفَرْضِ وَالْمَخْرَجِ: كَأَخٍ لِأُمٍّ، وَأُمٍّ، وَأَخٍ لِأَبٍ، فَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ مِنْ مَخْرَجِ ذَلِكَ الْكَسْرِ، وَهُوَ سِتَّةٌ، لِأَنَّ فَرْضَ كُلٍّ مِنَ الْأَخِ لِلْأُمِّ وَالْأُمِّ: السُّدُسُ، وَأَقَلُّ عَدَدٍ يُخْرَجُ مِنْهُ السُّدُسُ: سِتَّةٌ.

فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي الْمَسْأَلَةِ عَصَبَةٌ فَالْمَسْأَلَةُ أَيْضًا مِنْ ذَلِكَ الْكَسْرِ: فَفِي زَوْجٍ وَأُخْتٍ شَقِيقَةٍ أَوْ لِأَبٍ فَالْمَسْأَلَةُ مِنِ اثْنَيْنِ، لِتَمَاثُلِ الْفَرْضَيْنِ وَالْمَخْرَجِ، وَهَكَذَا فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ تَمَاثَلَ الْعَدَدَانِ كَثَلَاثَةٍ وَثَلَاثَةٍ مَخْرَجَيِ الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ، كَوَلَدَيْ أُمٍّ وَأُخْتَيْنِ شَقِيقَتَيْنِ أَوْ لِأَبٍ، فَفَرْضُ وَلَدَيِ الْأُمِّ الثُّلُثُ، وَفَرْضُ الْأُخْتَيْنِ لِغَيْرِ الْأُمِّ ثُلُثَانِ، فَيُكْتَفَى بِأَحَدِهِمَا.

موسوعة الفقه الكويتية-وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت-صدرت بدءًا من: 1404هـ/1984م


8-تاج العروس (زوج)

[زوج]: الزَّوْجُ للمرأَةِ: البَعْلُ. وللرَّجل: الزَّوْجَةُ، بالهاءِ، وفي المحكم الرَّجُلُ زَوْجُ المرأَةِ، وهي زَوْجُه وزَوْجَتُه. وأَبَاها الأَصْمَعِيُّ بالهاءِ. وزعم الكِسائيُّ عن القاسم بن مَعْنٍ أَنه سَمِعَ من أَزْدِشَنُوءَةَ بغيرِ هَاءٍ أَلَا ترى أَنّ القرآن جاء بالتذكير: {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} هذا كلّه قولُ اللِّحْيَانيّ. قال بعض النّحويّين: أَمّا الزَّوْجُ فأَهْلُ الحِجَازِ يَضَعونه للمذكّر والمونّث وَضْعًا واحدًا، تقول المرأَةُ: هذا زَوْجِي، ويقول الرجل: هذه زَوْجِي. قال تعالى: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ} أَي امرأَةٍ مكان امرأَةٍ، المِصْباح: الرَّجل: زَوْجُ المرأَةِ، وهي زَوْجُه أَيضًا. هذه هي اللُّغةُ العالية، وجاءَ بها القرآن...

والجمع منهما أَزْوَاج. قال أَبو حاتم: وأَهل نَجْد يقولون في المرأَة: زَوْجةٌ بالهاءِ، وأَهلُ الحَرَمِ يتكلّمون بها. وعَكَسَ ابنُ السِّكِّيت فقال: وأَهلُ الحجاز يقولون للمرأَة: زَوْجٌ، بغير هاءٍ، وسائرُ العرب زوجةٌ بالهاءِ، وجمعها زَوْجَاتٌ.

والفقهاءُ يقتصرون في الاستعمال عليها للإِيضاح وخَوْف لَبْسِ الذَّكَرِ بالأُنثى، إِذ لو قيل: فَرِيضة فيها زَوْجٌ وابنٌ، لم يُعْلَم أَذكرٌ أَم أُنثى، اه.

وقال الجَوْهَرِيّ: ويقال أَيضًا: هي زَوجَتُه، واحْتَجَّ بقول الفَرَزْدَقِ:

وإِنّ الّذي يَسْعَى يُحَرِّشُ زَوْجَتي *** كَسَاعٍ إِلى أُسْدِ الشَّرَى يَسْتَبِيلُهَا

والزَّوْج: خلاف الفَرْدِ. يقال زَوْجٌ أَو فَرْدٌ، كما يقال: شَفْعٌ أَو وَتْر.

والزَّوْجُ: النَّمَطُ. وقيل: الدِّيباجُ. قال لَبيد:

مِنْ كُلِّ مَحْفُوفٍ يُظِلُّ عِصِيَّهُ *** زَوْجٌ عليهِ كِلَّةٌ وقِرامُها

وقال بعضُهم: الزَّوجُ هنا: النَّمَطُ يُطْرَحُ على الهَوْدَجِ.

ومثله في الصّحاح، وأَنشد قول لبيد. ويُشبِه أَن يكون سُمِّيَ بذلك لاشْتماله على ما تَحتَه اشتمالَ الرَّجُلِ على المَرأَة.

وهذا ليس بقَوِيٍّ.

والزَّوْجُ: اللَّوْنُ من الدِّيبَاج ونَحْوِه. والذي في التهذيب: والزَّوج: اللَّوْنُ. قال الأَعْشَى:

وكُلُّ زَوْجٍ منَ الدِّيباجِ يَلْبَسُهُ *** أَبو قُدَامَةَ مَحْبُوًّا بِذاك مَعا

فتقييدُ المصنِّف بالدِّيباج ونحوه غيرُ سديدٍ. وقوله تعالى: {وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ} قال: مَعناه أَلْوانٌ وأَنواعٌ من العَذَاب.

ويقال للاثنينِ: هما زَوْجانِ، وهما زَوْجٌ كما يقال: هما سِيَّانِ، وهما سَوَاءٌ. وفي المحكم: الزَّوْجُ: الفَرْدُ الذي له قَرِينٌ، والزَّوْجُ: الاثنانِ. وعنده زَوْجَا نِعَالٍ، وَزَوْجَا حَمامٍ يعني ذَكَرَيْنِ أَو أُنْثَيَينِ، وقيل: يَعني ذَكَرًا وأُنثى. ولا يقال: زَوْجُ حَمامٍ، لأَنّ الزَّوجَ هنا هو الفَرْدُ وقد أُولعت به العَامَّة. وقال أَبو بكر: العَامَّة تُخطِئ، فَتَظنُّ أَن الزَّوجَ اثنانِ، وليس ذلك من مَذَاهبِ العربِ، إِذ كانوا لا يَتَكلَّمون بالزَّوْجِ مُوَحَّدًا في مثل قولهم: زَوْجُ حَمامٍ، ولكنهم يُثَنّونه فيقولون: عندي زَوْجَانِ من الحَمام، يَعنونَ ذَكرًا وأُنثى، وعندي زَوْجَانِ من الخِفَافِ، يَعنونَ اليَمِينَ والشِّمَالَ، ويُوقِعونَ الزَّوْجَينِ على الجِنْسَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ، نَحْو الأَسود والأَبيضِ، والحُلْوِ والحَامِض، وقال ابن شُمَيلٍ: الزَّوْج: اثنانِ، كُلُّ اثنينِ: زَوْجٌ. قال: واشتريْت زَوْجينِ من خِفافٍ: أَي أَربعةً. قال الأَزهريّ: وأَنكرَ النّحويّون ما قال.

والزَّوْجُ: الفَرْدُ، عندهم. ويقال للرجلِ والمرأَةِ: الزَّوْجَانِ.

قال الله تعالى: {ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ} يريد ثمانيةَ أَفرادٍ وقال هذا هو الصَّواب. والأصلُ في الزَّوْج الصِّنْفُ والنَّوْعُ من كُلّ شيْ‌ءٍ، وكلُّ شَيْئينِ مُقْتَرِنَيْنِ: شَكْلَيْنِ كانا أَو نَقِيضَيْنِ: فهما زَوجانِ، وكلّ واحدٍ منهما: زَوْجٌ.

وَزَوَّجْتُه امرأَةً، يَتَعَدَّى بنفسه إِلى اثنينِ، فَتَزَوَّجَها: بمعنى أَنْكَحْتُه امرأَةً فَنَكَحها. وتَزَوَّجْتُ امرأَةً. وزَوَّجْتُه بامرأَةٍ. وتَزَوَّجْتُ بها، أَو هذه تَعْدِيَتُها بالباءِ قليلةٌ، نَقَله الجوهريّ عن يونس. وفي التهذيب وتقول العرب: زَوَّجْتُه امرأَةً، وتَزَوَّجْتُ امرأَةً، وليس من كلامهم: تَزَوَّجْتُ بامْرَأَةٍ، ولا زَوَّجْتُ منه امرأَةً، وقال الفَرّاءُ: تَزَوَّجْتُ بامرأَة: لغةٌ في أَزْدِشَنُوءَةَ، وتَزَوَّج في بني فُلان نَكَحَ فيهم.

وعن الأَخفش: وتَجُوز زِيَادَةُ الباءِ فيُقَال: زَوَّجْتُه بامرأَةٍ، فَتَزَوَّج بها.

وامرأَةٌ مِزْوَاجٌ: كثيرَةُ التَّزَوُّجِ والتَّزَاوُجِ.

وكثيرَةُ الزِّوَجَةِ كعِنَبَة؛ أَي الأَزْوَاج، إِشارة إِلى أَنه جَمْعٌ للزَّوْج، فقول شيخِنَا: إِنّ الأَقْدَمينَ ذَكَرُوا في جمع الزَّوْج زِوَجَةً كعِنَبَةٍ، وقد أَغفله المصنِّفُ كالأَكْثَرِين، فيه تأَمُّلٌ.

وزَوَّجَ الشي‌ءَ بالشي‌ءِ وزَوَّجَه إِليه: قَرَنه. وفي التَّنْزِيل وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ أَي قَرَنّاهُم وأَنشد ثَعْلَب:

ولا يَلْبَثُ الفِتْيَانُ أَنْ يَتَفَرَّقُوا *** إِذا لَمْ يُزَوَّجْ رُوحُ شَكْلٍ إِلى شَكْلِ

قال شيخنا: وفيه إِيماءٌ إِلى أَنّ الآية تكون شاهدًا لِمَا حكاه الفَرّاءُ، لأَن المرادَ منها القِرَانُ لا التَّزويجُ المعروفُ، لأَنه لا تَزْويجَ في الجَنَّة. وفي «واعي اللغة» لأَبي محمد عبد الحقّ الأَزْديّ: كلُّ شَكْل قُرِنَ بصاحبه: فهو زَوجٌ له، يقال: زَوَّجْت بين الإِبلِ: أَي قَرَنْت كلَّ واحدٍ بواحِدٍ.

وقوله تعالى: {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} أَي قُرِنَتْ كلُّ شِيعةٍ بمَن شايَعتْ. وقيل: قُرِنتْ بأَعمالها. وليس في الجَنَّةِ تَزْوِيجٌ. ولذلك أَدخَلَ البَاءَ في قوله تعالى {وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ} وقال الزَّجّاج في قوله تعالى: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ} الأَزْوَاجُ: القُرَناءُ والضُّرَباءُ والنُّظَرَاءُ.

وتقول: عندي من هذا أَزْواجٌ: أَي أَمثالٌ. وكذلك زَوْجَانِ من الخِفَافِ؛ أَي كلُّ واحدٍ [منهما] نَظِيرُ صاحِبِه. وكذلك الزَّوْجُ المَرْأَةُ، والزَّوْجُ المَرْءُ، قد تَنَاسَبا بعَقْدِ النِّكَاحِ.

وقوله تعالى {أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرانًا وَإِناثًا} إِي يَقْرِنهم، وكلُّ شيئينِ اقترنَ أَحدُهما بالآخَر فهما زَوْجَانِ. قال أَبو منصورٍ: أَراد بالتَّزْوِيجِ التَّصْنِيفَ، والزَّوْج: الصِّنْف. والذَّكَرُ صِنْف، والأُنثى صِنْف.

وتَزَوَّجَه النَّومُ: خالَطَه.

والزّاجُ: مِلْحٌ معروف أَي معروف. وقال اللَّيْث: يقال له الشَّبُّ اليَمَاني وهو من الأَدوية، وهو من أَخْلاط الحِبْر.

والزِّيجُ، بالكسر: خَيْطُ البَنَّاءِ كشَدّاد، وهو المِطْمَر، وهما مُعَرَّبانِ، الأَول عن زَاك، والثاني عن زِه، وهو الوَتَر؛ كذا في «شِفاءِ الغَليل». وفي «مفاتيح العلوم»: «الزِّيج: كتابٌ يُحسَب فيه سَيْرُ الكواكبِ، وتُسْتَخْرَجُ التَّقْوِيماتُ، أَعِني حِسابَ الكواكبِ سَنَةً سَنَةً، وهو بالفارسيّة زِه؛ أَي الوَتَر، ثم عُرِّبَ فقيل: زِيجٌ، وجمعوه على زِيجَةٍ كقِرَدَة».

بَقيَ أَن المصنّف أَورد الزِّيج في الواو إِشارة إِلى أَنه واويٌّ. وليس كذلك بل الأَوْلَى ذِكرُهَا في آخِرُ الموادّ، لكونها مُعرّبةً. فإِبقاؤها على ظاهرِ حُرُوفِها أَنْسبُ. قاله شيخُنا. وقال الأَصمعيّ في الأَخير: لست أَدري أَعربيٌّ هو أَم مُعرّب.

وزَاج بَينهم وزَمَجَ: إِذا حَرَّشَ وأَغرَى. وقد تقدّم.

وقيل: إِن زاج مهموز العين، فليس هذا محلّ ذِكْره.

ومن المجاز: تَزاوَجَ الكَلامانِ وازْدَوَجَا. وقالوا على سَبِيلِ المُزاوَجَة هو والازْدِواجُ بمعنًى واحدٍ. وازْدَوَجَ الكلامُ وتَزاوَجَ: أَشْبَهَ بَعضُه بعضًا في السَّجْعِ أَو الوَزْن، أَو كان لإِحْدَى القَضِيَّتينِ تَعَلُّقٌ بالأُخرَى.

ومن المجاز أَيضًا: أَزْوَجَ بينهما وزَاوَجَ، كذا في الأَساس.

وفي اللسان: والافتعالُ من هذا البابِ ازْدَوَجَت الطَّيرُ ازْدِوَاجًا فهي مُزْدَوِجَةٌ.

وتَزاوَجَ القَوْمُ وازْدَوَجُوا: تَزَوَّجَ بعضُهُم بعضًا. صَحَّت في ازْدَوَجُوا لكَوْنِهَا في معنى تَزَاوَجُوا.

* وَمِمَّا يُسْتَدْرَكُ عَلَيْهِ:

الزَّوَاج، بالفتح، من التَّزويجِ: كالسلَّامِ من التَّسليمٍ.

والكسرُ فيه لغة، كالنِّكاح وَزْنًا ومعنًى، وحَمَلُوه على المُفَاعَلَة، أَشار إِليه الفَيّوميّ.

والزِّيج: عِلْمُ الهَيْئةِ.

وزايجة: صُورَةٌ مُرَبَّعَة أَو مُدَوَّرَةٌ تُعْمَل لموضِعِ الكواكبِ في الفَلَك، [ليُنْظَر] في حكم المَوْلِد، في عبارة المُنجِّمين؛ ونقله عن «مفاتيح العلوم» للرازيّ.

وزاجٌ: لقبُ أَحمدَ بنِ منصورٍ الحَنْظَلِيّ المحدِّث.

تاج العروس-مرتضى الزَّبيدي-توفي: 1205هـ/1791م


9-لسان العرب (زوج)

زوج: الزَّوْجُ: خِلَافُ الفَرْدِ.

يُقَالُ: زَوْجٌ أَو فَرْدٌ، كَمَا يُقَالُ: خَسًا أَو زَكًا، أَو شَفْعٌ أَو وِتْرٌ [وِتَرٌ]؛ قَالَ أَبو وَجْزَة السَّعْدِيُّ:

مَا زِلْنَ يَنْسُبْنَ، وَهْنًا، كلَّ صادِقَةٍ، ***باتَتْ تُباشِرُ عُرْمًا غَيْرَ أَزْوَاجِ

لأَن بَيْضَ القَطَا لَا يَكُونُ إِلَّا وِتْرًا.

وَقَالَ تعالى: {وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ}؛ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَيضًا يُسَمَّى زَوْجًا، وَيُقَالُ: هُمَا زَوْجان لِلِاثْنَيْنِ وَهُمَا زَوْجٌ، كَمَا يُقَالُ: هُمَا سِيَّانِ وَهُمَا سَواءٌ؛ ابْنُ سِيدَهْ: الزَّوْجُ الفَرْدُ الَّذِي لَهُ قَرِينٌ.

وَالزَّوْجُ: الِاثْنَانِ.

وَعِنْدَهُ زَوْجَا نِعالٍ وَزَوْجَا حَمَامٍ؛ يَعْنِي ذَكَرَيْنِ أَو أُنثيين، وَقِيلَ: يَعْنِي ذَكَرًا وأُنثى.

وَلَا يُقَالُ: زَوْجُ حَمَامٍ لأَن الزَّوْجَ هُنَا هُوَ الْفَرْدُ، وَقَدْ أُولعت بِهِ الْعَامَّةُ.

قَالَ أَبو بَكْرٍ: الْعَامَّةُ تُخْطِئُ فَتَظُنُّ أَن الزَّوْجَ اثْنَانِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ مَذَاهِبِ الْعَرَبِ، إِذ كَانُوا لَا يَتَكَلَّمُونَ بالزَّوْجِ مُوَحَّدًا فِي مِثْلِ قَوْلِهِمْ زَوْجُ حَمامٍ، وَلَكِنَّهُمْ يُثَنُّونَهُ فَيَقُولُونَ: عِنْدِي زَوْجَانِ مِنَ الْحَمَامِ، يَعْنُونَ ذَكَرًا وأُنثى، وَعِنْدِي زَوْجَانِ مِنَ الْخِفَافِ يَعْنُونَ الْيَمِينَ وَالشِّمَالَ، وَيُوقِعُونَ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْجِنْسَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ نَحْوَ الأَسود والأَبيض وَالْحُلْوِ وَالْحَامِضِ.

قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَيَدُلُّ عَلَى أَن الزَّوْجَيْنِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ اثْنَانِ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى}؛ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَمَا تَرَى زَوْجٌ، ذَكَرًا كَانَ أَو أُنثى.

وَقَالَ اللَّهُ تعالى: {فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ}.

وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ}؛ قَالَ: السَّمَاءُ زَوْج، والأَرضزَوْجٌ، وَالشِّتَاءُ زَوْجٌ، وَالصَّيْفُ زَوْجٌ، وَاللَّيْلُ زَوْجٌ، وَالنَّهَارُ زَوْجٌ، وَيُجْمَعُ الزَّوْجُ أَزْوَاجًا وأَزَاوِيجَ؛ وَقَدِ ازْدَوَجَتِ الطَّيْرُ: افْتِعالٌ مِنْهُ؛ وَقَوْلُهُ تعالى: {ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ}؛ أَراد ثَمَانِيَةَ أَفراد، دَلَّ عَلَى ذَلِكَ؛ قَالَ: وَلَا تَقُولُ لِلْوَاحِدِ مِنَ الطَّيْرِ زَوْجٌ، كَمَا تقول للاثنين زوجان، بل يَقُولُونَ لِلذَّكَرِ فَرْدٌ وللأُنثى فَرْدَةٌ؛ قَالَ الطِّرِمَّاحُ:

خَرَجْنَ اثْنَتَيْنِ واثْنَتَيْنِ وفَرْدَةً، ***ينادُونَ تَغْلِيسًا سِمالَ المَدَاهِنِ

وَتُسَمِّي الْعَرَبُ، فِي غَيْرِ هَذَا، الِاثْنَيْنِ زَكًا، والواحدَ خَسًا؛ وَالِافْتِعَالُ مِنْ هَذَا الْبَابِ: ازْدَوَجَ الطيرُ ازْدواجًا، فَهِيَ مُزْدوِجَةٌ.

وَفِي حَدِيثِأَبي ذَرٍّ: «أَنه سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ» صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ أَنفق زَوْجَيْنِ مِنْ مَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ابْتَدَرَتْه حَجَبَة الْجَنَّةِ؛ قُلْتُ: وَمَا زَوْجَانِ مِنْ مَالِهِ؟ قَالَ: عَبْدَانِ أَو فرَسان أَو بَعِيرَانِ مِنْ إِبله، وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: دِينَارَيْنِ وَدِرْهَمَيْنِ وَعَبْدَيْنِ وَاثْنَيْنِ مِنْ كُلِّ شيءٍ.

وَقَالَ ابْنُ شُمَيْلٍ: الزَّوْجُ اثْنَانِ، كلُّ اثْنَيْنِ زَوْجٌ؛ قَالَ: وَاشْتَرَيْتُ زَوْجَين مِنْ خِفَافٍ أَي أَربعة؛ قَالَ الأَزهري: وأَنكر النَّحْوِيُّونَ مَا قَالَ، والزَّوجُ الفَرْدُ عِنْدَهُمْ.

وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ والمرأَة: الزَّوْجَانِ.

قَالَ اللَّهُ تعالى: {ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ}؛ يُرِيدُ ثَمَانِيَةَ أَفراد؛ وَقَالَ: احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ؛ قَالَ: وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ.

يُقَالُ للمرأَة: إِنها لَكَثِيرَةُ الأَزْواج والزَّوَجَةِ؛ والأَصل فِي الزَّوْجِ الصِّنْفُ والنَّوْعُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.

وَكُلُّ شَيْئَيْنِ مُقْتَرِنَيْنِ، شَكْلَيْنِ كَانَا أَو نَقِيضَيْنِ، فَهُمَا زَوْجَانِ؛ وكلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا زَوْجٌ.

يُرِيدُ فِي الْحَدِيثِ: «مَنْ أَنفق صِنْفَيْنِ مِنْ مَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبي ذَرٍّ قَالَ: وَهُوَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَوَى مِثْلَهُ أَبو هُرَيْرَةَ عَنْهُ».

وَزَوْجُ المرأَة: بَعْلُهَا.

وَزَوْجُ الرَّجُلِ: امرأَته؛ ابْنُ سِيدَهْ: وَالرَّجُلُ زَوْجُ المرأَة، وَهِيَ زَوْجُهُ وَزَوْجَتُهُ، وأَباها الأَصمعي بِالْهَاءِ.

وَزَعَمَ الْكِسَائِيُّ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مَعْنٍ أَنه سَمِعَ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ بِغَيْرِ هَاءٍ، وَالْكَلَامُ بِالْهَاءِ، أَلا تَرَى أَن الْقُرْآنَ جَاءَ بِالتَّذْكِيرِ: {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} ؟ هَذَا كلُّه قَوْلُ اللِّحْيَانِيِّ.

قَالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: أَما الزَّوْجُ فأَهل الْحِجَازِ يَضَعُونَهُ لِلْمُذَكَّرِ والمؤَنث وَضْعًا وَاحِدًا، تَقُولُ المرأَة: هَذَا زَوْجِي، وَيَقُولُ الرَّجُلُ: هَذِهِ زَوْجِي.

قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} و {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ}؛ وَقَالَ: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ}؛ أَي امرأَة مَكَانَ امرأَة.

وَيُقَالُ أَيضًا: هِيَ زَوْجَتُهُ؛ قَالَ الشَّاعِرُ:

يَا صاحِ، بَلِّغ ذَوِي الزَّوْجاتِ كُلَّهُمُ: ***أَنْ لَيْسَ وصْلٌ، إِذا انْحَلَّتْ عُرَى الذَّنَبِ

وَبَنُو تَمِيمٍ يَقُولُونَ: هِيَ زَوْجَتُهُ، وأَبى الأَصمعي فَقَالَ: زَوْجٌ لَا غَيْرَ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ}؛ فَقِيلَ لَهُ: نَعَمْ، كَذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى، فَهَلْ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: لَا يُقَالُ زَوْجَةٌ؟ وَكَانَتْ مِنَ الأَصمعي فِي هَذَا شدَّة وَعُسْرٌ.

وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنه إِنما تَرَكَ تَفْسِيرَ الْقُرْآنِ لأَن أَبا عُبَيْدَةَ سَبَقَهُ بِالْمَجَازِ إِليه، وَتَظَاهَرَ أَيضًا بِتَرْكِ تَفْسِيرِ الْحَدِيثِ وَذِكْرِ الأَنواء؛ وَقَالَ الْفَرَزْدَقِ:

وإِنَّ الَّذِي يَسعَى يُحَرِّشُ زَوْجَتِي، ***كَسَاعٍ إِلى أُسْدِ الشَّرَى يَسْتَبِيلُها

وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ أَيضًا: هِيَ زَوْجَتُهُ، وَاحْتُجَّ بِبَيْتِ الْفَرَزْدَقِ.

وَسُئِلَ ابْنِ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ الْجَمَلِ مِنْ

قَوْلُهُ تعالى: {حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ}؛ فَقَالَ: هُوَ زَوْجُ النَّاقَةِ؛ وَجَمْعُ الزَّوْجِ أَزواج وزِوَجَةٌ، قَالَ اللَّهُ تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ}.

وَقَدْ تَزَوَّج امرأَة وزَوَّجَهُ إِياها وَبِهَا، وأَبى بَعْضُهُمْ تَعْدِيَتَهَا بِالْبَاءِ.

وَفِي التَّهْذِيبِ: وَتَقُولُ الْعَرَبُ: زوَّجته امرأَة.

وَتَزَوَّجْتُ امرأَة.

وَلَيْسَ مِنْ كَلَامِهِمْ: تزوَّجت بامرأَة، وَلَا زوَّجْتُ مِنْهُ امرأَةً.

قَالَ: وَقَالَ اللَّهُ تعالى: {وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ}، أَي قرنَّاهم بِهِنَّ، مِنْ قَوْلِهِ تعالى: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ}، أَي وقُرَناءهم.

وَقَالَ الْفَرَّاءُ: تَزوجت بامرأَة، لُغَةٌ فِي أَزد شَنُوءَةَ.

وتَزَوَّجَ فِي بَنِي فُلَانٍ: نَكَحَ فِيهِمْ.

وتَزَاوجَ القومُ وازْدَوَجُوا: تَزَوَّجَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا؛ صَحَّتْ فِي ازْدَوَجُوا لِكَوْنِهَا فِي مَعْنَى تَزاوجُوا.

وامرأَة مِزْوَاجٌ: كَثِيرَةُ التَّزَوُّجِ والتزاوُج؛ قَالَ: والمُزاوَجَةُ والازْدِواجُ، بِمَعْنًى.

وازْدَوَجَ الكلامُ وتَزَاوَجَ: أَشبه بَعْضُهُ بَعْضًا فِي السَّجْعِ أَو الْوَزْنِ، أَو كَانَ لإِحدى القضيتين تعلق بالأُخرى.

وزَوَّج الشيءَ بِالشَّيْءِ، وزَوَّجه إِليه: قَرَنَهُ.

وَفِي التَّنْزِيلِ: {وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ}؛ أَي قَرَنَّاهُمْ؛ وأَنشد ثَعْلَبٌ:

وَلَا يَلْبَثُ الفِتْيانُ أَنْ يَتَفَرَّقُوا، ***إِذا لَمْ يُزَوَّجْ رُوحُ شَكْلٍ إِلى شَكْلِ

وَقَالَ الزَّجَّاجُ فِي قَوْلِهِ تعالى: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ}؛ مَعْنَاهُ: وَنُظَرَاءَهُمْ وَضُرَبَاءَهُمْ.

تَقُولُ: عِنْدِي مِنْ هَذَا أَزواج أَي أَمْثال؛ وَكَذَلِكَ زَوْجَانِ مِنَ الْخِفَافِ أَي كُلُّ وَاحِدٍ نَظِيرُ صَاحِبِهِ؛ وَكَذَلِكَ الزَّوْجُ المرأَة، وَالزَّوْجُ الْمَرْءُ، قَدْ تَنَاسَبَا بِعَقْدِ النِّكَاحِ.

وَقَوْلُهُ تعالى: {أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرانًا وَإِناثًا}؛ أَي يَقْرُنُهم.

وَكُلُّ شَيْئَيْنِ اقْتَرَنَ أَحدهما بِالْآخَرِ: فَهُمَا زَوْجَانِ.

قَالَ الْفَرَّاءُ: يَجْعَلُ بَعْضَهُمْ بَنِينَ وَبَعْضَهُمْ بَنَاتٍ، فَذَلِكَ التَّزْوِيجُ.

قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: أَراد بِالتَّزْوِيجِ التَّصْنِيفَ؛ والزَّوْجُ: الصِّنْفُ.

وَالذَّكَرُ صِنْفٌ، والأُنثى صِنْفٌ.

وَكَانَ الأَصمعي لَا يُجِيزُ أَن يُقَالَ لِفَرْخَيْنِ مِنَ الْحَمَامِ وَغَيْرِهِ: زَوْجٌ، وَلَا لِلنَّعْلَيْنِ زَوْجٌ، وَيُقَالُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ: زَوْجَانِ لِكُلِّ اثْنَيْنِ.

التَّهْذِيبِ: وَقَوْلُ الشَّاعِرِ:

عَجِبْتُ مِنَ امْرَاةٍ حَصَانٍ رَأَيْتُها، ***لَها ولَدٌ مِنْ زَوْجِها، وَهْيَ عَاقِرُ

فَقُلْتُ لَها: بُجْرًا، فقَالتْ مُجِيبَتِي: ***أَتَعْجَبُ مِنْ هَذَا، وَلِي زَوْجٌ آخَرُ؟

أَرادت مِنْ زَوْجِ حَمَامٍ لَهَا، وَهِيَ عَاقِرٌ؛ يَعْنِي للمرأَة زَوْجُ حَمَامٍ آخَرُ.

وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: هَاجَ المُكَّاءُ للزَّواج؛ يَعني بِهِ السِّفادَ.

والزَّوْجُ: الصِّنْفُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.

وَفِي التَّنْزِيلِ: {وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ}؛ قِيلَ: مِنْ كُلِّ لَوْنٍ أَو ضَرْبٍ حَسَنٍ مِنَ النَّبَاتِ.

التَّهْذِيبِ: والزَّوْجُ اللَّوْنُ؛ قَالَ الأَعشى:

وكلُّ زَوْجٍ مِنَ الدِّيباجِ، يَلْبَسُهُ ***أَبو قُدَامَةَ، مَحْبُوًّا بذاكَ مَعَا

وَقَوْلُهُ تعالى: {وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ}؛ قَالَ: مَعْنَاهُ أَلوان وأَنواع مِنَ الْعَذَابِ، وَوَصَفَهُ بالأَزواج، لأَنه عَنَى بِهِ الأَنواع مِنَ الْعَذَابِ والأَصناف مِنْهُ.

والزَّوْجُ: النَمَطُ، وَقِيلَ: الدِّيبَاجُ.

وَقَالَ لَبِيدٌ:

مِنْ كلِّ مَحْفُوفٍ، يُظِلُّ عِصِيَّهُ ***زَوْجٌ، عَلَيْهِ كِلَّةٌ وقِرامُها

قَالَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الزَّوْجُ هُنَا النَّمَطُ يُطْرَحُ عَلَى الْهَوْدَجِ؛ وَيُشْبِهُ أَن يَكُونَ سمِّي بِذَلِكَ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى مَا تَحْتَهُ اشْتِمَالُ الرَّجُلِ عَلَى المرأَة، وَهَذَا لَيْسَ بِقَوِيٍّ.

والزَّاجُ: مَعْرُوفٌ؛ اللَّيْثُ: الزَّاجُ، يُقَالُ لَهُ: الشَّبُّ الْيَمَانِيُّ، وَهُوَ مِنَ الأَدوية، وَهُوَ مِنْ أَخلاط الحِبْرِ،

فارسي معرَّب.

لسان العرب-ابن منظور الإفريقي-توفي: 711هـ/1311م


انتهت النتائج