1-المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث (ثعد)

(ثعد) - حدَّثنا محمدُ بن أبي نَصْر الّلفْتواني لَفظًا، أخبرنا أبو صَادِق إجازةً، أخبرنا أبو الفَرَج عَلِيّ بنُ أبي الحُسَيْن القَطَّان، أَخبرَنا الفَضلُ بنُ سَهْل، ثنا عليّ بنُ أبي هُبَيْرة، ثنا عَبدُ الله بنُ عبد الوهَّاب الخُوارَزْمي، ثنا يَحْيَى بنُ عُثْمان، ثنا إسحاق بنُ إبراهيم القُرشِيّ، عن يَزِيدَ ابنِ رَبِيعة، حدَّثَنى بَكَّار بنُ دَاود قال:

"مَرَّ رَسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بقَومٍ يَنالُون من الثَّعْد والحُلقَانِ، وأَشلٍ من لَحْم، وينَالُون من أَسْقِية لهم قد عَلَاهَا الطُّحْلُب فقال: ثَكِلَتْكُم أُمَّهَاتُكم، أَلِهذَا خُلِقْتُم؟ أو بِهَذا أُمِرتم؟

قال: فَجازَ عنهم فَنَزَل الرُّوحُ الأَمِينُ، وقال: يا مُحَمَّد، رَبُّكَ عَزُّ وجل يُقْرِئُك السَّلامَ ويَقُول لك: إنما بَعثتُك مُؤَلِّفا لِأُمَّتك، ولم أَبعَثْك مُنَفِّرا، ارجع إلى عِبادِي فقل لهم: فَلْيَعْمَلوا، ولْيُسَدِّدوا، ولْيُيَسِّروا."

قال أبو مُحَمّد: قال إسْحاقُ بنُ إبراهيم: الثَّعْد: الزُّبد، والحُلْقَانُ: البُسْر الذي قد أَرطَب بَعضُه، وأَشْل من لَحْم: الخَروفُ المَشْوِيّ، كذا قال. وقال أَهلُ اللغة: الثَّعْدَة: البُسْرة إذا لانَت، والجِنْس ثَعْد، ونَباتٌ ثَعْدٌ: لَيِّن، ورَجُلٌ أو شَيْءٌ ثَعْد: غَضٌّ طَرِيّ، وثَعْد: سَمِينٌ.

المجموع المغيث في غريبي القرآن-محمد بن عمر بن أحمد بن عمر بن محمد الأصبهاني المديني، أبو موسى-توفي: 581هـ/1185م


2-موسوعة الفقه الكويتية (إشراف)

إِشْرَافٌ

التَّعْرِيفُ:

1- الْإِشْرَافُ لُغَةً: مَصْدَرُ أَشْرَفَ، أَيِ اطَّلَعَ عَلَى الشَّيْءِ مِنْ أَعْلَى.

وَإِشْرَافُ الْمَوْضِعِ: ارْتِفَاعُهُ، وَالْإِشْرَافُ: الدُّنُوُّ وَالْمُقَارَبَةُ.

وَانْطِلَاقًا مِنَ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ أَطْلَقَ الْمُحَدِّثُونَ كَلِمَةَ إِشْرَافٍ عَلَى «الْمُرَاقَبَةِ الْمُهَيْمِنَةِ».

وَهُوَ مَعْنًى اسْتَعْمَلَهُ الْفُقَهَاءُ كَالْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةِ الْأُخْرَى.فَقَدِ اسْتَعْمَلُوهُ فِي مُرَاقَبَةِ نَاظِرِ الْوَقْفِ وَالْوَصِيِّ وَالْقَيِّمِ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمُ.

الْإِشْرَافُ بِمَعْنَى الْعُلُوِّ:

أ- إِشْرَافُ الْقَبْرِ:

2- لَا يَحِلُّ أَنْ يَكُونَ الْقَبْرُ مُشْرِفًا بِالِاتِّفَاقِ، لِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ الْأَسَدِيِّ قَالَ: «قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-: أَلاَّ تَدَعَ تِمْثَالًا إِلاَّ طَمَسْتَهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلاَّ سَوَّيْتَهُ»

وَفِي اعْتِبَارِ تَسْنِيمِ الْقَبْرِ إِشْرَافًا خِلَافٌ تَجِدُهُ مُفَصَّلًا فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ.

ب- إِشْرَافُ الْبُيُوتِ:

3- يُبَاحُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَعْلُوَ بِبِنَائِهِ مَا شَاءَ بِشَرْطَيْنِ:

الْأَوَّلُ: أَلاَّ يَضُرَّ بِغَيْرِهِ، كَمَنْعِ النُّورِ أَوِ الْهَوَاءِ عَنِ الْغَيْرِ.

الثَّانِي: أَلاَّ يَكُونَ صَاحِبُ الْبِنَاءِ ذِمِّيًّا، فَيُمْنَعُ مِنْ تَطْوِيلِ بِنَائِهِ عَلَى بِنَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ رَضِيَ الْمُسْلِمُ بِذَلِكَ، لِيَتَمَيَّزَ الْبِنَاءَانِ، وَلِئَلاَّ يَطَّلِعَ عَلَى عَوْرَةِ الْمُسْلِمِ.وَقَدْ فَصَّلَ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْجِزْيَةِ.

الْإِشْرَافُ بِمَعْنَى الِاطِّلَاعِ مِنْ أَعْلَى:

4- يُمْنَعُ الشَّخْصُ مِنَ الْإِشْرَافِ عَلَى دَارِ غَيْرِهِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ، وَلِذَلِكَ يُمْنَعُ مِنْ أَنْ يَفْتَحَ فِي جِدَارِهِ كُوَّةً يُشْرِفُ مِنْهَا عَلَى جَارِهِ وَعِيَالِهِ.

5- أَمَّا الْإِشْرَافُ عَلَى الْكَعْبَةِ وَالنَّظَرُ إِلَيْهَا فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْقُرُبَاتِ، وَالسَّاعِي بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَصْعَدُ عَلَى الصَّفَا وَعَلَى الْمَرْوَةِ حَتَّى يُشْرِفَ عَلَى الْكَعْبَةِ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ عِنْدَ كَلَامِهِمْ عَلَى السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.

الْإِشْرَافُ بِمَعْنَى الْمُرَاقَبَةِ الْمُهَيْمِنَةِ:

6- إِقَامَةُ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْإِشْرَافِ وَاجِبٌ تَحْقِيقًا لِلْمَصَالِحِ الَّتِي هِيَ مَقْصِدٌ مِنْ مَقَاصِدِ الشَّارِعِ، وَيَتَجَلَّى ذَلِكَ فِيمَا يَأْتِي:

أ- الْوِلَايَةُ: سَوَاءٌ أَكَانَتْ وِلَايَةً عَامَّةً كَوِلَايَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْقَاضِي، وَنَحْوِهِمَا، أَمْ وِلَايَةً خَاصَّةً كَوِلَايَةِ الْأَبِ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ، كَمَا سَيَأْتِي ذَلِكَ مُفَصَّلًا فِي مَبْحَثِ (وِلَايَةٌ).

ب- الْوِصَايَةُ: كَالْوِصَايَةِ عَلَى الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي مَبْحَثِ (الْحَجْرِ).

ج- الْقِوَامَةُ: كَقِوَامَةِ الرَّجُلِ عَلَى زَوْجَتِهِ، كَمَا هُوَ مُفَصَّلٌ فِي مَبْحَثِ (النِّكَاحِ).

د- النِّظَارَةُ: كَنَاظِرِ الْوَقْفِ، كَمَا هُوَ مُفَصَّلٌ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ.

الْإِشْرَافُ بِمَعْنَى الْمُقَارَبَةِ وَالدُّنُوِّ:

7- يَتَرَتَّبُ عَلَى الْإِشْرَافِ بِهَذَا الْمَعْنَى كَثِيرٌ مِنَ الْأَحْكَامِ، ذَكَرَهَا الْفُقَهَاءُ فِي أَبْوَابِهَا، وَمِنْ ذَلِكَ عَلَى

سَبِيلِ الْمِثَالِ لَا الْحَصْرِ:

أ- عَدَمُ أَكْلِ الذَّبِيحَةِ إِذَا ذُبِحَتْ بَعْدَ أَنْ أَشْرَفَتْ عَلَى الْمَوْتِ، عَلَى خِلَافٍ وَتَفْصِيلٍ مُبَيَّنٍ فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ (التَّذْكِيَةُ).

ب- وُجُوبُ إِنْقَاذِ مَنْ أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْتِ كَالْغَرِيقِ وَنَحْوِهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْمُمْكِنِ إِنْقَاذُهُ.

ج- وُجُوبُ الِانْتِفَاعِ بِاللُّقَطَةِ إِذَا أَشْرَفَتْ عَلَى التَّلَفِ.كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي كِتَابِ (اللُّقَطَةِ).

موسوعة الفقه الكويتية-وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت-صدرت بدءًا من: 1404هـ/1984م


3-موسوعة الفقه الكويتية (تصوير 1)

تَصْوِيرٌ -1

التَّعْرِيفُ:

1- التَّصْوِيرُ لُغَةً: صُنْعُ الصُّورَةِ.وَصُورَةُ الشَّيْءِ هِيَ هَيْئَتُهُ الْخَاصَّةُ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِهَا عَنْ غَيْرِهِ.وَفِي أَسْمَائِهِ تَعَالَى: الْمُصَوِّرُ، وَمَعْنَاهُ: الَّذِي صَوَّرَ جَمِيعَ الْمَوْجُودَاتِ وَرَتَّبَهَا، فَأَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ مِنْهَا صُورَتَهُ الْخَاصَّةَ وَهَيْئَتَهُ الْمُفْرَدَةَ، عَلَى اخْتِلَافِهَا وَكَثْرَتِهَا.

وَوَرَدَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ تَسْمِيَةُ الْوَجْهِ صُورَةً، قَالَ- رضي الله عنه-: «نَهَى النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم- أَنْ تُضْرَبَ الصُّورَةُ، أَوْ نَهَى عَنِ الْوَسْمِ فِي الْوَجْهِ» أَيْ: أَنْ يُضْرَبَ الْوَجْهُ أَوْ يُوسَمَ الْحَيَوَانُ فِي وَجْهِهِ.

وَالتَّصْوِيرُ أَيْضًا: ذِكْرُ صُورَةِ الشَّيْءِ، أَيْ: صِفَتُهُ، يُقَالُ: صَوَّرْتُ لِفُلَانٍ الْأَمْرَ، أَيْ: وَصَفْتُهُ لَهُ.

وَالتَّصْوِيرُ أَيْضًا: صُنْعُ الصُّورَةِ الَّتِي هِيَ تِمْثَالُ الشَّيْءِ، أَيْ: مَا يُمَاثِلُ الشَّيْءَ وَيَحْكِي هَيْئَتَهُ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الصُّورَةُ مُجَسَّمَةً أَوْ غَيْرَ مُجَسَّمَةٍ، أَوْ كَمَا يُعَبِّرُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: ذَاتُ ظِلٍّ أَوْ غَيْرُ ذَاتِ ظِلٍّ.

وَالْمُرَادُ بِالصُّورَةِ الْمُجَسَّمَةِ أَوْ ذَاتُ الظِّلِّ مَا كَانَتْ ذَاتَ ثَلَاثَةِ أَبْعَادٍ، أَيْ لَهَا حَجْمٌ، بِحَيْثُ تَكُونُ أَعْضَاؤُهَا نَافِرَةً يُمْكِنُ أَنْ تَتَمَيَّزَ بِاللَّمْسِ، بِالْإِضَافَةِ إِلَى تَمَيُّزِهَا بِالنَّظَرِ.

وَأَمَّا غَيْرُ الْمُجَسَّمَةِ، أَوِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا ظِلٌّ، فَهِيَ الْمُسَطَّحَةُ، أَوْ ذَاتُ الْبُعْدَيْنِ، وَتَتَمَيَّزُ أَعْضَاؤُهَا بِالنَّظَرِ فَقَطْ، دُونَ اللَّمْسِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ نَافِرَةً، كَالصُّوَرِ الَّتِي عَلَى الْوَرَقِ، أَوِ الْقُمَاشِ، أَوِ السُّطُوحِ الْمَلْسَاءِ.

وَالتَّصْوِيرُ وَالصُّورَةُ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ يَجْرِي عَلَى مَا جَرَى عَلَيْهِ فِي اللُّغَةِ.

وَقَدْ تُسَمَّى الصُّورَةُ تَصْوِيرَةً، وَجَمْعُهَا تَصَاوِيرُ، وَقَدْ وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ فِي السُّنَّةِ حَدِيثُ عَائِشَةَ- رضي الله عنها- فِي شَأْنِ السَّتْرِ قَوْلُهُ- صلى الله عليه وسلم-: «أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ هَذَا، فَإِنَّهُ لَا تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ فِي صَلَاتِي».

أَنْوَاعُ الصُّوَرِ:

2- إِنَّ الصُّورَةَ- بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الصُّوَرِ الثَّابِتَةِ- قَدْ تَكُونُ صُورَةً مُؤَقَّتَةً كَصُورَةِ الشَّيْءِ فِي الْمِرْآةِ، وَصُورَتُهُ فِي الْمَاءِ وَالسُّطُوحِ اللاَّمِعَةِ، فَإِنَّهَا تَدُومُ مَا دَامَ الشَّيْءُ مُقَابِلًا لِلسَّطْحِ، فَإِنِ انْتَقَلَ الشَّيْءُ عَنِ الْمُقَابَلَةِ انْتَهَتْ صُورَتُهُ.

وَمِنَ الصُّوَرِ غَيْرِ الدَّائِمَةِ: ظِلُّ الشَّيْءِ إِذَا قَابَلَ أَحَدَ مَصَادِرِ الضَّوْءِ.وَمِنْهُ مَا كَانُوا يَسْتَعْمِلُونَهُ فِي بَعْضِ الْعُصُورِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَيُسَمُّونَهُ: صُوَرَ الْخَيَالِ، أَوْ صُوَرَ خَيَالِ الظِّلِّ.فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَقْطَعُونَ مِنَ الْوَرَقِ صُوَرًا لِلْأَشْخَاصِ، ثُمَّ يُمْسِكُونَهَا بِعِصِيٍّ صَغِيرَةٍ، وَيُحَرِّكُونَهَا أَمَامَ السِّرَاجِ، فَتَنْطَبِعُ ظِلَالُهَا عَلَى شَاشَةٍ بَيْضَاءِ يَقِف خَلْفَهَا الْمُتَفَرِّجُونَ، فَيَرَوْنَ مَا هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ صُورَةُ الصُّورَةِ.

وَمِنَ الصُّوَرِ غَيْرِ الدَّائِمَةِ: الصُّوَرُ التِّلِيفِزْيُونِيّة، فَإِنَّهَا تَدُومُ مَا دَامَ الشَّرِيطُ مُتَحَرِّكًا فَإِذَا وَقَفَ انْتَهَتِ الصُّورَةُ.

3- ثُمَّ إِنَّ الصُّورَةَ قَدْ تَكُونُ لِشَيْءٍ حَيٍّ عَاقِلٍ ذِي رُوحٍ، كَصُورَةِ الْإِنْسَانِ.أَوْ غَيْرِ عَاقِلٍ، كَصُورَةِ الطَّائِرِ أَوِ الْأَسَدِ.أَوْ لِحَيٍّ غَيْرِ الْحَيَوَانِ كَصُوَرِ الْأَشْجَارِ وَالزُّهُورِ وَالْأَعْشَابِ.أَوْ لِلْجَمَادَاتِ كَصُوَرِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ وَالْجِبَالِ، أَوْ صُوَرِ الْمَصْنُوعَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ كَصُورَةِ مَنْزِلٍ أَوْ سَيَّارَةٍ أَوْ مَنَارَةٍ أَوْ سَفِينَةٍ.

الْأَلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ- التَّمَاثِيلُ:

4- التَّمَاثِيلُ جَمْعُ تِمْثَالٍ «بِكَسْرِ التَّاءِ» وَتِمْثَالُ الشَّيْءِ: صُورَتُهُ فِي شَيْءٍ آخَرَ.وَهُوَ مِنَ الْمُمَاثَلَةِ، وَهِيَ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ.وَالتَّمْثِيلُ: التَّصْوِيرُ.يُقَالُ: مَثَّلَ لَهُ الشَّيْءَ إِذَا صَوَّرَهُ لَهُ كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَمَثَّلْتَ لَهُ كَذَا: إِذَا صَوَّرْتَ لَهُ مِثَالَهُ بِكِتَابَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَفِي الْحَدِيثِ: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا مُمَثِّلٌ مِنَ الْمُمَثِّلِينَ» أَيْ مُصَوِّرٌ.وَظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ تِمْثَالُهُ.

فَالْفَرْقُ بَيْنَ التِّمْثَالِ وَبَيْنَ الصُّورَةِ: أَنَّ صُورَةَ الشَّيْءِ قَدْ يُرَادُ بِهَا الشَّيْءُ نَفْسُهُ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ غَيْرُهُ مِمَّا يَحْكِي هَيْئَةَ الْأَصْلِ، أَمَّا التِّمْثَالُ فَهُوَ الصُّورَةُ الَّتِي تَحْكِي الشَّيْءَ وَتُمَاثِلُهُ، وَلَا يُقَالُ لِصُورَةِ الشَّيْءِ فِي نَفْسِهِ: إِنَّهَا تِمْثَالُهُ.

5- وَمِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ التِّمْثَالَ أَيْضًا فِي اللُّغَةِ يُسْتَعْمَلُ لِصُوَرِ الْجَمَادَاتِ مَا وَرَدَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ يَأْتِي وَمَعَهُ تِمْثَالُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ.

أَمَّا فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ، فَإِنَّهُ بِاسْتِقْرَاءِ كَلَامِهِمْ تَبَيَّنَ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يُفَرِّقُونَ فِي الِاسْتِعْمَالِ بَيْنَ لَفْظَيِ (الصُّورَةِ) (وَالتِّمْثَالِ)، إِلاَّ أَنَّ بَعْضَهُمْ خَصَّ التِّمْثَالَ بِصُورَةِ مَا كَانَ ذَا رُوحٍ، أَيْ صُورَةِ الْإِنْسَانِ أَوِ الْحَيَوَانِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُجَسَّمًا أَوْ مُسَطَّحًا، دُونَ صُورَةِ شَمْسٍ أَوْ قَمَرٍ أَوْ بَيْتٍ، وَأَمَّا الصُّورَةُ فَهِيَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ.نَقَلَهُ ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الْمُغْرِبِ.

وَهَذَا الْبَحْثُ جَارٍ عَلَى الِاصْطِلَاحِ الْأَغْلَبِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ أَنَّ الصُّورَةَ الَّتِي تَحْكِي الشَّيْءَ، وَالتِّمْثَالَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ.

ب- الرَّسْمُ:

6- الرَّسْمُ فِي اللُّغَةِ: أَثَرُ الشَّيْءِ.وَقِيلَ: بَقِيَّةُ الْأَثَرِ.وَأَثَرُ الشَّيْءِ قَدْ يُشَاكِلُهُ فِي الْهَيْئَةِ.وَمِنْ هُنَا سَمَّوْا «الرَّوْسَمَ»، وَهُوَ الْخَشَبَةُ الَّتِي فِيهَا نُقُوشٌ يُخْتَمُ بِهَا الْأَشْيَاءُ الْمُرَادُ بَقَاؤُهَا مُخْفَاةً، لِئَلاَّ تُسْتَعْمَلَ.وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ: «الرَّوْسَمُ الطَّابَعُ».وَمِنْهُ «الْمَرْسُومُ» لِأَنَّهُ يُخْتَمُ بِخَاتَمٍ.وَالرَّسْمُ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْمُعَاصِرِ بِمَعْنَى: الصُّورَةُ الْمُسَطَّحَةُ، أَوِ التَّصْوِيرُ الْمُسَطَّحُ، إِذَا كَانَ مَعْمُولًا بِالْيَدِ.وَلَا تُسَمَّى الصُّورَةُ الْفُوتُوغْرَافِيَّةُ رَسْمًا.بَلْ يُقَالُ: رَسَمْتُ دَارًا، أَوْ إِنْسَانًا، أَوْ شَجَرَةً.

ج- التَّزْوِيقُ، وَالنَّقْشُ، وَالْوَشْيُ، وَالرَّقْمُ:

7- هَذِهِ الْكَلِمَاتُ الْأَرْبَعُ تَكَادُ تَكُونُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ تَجْمِيلُ الشَّيْءِ الْمُسَطَّحِ أَوْ غَيْرِ الْمُسَطَّحِ بِإِضَافَةِ أَشْكَالٍ تَجْمِيلِيَّةٍ إِلَيْهِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ أَشْكَالًا هَنْدَسِيَّةً أَوْ نَمْنَمَاتٍ أَوْ صُوَرًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ.قَالَ صَاحِبُ اللِّسَانِ: ثَوْبٌ مُنَمْنَمٌ أَيْ: مَوْقُومٌ مُوَشًّى، وَقَالَ: النَّقْشُ: النَّمْنَمَةُ.فَكُلٌّ مِنْهَا يَكُونُ بِالصُّوَرِ أَوْ بِغَيْرِهَا.

د- النَّحْتُ:

8- النَّحْتُ: الْأَخْذُ مِنْ كُتْلَةٍ صُلْبَةٍ كَالْحَجَرِ أَوِ الْخَشَبِ بِأَدَاةٍ حَادَّةِ كَالْإِزْمِيلِ أَوِ السِّكِّينِ، حَتَّى يَكُونَ مَا يَبْقَى مِنْهَا عَلَى الشَّكْلِ الْمَطْلُوبِ، فَإِنْ كَانَ مَا بَقِيَ يُمَثِّلُ شَيْئًا آخَرَ فَهُوَ تِمْثَالٌ أَوْ صُورَةٌ، وَإِلاَّ فَلَا

تَرْتِيبُ هَذَا الْبَحْثِ:

9- يَحْتَوِي هَذَا الْبَحْثُ عَلَى مَا يَلِي:

أَوَّلًا: مَا يَتَعَلَّقُ مِنَ الْأَحْكَامِ بِالصُّورَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ.

ثَانِيًا: أَحْكَامُ التَّصْوِيرِ، أَيْ: صِنَاعَةُ الصُّوَرِ.

ثَالِثًا: أَحْكَامُ اقْتِنَاءِ الصُّوَرِ، أَيِ: اتِّخَاذُهَا وَاسْتِعْمَالُهَا.

رَابِعًا: أَحْكَامُ الصُّوَرِ مِنْ حَيْثُ التَّعَامُلُ وَالتَّعَرُّفُ فِيهَا.

الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: مَا يَتَعَلَّقُ مِنَ الْأَحْكَامِ بِالصُّورَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ:

10- يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَعْتَنِيَ بِتَجْمِيلِ صُورَتِهِ الظَّاهِرَةِ، بِالْإِضَافَةِ إِلَى اعْتِنَائِهِ بِتَكْمِيلِ صُورَتِهِ الْبَاطِنَةِ، وَيَقُومُ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى بِشُكْرِهِ عَلَى أَنَّهُ جَمَّلَ صُورَتَهُ.وَالْعِنَايَةُ بِالصُّورَةِ الْبَاطِنَةِ تَكُونُ بِالْإِيمَانِ وَالتَّطَهُّرِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالشُّكْرِ لِلَّهِ، وَالتَّجَمُّلِ بِالْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ.

وَالْعِنَايَةُ بِالصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ تَكُونُ بِالتَّطَهُّرِ بِالْوُضُوءِ وَالِاغْتِسَالِ وَالتَّنَظُّفِ وَإِزَالَةِ التَّفَثِ، وَالتَّزَيُّنِ بِالزِّينَةِ الْمَشْرُوعَةِ مِنَ الْعِنَايَةِ بِالشَّعْرِ وَالْمَلَابِسِ الْحَسَنَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، (ر: زِينَةٌ).

11- وَلَا يَحِلُّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُشَوِّهَ جِسْمَهُ بِإِتْلَافِ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ، أَوْ إِخْرَاجِهِ عَنْ وَضْعِهِ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ.كَمَا لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِغَيْرِهِ، إِلاَّ حَيْثُ أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ وَقَدْ «نَهَى النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم- عَنِ النُّهْبَى وَالْمُثْلَةِ». (ر: مُثْلَةٌ).

كَمَا لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَقْصِدَ تَشْوِيَهُ نَفْسِهِ بِلُبْسِ مَا يَنْفِرُ النَّاسُ مِنْهُ وَيُخْرِجَهُ عَنِ الْمُعْتَادِ (ر: أَلْبِسَةٌ).

وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ «نَهَى أَنْ يَمْشِيَ الرَّجُلُ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ» أَيْ: فِي إِحْدَى قَدَمَيْهِ دُونَ الْأُخْرَى.وَشُرِعَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَطَيَّبَ وَيَتَعَطَّرَ.وَلِلْمَرْأَةِ زِينَتُهَا الْخَاصَّةُ.وَرَاجِعْ مَبَاحِثَ (اكْتِحَالٌ.اخْتِضَابٌ.حُلِيٌّ، إِلَخْ).

12- أَمَّا الزِّينَةُ الْبَاطِنَةُ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: الْجَمَالُ الْبَاطِنُ هُوَ مَحَلُّ نَظَرِ اللَّهِ مِنْ عَبْدِهِ وَمَوْضِعُ مَحَبَّتِهِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ».وَهَذَا الْجَمَالُ الْبَاطِنُ يُزَيِّنُ الصُّورَةَ الظَّاهِرَةَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ذَاتَ جَمَالٍ، فَتَكْسُو صَاحِبَهَا مِنَ الْجَمَالِ وَالْمَهَابَةِ وَالْحَلَاوَةِ بِحَسَبِ مَا اكْتَسَبَتْ رُوحُهُ مِنْ تِلْكَ الصِّفَاتِ.فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يُعْطَى مَهَابَةً وَحَلَاوَةً بِحَسَبِ إِيمَانِهِ، فَمَنْ رَآهُ هَابَهُ، وَمَنْ خَالَطَهُ أَحَبَّهُ، وَهَذَا أَمْرٌ مَشْهُودٌ بِالْعِيَانِ.فَإِنَّكَ تَرَى الرَّجُلَ الصَّالِحَ ذَا الْأَخْلَاقِ الْجَمِيلَةِ مِنْ أَحْلَى النَّاسِ صُورَةً، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ جَمِيلٍ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا رُزِقَ حَظًّا مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ، فَإِنَّهَا تُنَوِّرُ الْوَجْهَ.

قَالَ: وَأَمَّا الْجَمَالُ الظَّاهِرُ فَزِينَةٌ خَصَّ اللَّهُ بِهَا بَعْضَ الصُّوَرِ عَنْ بَعْضٍ، وَهِيَ مِنْ زِيَادَةِ الْخَلْقِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِيهَا: {يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ} قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: هُوَ الصَّوْتُ الْحَسَنُ وَالصُّورَةُ الْحَسَنَةُ.وَالْقُلُوبُ مَطْبُوعَةٌ عَلَى مَحَبَّتِهِ، كَمَا هِيَ مَفْطُورَةٌ عَلَى اسْتِحْسَانِهِ.

قَالَ: وَكُلٌّ مِنَ الْجَمَالِ الظَّاهِرِ وَالْجَمَالِ الْبَاطِنِ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى تُوجِبُ عَلَى الْعَبْدِ شُكْرًا بِالتَّقْوَى وَالصِّيَانَةِ، وَبِهِمَا يَزْدَادُ جَمَالًا عَلَى جَمَالِهِ.وَإِنِ اسْتَعْمَلَ جَمَالَهُ فِي مَعَاصِي اللَّهِ قَلَبَ اللَّهُ مَحَاسِنَهُ شَيْنًا وَقُبْحًا.وَكَانَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم- يَدْعُو النَّاسَ إِلَى جَمَالِ الْبَاطِنِ بِجَمَالِ الظَّاهِرِ، «قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ- رضي الله عنه-: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-: أَنْتَ امْرُؤٌ حَسَّنَ اللَّهُ خَلْقَكَ، فَحَسِّنْ خُلُقَكَ».وَكَانَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم- أَجْمَلَ الْخَلْقِ وَأَحْسَنَهُمْ وَجْهًا.وَقَدْ سُئِلَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ: أَكَانَ وَجْهُ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- مِثْلَ السَّيْفِ؟ فَقَالَ: لَا، بَلْ مِثْلَ الْقَمَرِ.

وَكَانَ- صلى الله عليه وسلم- يَسْتَحِبُّ أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ الَّذِي يُرْسَلُ إِلَيْهِ حَسَنَ الْوَجْهِ حَسَنَ الِاسْمِ، فَكَانَ يَقُولُ: «إِذَا أَبْرَدْتُمْ إِلَيَّ بَرِيدًا فَاجْعَلُوهُ حَسَنَ الْوَجْهِ حَسَنَ الِاسْمِ» وَقَدْ أَمْتَعَ اللَّهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ فِي دَارِ كَرَامَتِهِ بِحُسْنِ الصُّوَرِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ «أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّذِينَ عَلَى أَثَرِهِمْ كَأَشَدِّ كَوْكَبٍ إِضَاءَةً، قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً.صُوَرُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ».

الْقِسْمُ الثَّانِي: حُكْمُ التَّصْوِيرِ (صِنَاعَةُ الصُّوَرِ)

أ- تَحْسِينُ صُورَةِ الشَّيْءِ الْمَصْنُوعِ:

13- يُسْتَحْسَنُ لِلصَّانِعِ إِذَا صَنَعَ شَيْئًا أَنْ يُحَسِّنَ صُورَةَ ذَلِكَ الشَّيْءِ، إِذْ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ إِتْقَانِ الْعَمَلِ وَإِحْسَانِهِ.وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ تَعَالَى نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ: {ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ الَّذِي أَحْسَن كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ} وَقَالَ: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} وَفِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ» وَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ»...الْحَدِيثَ.

ب- تَصْوِيرُ الْمَصْنُوعَاتِ:

14- لَا بَأْسَ بِتَصْوِيرِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي يَصْنَعُهَا الْبَشَرُ، كَصُورَةِ الْمَنْزِلِ وَالسَّيَّارَةِ وَالسَّفِينَةِ وَالْمَسْجِدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَصْنَعَهَا، فَكَذَلِكَ لَهُ أَنْ يُصَوِّرَهَا.

ج- صِنَاعَةُ تَصَاوِيرِ الْجَمَادَاتِ الْمَخْلُوقَةِ:

15- لَا بَأْسَ بِتَصْوِيرِ الْجَمَادَاتِ الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى- عَلَى مَا خَلَقَهَا عَلَيْهِ- كَتَصْوِيرِ الْجِبَالِ وَالْأَوْدِيَةِ وَالْبِحَارِ، وَتَصْوِيرِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالسَّمَاءِ وَالنُّجُومِ، دُونَ اخْتِلَافٍ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، إِلاَّ مَنْ شَذَّ.غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَعْنِي جَوَازَ صِنَاعَةِ شَيْءٍ مِنْهَا إِذَا عُلِمَ أَنَّ الشَّخْصَ الْمَصْنُوعَةَ لَهُ يَعْبُدُ تِلْكَ الصُّورَةَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَذَلِكَ كَعُبَّادِ الشَّمْسِ أَوِ النُّجُومِ.أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ عَابِدِينَ.وَيُسْتَدَلُّ لِحُكْمِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي التَّصْوِيرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بِمَا يَأْتِي فِي الْمَسْأَلَةِ التَّالِيَةِ وَمَا بَعْدَهَا.

وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ أَنَّهُ نَقَلَ وَجْهًا بِمَنْعِ تَصْوِيرِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ؛ لِأَنَّ مِنَ الْكُفَّارِ مَنْ عَبَدَهُمَا مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَيَمْتَنِعُ تَصْوِيرُهُمَا لِذَلِكَ.وَوَجَّهَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِعُمُومِ قَوْلِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم-: «الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ» وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي» فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ مَا فِيهِ رُوحٌ وَمَا لَا رُوحَ فِيهِ.غَيْرَ أَنَّ هَذَا مُؤَوَّلٌ وَخَاصٌّ بِمَا فِيهِ رُوحٌ كَمَا يَأْتِي.

د- تَصْوِيرُ النَّبَاتَاتِ وَالْأَشْجَارِ:

16- جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ شَرْعًا بِتَصْوِيرِ الْأَعْشَابِ وَالْأَشْجَارِ وَالثِّمَارِ وَسَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ النَّبَاتِيَّةِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ مُثْمِرَةً أَمْ لَا، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَدْخُلُ فِيمَا نُهِيَ عَنْهُ مِنَ التَّصَاوِيرِ.

وَلَمْ يُنْقَلْ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ، إِلاَّ مَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ رَأَى تَحْرِيمَ تَصْوِيرِ الشَّجَرِ الْمُثْمِرِ دُونَ الشَّجَرِ غَيْرِ الْمُثْمِرِ.قَالَ عِيَاضٌ: هَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ غَيْرُ مُجَاهِدٍ.قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَأَظُنُّ مُجَاهِدًا سَمِعَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَفِيهِ: «فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً وَلْيَخْلُقُوا شَعِيرَةً» فَإِنَّ فِي ذِكْرِ الذَّرَّةِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا فِيهِ رُوحُ، وَفِي ذِكْرِ الشَّعِيرَةِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا يَنْبُتُ مِمَّا يُؤْكَلُ، وَأَمَّا مَا لَا رُوحَ فِيهِ وَلَا يُثْمِرُ فَلَمْ تَقَعِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ.

وَكَرَاهَةُ تَصْوِيرِ النَّبَاتَاتِ وَالْأَشْجَارِ وَجْهٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَالْمَذْهَبُ عَلَى خِلَافِهِ.

وَقَدِ احْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ» فَخُصَّ النَّهْيُ بِذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ وَلَيْسَ الشَّجَرُ مِنْهَا، وَبِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ- رضي الله عنهما- أَنَّهُ نَهَى الْمُصَوِّرَ عَنِ التَّصْوِيرِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: إِنْ كُنْتَ فَاعِلًا فَصَوِّرِ الشَّجَرَ وَمَا لَا رُوحَ فِيهِ قَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَلِأَنَّ صُورَةَ الْحَيَوَانِ لَمَّا أُبِيحَتْ بَعْدَ قَطْعِ رَأْسِهَا- لِأَنَّهَا لَا تَعِيشُ بِدُونِهِ- دَلَّ ذَلِكَ عَلَى إِبَاحَةِ تَصْوِيرِ مَا لَا رُوحَ فِيهِ أَصْلًا.بَلْ إِنَّ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ حَدِيثِ عَائِشَةَ- رضي الله عنها- «أَنَّ جِبْرِيلَ- عليه السلام- قَالَ لِلنَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- مُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ فَلْيَقْطَعْ حَتَّى يَكُونَ كَهَيْئَةِ الشَّجَرَةِ» فَهَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الشَّجَرَةَ فِي الْأَصْلِ لَا يَتَعَلَّقُ النَّهْيُ بِتَصْوِيرِهَا.هَذَا مَا يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ تَصْوِيرُ الشَّجَرِ وَالنَّبَاتِ وَمَا لَا رُوحَ فِيهِ.

وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ- رضي الله عنه- «أَنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لِلنَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- إِنَّهَا ثَلَاثٌ، لَنْ يَلِجَ عَلَيْكَ مَلَكٌ مَا دَامَ فِيهَا وَاحِدٌ مِنْهَا: كَلْبٌ، أَوْ جَنَابَةٌ، أَوْ صُورَةُ رُوحٍ».

هـ- تَصْوِيرُ صُورَةِ الْحَيَوَانِ أَوِ الْإِنْسَانِ:

17- هَذَا النَّوْعُ مِنَ التَّصْوِيرِ فِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ وَتَفْصِيلٌ يَتَبَيَّنُ فِيمَا يَلِي، وَإِلَى هَذَا النَّوْعِ خَاصَّةً يَنْصَرِفُ قَوْلُ مَنْ يُطْلِقُ تَحْرِيمَ التَّصْوِيرِ، دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْوَاعِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا.

التَّصْوِيرُ فِي الدِّيَانَاتِ السَّابِقَةِ:

18- قَالَ مُجَاهِدٌ قوله تعالى فِي حَقِّ سُلَيْمَانَ- عليه السلام- وَطَاعَةِ الْجِنِّ لَهُ: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ} قَالَ: كَانَتْ صُوَرًا مِنْ نُحَاسٍ.أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ.وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَتْ مِنَ الزُّجَاجِ وَالْخَشَبِ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ.قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا فِي شَرِيعَتِهِمْ، وَكَانُوا يَعْمَلُونَ أَشْكَالَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ مِنْهُمْ عَلَى هَيْئَتِهِمْ فِي الْعِبَادَةِ لِيَتَعَبَّدُوا كَعِبَادَتِهِمْ.وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي شَرِيعَتِهِمْ حَرَامًا.وَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ الْجَصَّاصُ.

قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَكِنْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ- رضي الله عنهما- ذَكَرَتَا لِلنَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرَ فِيهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم- أُولَئِكَ قَوْمٌ كَانُوا إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ.أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ».

قَالَ: فَإِنَّ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ جَائِزًا فِي شَرِيعَتِهِمْ مَا أَطْلَقَ عَلَى الَّذِي فَعَلَهُ أَنَّهُ شَرُّ الْخَلْقِ، هَكَذَا قَالَ.لَكِنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّهُ ذَمَّهُمْ لِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ، وَلِجَعْلِهِمُ الصُّوَرَ فِي الْمَسَاجِدِ، لَا لِمُطْلَقِ التَّصْوِيرِ، لِيُوَافِقَ الْآيَةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

تَصْوِيرُ صُورَةِ الْإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ فِي الشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ:

19- اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِ تَصْوِيرِ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ مِنَ الْإِنْسَانِ أَوِ الْحَيَوَانِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:

20- الْقَوْلُ الْأَوَّلُ:

إِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ حَرَامٍ.وَلَا يَحْرُمُ مِنْهُ إِلاَّ أَنْ يَصْنَعَ صَنَمًا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى، لقوله تعالى: {قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ»- وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِالْإِبَاحَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي حَقِّ سُلَيْمَانَ- عليه السلام-: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ} قَالُوا: وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا لقوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ}.

وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- فِي حَقِّ الْمُصَوِّرِينَ «الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ» وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ «الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ» وَقَوْلُ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي فَلْيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا ذَرَّةً» قَالُوا: وَلَوْ كَانَ هَذَا عَلَى ظَاهِرِهِ لَاقْتَضَى تَحْرِيمَ تَصْوِيرِ الشَّجَرِ وَالْجِبَالِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَحْرُمُ بِالِاتِّفَاقِ، فَتَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى مَنْ قَصَدَ أَنْ يَتَحَدَّى صَنْعَةَ الْخَالِقِ عَزَّ وَجَلَّ وَيَفْتَرِيَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يَخْلُقُ مِثْلَ خَلْقِهِ.

21- وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ- صلى الله عليه وسلم- فِي حَقِّ الْمُصَوِّرِينَ «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ» قَالُوا: لَوْ حُمِلَ عَلَى التَّصْوِيرِ الْمُعْتَادِ لَكَانَ ذَلِكَ مُشْكِلًا عَلَى قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ.فَإِنَّ أَشَدَّ مَا فِيهِ أَنْ يَكُونَ مَعْصِيَةً كَسَائِرِ الْمَعَاصِي لَيْسَ أَعْظَمَ مِنَ الشِّرْكِ وَقَتْلِ النَّفْسِ وَالزِّنَا، فَكَيْفَ يَكُونُ فَاعِلُهُ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا، فَتَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى مَنْ صَنَعَ التَّمَاثِيلَ لِتُعْبَدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ.

- وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا يَأْتِي مِنَ اسْتِعْمَالِ الصُّوَرِ فِي بَيْتِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- وَبُيُوتِ أَصْحَابِهِ، وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ تَعَامُلُهُمْ بِالدَّنَانِيرِ الرُّومِيَّةِ وَالدَّرَاهِمِ الْفَارِسِيَّةِ دُونَ نَكِيرٍ، وَبِالْأَحْوَالِ الْفَرْدِيَّةِ لِلِاسْتِعْمَالِ الْوَاقِعِ مِنْهُمْ مِمَّا يَرِدُ ذِكْرُهُ فِي تَضَاعِيفِ هَذَا الْبَحْثِ، دُونَ تَأْوِيلٍ.

وَقَدْ نَقَلَ الْأَلُوسِيُّ هَذَا الْقَوْلَ فِي تَفْسِيرِهِ عِنْدَ تَفْسِيرِ الْآيَةِ «13» مِنْ سُورَةِ سَبَأٍ، حَيْثُ ذَكَرَ أَنَّ النَّحَّاسَ وَمَكِّيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَابْنَ الْفَرَسِ نَقَلُوهُ عَنْ قَوْمٍ وَلَمْ يُعَيِّنْهُمْ.مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ يُغْفِلُ ذِكْرَهُ الْفُقَهَاءُ فِي كُتُبِهِمُ الْمُطَوَّلَةِ وَالْمُخْتَصَرَةِ، وَيَقْتَصِرُونَ فِي ذِكْرِ الْخِلَافِ عَلَى الْأَقْوَالِ الْآتِيَةِ:

22- الْقَوْلُ الثَّانِي:

وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضِ السَّلَفِ، وَوَافَقَهُمُ ابْنُ حَمْدَانَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ، أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ مِنَ التَّصَاوِيرِ إِلاَّ مَا جَمَعَ الشُّرُوطَ الْآتِيَةَ:

الشَّرْطُ الْأَوَّلُ: أَنْ تَكُونَ صُورَةُ الْإِنْسَانِ أَوِ الْحَيَوَانِ مِمَّا لَهُ ظِلٌّ، أَيْ تَكُونُ تِمْثَالًا مُجَسَّدًا، فَإِنْ كَانَتْ مُسَطَّحَةً لَمْ يَحْرُمْ عَمَلُهَا، وَذَلِكَ كَالْمَنْقُوشِ فِي جِدَارٍ، أَوْ وَرَقٍ، أَوْ قُمَاشٍ.بَلْ يَكُونُ مَكْرُوهًا.وَمِنْ هُنَا نَقَلَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ تَصْوِيرَ مَا لَهُ ظِلٌّ حَرَامٌ.

الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ كَامِلَةَ الْأَعْضَاءِ، فَإِنْ كَانَتْ نَاقِصَةَ عُضْوٍ مِمَّا لَا يَعِيشُ الْحَيَوَانُ مَعَ فَقْدِهِ لَمْ يَحْرُمْ، كَمَا لَوْ صَوَّرَ الْحَيَوَانَ مَقْطُوعَ الرَّأْسِ أَوْ مَخْرُوقَ الْبَطْنِ أَوِ الصَّدْرِ.

الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَصْنَعَ الصُّورَةَ مِمَّا يَدُومُ مِنَ الْحَدِيدِ أَوِ النُّحَاسِ أَوِ الْحِجَارَةِ أَوِ الْخَشَبِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنْ صَنَعَهَا مِمَّا لَا يَدُومُ كَقِشْرِ بِطِّيخٍ أَوْ عَجِينٍ لَمْ يَحْرُمْ؛ لِأَنَّهُ إِذَا نَشَفَ تَقَطَّعَ.عَلَى أَنَّ فِي هَذَا النَّوْعِ عِنْدَهُمْ خِلَافًا، فَقَدْ قَالَ الْأَكْثَرُ مِنْهُمْ: يَحْرُمُ وَلَوْ كَانَ مِمَّا لَا يَدُومُ.

وَنُقِلَ قَصْرُ التَّحْرِيمِ عَلَى ذَوَاتِ الظِّلِّ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَيْضًا كَمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ.

وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: الْمُرَادُ بِالصُّورَةِ أَيِ: الْمُحَرَّمَةِ مَا كَانَ لَهَا جِسْمٌ مَصْنُوعٌ لَهُ طُولٌ وَعَرْضٌ وَعُمْقٌ.

23- الْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَحْرُمُ تَصْوِيرُ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ مُطْلَقًا، أَيْ سَوَاءٌ أَكَانَ لِلصُّورَةِ ظِلٌّ أَوْ لَمْ يَكُنْ.وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.وَتَشَدَّدَ النَّوَوِيُّ حَتَّى ادَّعَى الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ.وَفِي دَعْوَى الْإِجْمَاعِ نَظَرٌ يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي.وَقَدْ شَكَّكَ فِي صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ ابْنُ نُجَيْمٍ كَمَا فِي الطَّحْطَاوِيِّ عَلَى الدُّرِّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ لَا يَرَوْنَ تَحْرِيمَ الصُّوَرِ الْمُسَطَّحَةِ.لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ.

وَهَذَا التَّحْرِيمُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ هُوَ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ.وَيُسْتَثْنَى عِنْدَهُمْ بَعْضُ الْحَالَاتِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا أَوِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا مِمَّا سَيُذْكَرُ فِيمَا بَعْدُ.

- وَالتَّصْوِيرُ الْمُحَرَّمُ صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ مِنَ الْكَبَائِرِ.قَالُوا: لِمَا فِي الْحَدِيثِ مِنَ التَّوَعُّدِ عَلَيْهِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ».

أَدِلَّةُ الْقَوْلَيْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ بِتَحْرِيمِ التَّصْوِيرِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ:

24- اسْتَنَدَ الْعُلَمَاءُ فِي تَحْرِيمِ التَّصْوِيرِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ إِلَى الْأَحَادِيثِ التَّالِيَةِ:

الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ عَائِشَةَ- رضي الله عنها- قَالَتْ: «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- مِنْ سَفَرٍ، وَقَدْ سَتَرْتُ سَهْوَةً لِي بِقِرَامٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- هَتَكَهُ، وَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ.فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ: أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ.قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَطَعْنَاهُ فَجَعَلْنَا مِنْهُ وِسَادَةً أَوْ وِسَادَتَيْنِ».وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ».وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ: «إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ».

وَفِي رِوَايَةٍ: «إِنَّهَا قَالَتْ: فَأَخَذْتُ السِّتْرَ فَجَعَلْتُهُ مِرْفَقَةً أَوْ مِرْفَقَتَيْنِ، فَكَانَ يَرْتَفِقُ بِهِمَا فِي الْبَيْتِ».وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا.

هَذَا وَإِنَّ قَوْلَهُ- صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ أَيْضًا مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ- رضي الله عنه-.وَقَوْلُهُ: «إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» رَوَيَاهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ- رضي الله عنهما-.

الْحَدِيثُ الثَّانِي:

عَنْ عَائِشَةَ- رضي الله عنها- قَالَتْ: «وَاعَدَ رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- جِبْرِيلُ أَنْ يَأْتِيَهُ فِي سَاعَةٍ، فَجَاءَتْ تِلْكَ السَّاعَةُ وَلَمْ يَأْتِهِ.قَالَتْ: وَكَانَ بِيَدِهِ عَصًا فَطَرَحَهَا، وَهُوَ يَقُولُ: مَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَا رُسُلَهُ.ثُمَّ الْتَفَتَ، فَإِذَا جَرْوُ كَلْبٍ تَحْتَ سَرِيرٍ، فَقَالَ: مَتَى دَخَلَ هَذَا الْكَلْبُ؟ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ مَا دَرَيْتُ بِهِ.فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-: وَعَدْتنِي فَجَلَسْتُ لَكَ وَلَمْ تَأْتِنِي؟ فَقَالَ: مَنَعَنِي الْكَلْبُ الَّذِي كَانَ فِي بَيْتِكَ.إِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ».وَرَوَتْ مَيْمُونَةُ- رضي الله عنها- حَادِثَةً مِثْلَ هَذِهِ، وَفِيهَا قَوْلُ جِبْرِيلَ: «إِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ».وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ- رضي الله عنه- أَنَّ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- أَخْبَرَهُ بِحَادِثَةِ جِبْرِيلَ، وَمَا قَالَ لَهُ.وَرَوَى الْقِصَّةَ أَيْضًا أَبُو هُرَيْرَةَ- رضي الله عنه-.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- رضي الله عنه- «أَنَّهُ دَخَلَ دَارًا تُبْنَى بِالْمَدِينَةِ لِسَعِيدٍ، أَوْ لِمَرْوَانَ، فَرَأَى مُصَوِّرًا يُصَوِّرُ فِي الدَّارِ، فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً».

الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ- رضي الله عنهما- أَنَّهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنِّي رَجُلٌ أُصَوِّرُ هَذِهِ الصُّوَرَ فَأَفْتِنِي فِيهَا.فَقَالَ: ادْنُ مِنِّي، فَدَنَا مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: ادْنُ مِنِّي، فَدَنَا مِنْهُ، حَتَّى وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَقَالَ: أُنَبِّئُكَ بِمَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-.سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: «كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ، يُجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسًا، فَيُعَذِّبُهُ فِي جَهَنَّمَ» ثُمَّ قَالَ: إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَاصْنَعِ الشَّجَرَ وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ.

الْحَدِيثُ الْخَامِسُ:

«عَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ الْأَسَدِيِّ أَنَّ عَلِيًّا- رضي الله عنه- قَالَ لَهُ: أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-: أَلاَّ تَدَعَ صُورَةً إِلاَّ طَمَسْتَهَا، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلاَّ سَوَّيْتَهُ».

تَعْلِيلُ تَحْرِيمِ التَّصْوِيرِ:

25- اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي عِلَّةِ تَحْرِيمِ التَّصْوِيرِ عَلَى وُجُوهٍ:

الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ مَا فِي التَّصْوِيرِ مِنْ مُضَاهَاةِ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَصْلُ التَّعْلِيلِ بِذَلِكَ وَارِدٌ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ، كَلَفْظِ حَدِيثِ عَائِشَةَ- رضي الله عنها-: «الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ» وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ- رضي الله عنه-: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي» وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ حَدِيثُ: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ»

وَحَدِيثِ: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ.يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ».وَمِمَّا يُكَدِّرُ عَلَى التَّعْلِيلِ بِهَذَا أَمْرَانِ:

الْأَوَّلُ: أَنَّ التَّعْلِيلَ بِهَذَا يَقْتَضِي مَنْعَ تَحْرِيمِ تَصْوِيرِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْجِبَالِ وَالشَّجَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ.

وَالثَّانِي: أَنَّ التَّعْلِيلَ بِذَلِكَ يَقْتَضِي أَيْضًا مَنْعَ تَصْوِيرِ لُعَبِ الْبَنَاتِ وَالْعُضْوِ الْمَقْطُوعِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا اسْتَثْنَاهُ الْعُلَمَاءُ مِنْ قَضِيَّةِ التَّحْرِيمِ- مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالتَّعْلِيلِ بِهَذِهِ الْعِلَّةِ مِنْ صُنْعِ الصُّورَةِ مُتَحَدِّيًا قُدْرَةَ الْخَالِقِ عَزَّ وَجَلَّ وَرَأَى أَنَّهُ قَادِرٌ أَنْ يَخْلُقَ كَخَلْقِهِ، فَيُرِيَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَجْزَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بِأَنْ يُكَلِّفَهُ أَنْ يَنْفُخَ الرُّوحَ فِي تِلْكَ الصُّوَرِ.

قَالَ النَّوَوِيُّ: أَمَّا رِوَايَةُ «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا» فَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَنْ فَعَلَ الصُّورَةَ لِتُعْبَدَ، وَقِيلَ: هِيَ فِيمَنْ قَصَدَ الْمَعْنَى الَّذِي فِي الْحَدِيثِ مِنْ مُضَاهَاةِ خَلْقِ اللَّهِ، وَاعْتَقَدَ ذَلِكَ، فَهَذَا كَافِرٌ لَهُ مِنْ أَشَدِّ الْعَذَابِ مَا لِلْكُفَّارِ، وَيَزِيدُ عَذَابُهُ بِزِيَادَةِ كُفْرِهِ «.

وَيَتَأَيَّدُ التَّعْلِيلُ بِهَذَا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ شَبِيهًا بِذَلِكَ فِي حَقِّ مَنِ ادَّعَى أَنَّهُ يُنَزِّلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَأَنَّهُ لَا أَحَدَ أَظْلَم مِنْهُ، فَقَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} فَهَذَا فِيمَنِ ادَّعَى مُسَاوَاةَ الْخَالِقِ فِي أَمْرِهِ وَوَحْيِهِ، وَالْأَوَّلُ فِيمَنِ ادَّعَى مُسَاوَاتَهُ فِي خَلْقِهِ، وَكِلَاهُمَا مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا.

وَمِمَّا يُحَقِّقُ هَذَا مَا تُوحِي بِهِ رِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ- رضي الله عنه- أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي» فَإِنَّ «ذَهَبَ» بِمَعْنَى قَصَدَ، بِذَلِكَ فَسَّرَهَا ابْنُ حَجَرٍ.وَبِذَلِكَ يَكُونُ مَعْنَاهَا أَنَّهُ أَظْلَمُ النَّاسِ بِهَذَا الْقَصْدِ، وَهُوَ أَنْ يَقْصِدَ أَنْ يَخْلُقَ كَخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى.

وَنَقَلَ الْجَصَّاصُ قَوْلًا أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ «مَنْ شَبَّهَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ».

موسوعة الفقه الكويتية-وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت-صدرت بدءًا من: 1404هـ/1984م


4-موسوعة الفقه الكويتية (زكاة 9)

زَكَاة -9

مَا يَنْبَغِي لِمُخْرِجِ الزَّكَاةِ مُرَاعَاتُهُ فِي الْإِخْرَاجِ:

133- أ- يُسْتَحَبُّ لِلْمُزَكِّي إِخْرَاجُ الْجَيِّدِ مِنْ مَالِهِ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي حَقِّهِ الْوَسَطُ، وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَاتَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} وَقَوْلِهِ: {لَنْتَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}.

134- ب- إِظْهَارُ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ وَإِعْلَانُهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: جَعَلَ اللَّهُ صَدَقَةَ السِّرِّ فِي التَّطَوُّعِ تَفْضُلُ عَلَانِيَتَهَا، يُقَالُ: بِسَبْعِينَ ضِعْفًا، وَجَعَلَ صَدَقَةَ الْفَرِيضَةِ عَلَانِيَتَهَا أَفْضَلَ مِنْ سِرِّهَا، يُقَالُ: بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ ضِعْفًا، قَالَ: وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ فِي الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا.

وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ إِظْهَارَ الْوَاجِبِ أَفْضَلُ.ا هـ.وَأَمَّا قوله تعالى: {إِنْ تُبْدُواالصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} فَهُوَ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، نَظِيرُهَا الصَّلَاةُ، تَطَوُّعُهَا فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ، وَفَرِيضَتُهَا فِي الْمَسْجِدِ وَمَعَ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ.

135- ج- الْحَذَرُ مِنَ الْمَنِّ وَالرِّيَاءِ وَالْأَذَى، وَهَذِهِ الْأُمُورُ مُحَرَّمَةٌ فِي كُلِّ مَا يُخْرَجُ مِنَ الْمَالِ مِمَّا يُقْصَدُ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى، وَتُحْبِطُ الْأَجْرَ لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُواصَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى}.وَمِنْ هُنَا اسْتَحَبَّ الْمَالِكِيَّةُ لِلْمُزَكِّي أَنْ يَسْتَنِيبَ مَنْ يُخْرِجُهَا خَوْفَ قَصْدِ الْمَحْمَدَةِ.

ج- اخْتِيَارُ الْمُزَكِّي مَنْ يُعْطِيهِ الزَّكَاةَ:

136- إِعْطَاءُ الْمُسْتَحِقِّينَ الزَّكَاةَ لَيْسَ بِدَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الْفَضْلِ، بَلْ يَتَمَايَزُ.

فَقَدْ نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ لِلْمُزَكِّي إِيثَارُ الْمُضْطَرِّ أَيِ الْمُحْتَاجِ، عَلَى غَيْرِهِ، بِأَنْ يُزَادَ فِي إِعْطَائِهِ مِنْهَا دُونَ عُمُومِ الْأَصْنَافِ.

د- أَنْ لَا يُخْبِرَ الْمُزَكِّي الْفَقِيرَ أَنَّهَا زَكَاةٌ:

137- قِيلَ لِأَحْمَدَ: يَدْفَعُ الرَّجُلُ زَكَاتَهُ إِلَى الرَّجُلِ، فَيَقُولُ: هَذَا مِنَ الزَّكَاةِ، أَوْ يَسْكُتُ؟ قَالَ: وَلِمَ يُبَكِّتْهُ بِهَذَا الْقَوْلِ؟ يُعْطِيهِ وَيَسْكُتُ، مَا حَاجَتُهُ إِلَى أَنْ يُقَرِّعَهُ؟ وَهَذَا يَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ وَبِهِ صَرَّحَ اللَّقَانِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ قَالَ: لِمَا فِيهِ مِنْ كَسْرِ قَلْبِ الْفَقِيرِ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: لَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ بِلِسَانِهِ شَيْئًا، كَالْهِبَةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ.قَالَ: وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ إِذَا دَفَعَهَا إِلَى الْمُسْتَحِقِّ وَلَمْ يَقُلْ هِيَ زَكَاةٌ، وَلَا تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ أَصْلًا فَإِنَّهَا تُجْزِئُهُ وَتَقَعُ زَكَاةً.لَكِنْ قَالَ الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ أَعْطَاهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُ أَنَّهَا زَكَاةٌ فَبَانَ الْآخِذُ غَنِيًّا لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ.

التَّوْكِيلُ فِي أَدَاءِ الزَّكَاةِ:

138- يَجُوزُ لِلْمُزَكِّي أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ فِي أَدَاءِ زَكَاتِهِ، سَوَاءٌ فِي إِيصَالِهَا لِلْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، أَوْ فِي أَدَائِهَا إِلَى الْمُسْتَحِقِّ، سَوَاءٌ عَيَّنَ ذَلِكَ الْمُسْتَحِقَّ أَوْ فَوَّضَ تَعْيِينَهُ إِلَى الْوَكِيلِ.

وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ إِخْرَاجَ الْمُزَكِّي الزَّكَاةَ بِنَفْسِهِ أَفْضَلُ مِنَ التَّوْكِيلِ؛ لِأَنَّهُ بِفِعْلِ نَفْسِهِ أَوْثَقُ.

وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: التَّوْكِيلُ أَفْضَلُ خَشْيَةَ قَصْدِ الْمَحْمَدَةِ، وَيَجِبُ لِمَنْ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ الْقَصْدَ، أَوْ يَجْهَلُ الْمُسْتَحِقِّينَ.قَالُوا: وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ صَرْفُهَا لِقَرِيبِ الْمُزَكِّي الَّذِي تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، فَإِنْ لَمْ تَلْزَمْهُ نَفَقَتُهُ كُرِهَ.

ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ كَانَ الْوَكِيلُ بَالِغًا عَاقِلًا، جَازَ التَّفْوِيضُ إِلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ سَفِيهًا لَمْ يَصِحَّ التَّوْكِيلُ، إِلاَّ إِنْ نَوَى الْمُوَكِّلُ وَعَيَّنَ لَهُ مَنْ يُعْطِيهِ الْمَالَ.

تَلَفُ الْمَالِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ:

139- مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ فَلَمْ يُخْرِجْهَا ثُمَّ ضَاعَ الْمَالُ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ، أَوْ تَلِفَ بِغَيْرِ فِعْلِ الْمُزَكِّي فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ:

فَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ تَلِفَ الْمَالُ سَقَطَتِ الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ جُزْءٌ مِنَ النِّصَابِ فَيَسْقُطُ بِهَلَاكِ مَحَلِّهِ، لَكِنْ إِنْ كَانَ هَلَاكُهُ بَعْدَ طَلَبِ السَّاعِي فَقِيلَ: يَضْمَنُ، وَقِيلَ: لَا يَضْمَنُ.

قَالُوا: وَإِذَا هَلَكَ بَعْضُ الْمَالِ يَسْقُطُ مِنَ الزَّكَاةِ بِقَدْرِهِ أَيْ بِنِسْبَةِ مَا هَلَكَ.

وَقَالُوا: إِنْ تَلِفَ مِنْ مَالِ الزَّكَاةِ بَعْدَ الْحَوْلِ مَا كَانَ بِهِ الْبَاقِي أَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ قَبْلَ إِمْكَانِ الْأَدَاءِ بِلَا تَفْرِيطٍ سَقَطَتِ الزَّكَاةُ، فَإِنْ أَمْكَنَ الْأَدَاءُ وَفَرَّطَ ضَمِنَ.

وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: إِنْ كَانَ ضَيَاعُهُ بِتَفْرِيطِهِ فِي حِفْظِهِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةُ كُلِّ الْمَالِ، وَكَذَا إِنْ فَرَّطَ فِي الْإِخْرَاجِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ، بِأَنْ وَجَدَ الْمُسْتَحِقَّ، سَوَاءٌ طَلَبَ الزَّكَاةَ أَمْ لَمْ يَطْلُبْهَا، لِتَقْصِيرِهِ بِحَبْسِ الْحَقِّ عَنْ مُسْتَحِقِّهِ.ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ لَمْ يَكُنْ فَرَّطَ زَكَّى الْبَاقِيَ فَقَطْ بِقِسْطِهِ، وَلَوْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ، عَلَى الْأَظْهَرِ عِنْدَهُمْ، فَلَوْ مَلَكَ خَمْسًا مِنَ الْإِبِلِ فَتَلِفَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ فَفِي الْبَاقِي 5/ 4 شَاةٍ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الثَّانِي.

وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ- وَهُوَ قَوْلٌ آخَرُ لِلشَّافِعِيَّةِ: إِنْ كَانَ الْبَاقِي أَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ سَقَطَتِ الزَّكَاةُ.

وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: يَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاةُ كُلِّ الْمَالِ، حَتَّى لَوْ ضَاعَ كُلُّهُ بَعْدَ الْحَوْلِ فَالزَّكَاةُ فِي ذِمَّتِهِ لَا تَسْقُطُ إِلاَّ بِالْأَدَاءِ، لِأَنَّهَا حَقٌّ لِلْفُقَرَاءِ وَمَنْ مَعَهُمْ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِمْ، كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ.

تَلَفُ الزَّكَاةِ بَعْدَ عَزْلِهَا:

140- لَوْ عَزَلَ الزَّكَاةَ وَنَوَى أَنَّهَا زَكَاةُ مَالِهِ فَتَلِفَتْ فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ صُورَةَ مَا لَوْ عَزَلَ الزَّكَاةَ فَتَلِفَ الْمَالُ وَبَقِيَتِ الزَّكَاةُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إِخْرَاجُهَا وَلَا تَسْقُطُ بِتَلَفِ الْمَالِ.

الْقِسْمُ الرَّابِعُ: جَمْعُ الْإِمَامِ وَنُوَّابِهِ لِلزَّكَاةِ:

141- لِلْإِمَامِ حَقُّ أَخْذِ الزَّكَاةِ مِنَ الْمَالِ الَّذِي وَجَبَتْ فِيهِ (عَلَى خِلَافٍ فِي بَعْضِ الْأَمْوَالِ يَأْتِي بَيَانُهُ).وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- وَالْخَلِيفَتَانِ بَعْدَهُ يَأْخُذُونَ الزَّكَاةَ مِنْ كُلِّ الْأَمْوَالِ، إِلَى أَنْ فَوَّضَ عُثْمَانُ- رضي الله عنه- فِي خِلَافَتِهِ أَدَاءَ الزَّكَاةِ عَنِ الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ إِلَى مُلاَّكِهَا، كَمَا يَأْتِي.

وَدَلِيلُ ذَلِكَ قوله تعالى لِنَبِيِّهِ- صلى الله عليه وسلم-: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} وَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ- رضي الله عنه-: وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ وَاتَّفَقَ الصَّحَابَةُ عَلَى ذَلِكَ.

وَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَخْذُ الزَّكَاةِ مِمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ، فَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ بَعْثُ السُّعَاةِ لِأَخْذِ الصَّدَقَاتِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- وَالْخُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِهِ كَانُوا يَبْعَثُونَ السُّعَاةَ، وَلِأَنَّ فِي النَّاسِ مَنْ يَمْلِكُ الْمَالَ وَلَا يَعْرِفُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْخَلُ.وَالْوُجُوبُ هُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الْمَالِكِيَّةِ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً}.

وَاَلَّذِينَ رَخَّصُوا لِلْإِمَامِ فِي عَدَمِ أَخْذِ الزَّكَاةِ مِنْ جَمِيعِ الْأَمْوَالِ أَوْ مِنْ بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ، إِنَّمَا هُوَ إِذَا عَلِمَ الْإِمَامُ أَنَّهُمْ إِذَا لَمْ يَأْخُذْهَا مِنْهُمْ أَخْرَجُوهَا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ، أَمَّا لَوْ عَلِمَ أَنَّ إِنْسَانًا مِنَ النَّاسِ أَوْ جَمَاعَةً مِنْهُمْ لَا يُخْرِجُونَ الزَّكَاةَ فَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَخْذُهَا مِنْهُمْ وَلَوْ قَهْرًا، كَمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَةَ لِحِرَاسَةِ الدِّينِ وَسِيَاسَةِ الدُّنْيَا، وَمَنْعُ الزَّكَاةِ هَدْمٌ لِرُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الدِّينِ.

حُكْمُ دَفْعِ الزَّكَاةِ إِلَى الْإِمَامِ الْعَادِلِ:

142- الْمُرَادُ بِالْإِمَامِ الْعَادِلِ هُنَا مَنْ يَأْخُذُ الزَّكَاةَ بِحَقِّهَا، وَيُعْطِيهَا لِمُسْتَحِقِّهَا، وَلَوْ كَانَ جَائِرًا فِي غَيْرِ ذَلِكَ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ.

وَمَنْ دَفَعَ زَكَاةَ مَالِهِ إِلَى الْإِمَامِ الْعَادِلِ جَازَ، وَأَجْزَأَتْ عَنْهُ اتِّفَاقًا.

وَلَوْ كَانَ بِإِمْكَانِهِ دَفْعُهَا إِلَى الْإِمَامِ وَتَفْرِيقُهَا بِنَفْسِهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ:

فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَهُوَ الْقَدِيمُ مِنْ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، إِلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ، وَهِيَ الزُّرُوعُ، وَالْمَوَاشِي، وَالْمَعَادِنِ، وَنَحْوِهَا، وَبَيْنَ الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ وَهِيَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَالتِّجَارَاتُ.

فَأَمَّا الظَّاهِرَةُ فَيَجِبُ دَفْعُهَا إِلَى الْإِمَامِ، لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ طَالَبَهُمْ بِالزَّكَاةِ وَقَاتَلَهُمْ عَلَيْهَا، وَوَافَقَهُ الصَّحَابَةُ عَلَى هَذَا، فَلَيْسَ لِلْمُزَكِّي إِخْرَاجُهَا بِنَفْسِهِ، حَتَّى لَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ لَوْ أَخْرَجَهَا كَذَلِكَ لَمْ تُجْزِئْهُ.

وَلِأَنَّ مَا لِلْإِمَامِ قَبْضُهُ بِحُكْمِ الْوِلَايَةِ لَا يَجُوزُ دَفْعُهُ إِلَى الْمُوَلَّى عَلَيْهِ، كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ.

وَأَمَّا زَكَاةُ الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ فَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: لِلْإِمَامِ طَلَبُهَا، وَحَقُّهُ ثَابِتٌ فِي أَخْذِ الزَّكَاةِ مِنْ كُلِّ مَالٍ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، لِلْآيَةِ.وَمَا فَعَلَهُ عُثْمَانُ- رضي الله عنه- أَنَّهُ فَوَّضَ إِلَى الْمُلاَّكِ زَكَاةَ الْمَالِ الْبَاطِنِ، فَهُمْ نُوَّابُهُ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا لَا يُسْقِطُ طَلَبَ الْإِمَامِ أَصْلًا، وَلِهَذَا لَوْ عَلِمَ أَنَّ أَهْلَ بَلْدَةٍ لَا يُؤَدُّونَ زَكَاتَهُمْ طَالَبَهُمْ بِهَا.فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَطْلُبْهَا لَمْ يَجِبِ الدَّفْعُ إِلَيْهِ.

وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: زَكَاةُ الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ مُفَوَّضَةٌ لِأَرْبَابِهَا، فَلِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يُوصِلَهَا إِلَى الْفُقَرَاءِ وَسَائِرِ الْمُسْتَحِقِّينَ بِنَفْسِهِ.وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ الْجَدِيدُ الْمُعْتَمَدُ مِنْ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ: إِلَى أَنَّ الدَّفْعَ إِلَى الْإِمَامِ غَيْرُ وَاجِبٍ فِي الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ عَلَى السَّوَاءِ، فَيَجُوزُ لِلْمَالِكِ صَرْفُهَا إِلَى الْمُسْتَحِقِّينَ مُبَاشَرَةً، قِيَاسًا لِلظَّاهِرَةِ عَلَى الْبَاطِنَةِ، وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ إِيصَالَ الْحَقِّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ الْجَائِزِ تَصَرُّفُهُ، فَيُجْزِئُهُ، كَمَا لَوْ دَفَعَ الدَّيْنَ إِلَى غَرِيمِهِ مُبَاشَرَةً، وَأَخْذُ الْإِمَامِ لَهَا إِنَّمَا هُوَ بِحُكْمِ النِّيَابَةِ عَنْ مُسْتَحِقِّهَا، فَإِذَا دَفَعَهَا إِلَيْهِمْ جَازَ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ رُشْدٍ.

ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْأَظْهَرِ: الصَّرْفُ إِلَى الْإِمَامِ أَفْضَلُ مِنْ تَفْرِيقِهَا بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِالْمُسْتَحِقِّينَ، وَأَقْدَرُ عَلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمْ، وَبِهِ يَبْرَأُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.

ثُمَّ قَالَ الْحَنَابِلَةُ: تَفْرِقَتُهَا بِنَفْسِهِ، أَوْلَى وَأَفْضَلُ مِنْ دَفْعِهَا إِلَى الْإِمَامِ، لِأَنَّهُ إِيصَالٌ لِلْحَقِّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ، فَيَسْلَمُ عَنْ خَطَرِ الْخِيَانَةِ مِنَ الْإِمَامِ أَوْ عُمَّالِهِ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ مُبَاشَرَةَ تَفْرِيجِ كُرْبَةِ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا، وَفِيهِ تَوْفِيرٌ لِأَجْرِ الْعِمَالَةِ، مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ إِعْطَاءِ مَحَاوِيجِ أَقْرِبَائِهِ، وَذَوِي رَحِمِهِ، وَصِلَتِهِمْ بِهَا، إِلاَّ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَثِقْ بِأَمَانَةِ نَفْسِهِ فَالْأَفْضَلُ لَهُ دَفْعُهَا إِلَى السَّاعِي، لِئَلاَّ يَمْنَعَهُ الشُّحُّ مِنْ إِخْرَاجِهَا.

أَمَّا لَوْ طَلَبَ الْإِمَامُ الْعَادِلُ الزَّكَاةَ فَإِنَّهُ يَجِبُ الدَّفْعُ إِلَيْهِ اتِّفَاقًا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَالُ ظَاهِرًا أَوْ بَاطِنًا، وَالْخِلَافُ فِي اسْتِحْقَاقِهِ جَمْعَ زَكَاةِ الْمَالِ الْبَاطِنِ لَا يُبِيحُ مَعْصِيَتَهُ فِي ذَلِكَ إِنْ طَلَبَهُ، لِأَنَّ الْمَوْضِعَ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ، وَأَمْرُ الْإِمَامِ يَرْفَعُ الْخِلَافَ كَحُكْمِ الْقَاضِي، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ.

وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الْإِمَامَ الْعَدْلَ إِنْ طَلَبَهَا فَادَّعَى الْمَالِكُ إِخْرَاجَهَا لَمْ يُصَدَّقْ.

دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَى الْأَئِمَّةِ الْجَائِرِينَ، وَإِلَى الْبُغَاةِ:

143- إِنْ أَخَذَ الْإِمَامُ الْجَائِرُ الزَّكَاةَ قَهْرًا أَجْزَأَتْ عَنْ صَاحِبِهَا.

وَكَذَا إِنْ أَكْرَهَ الْإِمَامُ الْمُزَكِّيَ فَخَافَ الضَّرَرَ إِنْ لَمْ يَدْفَعْهَا إِلَيْهِ.

وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الِامْتِنَاعِ عَنْ دَفْعِهَا إِلَى الْإِمَامِ الْجَائِرِ، أَوْ عَلَى إِخْفَاءِ مَالِهِ، أَوْ إِنْكَارِ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ:

فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ دَفْعِهَا إِلَى الْإِمَامِ حِينَئِذٍ، وَأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ عَنْ دَافِعِهَا عَلَى التَّفْصِيلِ التَّالِي:

فَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا أَخَذَ الْخَوَارِجُ وَالسَّلَاطِينُ الْجَائِرُونَ زَكَاةَ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ كَزَكَاةِ السَّوَائِمِ وَالزُّرُوعِ وَمَا يَأْخُذُهُ الْعَاشِرُ، فَإِنْ صَرَفُوهُ فِي مَصَارِفِهِ الْمَشْرُوعَةِ فَلَا إِعَادَةَ عَلَى الْمُزَكِّي، وَإِلاَّ فَعَلَى الْمُزَكِّي فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى إِعَادَةُ إِخْرَاجِهَا.وَفِي حَالَةِ كَوْنِ الْآخِذِ لَهَا الْبُغَاةَ لَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُطَالِبَ أَصْحَابَ الْأَمْوَالِ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْمِهِمْ مِنَ الْبُغَاةِ، وَالْجِبَايَةُ بِالْحِمَايَةِ، وَيُفْتَى الْبُغَاةُ بِأَنْ يُعِيدُوا مَا أَخَذُوهُ مِنَ الزَّكَاةِ.

وَأَمَّا الْأَمْوَالُ الْبَاطِنَةُ فَلَا يَصِحُّ دَفْعُهَا إِلَى السُّلْطَانِ الْجَائِرِ.

وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ دَفَعَهَا إِلَى السُّلْطَانِ الْجَائِرِ اخْتِيَارًا، فَدَفَعَهَا السُّلْطَانُ لِمُسْتَحِقِّهَا أَجْزَأَتْ عَنْهُ، وَإِلاَّ لَمْ تُجْزِئْهُ.فَإِنْ طَلَبَهَا الْجَائِرُ فَعَلَى رَبِّهَا جَحْدُهَا وَالْهَرَبُ بِهَا مَا أَمْكَنَ، فَإِنْ أَكْرَهَهُ جَازَ.

وَهَذَا إِنْ كَانَ جَائِرًا فِي أَخْذِهَا أَوْ صَرْفِهَا، وَسَوَاءٌ كَانَتْ مِنَ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ أَوِ الْبَاطِنَةِ.

أَمَّا إِنْ كَانَ عَادِلًا فِيهَا وَجَائِرًا فِي غَيْرِهَا، فَيَجُوزُ الدَّفْعُ إِلَيْهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ.

أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ إِنْ طَلَبَ الْإِمَامُ الْجَائِرُ زَكَاةَ الْمَالِ الْبَاطِنِ، فَصَرْفُهَا إِلَيْهِ أَفْضَلُ، وَكَذَا زَكَاةُ الْمَالِ الظَّاهِرِ سَوَاءٌ لَمْ يَطْلُبْهَا أَوْ طَلَبَهَا، وَفِي التُّحْفَةِ إِنْ طَلَبَهَا وَجَبَ الدَّفْعُ إِلَيْهِ.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ دَفْعَ الزَّكَاةِ إِلَى الْإِمَامِ الْجَائِرِ وَالْبُغَاةِ وَالْخَوَارِجِ إِذَا غَلَبُوا عَلَى الْبَلَدِ جَائِزٌ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنَ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ أَوِ الْبَاطِنَةِ.

وَيَبْرَأُ الْمُزَكِّي بِدَفْعِهَا إِلَيْهِمْ، سَوَاءٌ صَرَفَهَا الْإِمَامُ فِي مَصَارِفِهَا أَوْ لَا.وَاحْتَجُّوا بِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، مِنْهُمْ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَجَابِرٌ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُمْ.

إِرْسَالُ الْجُبَاةِ وَالسُّعَاةِ لِجَمْعِ الزَّكَاةِ وَصَرْفِهَا:

144- يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُرْسِلَ السُّعَاةَ لِقَبْضِ الزَّكَاةِ وَتَفْرِيقِهَا عَلَى مُسْتَحَقِّيهَا، وَقَدْ «كَانَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم- يُوَلِّي الْعُمَّالَ ذَلِكَ وَيَبْعَثُهُمْ إِلَى أَصْحَابِ الْأَمْوَالِ، فَقَدِ اسْتَعْمَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ- رضي الله عنه- عَلَيْهَا»، وَوَرَدَ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ ابْنَ اللُّتْبِيَّةِ.

وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ كَانُوا يُرْسِلُونَ سُعَاتِهِمْ لِقَبْضِهَا.

وَيُشْتَرَطُ فِي السَّاعِي مَا يَلِي:

1- أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، فَلَا يَسْتَعْمِلْ عَلَيْهَا كَافِرًا لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ، وَفِيهَا تَعْظِيمٌ لِلْوَالِي.

2- وَأَنْ يَكُونَ عَدْلًا، أَيْ ثِقَةً مَأْمُونًا، لَا يَخُونُ وَلَا يَجُورُ فِي الْجَمْعِ، وَلَا يُحَابِي فِي الْقِسْمَةِ.

3- وَأَنْ يَكُونَ فَقِيهًا فِي أُمُورِ الزَّكَاةِ، لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا يُؤْخَذُ وَمَا لَا يُؤْخَذُ، وَمُحْتَاجٌ إِلَى الِاجْتِهَادِ فِيمَا يَعْرِضُ لَهُ مِنْ وَقَائِعِ الزَّكَاةِ.

4- وَأَنْ يَكُونَ فِيهِ الْكِفَايَةُ، وَهِيَ الْقُدْرَةُ عَلَى الْقِيَامِ بِالْعَمَلِ وَضَبْطِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَبَرِ.

5- وَأَنْ لَا يَكُونَ مِنْ آلِ الْبَيْتِ، وَفِي هَذَا الشَّرْطِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ.

وَمَعْنَى اشْتِرَاطِهِ هُنَا عَدَمُ اسْتِحْقَاقِهِ لِلْأَخْذِ مِنْهَا مُقَابِلَ عَمَلِهِ فِيهَا، فَلَوْ عَمِلَ بِلَا أَجْرٍ أَوْ أُعْطِيَ أَجْرَهُ مِنْ مَالِ الْفَيْءِ أَوْ غَيْرِهِ جَازَ، وَ (ر: آل، جِبَايَة).

وَالسُّعَاةُ عَلَى الزَّكَاةِ أَنْوَاعٌ فَمِنْهُمُ الْجَابِي: وَهُوَ الْقَابِضُ لِلزَّكَاةِ، وَالْمُفَرِّقُ: وَهُوَ الْقَاسِمُ، وَالْحَاشِرُ: وَهُوَ الَّذِي يَجْمَعُ أَرْبَابَ الْأَمْوَالِ لِتُؤْخَذَ مِنْهُمُ الزَّكَاةُ، وَالْكَاتِبُ لَهَا.

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إِمَامٌ، أَوْ كَانَ الْإِمَامُ لَا يُرْسِلُ السُّعَاةَ لِجَبْيِ الزَّكَاةِ فَيَجِبُ عَلَى أَهْلِ الْأَمْوَالِ إِخْرَاجُهَا وَتَفْرِيقُهَا عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ الْحَقِّ فِيهَا وَالْإِمَامُ نَائِبٌ.

مَوْعِدُ إِرْسَالِ السُّعَاةِ:

145- الْأَمْوَالُ قِسْمَانِ: فَمَا كَانَ مِنْهَا لَا يُشْتَرَطُ لِزَكَاتِهِ الْحَوْلُ كَالزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ وَالْمَعَادِنِ، فَهَذَا يُرْسِلُ الْإِمَامُ سُعَاتَهُ وَقْتَ وُجُوبِهَا، فَفِي الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ عِنْدَ إِدْرَاكِهَا بِحَيْثُ يَصِلُهُمْ وَقْتَ الْجُذَاذِ وَالْحَصَادِ.

وَهَذَا فِي غَيْرِ الْخَرْصِ، أَمَّا الْخَارِصُ فَيُرْسَلُ عِنْدَ بَدْءِ ظُهُورِ الصَّلَاحِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: خَرْص).

وَمَا كَانَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْحَوْلُ كَالْمَوَاشِي: فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُعَيِّنَ لَهُمْ شَهْرًا مُعَيَّنًا مِنَ السَّنَةِ الْقَمَرِيَّةِ يُرْسِلُ إِلَيْهِمْ فِيهِ السَّاعِيَ كُلَّ عَامٍ.

حُقُوقُ الْعَامِلِينَ عَلَى الزَّكَاةِ:

146- الْعَامِلُ عَلَى الزَّكَاةِ يَجُوزُ إِعْطَاؤُهُ حَقَّهُ مِنَ الزَّكَاةِ نَفْسِهَا بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي السَّاعِي.

وَيَجُوزُ إِعْطَاؤُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.وَيَتَعَيَّنُ ذَلِكَ إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ، كَأَنْ يَكُونَ مِنْ آلِ الْبَيْتِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ، أَوْ يَكُونَ الْعَمَلُ مِمَّا لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ غَالِبًا كَالرَّاعِي وَالْحَارِسِ وَالسَّائِقِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: يُعْطَى الرَّاعِي وَالْحَارِسُ وَنَحْوُهُمَا مِنَ الزَّكَاةِ كَغَيْرِهِمْ مِنَ الْعَامِلِينَ.

وَلَيْسَ لِلسَّاعِي أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الزَّكَاةِ لِنَفْسِهِ شَيْئًا غَيْرَ الْأَجْرِ الَّذِي يُعْطِيهِ إِيَّاهُ الْإِمَامُ، لِمَا فِي حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ عَمِيرَةَ- رضي الله عنه- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى يَقُولُ: «مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ فَكَتَمَنَا مِخْيَطًا فَمَا فَوْقَهُ، كَانَ غُلُولًا يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

وَلَيْسَ لِلسَّاعِي أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ أَهْلِ الْأَمْوَالِ بِاسْمِ الْهَدِيَّةِ بِسَبَبِ وِلَايَتِهِ، وَإِنْ أَخَذَهُ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَكْتُمَهُ وَيَسْتَأْثِرَ بِهِ، لِمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ- رضي الله عنه- قَالَ: «اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم- رَجُلًا مِنَ الْأَزْدِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ لِي.قَالَ: فَهَلاَّ جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ- أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ، فَيَنْظُرَ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لَا؟ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا إِلاَّ جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ- ثُمَّ رَفَعَ بِيَدِهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَةَ إِبْطَيْهِ- اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، ثَلَاثًا».

دُعَاءُ السَّاعِي لِلْمُزَكِّي:

147- إِذَا أَخَذَ السَّاعِي الزَّكَاةَ اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَدْعُوَ لِلْمَالِكِ، لقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَاوَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} وَلِمَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى- رضي الله عنه- قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم- إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى».وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ: يَجِبُ ذَلِكَ، لِظَاهِرِ الْآيَةِ.وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ.وَإِنْ شَاءَ دَعَا بِغَيْرِ ذَلِكَ.وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ: لَا يَدْعُو بِالصَّلَاةِ عَلَى آلِ الْمُزَكِّي، بَلْ يَدْعُو بِغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ خَاصَّةٌ بِالْأَنْبِيَاءِ.

مَا يَصْنَعُ السَّاعِي بِالْمُمْتَنِعِ عَنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ:

148- قَالَ الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ كَانَ السَّاعِي جَائِرًا فِي أَخْذِ الزَّكَاةِ أَوْ صَرْفِهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعْزِيرُ مَنِ امْتَنَعَ أَوْ أَخْفَى مَالَهُ أَوْ غَلَبَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ أَوِ الْمُخْفِيَ يَكُونُ بِذَلِكَ مَعْذُورًا.أَمَّا إِنْ كَانَ السَّاعِي عَادِلًا فَإِنَّهُ يَأْخُذُهَا مِنَ الْمُمْتَنِعِ أَوِ الْمُخْفِي، وَيُعَزِّرُهُ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيمَا فَعَلَهُ شُبْهَةٌ مُعْتَبَرَةٌ.

وَلَوْ خَرَجَ عَلَى الْإِمَامِ قَوْمٌ فَلَمْ يَقْدِرِ السَّاعِي عَلَى أَخْذِ الزَّكَاةِ مِنْهُمْ حَتَّى مَضَتْ أَعْوَامٌ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَيْهِمْ، يُؤْخَذُونَ بِزَكَاةِ مَا وُجِدَ مَعَهُمْ حَالَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ لِمَاضِي الْأَعْوَامِ وَلِعَامِ الْقُدْرَةِ، وَإِنِ ادَّعَوْا أَنَّهُمْ أَخْرَجُوهَا يُصَدَّقُونَ، لَكِنْ إِنْ كَانَ خُرُوجُهُمْ لِمَنْعِهَا لَا يُصَدَّقُونَ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ.

مَا يَصْنَعُ السَّاعِي عِنْدَ اخْتِلَافِ الْحَوْلِ عَلَى الْمُلاَّكِ:

149- قَالَ النَّوَوِيُّ: إِذَا وَصَلَ السَّاعِي إِلَى أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ، فَإِنْ كَانَ حَوْلُ صَاحِبِ الْمَالِ قَدْ تَمَّ أَخَذَ مِنْهُ الزَّكَاةَ، وَإِنْ كَانَ حَوْلُ بَعْضِهِمْ لَمْ يَتِمَّ سَأَلَهُ السَّاعِي تَعْجِيلَ الزَّكَاةِ، وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَالِكِ إِجَابَتُهُ، فَإِنْ عَجَّلَهَا بِرِضَاهُ أَخَذَهَا مِنْهُ، وَإِلاَّ لَمْ يَجْبُرْهُ، ثُمَّ إِنْ رَأَى السَّاعِي الْمَصْلَحَةَ فِي أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يَأْخُذُهَا عِنْدَ حُلُولِهَا وَيُفَرِّقُهَا عَلَى أَهْلِهَا فَعَلَ.وَإِنْ رَأَى أَنْ يُؤَخِّرَهَا لِيَأْخُذَهَا مِنْهُ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ فَعَلَ، وَيَكْتُبُهَا كَيْ لَا يَنْسَاهَا أَوْ يَمُوتَ فَلَا يَعْلَمَهَا السَّاعِي الَّذِي بَعْدَهُ، وَإِنْ رَأَى أَنْ يَرْجِعَ فِي وَقْتِ حُلُولِهَا لِيَأْخُذَهَا فَعَلَ، وَإِنْ وَثِقَ بِصَاحِبِ الْمَالِ جَازَ أَنْ يُفَوِّضَ إِلَيْهِ تَفْرِيقَهَا.

وَتَقَدَّمَ أَنَّ وُصُولَ السَّاعِي شَرْطٌ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِنْ كَانَ هُنَاكَ سَاعٍ، فَهُوَ يُحَاسِبُهُمْ عَلَى مَا يَمْلِكُونَهُ يَوْمَ وُصُولِهِ إِلَيْهِمْ.

حِفْظُ الزَّكَاةِ:

150- عَلَى السَّاعِي الْمُحَافَظَةُ عَلَى مَالِ الزَّكَاةِ.وَهُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ حَتَّى يُوصِلَهُ إِلَى مُسْتَحَقِّيهِ، أَوْ يُوصِلَهُ إِلَى الْإِمَامِ إِنْ فَضَلَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَهُ فِي سَبِيلِ ذَلِكَ أَنْ يَتَّخِذَ حَارِسًا أَوْ رَاعِيًا وَنَحْوَهُمَا.

وَمِمَّا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ مِنْ وَسَائِلِ الْحِفْظِ وَسْمُ بَهَائِمِ الصَّدَقَةِ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ لِتَتَمَيَّزَ عَنْ غَيْرِهَا؛ وَلِئَلاَّ تَضِيعَ، وَيَسِمُهَا بِالنَّارِ بِعَلَامَةٍ خَاصَّةٍ، كَأَنْ تَكُونَ عَلَامَةُ الْوَسْمِ (لِلَّهِ) لِمَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ- رضي الله عنه- أَنَّهُ قَالَ: «وَافَيْتُ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- وَبِيَدِهِ الْمِيسَمُ يَسِمُ إِبِلَ الصَّدَقَةِ» وَلآِثَارٍ وَرَدَتْ مِنْ فِعْلِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ ( (.

بَيْتُ مَالِ الزَّكَاةِ:

151- عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَتَّخِذَ بَيْتًا لِأَمْوَالِ الزَّكَاةِ تُحْفَظُ فِيهِ وَتُضْبَطُ إِلَى أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ صَرْفِهَا لِأَهْلِهَا.وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: «بَيْتُ الْمَالِ».

تَصَرُّفَاتُ السَّاعِي فِي الزَّكَاةِ:

152- إِذَا قَبَضَ السَّاعِي الزَّكَاةَ يُفَرِّقُهَا عَلَى مُسْتَحَقِّيهَا مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ الَّتِي جَمَعَهَا فِيهَا إِنْ كَانَ الْإِمَامُ أَذِنَ لَهُ فِي تَفْرِيقِهَا، فَلَا يَنْقُلُهَا إِلَى أَبْعَدَ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، إِلاَّ أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا فُقَرَاءُ الْبَلَدِ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ عُمَرَ بَعَثَ مُعَاذًا- رضي الله عنه- إِلَى الْيَمَنِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ لَهُ: إِنِّي لَمْ أَبْعَثْكَ جَابِيًا وَلَا آخِذَ جِزْيَةٍ وَلَكِنْ بَعَثْتُكَ لِتَأْخُذَ مِنْ أَغْنِيَاءِ النَّاسِ فَتَرُدَّ فِي فُقَرَائِهِمْ.فَقَالَ مُعَاذٌ: أَنَا مَا بَعَثْتُ إِلَيْكَ بِشَيْءٍ وَأَنَا أَجِدُ أَحَدًا يَأْخُذُهُ مِنِّي.فَلَوْ نَقَلَهَا فِي غَيْرِ تِلْكَ الْحَالِ فَفِيهِ خِلَافٌ يَأْتِي.

وَلَيْسَ لِلسَّاعِي أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الزَّكَاةِ لِنَفْسِهِ عَلَى أَنَّهُ أَحَدُ أَصْنَافِ أَهْلِ الزَّكَاةِ، كَمَا لَوْ كَانَ غَارِمًا أَوْ فَقِيرًا.وَلَا يَأْخُذُ إِلاَّ مَا أَعْطَاهُ الْإِمَامُ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ؛ لِأَنَّهُ يَقْسِمُ فَلَا يَحْكُمُ لِنَفْسِهِ.

153- وَإِذَا تَلِفَ مِنْ مَالِ الزَّكَاةِ شَيْءٌ فِي يَدِ الْإِمَامِ أَوِ السَّاعِي ضَمِنَهُ إِنْ كَانَ ذَلِكَ بِتَفْرِيطٍ مِنْهُ بِأَنْ قَصَّرَ فِي حِفْظِهِ، وَكَذَا لَوْ عَرَفَ الْمُسْتَحِقِّينَ وَأَمْكَنَهُ التَّفْرِيقُ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى تَلِفَتْ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَتَعَدَّ وَلَمْ يُفَرِّطْ لَمْ يَضْمَنْ.

قَالَ النَّوَوِيُّ: يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ وَالسَّاعِي وَكُلِّ مَنْ يُفَوَّضُ إِلَيْهِ أَمْرُ تَفْرِيقِ الصَّدَقَاتِ أَنْ يَعْتَنِيَ بِضَبْطِ الْمُسْتَحِقِّينَ، وَمَعْرِفَةِ أَعْدَادِهِمْ، وَأَقْدَارِ حَاجَاتِهِمْ، بِحَيْثُ يَقَعُ الْفَرَاغُ مِنْ جَمْعِ الصَّدَقَاتِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ أَوْ مَعَهَا، لِيُعَجِّلَ حُقُوقَهُمْ، وَلِيَأْمَنَ هَلَاكَ الْمَالِ عِنْدَهُ.

وَتُصْرَفُ الزَّكَاةُ فِي الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ، وَلَا يَجُوزُ صَرْفُهَا إِلاَّ لِمَنْ جَمَعَ شُرُوطَ الِاسْتِحْقَاقِ، وَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ بِالتَّفْصِيلِ.

154- وَإِذَا أَخَذَ الْإِمَامُ أَوِ السَّاعِي الزَّكَاةَ فَاحْتَاجَ إِلَى بَيْعِهَا لِمَصْلَحَةٍ، مِنْ كُلْفَةٍ فِي نَقْلِهَا، أَوْ مَرَضِ الْبَهِيمَةِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ جَازَ، أَمَّا إِذَا بَاعَهَا لِغَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ الْجَوَازِ، وَالْبَيْعُ بَاطِلٌ، وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ إِنْ تَلِفَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ أَهْلَ الزَّكَاةِ أَهْلُ رُشْدٍ لَا وِلَايَةَ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُ مَالِهِمْ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ.

وَفِي احْتِمَالٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يَجُوزُ ذَلِكَ، لِمَا وَرَدَ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ «أَنَّ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- رَأَى فِي إِبِلِ الصَّدَقَةِ نَاقَةً كَوْمَاءَ، فَسَأَلَ عَنْهَا، فَقَالَ الْمُصَدِّقُ: إِنِّي ارْتَجَعْتُهَا بِإِبِلٍ، فَسَكَتَ» قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الرَّجْعَةُ أَنْ يَبِيعَهَا وَيَشْتَرِيَ بِثَمَنِهَا مِثْلَهَا أَوْ غَيْرَهَا.

نَصْبُ الْعَشَّارِينَ:

155- يَنْصِبُ الْإِمَامُ عَلَى الْمَعَابِرِ فِي طُرُقِ الْأَسْفَارِ عَشَّارِينَ لِلْجِبَايَةِ مِمَّنْ يَمُرُّ عَلَيْهِمْ بِالْمَالِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ وَأَهْلِ الْحَرْبِ إِذَا أَتَوْا بِأَمْوَالِهِمْ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ، فَيَأْخُذُ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ زَكَاةٍ، وَيَأْخُذُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ نِصْفَ الْعُشْرِ، وَيَأْخُذُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ الْعُشْرَ.وَاَلَّذِي يَأْخُذُهُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَأَهْلِ الْحَرْبِ فَيْءٌ حُكْمُهُ حُكْمُ الْجِزْيَةِ يُصْرَفُ فِي مَصَارِفِ الْفَيْءِ، وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (عُشْر).

أَمَّا مَا يَأْخُذُهُ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ زَكَاةٌ يُشْتَرَطُ لَهُ مَا يُشْتَرَطُ فِي سَائِرِ الْأَمْوَالِ الزَّكَوِيَّةِ وَيُصْرَفُ فِي مَصَارِفِ الزَّكَاةِ، إِلاَّ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْمَالِ وَإِنْ كَانَ فِي الْأَصْلِ مَالًا بَاطِنًا لَكِنَّهُ لَمَّا انْتَقَلَ صَاحِبُهُ بِهِ فِي الْبِلَادِ أَصْبَحَ فِي حُكْمِ الْمَالِ الظَّاهِرِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَابِدِينَ، وَلِذَا كَانَتْ وِلَايَةُ قَبْضِ زَكَاتِهِ إِلَى الْإِمَامِ، كَالسَّوَائِمِ وَالزُّرُوعِ.

وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِتَحْلِيفِ مَنْ يَمُرُّ عَلَى الْعَاشِرِ إِنْ أَنْكَرَ تَمَامَ الْحَوْلِ عَلَى مَا بِيَدِهِ، أَوِ ادَّعَى أَنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا يُسْقِطُ الزَّكَاةَ، فَإِنْ حَلَفَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَكَذَا إِنْ قَالَ أَدَّيْتُهَا إِلَى عَاشِرٍ آخَرَ وَأَخْرَجَ بَرَاءَةً (إيصَالًا رَسْمِيًّا بِهَا)، وَكَذَا إِنْ قَالَ أَدَّيْتُهَا بِنَفْسِي إِلَى الْفُقَرَاءِ فِي الْمِصْرِ.

وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَا مَعَهُ نِصَابًا فَأَكْثَرَ حَتَّى يَجِبَ الْأَخْذُ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَقَلُّ مِنْ نِصَابٍ وَلَهُ فِي الْمِصْرِ مَا يَكْمُلُ بِهِ النِّصَابُ فَلَا وِلَايَةَ لِلْعَاشِرِ عَلَى الْأَخْذِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَلَى الظَّاهِرِ فَقَطْ.

وَيُشْتَرَطُ فِي الْعَاشِرِ مَا يُشْتَرَطُ فِي السَّاعِي كَمَا تَقَدَّمَ وَأَنْ يَأْمَنَ الْمُسَافِرُونَ بِحِمَايَتِهِ مِنَ اللُّصُوصِ.

موسوعة الفقه الكويتية-وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت-صدرت بدءًا من: 1404هـ/1984م


5-موسوعة الفقه الكويتية (زكاة 12)

زَكَاة -12

دَفْعُ الزَّوْجِ زَكَاةَ مَالِهِ إِلَى زَوْجَتِهِ وَعَكْسُهُ:

178- لَا يُجْزِئُ الرَّجُلَ إِعْطَاءُ زَكَاةِ مَالِهِ إِلَى زَوْجَتِهِ.قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: هُوَ إِجْمَاعٌ، قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: لِأَنَّ الْمَنَافِعَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مُشْتَرَكَةٌ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ: لِأَنَّ نَفَقَتَهَا وَاجِبَةٌ عَلَى الزَّوْجِ، فَيَكُونُ كَالدَّافِعِ إِلَى نَفْسِهِ، وَمَحَلُّ الْمَنْعِ إِعْطَاؤُهَا الزَّكَاةَ لِتُنْفِقَهَا عَلَى نَفْسِهَا، فَأَمَّا لَوْ أَعْطَاهَا مَا تَدْفَعُهُ فِي دَيْنِهَا، أَوْ لِتُنْفِقَهُ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْمُسْتَحِقِّينَ، فَلَا بَأْسَ، عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ وَقَرِيبٌ مِنْهُ مَا قَالَ الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ الْمَمْنُوعَ إِعْطَاؤُهَا مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ أَوِ الْمَسَاكِينِ، أَمَّا مِنْ سَهْمٍ آخَرَ هِيَ مُسْتَحِقَّةٌ لَهُ فَلَا بَأْسَ، وَهُوَ مَا يُفْهَمُ أَيْضًا مِنْ كَلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ.

وَأَمَّا إِعْطَاءُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا زَكَاةَ مَالِهَا فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ: فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَصَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَاخْتِيَارُ ابْنِ الْمُنْذِرِ، إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ لِحَدِيثِ «زَيْنَبَ زَوْجَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ- رضي الله عنهما-، وَفِيهِ أَنَّهَا هِيَ وَامْرَأَةٌ أُخْرَى سَأَلَتَا النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم-: هَلْ تُجْزِئُ الصَّدَقَةُ عَنْهُمَا عَلَى أَزْوَاجِهِمَا، وَعَلَى أَيْتَامٍ فِي حِجْرِهِمَا؟ فَقَالَ: لَهُمَا أَجْرَانِ أَجْرُ الْقَرَابَةِ وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ».

وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: وَلِأَنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهَا نَفَقَةُ الزَّوْجِ، وَلِعُمُومِ آيَةِ مَصَارِفِ الزَّكَاةِ، إِذْ لَيْسَ فِي الزَّوْجِ إِذَا كَانَ فَقِيرًا نَصٌّ أَوْ إِجْمَاعٌ يَمْنَعُ إِعْطَاءَهُ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَهُوَ رِوَايَةٌ أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ: لَا يُجْزِئُ الْمَرْأَةَ أَنْ تُعْطِيَ زَوْجَهَا زَكَاتَهَا وَلَوْ كَانَتْ فِي عِدَّتِهَا مِنْ طَلَاقِهِ الْبَائِنِ وَلَوْ بِثَلَاثِ طَلَقَاتٍ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ مُشْتَرَكَةٌ، فَهِيَ تَنْتَفِعُ بِتِلْكَ الزَّكَاةِ الَّتِي تُعْطِيهَا لِزَوْجِهَا؛ وَلِأَنَّ الزَّوْجَ لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِ امْرَأَتِهِ، وَلَا تَصِحُّ شَهَادَتُهُ لَهَا.

وَقَالَ مَالِكٌ: لَا تُعْطِي الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا زَكَاةَ مَالِهَا.وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي مَعْنَى كَلَامِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: بِأَنَّ مُرَادَهُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ، وَقَالَ آخَرُونَ: بِإِجْزَائِهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ.

6- الْفَاسِقُ وَالْمُبْتَدِعُ:

179- ذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِهِ لِحَدِيثِ: «تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى كَافِرٍ» أَنَّ فِي إِعْطَاءِ الزَّكَاةِ لِلْعَاصِي خِلَافًا، وَقَدْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الزَّكَاةَ لَا تُعْطَى لِأَهْلِ الْمَعَاصِي إِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْمُعْطِي أَنَّهُمْ يَصْرِفُونَهَا فِي الْمَعْصِيَةِ، فَإِنْ أَعْطَاهُمْ عَلَى ذَلِكَ لَمْ تُجْزِئْهُ عَنِ الزَّكَاةِ، وَفِي غَيْرِ تِلْكَ الْحَالِ تَجُوزُ، وَتُجْزِئُ.

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَتَحَرَّى بِزَكَاتِهِ الْمُسْتَحِقِّينَ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ الْمُتَّبِعِينَ لِلشَّرِيعَةِ، فَمَنْ أَظْهَرَ بِدْعَةً أَوْ فُجُورًا فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ بِالْهَجْرِ وَغَيْرِهِ وَالِاسْتِتَابَةَ فَكَيْفَ يُعَانُ عَلَى ذَلِكَ؟، وَقَالَ: مَنْ كَانَ لَا يُصَلِّي يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ، فَإِنْ قَالَ: أَنَا أُصَلِّي، أُعْطِيَ، وَإِلاَّ لَمْ يُعْطَ، وَمُرَادُهُ أَنَّهُ يُعْطَى مَا لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا بِالنِّفَاقِ.

وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَجُوزُ إِعْطَاءُ الزَّكَاةِ لِلْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ إِنْ كَانُوا مِنَ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ، مَا لَمْ تَكُنْ بِدْعَتُهُمْ مُكَفِّرَةً مُخْرِجَةً لَهُمْ عَنِ الْإِسْلَامِ.عَلَى أَنَّ الْأَوْلَى تَقْدِيمُ أَهْلِ الدِّينِ الْمُسْتَقِيمِينَ عَلَيْهِ فِي الِاعْتِقَادِ، وَالْعَمَلِ عَلَى مَنْ عَدَاهُمْ عِنْدَ الْإِعْطَاءِ مِنَ الزَّكَاةِ، لِحَدِيثِ: «لَا تُصَاحِبْ إِلاَّ مُؤْمِنًا وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلاَّ تَقِيٌّ».

7- الْمَيِّتُ:

180- ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (عَلَى الْمَذْهَبِ) وَالنَّخَعِيُّ: إِلَى أَنَّهُ لَا تُعْطَى الزَّكَاةُ فِي تَجْهِيزِ مَيِّتٍ عِنْدَ مَنْ قَالَ بِأَنَّ رُكْنَ الزَّكَاةِ تَمْلِيكُهَا لِمَصْرِفِهَا، فَإِنَّ الْمَيِّتَ لَا يَمْلِكُ، وَمِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الزَّكَاةِ التَّمْلِيكُ، قَالُوا: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْضَى بِهَا دَيْنُ الْمَيِّتِ الَّذِي لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً؛ لِأَنَّ قَضَاءَ دَيْنِ الْغَيْرِ بِهَا لَا يَقْتَضِي تَمْلِيكَهُ إِيَّاهَا، قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُقْضَى مِنَ الزَّكَاةِ دَيْنُ الْمَيِّتِ، وَيُقْضَى مِنْهَا دَيْنُ الْحَيِّ.

وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ وَنَقَلَهُ فِي الْفُرُوعِ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ، وَعَنِ اخْتِيَارِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، وَأَنَّ فِي ذَلِكَ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُقْضَى مِنَ الزَّكَاةِ دَيْنُ الْمَيِّتِ الَّذِي لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً إِنْ تَمَّتْ فِيهِ شُرُوطُ الْغَارِمِ، قَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: بَلْ هُوَ أَوْلَى مِنْ دَيْنِ الْحَيِّ فِي أَخْذِهِ مِنَ الزَّكَاةِ، لِأَنَّهُ لَا يُرْجَى قَضَاؤُهُ بِخِلَافِ الْحَيِّ، وَاحْتَجَّ النَّوَوِيُّ لِهَذَا الْقَوْلِ بِعُمُومِ الْغَارِمِينَ فِي آيَةِ مَصَارِفِ الزَّكَاةِ، وَبِأَنَّهُ يَصِحُّ التَّبَرُّعُ بِقَضَاءِ دَيْنِ الْمَيِّتِ كَدَيْنِ الْحَيِّ.

8- جِهَاتُ الْخَيْرِ مِنْ غَيْرِ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ:

181- ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَرْفُ الزَّكَاةِ فِي جِهَاتِ الْخَيْرِ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، فَلَا تُنْشَأُ بِهَا طَرِيقٌ، وَلَا يُبْنَى بِهَا مَسْجِدٌ وَلَا قَنْطَرَةٌ، وَلَا تُشَقُّ بِهَا تُرْعَةٌ، وَلَا يُعْمَلُ بِهَا سِقَايَةٌ، وَلَا يُوَسَّعُ بِهَا عَلَى الْأَصْنَافِ، وَلَمْ يَصِحَّ فِيهِ نَقْلُ خِلَافٍ عَنْ مُعَيَّنٍ يُعْتَدُّ بِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الرَّمْلِيِّ أَنَّهُ إِجْمَاعٌ، وَاحْتَجُّوا لِذَلِكَ بِأَمْرَيْنِ:

الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَا تَمْلِيكَ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ وَنَحْوَهُ لَا يُمْلَكُ، وَهَذَا عِنْدَ مَنْ يَشْتَرِطُ فِي الزَّكَاةِ التَّمْلِيكَ.

وَالثَّانِي:

الْحَصْرُ الَّذِي فِي الْآيَةِ، فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ وَنَحْوَهَا لَيْسَتْ مِنَ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ الَّذِي فِيهِ: «إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الزَّكَاةَ ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ».

وَلَا يَثْبُتُ مِمَّا نُقِلَ عَنْ أَنَسٍ وَابْنِ سِيرِينَ خِلَافُ ذَلِكَ.

مَا يُرَاعَى فِي قِسْمَةِ الزَّكَاةِ بَيْنَ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ:

أ- تَعْمِيمُ الزَّكَاةِ عَلَى الْأَصْنَافِ:

182- ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ) إِلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ تَعْمِيمُ الزَّكَاةِ عَلَى الْأَصْنَافِ، سَوَاءٌ كَانَ الَّذِي يُؤَدِّيهَا إِلَيْهَا رَبَّ الْمَالِ أَوِ السَّاعِيَ أَوِ الْإِمَامَ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَالُ كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا، بَلْ يَجُوزُ أَنْ تُعْطَى لِصِنْفٍ وَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَيَجُوزُ أَنْ تُعْطَى لِشَخْصٍ وَاحِدٍ إِنْ لَمْ تَزِدْ عَنْ كِفَايَتِهِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي أَيِّ صِنْفٍ وَضَعْتَهُ أَجْزَأَكَ.

183- وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ: «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» قَالُوا: وَالْفُقَرَاءُ صِنْفٌ وَاحِدٌ مِنْ أَصْنَافِ أَهْلِ الزَّكَاةِ الثَّمَانِيَةِ، وَبِوَقَائِعَ أَعْطَى فِيهَا النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم- الزَّكَاةَ لِفَرْدٍ وَاحِدٍ أَوْ أَفْرَادٍ، مِنْهَا: «أَنَّهُ أَعْطَى سَلَمَةَ بْنَ صَخْرٍ الْبَيَاضِيَّ صَدَقَةَ قَوْمِهِ».وَقَالَ لِقَبِيصَةَ: «أَقِمْ يَا قَبِيصَةُ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا».قَالُوا: وَاللاَّمُ فِي آيَةِ الصَّدَقَاتِ بِمَعْنَى «أَوْ»، أَوْ هِيَ لِبَيَانِ الْمَصَارِفِ، أَوْ هِيَ لِلِاخْتِصَاصِ، وَمَعْنَى الِاخْتِصَاصِ عَدَمُ خُرُوجِهَا عَنْهُمْ.

وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ التَّعْمِيمَ لَا يُنْدَبُ إِلاَّ أَنْ يُقْصَدَ الْخُرُوجُ مِنَ الْخِلَافِ، وَكَذَا اسْتَحَبَّ الْحَنَابِلَةُ التَّعْمِيمَ لِلْخُرُوجِ مِنَ الْخِلَافِ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَقَوْلُ عِكْرِمَةَ، إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ تَعْمِيمُ الْأَصْنَافِ، وَإِعْطَاءُ كُلِّ صِنْفٍ مِنْهُمُ الثُّمُنَ مِنَ الزَّكَاةِ الْمُتَجَمِّعَةِ، وَاسْتَدَلُّوا بِآيَةِ الصَّدَقَاتِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى أَضَافَ الزَّكَاةَ إِلَيْهِمْ فَاللاَّمُ لِلتَّمْلِيكِ، وَأَشْرَكَ بَيْنَهُمْ بِوَاوِ التَّشْرِيكِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لَهُمْ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمْ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ رَبُّ الْمَالِ: هَذَا الْمَالُ لِزَيْدٍ وَعَمْرٍو وَبَكْرٍ قُسِمَتْ بَيْنَهُمْ وَوَجَبَتِ التَّسْوِيَةُ، فَكَذَا هَذَا، وَلَوْ أَوْصَى لَهُمْ وَجَبَ التَّعْمِيمُ وَالتَّسْوِيَةُ.

وَتَفْصِيلُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ يَجِبُ اسْتِيعَابُ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ فِي الْقَسْمِ إِنْ قَسَمَ الْإِمَامُ وَهُنَاكَ عَامِلٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَامِلٌ بِأَنْ قَسَمَ الْمَالِكُ، أَوْ حَمَلَ أَصْحَابُ الْأَمْوَالِ زَكَاتَهُمْ إِلَى الْإِمَامِ، فَالْقِسْمَةُ عَلَى سَبْعَةِ أَصْنَافٍ، فَإِنْ فُقِدَ بَعْضُهُمْ فَعَلَى الْمَوْجُودِينَ مِنْهُمْ، وَيَسْتَوْعِبُ الْإِمَامُ مِنَ الزَّكَوَاتِ الْمُجْتَمِعَةِ عِنْدَهُ آحَادَ كُلِّ صِنْفٍ وُجُوبًا، إِنْ كَانَ الْمُسْتَحِقُّونَ فِي الْبَلَدِ، وَوَفَى بِهِمُ الْمَالُ.وَإِلاَّ فَيَجِبُ إِعْطَاءُ ثَلَاثَةٍ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ ذَكَرَتِ الْأَصْنَافَ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ.

قَالُوا: وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَوِ السَّاعِي أَنْ يَعْتَنِيَ بِضَبْطِ الْمُسْتَحِقِّينَ، وَمَعْرِفَةِ أَعْدَادِهِمْ، وَقَدْرِ حَاجَاتِهِمْ، وَاسْتِحْقَاقِهِمْ، بِحَيْثُ يَقَعُ الْفَرَاغُ مِنْ جَمْعِ الزَّكَوَاتِ بَعْدَ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ أَوْ مَعَهُ لِيَتَعَجَّلَ وُصُولَ حَقِّهِمْ إِلَيْهِمْ.

قَالُوا: وَتَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْأَصْنَافِ، وَإِنْ كَانَتْ حَاجَةُ بَعْضِهِمْ أَشَدَّ، وَلَا تَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ أَفْرَادِ كُلِّ صِنْفٍ إِنْ قَسَمَ الْمَالِكُ، بَلْ يَجُوزُ تَفْضِيلُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، أَمَّا إِنْ قَسَمَ الْإِمَامُ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّفْضِيلُ مَعَ تَسَاوِي الْحَاجَاتِ، فَإِنْ فَقَدَ بَعْضَ الْأَصْنَافِ أَعْطَى سَهْمَهُ لِلْأَصْنَافِ الْبَاقِيَةِ، وَكَذَا إِنِ اكْتَفَى بَعْضُ الْأَصْنَافِ وَفَضَلَ شَيْءٌ، فَإِنِ اكْتَفَى جَمِيعُ أَفْرَادِ الْأَصْنَافِ جَمِيعًا بِالْبَلَدِ، جَازَ النَّقْلُ إِلَى أَقْرَبِ الْبِلَادِ إِلَيْهِ عَلَى الْأَظْهَرِ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ.

وَقَالَ النَّخَعِيُّ: إِنْ كَانَتِ الزَّكَاةُ قَلِيلَةً جَازَ صَرْفُهَا إِلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ، وَإِلاَّ وَجَبَ اسْتِيعَابُ الْأَصْنَافِ، وَقَالَا أَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ: إِنْ أَخْرَجَهَا الْإِمَامُ وَجَبَ اسْتِيعَابُ الْأَصْنَافِ، وَإِنْ أَخْرَجَهَا الْمَالِكُ جَازَ أَنْ يَجْعَلَهَا فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ.

التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْمَصَارِفِ:

184- صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْعَامِلَ عَلَى الزَّكَاةِ يُبْدَأُ بِهِ قَبْلَ غَيْرِهِ فِي الْإِعْطَاءِ مِنَ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ عَلَى وَجْهِ الْعِوَضِ عَنْ عَمَلِهِ، وَغَيْرُهُ يَأْخُذُ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ، قَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: فَإِنْ كَانَ سَهْمُ الْعَامِلِينَ وَهُوَ ثُمُنُ الزَّكَاةِ قَدْرَ حَقِّهِ أَخَذَهُ، وَإِنْ زَادَ عَنْ حَقِّهِ رُدَّ الْفَاضِلُ عَلَى سَائِرِ السِّهَامِ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ حَقِّهِ تُمِّمَ لَهُ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ، وَقِيلَ: مِنْ بَاقِي السِّهَامِ.

وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْعَامِلَ يُقَدَّمُ بِأُجْرَتِهِ عَلَى سَائِرِ الْأَصْنَافِ، أَيْ مِنْ مَجْمُوعِ الزَّكَاةِ.

أَمَّا مَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: يُقْسَمُ بَيْنَ بَاقِي الْأَصْنَافِ كَمَا تَقَدَّمَ.

وَنَظَرَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى الْحَاجَةِ، فَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: يُقَدَّمُ الْمَدِينُ عَلَى الْفَقِيرِ لِأَنَّ حَاجَةَ الْمَدِينِ أَشَدُّ، وَرَاعَى الْحَنَفِيَّةُ أُمُورًا أُخْرَى تَأْتِي فِي نَقْلِ الزَّكَاةِ.

وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: يُنْدَبُ إِيثَارُ الْمُضْطَرِّ عَلَى غَيْرِهِ بِأَنْ يُزَادَ فِي إِعْطَائِهِ مِنْهَا.

وَنَظَرَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى الْحَاجَةِ مَعَ الْقَرَابَةِ فَقَالُوا: يُقَدَّمُ الْأَحْوَجُ فَالْأَحْوَجُ اسْتِحْبَابًا، فَإِنْ تَسَاوَوْا قُدِّمَ الْأَقْرَبُ إِلَيْهِ، ثُمَّ مَنْ كَانَ أَقْرَبَ فِي الْجِوَارِ وَأَكْثَرَ دِينًا، وَكَيْفَ فَرَّقَهَا جَازَ، بَعْدَ أَنْ يَضَعَهَا فِي الْأَصْنَافِ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى.

نَقْلُ الزَّكَاةِ:

185- إِذَا فَاضَتِ الزَّكَاةُ فِي بَلَدٍ عَنْ حَاجَةِ أَهْلِهَا جَازَ نَقْلُهَا اتِّفَاقًا، بَلْ يَجِبُ، وَأَمَّا مَعَ الْحَاجَةِ فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ يُكْرَهُ تَنْزِيهًا نَقْلُ الزَّكَاةِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، وَإِنَّمَا تُفَرَّقُ صَدَقَةُ كُلِّ أَهْلِ بَلَدٍ فِيهِمْ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم-: «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ».وَلِأَنَّ فِيهِ رِعَايَةَ حَقِّ الْجِوَارِ، وَالْمُعْتَبَرُ بَلَدُ الْمَالِ، لَا بَلَدُ الْمُزَكِّي.

وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ أَنْ يَنْقُلَهَا الْمُزَكِّي إِلَى قَرَابَتِهِ، لِمَا فِي إيصَالِ الزَّكَاةِ إِلَيْهِمْ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ.قَالُوا: وَيُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ.

وَاسْتَثْنَوْا أَيْضًا أَنْ يَنْقُلَهَا إِلَى قَوْمٍ هُمْ أَحْوَجُ إِلَيْهَا مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ، وَكَذَا لِأَصْلَحَ، أَوْ أَوْرَعَ، أَوْ أَنْفَعَ لِلْمُسْلِمِينَ، أَوْ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، أَوْ إِلَى طَالِبِ عِلْمٍ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْأَظْهَرِ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَقْلُ الزَّكَاةِ إِلَى مَا يَزِيدُ عَنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، لِحَدِيثِ مُعَاذٍ الْمُتَقَدِّمِ، وَلِمَا وَرَدَ أَنَّ عُمَرَ- رضي الله عنه- بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ مُعَاذٌ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ عُمَرُ وَقَالَ: لَمْ أَبْعَثْكَ جَابِيًا وَلَا آخِذَ جِزْيَةٍ، وَلَكِنْ بَعَثْتُكَ لِتَأْخُذَ مِنْ أَغْنِيَاءِ النَّاسِ فَتَرُدَّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَقَالَ مُعَاذٌ: مَا بَعَثْتُ إِلَيْكَ بِشَيْءٍ وَأَنَا أَجِدُ مَنْ يَأْخُذُهُ مِنِّي.

وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أُتِيَ بِزَكَاةٍ مِنْ خُرَاسَانَ إِلَى الشَّامِ فَرَدَّهَا إِلَى خُرَاسَانَ.

قَالُوا: وَالْمُعْتَبَرُ بَلَدُ الْمَالِ، إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَالُوا: الْمُعْتَبَرُ فِي الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ الْبَلَدُ الَّذِي فِيهِ الْمَالُ، وَفِي النَّقْدِ وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ الْبَلَدُ الَّذِي فِيهِ الْمَالِكُ.

وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ أَنْ يُوجَدَ مَنْ هُوَ أَحْوَجُ مِمَّنْ هُوَ فِي الْبَلَدِ، فَيَجِبُ حِينَئِذٍ النَّقْلُ مِنْهَا وَلَوْ نُقِلَ أَكْثَرُهَا.

186- ثُمَّ إِنْ نُقِلَتِ الزَّكَاةُ حَيْثُ لَا مُسَوِّغَ لِنَقْلِهَا مِمَّا تَقَدَّمَ، فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ، إِلَى أَنَّهَا تُجْزِئُ عَنْ صَاحِبِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنِ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ.

وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ نَقَلَهَا لِمِثْلِ مَنْ فِي بَلَدِهِ فِي الْحَاجَةِ فَتُجْزِئُهُ مَعَ الْحُرْمَةِ، وَإِنْ نَقَلَهَا لِأَدْوَنَ مِنْهُمْ فِي الْحَاجَةِ لَمْ تُجْزِئْهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ خَلِيلٌ وَالدَّرْدِيرُ، وَقَالَ الدُّسُوقِيُّ: نَقَلَ الْمَوَّاقُ أَنَّ الْمَذْهَبَ الْإِجْزَاءُ بِكُلِّ حَالٍ.

وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ: لَا تُجْزِئُهُ بِكُلِّ حَالٍ.

وَحَيْثُ نُقِلَتِ الزَّكَاةُ فَأُجْرَةُ النَّقْلِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تَكُونُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لَا مِنَ الزَّكَاةِ نَفْسِهَا.وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: تَكُونُ عَلَى الْمُزَكِّي.

حُكْمُ مَنْ أُعْطِيَ مِنَ الزَّكَاةِ لِوَصْفٍ فَزَالَ الْوَصْفُ وَهِيَ فِي يَدِهِ:

187- مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ مَنْ يَأْخُذُ أَخْذًا مُسْتَقِرًّا فَلَا يُسْتَرَدُّ مِنْهُ شَيْءٌ إِنْ كَانَ فِيهِ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ بِشُرُوطِهِ عِنْدَ الْأَخْذِ، وَهُمْ أَرْبَعَةُ أَصْنَافٍ: الْمِسْكِينُ، وَالْفَقِيرُ، وَالْعَامِلُ، وَالْمُؤَلَّفُ قَلْبُهُ.

وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُ أَخْذًا مُرَاعًى، فَيُسْتَرَدُّ مِنْهُ إِنْ لَمْ يُنْفِقْهُ فِي وَجْهِهِ، أَوْ تَأَدَّى الْغَرَضُ مِنْ بَابٍ آخَرَ، أَوْ زَالَ الْوَصْفُ وَالزَّكَاةُ فِي يَدِهِ، وَهُمْ أَيْضًا أَرْبَعَةُ أَصْنَافٍ، عَلَى خِلَافٍ فِي بَعْضِهَا:

1- الْمُكَاتَبُ، فَيُسْتَرَدُّ مِنَ الْمُعْطَى مَا أَخَذَ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَعْتِقَ، أَوْ عَجَزَ عَنِ الْوَفَاءِ فَلَمْ يَعْتِقْ، وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: يَكُونُ مَا أَخَذَهُ لِسَيِّدِهِ وَيَحِلُّ لَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ: لَا يُسْتَرَدُّ، وَلَا يَكُونُ لِسَيِّدِهِ، بَلْ يُنْفِقُ فِي الْمُكَاتَبِينَ.

وَلَا تَرِدُ الْمَسْأَلَةُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ صَرْفَ الزَّكَاةِ لِلْمُكَاتَبِينَ كَمَا تَقَدَّمَ.

2- الْغَارِمُ: فَإِنِ اسْتَغْنَى الْمَدِينُ الَّذِي أَخَذَ الزَّكَاةَ قَبْلَ دَفْعِهَا فِي دَيْنِهِ تُنْزَعُ مِنْهُ، وَكَذَا لَوْ أُبْرِئَ مِنَ الدَّيْنِ، أَوْ قَضَاهُ مِنْ غَيْرِ الزَّكَاةِ، أَوْ قَضَاهُ عَنْهُ غَيْرُهُ.وَهَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَعَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، مَا لَمْ يَكُنْ فَقِيرًا.

3- الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ: وَقَدْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ إِنْ أَخَذَ الزَّكَاةَ لِلْغَزْوِ ثُمَّ جَلَسَ فَلَمْ يَخْرُجْ أُخِذَتْ مِنْهُ، وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَيْضًا: لَوْ خَرَجَ لِلْغَزْوِ وَعَادَ دُونَ أَنْ يُقَاتِلَ مَعَ قُرْبِ الْعَدُوِّ تُؤْخَذُ مِنْهُ كَذَلِكَ.

وَحَيْثُ وَجَبَ الرَّدُّ تُنْزَعُ مِنْهُ إِنْ كَانَ بَاقِيهِ فِي يَدِهِ، وَإِنْ أَنْفَقَهَا أُتْبِعَ بِهَا، أَيْ طُولِبَ بِبَدَلِهَا إِنْ كَانَ غَنِيًّا؛ لِأَنَّهَا تَكُونُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ.

4- ابْنُ السَّبِيلِ: وَيُسْتَرَدُّ مِنْهُ مَا أَخَذَهُ إِنْ لَمْ يَخْرُجْ، مَا لَمْ يَكُنْ فَقِيرًا بِبَلَدِهِ، وَهَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَيُعْتَبَرُ لَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَفِي قَوْلٍ: تَمَامُ السَّنَةِ.قَالُوا: وَيَرُدُّ مَا أَخَذَ لَوْ سَافَرَ ثُمَّ عَادَ وَلَمْ يَصْرِفْ مَا أَخَذَهُ، وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّمَا تُنْزَعُ مِنْهُ إِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً، فَإِنْ كَانَ أَنْفَقَهَا لَمْ يُطَالَبْ بِبَدَلِهَا.

وَظَاهِرُ كَلَامِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ لَا يُلْزَمُ بِالرَّدِّ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: لَا يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِمَا فَضَلَ فِي يَدِهِ.

حُكْمُ مَنْ أَخَذَ الزَّكَاةَ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا:

188- لَا يَحِلُّ لِمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ أَخْذُهَا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهَا زَكَاةٌ، إِجْمَاعًا.فَإِنْ أَخَذَهَا فَلَمْ تُسْتَرَدَّ مِنْهُ فَلَا تَطِيبُ لَهُ، بَلْ يَرُدُّهَا أَوْ يَتَصَدَّقُ بِهَا؛ لِأَنَّهَا عَلَيْهِ حَرَامٌ، وَعَلَى دَافِعِ الزَّكَاةِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي تَعَرُّفِ مُسْتَحَقِّي الزَّكَاةِ، فَإِنْ دَفَعَهَا بِغَيْرِ اجْتِهَادِهِ، أَوْ كَانَ اجْتِهَادُهُ أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا وَأَعْطَاهُ لَمْ تُجْزِئْ عَنْهُ، إِنْ تَبَيَّنَ الْآخِذُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا، وَالْمُرَادُ بِالِاجْتِهَادِ النَّظَرُ فِي أَمَارَاتِ الِاسْتِحْقَاقِ، فَلَوْ شَكَّ فِي كَوْنِ الْآخِذِ فَقِيرًا فَعَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ كَذَلِكَ.

189- أَمَّا إِنِ اجْتَهَدَ فَدَفَعَ لِمَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ فَتَبَيَّنَ عَدَمُ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِهَا، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تُجْزِئُهُ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا تُجْزِئُهُ، عَلَى تَفْصِيلٍ يَخْتَلِفُ مِنْ مَذْهَبٍ إِلَى مَذْهَبٍ.

فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ: إِنْ دَفَعَ الزَّكَاةَ إِلَى مَنْ يَظُنُّهُ فَقِيرًا ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ غَنِيٌّ أَوْ هَاشِمِيٌّ أَوْ كَافِرٌ، أَوْ دَفَعَ فِي ظُلْمَةٍ، فَبَانَ أَنَّ الْآخِذَ أَبُوهُ، أَوِ ابْنُهُ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ، لِحَدِيثِ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: «كَانَ أَبِي يَزِيدُ أَخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَجِئْتُ فَأَخَذْتهَا فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ، فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ، وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ».

وَلِأَنَّا لَوْ أَمَرْنَاهُ بِالْإِعَادَةِ أَفْضَى إِلَى الْحَرَجِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا تَكَرَّرَ خَطَؤُهُ، وَاسْتَثْنَوْا مِنْ هَذَا أَنْ يَتَبَيَّنَ الْآخِذُ غَيْرَ أَهْلٍ لِلتَّمْلِيكِ أَصْلًا، نَحْوُ أَنْ يَتَبَيَّنَ أَنَّ الْآخِذَ عَبْدُهُ أَوْ مُكَاتَبُهُ، فَلَا تُجْزِئُ فِي هَذَا الْحَالِ.

وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا تُجْزِئُهُ إِنْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْآخِذَ لَيْسَ مِنَ الْمَصَارِفِ، لِظُهُورِ خَطَئِهِ بِيَقِينٍ مَعَ إِمْكَانِ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ تَحَرَّى فِي ثِيَابٍ فَبَانَ أَنَّهُ صَلَّى فِي ثَوْبٍ نَجِسٍ.

وَفَصَّلَ الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ حَالَيْنِ:

الْأُولَى: أَنْ يَكُونَ الدَّافِعُ الْإِمَامَ أَوْ مُقَدَّمَ الْقَاضِي أَوِ الْوَصِيَّ، فَيَجِبُ اسْتِرْدَادُهَا، لَكِنْ إِنْ تَعَذَّرَ رَدُّهَا، أَجْزَأَتْ، لِأَنَّ اجْتِهَادَ الْإِمَامِ حُكْمٌ لَا يَتَعَقَّبُ.

وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الدَّافِعُ رَبَّ الْمَالِ فَلَا تُجْزِئُهُ، فَإِنِ اسْتَرَدَّهَا وَأَعْطَاهَا فِي وَجْهِهَا، وَإِلاَّ فَعَلَيْهِ الْإِخْرَاجُ مَرَّةً أُخْرَى، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ اسْتِرْدَادَهَا إِنْ فَوَّتَهَا الْآخِذُ بِفِعْلِهِ، بِأَنْ أَكَلَهَا، أَوْ بَاعَهَا، أَوْ وَهَبَهَا، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.

أَمَّا إِنْ فَاتَتْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ بِأَنْ تَلِفَتْ بِأَمْرٍ سَمَاوِيٍّ، فَإِنْ كَانَ غَرَّ الدَّافِعَ بِأَنْ أَظْهَرَ لَهُ الْفَقْرَ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهَا أَيْضًا، أَمَّا إِنْ لَمْ يَكُنْ غَرَّهُ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الرَّدُّ.

وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: يَجِبُ الِاسْتِرْدَادُ، وَعَلَى الْآخِذِ الرَّدُّ، سَوَاءٌ عَلِمَ أَنَّهَا زَكَاةٌ أَمْ لَا، فَإِنِ اسْتُرِدَّتْ صُرِفَتْ إِلَى الْمُسْتَحِقِّينَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ الِاسْتِرْدَادُ فَإِنْ كَانَ الَّذِي دَفَعَهَا الْإِمَامُ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي دَفَعَهَا الْمَالِكُ ضَمِنَ، وَهَذَا هُوَ الْمُقَدَّمُ عِنْدَهُمْ، وَفِي بَعْضِ صُوَرِ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَهُمْ أَقْوَالٌ أُخْرَى.

وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: إِنْ بَانَ الْآخِذُ عَبْدًا أَوْ كَافِرًا أَوْ هَاشِمِيًّا، أَوْ قَرَابَةً لِلْمُعْطِي مِمَّنْ لَا يَجُوزُ الدَّفْعُ إِلَيْهِ، فَلَا تُجْزِئُ الزَّكَاةُ عَنْ دَافِعِهَا رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَحِقٍّ، وَلَا تَخْفَى حَالُهُ غَالِبًا، فَلَمْ يَجْزِهِ الدَّفْعُ إِلَيْهِ، كَدُيُونِ الْآدَمِيِّينَ.

أَمَّا إِنْ كَانَ ظَنَّهُ فَقِيرًا فَبَانَ غَنِيًّا فَكَذَلِكَ عَلَى رِوَايَةٍ، وَالْأُخْرَى يُجْزِئُهُ، لِحَدِيثِ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ الْمُتَقَدِّمِ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ: لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ....الْحَدِيثَ وَفِيهِ: فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ فَقَدْ قُبِلَتْ، لَعَلَّ الْغَنِيَّ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ».وَلِأَنَّ حَالَهُ تَخْفَى غَالِبًا.

مَنْ لَهُ حَقُّ طَلَبِ الزَّكَاةِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا:

190- فَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ مُسْتَحَقِّي الزَّكَاةِ مِنَ الْفُقَرَاءِ مِنْ حَيْثُ جَوَازُ طَلَبِهِمُ الزَّكَاةَ بِالرَّغْمِ مِنَ اسْتِحْقَاقِهِمْ، فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي يَحِلُّ لَهُ طَلَبُ الزَّكَاةِ هُوَ مَنْ لَا شَيْءَ لَهُ لِيَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ فَيَحْتَاجُ لِلسُّؤَالِ لِقُوتِهِ، أَوْ مَا يُوَارِي بَدَنَهُ، وَهُوَ فِي اصْطِلَاحِهِمُ الْمُسَمَّى مِسْكِينًا، وَكَذَا لَا يَحِلُّ السُّؤَالُ لِمَنْ لَا يَمْلِكُ قُوتَ يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ لَكِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْكَسْبِ، أَمَّا الْفَقِيرُ وَهُوَ فِي اصْطِلَاحِهِمْ مَنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ لِيَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ سُؤَالُ الصَّدَقَةِ، وَإِنْ كَانَ يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لِخَمْسِينَ دِرْهَمًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ.

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ: مَنْ أُبِيحَ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ أُبِيحَ لَهُ طَلَبُهَا، وَفِي رِوَايَةٍ: يَحْرُمُ طَلَبُهَا عَلَى مَنْ لَهُ قُوتُ يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَجِدُ مَنْ يَسْأَلُهُ كُلَّ يَوْمٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْأَلَ أَكْثَرَ مِنْ قُوتِ يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ، وَإِنْ خَافَ أَنْ لَا يَجِدَ مَنْ يُعْطِيهِ أُبِيحَ لَهُ السُّؤَالُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.

موسوعة الفقه الكويتية-وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت-صدرت بدءًا من: 1404هـ/1984م


6-تاج العروس (ثعد)

[ثعد]: الثَّعْدُ، بالعين المهملة: الرُّطَبُ، أَو بُسْرٌ غَلبَه الإِرْطَابُ، قال الأَصمعيّ: إِذا دَخَلَ البُسرَةَ الإِرْطَابُ وهي صُلْبَةٌ لم تَنهضِم بعْدُ، فهي جُمْسَةٌ فإِذا لانَت فهي ثَعْدةٌ وجمْعها ثَعْدٌ.

والثَّعْدُ: الغَضُّ من البَقْل، يقال بَقْلٌ ثَعْدٌ مَعْدٌ؛ أَي غَضٌّ رَطْبٌ رَخْصٌ، والمعْدُ إِتباعٌ لا يُفرَد، وبعضُهُم يفُرِدُه، وقيل هو كالثَّعْد، من غير إِتباع. وعن ابن الأَعرابيّ: رُطَبَة ثَعْدَةٌ مَعدَة: طَريَّة.

وثَرىً ثَعْدٌ جَعْدٌ؛ أَي ليِّنٌ.

ومالهُ ثَعْدٌ ولا مَعْدٌ؛ أَي قليلٌ ولا كَثِيرٌ والمعْدُ إِتباع.

والمثْعَئِدُّ كالمُطْمئنّ: الغُلام النَّاعمُ، وقال ابن شمَيل: هو المُثْمَعِدّ والمُثْمئدّ، كما سيأْتي، وحكَى بعضُهم: اثْمعَدَّ الشيْ‌ءُ، إِذا لانَ وامتدّ، ويقال إِن الميم فيه أَصليّة فيُذكر في الرّباعيّ.

* وبقي عليه:

الثَّعْد بمعنَى الزُّبد، في حديث بَكّار بن داوود قال «مرَّ رسولُ الله صلى ‌الله‌ عليه ‌وسلم بقَوم يَنالون من الثَّعْدِ والحُلْقَانِ وأَشْلٍ من لَحْم، وينالون من أَسْقِيَةٍ لهم قد عَلَاهَا الطُّحْلُبُ فقال «ثَكِلَتْكُم أُمَّهَاتُكم، أَلهذا خُلِقْتم أَو بهذا أُمِرْتم، ثم جازَ عَنْهُم، فنزَلَ الرُّوحُ الأَمينُ وقال: يا محمَّد، ربُّك يُقرِئك السلامَ ويقول: إِنَّمَا بَعثْتُك مُؤلِّفًا لأُمّتِك ولم أَبعثْكَ مُنفِّرًا، ارجِعْ إِلى عِبادي فقلْ لهم: فلْيَعمَلوا ولْيُسَدِّدُوا وليُيَسِّرُوا».

قال: الثَّعْدُ: الزُّبْد، والحُلْقَانُ: البُسْرُ الذي قد أَرطبَ بعضُه، وأَشْلٍ من لحْم: الخَروف المشوِيّ. قال ابن الأَثير: كذا فسَّره إِسحاق بن إِبراهِيم القُرشيّ أَحد رُواتِه.

تاج العروس-مرتضى الزَّبيدي-توفي: 1205هـ/1791م


7-لسان العرب (ثعد)

ثعد: الثَّعْدُ: الرُّطَبُ، وَقِيلَ: البُسْرُ الَّذِي غَلَبَهُ الإِرطاب؛ قَالَ:

لَشَتَّانَ مَا بَيْنِي وَبَيْنَ رُعاتِها، ***إِذا صَرْصَرَ العصفورُ فِي الرُّطَبِ الثَّعْدِ

الْوَاحِدَةٌ ثَعْدَةٌ.

وَرَطْبَةُ ثَعْدَةٌ مَعْدَةٌ: طَرِيَّةٌ؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي.

قَالَ الأَصمعي: إِذا دَخَلَ البسرةَ الإِرْطابُ وَهِيَ صُلبة لَمْ تَنْهَضِمْ بعدُ فهي خَمْسة، فإِذا لَانَتْ فَهِيَ ثَعْدَةٌ، وَجَمْعُهَا ثُعْدٌ.

وَفِي حَدِيثِ بَكَّار بْنِ دَاوُدَ قَالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْمٍ يَنَالُونَ مِنَ الثَّعْد والحُلْقان وأَشْلٍ مِنْ لَحْمٍ وَيَنَالُونَ مِنْ أَسقية لَهُمْ قَدْ عَلَاهَا الطُّحْلُبُ، فَقَالَ: ثَكِلَتْكُمْ أُمهاتكم أَلهذا خُلِقْتُمْ أَو بِهَذَا أُمرتم؟ ثُمَّ جَازَ عَنْهُمْ فَنَزَلَ الرُّوحُ الأَمين وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، رَبُّكَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ: إِنما بَعَثْتُكَ مُؤَلِّفًا لأُمتك وَلَمْ أَبعثك مُنَفِّرًا، ارْجِعْ إِلى عِبَادِي فَقُلْ لَهُمْ: فَلْيَعْمَلُوا وَلْيُسَدِّدُوا وَلْيُيَسِّرُوا»؛ الثَّعد: الزُّبْدُ.

والحُلْقان: البسرُ الَّذِي قَدْ أَرْطَبَ بَعْضُهُ.

وأَشل: مِنْ لَحْمِ الْخَرُوفِ الْمَشْوِيِّ؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: كَذَا فَسَّرَهُ إِسحق بْنُ إِبراهيم الْقُرَشِيُّ أَحد رُوَاتِهِ، فأَما الثَّعْدُ فِي اللُّغَةِ فَهُوَ مَا لَانَ مِنَ البُسر.

وَبَقْلٌ ثَعْدٌ مَعْدٌ: غَضٌّ رَطْبٌ رَخْصٌ، وَالْمَعْدُ إِتباع لَا يُفْرَدُ وَبَعْضُهُمْ يُفْرِدُهُ؛ وَقِيلَ: هُوَ كالثَّعْدِ مِنْ غَيْرِ إِتباع.

وَحَكَى بَعْضُهُمْ: اثْمَعَدَّ الشيءُ لانَ وَامْتَدَّ، فإِما أَن يَكُونَ مِنْ بَابِ قُمارِص فَيَكُونُ هَذَا بَابُهُ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَلَا يَنْبَغِي أَن يُهجم عَلَى هَذَا مِنْ غَيْرِ سَمَاعٍ، وإِما أَن تَكُونَ الْمِيمُ أَصلية فَيَكُونَ فِي الرُّبَاعِيِّ.

وَمَا لَهُ ثَعْدٌ وَلَا مَعْدٌ أَي قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ.

وثَرًى ثَعْدٌ وجَعْدٌ إِذا كان لينًا.

لسان العرب-ابن منظور الإفريقي-توفي: 711هـ/1311م


انتهت النتائج