1-العربية المعاصرة (قص)

قَصَّ قَصَصْتُ، يَقُصّ، اقْصُصْ/قُصَّ، قَصًّا، فهو قاصّ، والمفعول مَقْصوص.

* قَصَّ الشَّعْرَ ونحوَه: قصّره، قطعه بالمقصّ (قَصَصْتُ الثوبَ/القماشَ- قصّ أظافرَه) (*) قَصَّ أظافرَ المجرم: ردَعَه- قَصَّ جناح فلان: أضعفه- قصَّ ما بينهما: قطع الصِّلة بينهما- مقصوص الجناح: ذليل، عاجز، قصير الباع.

* قَصَّ القصَّةَ على أصدقائه: حكاها، رواها لهم، أخبرهم بها (قصّ عليه الرُّؤيا: أخبره بها- {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ} [قرآن]).

* قصَّ أَثَرَ فلانٍ: راقبه، تتبّع أثَره {وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ} [قرآن].

أقصَّ/أقصَّ من يُقِصّ، أقْصِصْ/أقِصَّ، إقصاصًا، فهو مُقِصّ، والمفعول مُقَصٌّ.

* أقصَّه الحاكمُ: مكَّنه من أخذ القصاص.

* أقصَّ الشَّخصُ من نفسه: مكّن غيرَه من الاقتصاص منه.

* أقصَّ من غريمه: تمكَّن من الاقتصاص منه.

اقتصَّ/اقتصَّ من يقتصّ، اقْتَصِصْ/اقْتَصَّ، اقْتِصاصًا، فهو مُقتَصّ، والمفعول مُقتَصّ.

* اقتصَّ الأَثَر: قصّه، تتبّعه.

* اقتصَّ من عَدُوِّه: فَعَل بعدُوِّه مثل ما فَعل به، أخذ منه القصاص.

تقاصَّ يتقاصّ، تَقاصَصْ/تَقاصَّ، تقاصًّا، فهو مُتقاصّ.

* تقاصَّ القومُ: قاصّ كلُّ واحدٍ منهم صاحبَه في حساب أو غيره، جعل كلُّ واحد منهم حسابَه في مقابل حساب الآخر.

تقصَّصَ يتقصَّص، تقصُّصًا، فهو مُتقصِّص، والمفعول مُتَقَصَّص.

* تقصَّصَ الشَّخصُ أثرَهُ: قصَّه، تتبَّعَهُ (تقصَّص الشُّرْطِيّ أثرَ المُجْرِم).

قاصَّ يُقاصّ، قاصِصْ/قاصَّ، مُقاصَّةً وقِصاصًا، فهو مُقاصّ، والمفعول مُقاصّ.

* قاصَّ الدائنُ مَدينَه: جعل ديْنَه في مقابل ديْنِ الآخر.

* قاصَّ خَصْمَه: أوقع به القصاص، أي الجزاء على الذَّنب، جازاه وفعل به مثل ما فعل.

قصَّصَ يقصِّص، تَقْصِيصًا، فهو مُقَصِّص، والمفعول مُقَصَّص.

* قَصَّص الشَّعْرَ ونحوَه: قصَّه؛ قطعه بالمقصّ.

أُقْصوصَة [مفرد]: جمعه أَقَاصِيصُ: [في الآداب] قِصّة قصيرة؛ قطعة نثريّة روائيّة شخصيّاتها قليلة العدد تهدف إلى وحدة التأثير (محمود تيمور كاتبٌ للأقْصُوصَة- أقاصيص مسلِّية).

قاصّ [مفرد]: جمعه قاصّون وقُصَّاص:

1 - اسم فاعل من قَصَّ.

2 - كاتِب القِصَّة (نجيب محفوظ قاصٌّ عالميّ).

قِصاص [مفرد]:

1 - مصدر قاصَّ.

2 - [في الفقه] أن يُوقَعَ على الجاني مثل ما جَنى، النّفس بالنّفس والجرح بالجرح (إذا تساهل شعبٌ مشى إليه الشّتاتُ.. للنّاس في العفو موتٌ وفي القِصاص حياةُ- {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [قرآن] - {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [قرآن]).

قُصاصة [مفرد]: ما يُقصُّ من الورق والعُشْب والظُّفر وغيره (قُصاصاتٌ من الصُّحُف والمجلاّت- قُصاصَة الشَّعْرِ/الأظافر/قُماش).

قَصّ [مفرد]: جمعه قِصاص (لغير المصدر):

1 - مصدر قَصَّ.

2 - ما تَمَّ قصُّهُ من شَعَر أو صوف أو نحوهما.

* عظمة القَصّ: [في التشريح] عظمة طويلة مسطّحة في معظم الفقاريّات تقع على طول الخطّ الوَسَطيّ للصّدر تحمي القلب وتتّصل بأضلع القفص الصّدريّ من الأمام.

قَصَص [مفرد]:

1 - رواية الخبَر {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ} [قرآن].

2 - خبر مقصوص {ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [قرآن].

* القَصَص:

1 - اسم سورة من سور القرآن الكريم، وهي السُّورة رقم 28 في ترتيب المصحف، مكِّيَّة، عدد آياتها ثمانٍ وثمانون آية.

2 - [في الآداب] فنّ من فنون الأدب، هدفه التَّرويح عن النَّفس بما يتضمّنه من لهو، وما يحتويه من تثقيف للعقل وتهذيب للخلق بالحكمة والموعظة الحسنة.

قَصّاص [مفرد]: جمعه قَصّاصون وقُصَّاص:

1 - صيغة مبالغة من قَصَّ: مَنْ يكثر من رواية القصص في تجمّعات النّاس (كان للقَصَّاص كرسيّ في المقهى يجتمع حوله المستمعون).

2 - كاتِبُ القِصَّة (نجيب محفوظ من كبار القَصَّاصين- كان من القَصَّاصين العرب المعروفين).

3 - حرفة من يقصّ أوبار الجِمال ونحوها.

قَصَّاصَة [مفرد]: اسم آلة من قَصَّ: آلة تُقَص بها أطرافُ الكتاب أو العشب ونحوه (قَصَّاصَة ورق/أظْرف).

قَصَّة [مفرد]: جمعه قَصَّات وقِصاص:

1 - اسم مرَّة من قَصَّ.

2 - طريقة قَصّ شَعْر (قَصَّة عَصْريّة).

قُصَّة [مفرد]: جمعه قُصَّات وقِصاص وقُصَص:

1 - شَعَرُ مُقدَّم الرأس، شعر النَّاصية (قُصَّة الفتاة).

2 - خُصْلة من الشَّعَر.

قِصَّة [مفرد]: جمعه أَقَاصِيصُ وقِصَص:

1 - حديثٌ وخَبَر (قِصَّة يُوسُفَ عليه السلام- لن تستطيع الحكم على إنسان قبل أن تعرف قِصَّته [مثل أجنبيّ]: يماثله في المعنى المثل العربيّ: قبل الرِّماء تُملأ الكنائن) (*) قصّة هذا الشَّيء أنّ: موضوعه ومحتواه- ما قِصَّتك؟: ما شأنك؟.

2 - [في الآداب] حكاية نَثْريّة تُستمدّ أحداثُها من الخيال أو الواقع أو منهما معًا، وتبنى على قواعد معيّنة من الفن الكتابيّ (قِصَّة طويلة- قِصَّة تمثيليَّة محزنة).

3 - شأن (لا تتدخَّل في القِصَص الخاصَّة بغيرك).

* قِصَّة قَصِيرة: [في الآداب] قطعة نثريَّة روائيّة فيها عدد قليل من الشخصيّات وتهدف إلى وحدة التأثير.

قَصَصِيّ/قِصَصيّ [مفرد]:

1 - اسم منسوب إلى قَصَص وقِصَص: (شعر/أسلوب قصصيّ- مجموعة قَصَصِيّة).

2 - كاتِب القِصّة (قَصَصِيّ بارع).

* الشِّعر القَصَصِيّ: [في الآداب] الشِّعر الملحميّ أو الذي يتضمن في سياقه قصّة أو حكاية.

مُقاصّة [مفرد]:

1 - مصدر قاصَّ.

2 - [في الاقتصاد] عمليّة مصرفيّة قوامها أن تُسَدَّد جميع المدفوعات والمقبوضات بواسطة حوالات متبادلة، اتِّفاق بين بلدين على فتح حساب لكلّ منهما لدى الآخر يُسجّل في الجانب الدّائن صفقات التّصدير وفي الجانب المدين صفقات الاستيراد ويُسَوَّى الفرق بينهما في آخر المدَّة المحدّدة.

مُقتصّ [مفرد]: اسم فاعل من اقتصَّ/اقتصَّ من.

* مُقتصّ الأثر: الشّخص الذي يحاول تحديدَ مواقع الممتلكات أو الأشخاص المفقودين.

مِقَصّ [مفرد]: جمعه مِقصّات ومَقَاصّ: اسم آلة من قَصَّ: وهو آلة ذات نَصْلَين يُقَصّ بهما (مِقَصّ خياطة/أظافِر).

* حركة المِقَصّ: [في الرياضة والتربية البدنية] حَركة في الرِّياضة الجُمْبَازيّة تتَّخذ فيها الرِّجلان وَضْعًا أشبه بالمِقَصّ.

* إطباقة المِقَصّ: [في الرياضة والتربية البدنية] مَسْكَة يُطوّق بها المصارع رأس خَصْمه وجسمه برجلَيه.

* رفسة المِقَصّ: [في الرياضة والتربية البدنية] رَفْسة سِباحيّة تحرّك فيها الرِّجْلان بطريقة تشبه انفتاح المِقَصّ وانغلاقه.

مَقْصوصَة [مفرد]:

1 - صيغة المؤنَّث لمفعول قَصَّ.

2 - مغرفة مسطّحة مثقبة ينشل بها اللّحمَ ونحوَه من القِدْر.

العربية المعاصرة-أحمد مختار عمر وآخرون-صدر: 1429هـ/2008م


2-العربية المعاصرة (تكيف)

تكيَّفَ يتكيَّف، تكيُّفًا، فهو مُتكيِّف.

* تكيَّف الشَّيءُ: صار على حالةٍ وصِفَةٍ مُعيَّنة (تكيَّف الرصاصُ حسب القالب).

* تكيَّف الشَّخصُ: انسجم وتوافق مع الظروف، أو جعل ميله أو سلوكه أو طبعه على غرار شيء (تكيَّف وفق الظروف- تكيَّف وفق البيئة الاجتماعيّة- تكيَّفتِ الفتاةُ مع الآخرين) (*) تكيُّف التَّعليم: ملاءمته حاجات الطالب ومقدرته.

* تكيَّف الهواءُ: تغيّرت درجة حرارته بواسطة مُكيِّف؛ لتلائِم الجوَّ الخارجيَّ.

كَيَّفَ يكيِّف، تكْييفًا، فهو مُكَيِّف، والمفعول مُكيَّف.

* كيَّف السِّياسيُّ الموضوعَ كما أراد: جعل له حالة أو صفة مخصوصة (كَيَّف حياتَه- الأفراد يكيّفهم المجتمع).

* كيَّف الهواءَ: غيَّر درجة حرارته أو بُرُودته في مكان بواسطة مُكَيِّف الهواء.

* كيَّف سلوكَه على سلوك أبيه: طابقه أو واءمه.

* كيَّف ضُيوفَه: جعلهم يفرحون ويسرّون، أخبرهم بما وافق مزاجهم.

* كيَّف الشّيءَ: أحدث تغييرًا فيه يؤدِّي إلى انسجامه مع شيء أخر لا يتبدّل (تكييف الحياة وفقًا للبيئة- تكييف قصَّة للسينما).

تكييف [مفرد]: جمعه تكييفات (لغير المصدر):

1 - مصدر كَيَّفَ.

2 - [في القانون] تحديد طبيعة المسألة التي تتنازعها القوانين؛ لوضعها في نطاق طائفة من المسائل القانونيّة التي خصّها المشرّع بقاعدة إسناد.

* تكييف الهواء: تغيير درجة حرارة غرفة ما بواسطة مكيِّف الهواء.

تكيُّف [مفرد]:

1 - مصدر تكيَّفَ.

2 - [في الأحياء] تغيّر في بناء الكائن الحيّ أو في وظيفته، يجعله أكثر قدرة على المحافظة على حياته أو بقاء جنسه (تكيّف الحيوانُ مع ثلوج القطب الشماليّ فهو كثيف الشَّعر).

3 - تعوُّد (تكيّف اللاّعب على السَّفر والترحال).

* التَّكيُّف الضَّوئيّ: [في الأحياء] التَّكيُّف مع الضَّوء في حالة كحالة الخروج من مكان مظلم إلى مكان مضيء.

* تكيُّف العين: [في الطب] ضبط ذاتيّ لبؤرة العين لرؤية الأشياء على مسافات مختلفة.

* التَّكيُّف الإنسانيّ: [في علوم الاجتماع] إدراك الإنسان لموقفه من ناحية الوقت والمكان والنَّاس.

كَيْف [مفرد]:

1 - ابتهاج، جَذَل، سرور شديد (*) صاحب كَيْف: مُحِبّ اللذَّة والبسط والانشراح، مَرِح المِزاج.

2 - حالة، نوع (قليلًا ما يهتمّ بالكَيْف دون الكم [مثل أجنبيّ]) (*) الكَمّ والكَيْف: العدد والنوع- تطوّرت الصِّناعةُ كمَّا وكَيْفًا: تطوَّرت في العدد والنوع.

3 - هوًى، مزاج (إنّه يتصرَّف على كَيْفه) (*) على كَيْفك: كما ترغب وتشاء، على هواك.

4 - مُخدِّر، مادة تسبب فقدان الوعي بدرجات متفاوتة كالحشيش والأفيون.

كَيْفَ [كلمة وظيفيَّة]:

1 - اسم مبنيّ على الفتح يستعمل للاستفهام الحقيقيّ أو غير الحقيقيّ (تعجُّبيّ إنكاريّ) (كيف زيد؟: كيف هنا في محلّ رفع على الخبريّة- كيف جاء محمّدٌ؟: كيف هنا في محل نصب على الحاليّة أو المفعوليّة المطلقة- {أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} [قرآن] - {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ} [قرآن]: تدلّ على استفهام تعجبيّ إنكاريّ) (*) كيف حالُك؟ - كيف كان الحال؟ - كيف لا؟.

2 - اسم شرط غير جازم (كيف تصنعُ أصنعُ).

كَيْفَما [كلمة وظيفيَّة]: (انظر: ك ي ف م ا - كَيْفَما).

كَيْفيَّة [مفرد]:

1 - مصدر صناعيّ من كَيْف: حال الشّيء وصفته (كَيْفيَّة العمل).

2 - طريقة استخدام (كَيْفيَّة استعمال الدواء).

مُتكيِّف [مفرد]:

1 - اسم فاعل من تكيَّفَ.

2 - [في الأحياء] مصطلح لوصف الكائنات السريعة الاستجابة من ناحية التَّكيُّف العضويّ لعوامل البيئة.

مُكيَّف [مفرد]: اسم مفعول من كَيَّفَ.

* مُكيَّف الهواء: منطقة أو حيِّز يُتحكّم في درجة حرارتها ورطوبتها وفي حركة الهواء فيها مع ترشيح الهواء وتنظيفه.

* ورق مكيَّف: ورق ذو سطح ليفيّ، تكثر فيه الألياف الرفيعة المنتشرة كالزغب أو الوبر على سطحه.

مُكيِّف [مفرد]: جمعه مُكيِّفات (لغير العاقل): اسم فاعل من كَيَّفَ.

* مُكيِّف الهواء: جهاز تديره القوَّة الكهربائيّة؛ لخفض الحرارة صيفًا أو رفعها شتاءً، ويثبَّت في الحجرات أو السَّيّارات ونحوها.

* المكيِّفات: الموادّ المخدِّرة كالحشيش ونحوه.

العربية المعاصرة-أحمد مختار عمر وآخرون-صدر: 1429هـ/2008م


3-معجم ما استعجم (جيهم)

جيهم: بفتح أوّله، على بناء فيعل: موضع فى بلاد سعد. وقال الخليل: جيهم: موضع من ناحية الغور، كثير الجنّ، وأنشد للشّمّاخ:

«كأنّ هزيز الريح بين فروجه *** عوازف جنّ زرن جنّا بجيهما»

وأنشده الخليل: «أحاديث جنّ».

ويشهد لك أنّها متّصلة بسرو حمير قول العجّاج:

«للسّرو سرو حمير فجيهم» وقد ذكرت هذه الأرض فى رسم الأدمى فيما تقدّم.

وسمع قيس بن مكشوح سليك بن السّلكة يقول بعكاظ وهو لا يعرفه: من يصف لى منازل قومه وأصف له منازل قومى؟ فقال قيس: خذ بين مهبّ الجنوب والصّبا، ثم سر حتى لا تدرى أين ظلّ الشجرة، فإذا انقطعت المياه، فسر أربعا حتّى تبدو خطمة وجيهم، وهناك رملة وقفّ بينهما الطريق، فإنّك ترد على قومى مراد وخشعم.

فقال سليك: خذ بين مطلع سهيل ويد الجوزاء اليسرى، العامد لها من أفق السماء، فهناك منازل قومى بنى سعد بن زيد مناة.

فلمّا انصرف قيس إلى قومه أخبرهم الخبر، فقال له أبوه المكشوح:

أتدرى من لقيت، ثكلتك أمّك؟ قال: لا. قال: هو والله سليك المقانب. فلم يلبثوا أن أغار عليهم، وأسر قيسا جريحا، وأصاب من نعمهم ما عجز عن حمله.

معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع-أبو عبيد عبدالله بن عبدالعزيز بن محمد البكري الأندلسي-توفي 487هـ/1094م


4-المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث (حرج)

(حرج) - في الحديث: "الَّلهُمَّ إنّي أُحرِّج حقَّ الضَّعِيفَين: اليَتِيمِ والمَرْأة".

: أي أُضَيِّقه وأُحرِّمه على من ظَلَمَهما والحَرَج: الحَرامُ.

قال الأصمَعِيّ: يقال: حَرِج عليَّ ظُلمُك: أي حَرُمَ. ويقال: أَحرِجْها بِتَطْلِيقَة: أي حَرِّمها. وقيل: الحَرَج: أَضيَقُ الضِّيق.

- ومنه الحَدِيث: "حدِّثوا عن بَنِي إِسرائيل ولا حَرَج".

قال بعضهم: أي لا حَرَج إِن لم تُحدِّثوا عنهم؛ لأنَّ قولَه عليه الصَّلاة والسَّلام في أَولِ الحَدِيث: "بَلِّغوا عَنِّي" على الوُجُوب، فلما أَتبعَ ذلك قَولَه: "وحَدِّثُوا عن بَنِي إسرائِيلَ ولا حَرَج" أَعلمَهم أَنَّه ليس على الوُجُوب، ولكنه على التَّوسِعَة. وهذا تَأوِيلٌ بَعِيدٌ.

كتب إليّ قراتكِين بن الأَسْعَد بن المَذْكور - رحمه الله - أَنَّ أَبا مُحمَّد الجوهَرِيّ أَخبرَهم، أنا علي بن عبد العزيز بن مَرْدَك، أنا عبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم [الرَّازِي] نا أَبِي، نا مُحَمَّد بن عبد الله ابن عبد الحكم قال: قال الشَّافعيّ: مَعنَى حَديثِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "حَدِّثُوا عن بَنِي إسرائِيلَ ولا حَرَج".

: أي لا بَأْس أن تُحَدِّثوا عنهم ما سَمِعْتم، وإن استَحال أن يَكُونَ في هذه الأمة مِثلُ ما رُوِي أَنَّ ثِيابَهم تَطُول، والنار تَنْزِل من السَّماءِ فتَأكُلُ القُربَان ليس أن يُحدَّث عنهم بالكَذِب، ويَدلُّ على صِحَّة قَولِ الشافِعِيّ، رضي الله عنه، ما رُوِي في بعضِ الرِّوايات عَقِيبَ الحَدِيث، فإنّ فيهم العَجَائِبَ.

وأخبرنا الِإمامُ أبو نَصْر: أَحْمد بن عمر، رضي الله عنه، أنا

مَسْعُود بن نَاصر، نا علِيّ بن بُشْرَى، أنا مُحمَّد بنُ الحُسَين بن عَاصِم.

قال: أخبرني محمَّدُ بنُ عبد الرَّحْمَن الهَمْدَاني بَبَغْداد، نا مُحَمَّد ابن مَخْلد، نا أبو بَكْر: أَحْمد بن عثمان بن سَعِيد الأَحْوَل. قال: سمعتُ أحمدَ بنَ حنبل يقول: "ما كَانَ أَصحابُ الحَديثِ يَعرِفون مَعانِي حَدِيثِ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - حتَّى جَاءَ الشَّافِعِيُّ فَبيَّنَها لهم.

وبإسناده أنا محمّدُ بن الحُسَين: أخبرَني عبدُ الرَّحمن بنُ العَبَّاس، قال: سَمِعتُ يَحيَى بنَ زكريا النَّيسَابُورِي، يقول: وجدت في كِتابِ أبي سَعِيد الفِريَابِي، عن المُزَنِيّ أَنَّه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حَدِّثوا عن بَنِي إسرائِيلَ ولا حَرَج، وحَدِثُّوا عَنِّي ولا تَكذِبوا عَليَّ". قال: ومَعْناه: أَنَّ الحَدِيث عنهم إذا حُدِّثتَ به فأَدَّيتَه كما سَمِعْتَه، حَقًّا كان أو غَيرَ حقٍّ، لم يَكُن عليك حَرَج لطُول العَهْد ووقُوعِ الفَتْرة.

والحَدِيث عن رَسُولِ اللهِ، - صلى الله عليه وسلم -، لا يَنْبَغِي أن تُحَدِّث به وتَقْبلَه إلَّا عن ثِقَة. وقد قال: "مَنْ حَدَّث عَنِّي حَدِيثًا يَرَى أَنّه كَذِب، فهو أَحَدُ الكاذِبَيْن" قال: فإذا حُدِّثْتَ بالحَدِيث يَكُون عِندَك كَذِبًا، ثم تُحدِّثُ به فأَنتَ أَحدُ الكَاذبين في المَأْثمَ.

- في الحديث: "قَدِم وفْدُ مَذْحِج على حَراجِيجَ".

الحَراجِيجُ: سمع حُرجُوج. قال الأصْمَعىّ: هي النَّاقة الطَّوِيلَة.

وقال أبو عَمْرو: هي الضامِرَة. وقيل: هي الوَقَّادَة القَلْب، ويقال: هو الذاهب اللحم حتَّى يتقَوَّس. وكذلك الحُرجُج، والحُرجُوج أَيضا: الرِّيح البَارِدَة.

- في حَديثِ يَوم حُنَيْن: "تَركُوه في حَرجَة".

: أي شَجْراء مُلتَفَّة.

- وفي حَديثٍ آخَر: "ذَهبتُ إلى أَبِي جَهْل في مثل الحَرَجَة ".

أي: الغَيْضَة التي تَضايَقَت لالْتِفافِها، والحَرَجُ: الضِّيق.

المجموع المغيث في غريبي القرآن-محمد بن عمر بن أحمد بن عمر بن محمد الأصبهاني المديني، أبو موسى-توفي: 581هـ/1185م


5-المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث (يوم)

(يوم) - في الحديث: "سَيّدُ الأَيَّام يَوْم الجُمعَةِ"

: يُرِيد به الأَيّامَ السَّبْعَةَ، والأَيّامُ - أيضًا -: الوَقْتُ.

قال الله تعالى: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}

- وفي الحديث: "تِلْكَ أيَّامُ الهَرْجِ"

: أي وَقْت الهَرْجِ؛ لأنَّ ذلك لا يختَصُّ باليَوم دُون اللّيلِ،

وَاليومُ بَياضُ النهار. وقيل: هو من حين الصُّبح، وَالنّهارُ من حين طُلُوع الشَّمس.

- في حديث ابن مسْعُود - رضي الله عنه -: "إذا اختَلفتُم في اليَاءِ والتّاءِ، يَعنِى في القرآن - فاجعلُوهُ ياءً"

: أي إن وقَعَت كلمةٌ تُقرأ باليَاءِ والتَّاءِ فاكتبُوهَا باليَاءِ، نحو قَوله تَعالَى: {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ}، و {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} و {اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ}.

وفي رِوَايَةٍ أخرى: "القُرآن ذكَرٌ فذَكِّرُوهُ"

: أي جليلٌ خَطيرٌ، فأجِلُّوهُ بالتَّذكِير.

والله تعالى أعلم.

قال المصنِّف - رَحِمَه الله -: هذا آخر مَا جَمعْنَاهُ في الوقتِ، وأنا أَعتَذرُ إلى الله تعالى، وأسْتَعْفيِهِ مِمَّا لم يرضَ من قولى وفِعلِى في هذا الكِتَاب وغَيره؛ فقد أخبرنى غَيرُ واحدٍ من مَشايخى - رَحِمَهم الله - إذنًا، أنَّ عبد الرحمن بن مُحمَّد الحَافظ، أخبرهم: حدَّثَنا على بن محمّد بن على الأَسفَراييني، أن أبو عمرو أحمد بن محمد بن عيسى الصفَّار الضَّرِير الأَسْفراييني قال: سَمِعتُ أبا عَوَانَةَ يقول: سَمِعتُ الميمونى يَقول: سُئل أحْمَد عن حَرفٍ مِن غَريب الحَدِيث

فقال: سَلُوا أصحَابَ الغَرِيب، فإنّى أكرَهُ أن أتكلَّم في قَولِ رَسولِ الله - صلّى الله عليه وسلّم - بالظَّنّ فأُخْطِئ، والآدمِىُّ لا يخلُو من سَهْوٍ وغَلَطٍ.

هذا مع اعْترافى بقصُورى وتَقْصِيرى؛ ولقد بلغنى بإسنادٍ لم يَحضُرنى عن الشافعىِ، فيما يغلبَ على ظنى: أنه طالَع كِتاَبًا لَهُ مِرارًا عِدَّةً يُصَحِّحه، فلما نَظَر فيه بَعدَ ذلك عَثرَ علَى خَلَلٍ فيه، فقال: "أبَى الله تعالى أن يَصِحَّ كِتَابٌ غيرُ كِتَابِه"

وأنَشَدَ بعضُ مَشايخِى عن بَعضِهم:

رُبَّ كتَابٍ قد تَصفَّحتُه

فقلتُ في نَفْسِىَ صَحَّحتُه

ثم إذا طالَعتُه ثانِيًا

رَأيتُ تصْحِيفًا فأصْلَحْتُه

فعَلَى الناظِرِ في هذا الكتاب إذا عَثَرَ على سَهْوٍ فيه أو خطَإٍ أن يَتأَمَّل فيه مُنصِفًا، فإن كان صَوَابُه أكثَر عفَا عن الخَطَأ وأَصلَحَه، وتَرحَّمَ على جامِعِه، وعَذرَه بما شَقِى في جمعِهِ وتَرتيبه، وأفنى مِن عُمُرِه في تحصِيلِهِ، وتَهْذِيبِه، رَغْبَةً في دُعَاءِ المستفيد منه بالغُفرَان والعَفو، وتفضَّل الله تعالى على ذُنُوبه بالمحْو. فإنَّه العَفُوُّ الغَفُور الرحيم الكَرِيم، وأنشِدُ قَولَ القائل:

يَا ناظِرًا في الكتَابِ بَعدِى

مُجتنِيًا من ثِمارِ جهدِى

إنّى فَقِيرٌ إلى دعاءٍ تُهدِ

يهِ لى في ظَلام لَحْدِى

وأَختِم الكِتابَ بما خَتَم به الهَرَوىُّ كِتابَه، وهوَ ما وجَدتُه على ظهرِ جُزءٍ لى بخَطٍّ عَتِيقٍ: أنشدنا المُقْرِئُ أبو عثمان سَعِيد بن مُحمّد

المزكِّى، قال: أنشدنا أبُو بَشير أحمد بن محمد بن حَسْنويه الحَسْنوِى، سنة ثلاث وستين وثلاثمائة قال: رَأيت في آخرِ كِتَابٍ لإسحاق بن إبراهيم الحنظَلِى بخطِّ يَدهِ، فَلاَ أدرِى عن قيلِه، أم قِيلِ غيره:

«لقدَ أتْمَمْتُه حَمدًا لِربّى *** على ما قد أعَانَ على الكتَابِ»

«ليَدعُو الله بعدِى مَن رَآه *** بِمَغفِرتى وإجْزالى الثَّوابِ»

«فقد أَيقَنتُ أن الكُتْبَ تَبقَى *** وتَبلَى صُورَتي تَحتَ التُّرابِ»

«وصلَّى الله ربُّ الخَلْقِ طُرًّا *** على المَبعُوثِ في خَيْر الصِّحابِ»

المجموع المغيث في غريبي القرآن-محمد بن عمر بن أحمد بن عمر بن محمد الأصبهاني المديني، أبو موسى-توفي: 581هـ/1185م


6-معجم المصطلحات البلاغية وتطورها (ائتلاف اللفظ مع المعنى)

ائتلاف اللّفظ مع المعنى:

أشار بشر بن المعتمر في صحيفته الى هذا الفن، وقال: «ومن أراغ معنى شريفا فليلتمس له لفظا كريما، فانّ حقّ المعنى الشريف اللفظ الشريف». وقال الجاحظ: «إلا اني أزعم ان سخيف الألفاظ مشاكل لسخيف المعاني»، وقال: «ومتى شاكل ـ أبقاك الله ـ ذلك اللفظ معناه وأعرب عن فحواه، وكان لتلك الحال وفقا ولذلك القدر لفقا، وخرج من سماجة الاستكراه، وسلم من فساد التكلف، كان قمينا بحسن الموقع وبانتفاع المستمع، وأجدر بأن يمنع جانبه من تناول الطاعنين، ويحمي عرضه من اعتراض العائبين، وألّا تزال القلوب به معمورة والصدور مأهولة». وقال: «ولكل ضرب من الحديث ضرب من اللفظ، ولكل نوع من المعاني نوع من الاسماء، فالسخيف للسخيف، والخفيف للخفيف، والجزل للجزل». وهذا هو التناسب بين اللفظ والمعنى، وقد سماه قدامة «ائتلاف اللفظ مع المعنى» وتحدث فيه عن المساواة والاشارة والإرداف والتمثيل. ولم يبين معناه غير أنّ الآمدي شرحه ولم «توف عبارته بايضاحه»، وتحدث عنه القاضي الجرجاني فقال: «لا آمرك باجراء أنواع الشعر كله مجرى واحدا، ولا أن تذهب بجميعه مذهب بعضه، بل أرى لك أن تقسّم الألفاظ على رتب المعاني فلا يكون غزلك كافتخارك، ولا مديحك كوعيدك، ولا هجاؤك كاستبطائك، ولا هزلك بمنزلة جدك، ولا تعريضك مثل تصريحك، بل ترتب كلّا مرتبته وتوفّيه حقه، فتلطّف إذا تغزلت، وتفخّم اذا افتخرت، وتتصرف للمديح تصرّف مواقعه، فانّ المدح بالشجاعة والبأس يتميز عن المدح باللباقة والظرف، ووصف الحرب والسلاح ليس كوصف المجلس والمدام، فلكل واحد من الأمرين نهج هو أملك به، وطريق لا يشاركه الآخر فيه».

وعدّ المرزوقي «مشاكلة اللفظ للمعنى» أحد أبواب عمود الشعر وقال:

«وعيار مشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية طول الدربة ودوام المدارسة فاذا حكما بحسن التباس بعضها ببعض لا جفاء في خلالها ولا نبوّ ولا زيادة فيها ولا قصور، وكان اللفظ مقسوما على رتب المعاني قد جعل الأخصّ للأخص، والأخسّ للأخس فهو البريء من العيب».

وقال المصري في تعريفه: «وتلخيص معنى هذه التسمية أن تكون ألفاظ المعنى المطلوب ليس فيها لفظة غير لائقة بذلك المعنى».

وقال العلوي: «هو أن تكون الألفاظ لائقة بالمعنى المقصود ومناسبة له، فاذا كان المعنى فخما كان اللفظ الموضوع له جزلا، واذا كان المعنى رقيقا كان اللفظ رقيقا فيطابقه في كل أحواله، وهما اذا خرجا على هذا المخرج وتلاءما هذه الملاءمة وقعا من البلاغة أحسن موقع، وتألفا على أحسن شكل، وانتظما في أوفق نظام. وهذا باب عظيم في علم البديع وجاء القرآن الكريم على هذا الاسلوب».

وقد أجمع البلاغيون الآخرون على هذا المعنى، وعلى أن تكون الألفاظ لائقة بالمعنى المقصود ومناسبة له. فاذا كان المعنى فخما كان اللفظ الموضوع له جزلا، واذا كان المعنى رشيقا كان اللفظ رقيقا، واذا كان غريبا كان اللفظ غريبا، واذا كان متداولا كان اللفظ مألوفا.

ومثاله قوله تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ} فعدل سبحانه عن الطين الذي أخبر في كثير من مواضع الكتاب العزيز أنه خلق آدم منه، منها قوله: {إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ} وقوله حكاية عن ابليس: {خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} فعدل ـ عزوجل ـ عن ذكر الطين الذي هو مجموع التراب والماء الى ذكر مجرد التراب؛ لأنّه أدنى العنصرين وأكثفهما لما كان المقصود مقابلة من ادعى في المسيح الالهية بما يصغر أمر خلقه عند من ادّعى ذلك، فلهذا كان الاتيان بلفظة التراب أمتن بالمعنى من غيرها من العناصر، ولو كان موضعه غيره لكان اللفظ غير مؤتلف بالمعنى المقصود. ولما أراد ـ سبحانه ـ الامتنان على بني اسرائيل بعيسى ـ عليه‌السلام ـ أخبرهم عنه أنه يخلق لهم من الطين كهيئة الطير تعظيما لأمر ما يخلقه باذنه، إذ كان المعنى المطلوب الاعتداد عليهم بخلقه ليعظموا قدر النعمة به. ومن طريف ما يتصل بهذا الفن ما جاء عن بشار فقد قيل له: إنّك لتجيء بالشيء المتفاوت، قال: وما ذاك؟ قيل: بينما تقول شعرا تثير به النقع وتخلع به القلوب مثل قولك:

«إذا ما غضبنا غضبة مضريّة***هتكنا حجاب الشّمس أو قطرت دما»

«إذا ما أعرنا سيدا من قبيلة***ذرى منبر صلّى علينا وسلّما»

تقول:

«ربابة ربّة البيت ***تصبّ الخلّ في الزيت »

«لها عشر دجاجات ***وديك حسن الصّوت »

فقال: لكل شيء وجه وموضع، فالقول الأول جد، وهذا قلته في جاريتي ربابة. ومن ذلك قول زهير:

«أثافيّ سفعا في معرّس مرجل ***ونؤيا كجذم الحوض لم يتثلّم »

«فلما عرفت الدار قلت لربعها***ألا انعم صباحا أيّها الرّبع واسلم »

فانه لما قصد إلى تركيب البيت الأول من ألفاظ تدل على معنى عربي لكن المعنى غريب، ركبّه من ألفاظ متوسطة بين الغرابة والاستعمال، ولما قصد في البيت الثاني الى معنى أبين من الأول وأعرف وإن كان غريبا ركّبه من ألفاظ مستعملة معروفة.

ومن هذا الباب ملاءمة الألفاظ في نظم الكلام على مقتضى المعنى لا من مجرد جملة اللفظ، فان الائتلاف من جهة ما تقدم من ملاءمة الغريب للغريب والمستعمل للمستعمل لا من جهة المعنى، بل ذلك من جهة اللفظ. وأما الذي من جهة المعنى فقوله تعالى: {وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ}، فانه ـ سبحانه ـ لما نهى عن الركون للظالمين، وهو الميل اليهم والاعتماد عليهم كان ذلك دون مشاركتهم في الظلم، أخبر أنّ العقاب على ذلك دون العقاب على الظلم وهو مسّ النار دون الاحراق والاصطلاء، وإن كان المسّ قد يطلق ويراد به الاستئصال بالعذاب وشمول الثواب أكبر مجازا، ولما كان المسّ أول ألم أو لذة يباشرها الممسوس جاز أن يطلق على ما يدلّ عليه استصحاب تلك الحال مجازا، والحقيقة ما ذكر، وهو في هذه الآية الكريمة على حقيقته.

فائتلاف اللفظ مع المعنى أساس الكلام البليغ، ويتضح ذلك في شعر الفحول من شعراء العرب، أما صغارهم فانهم يقعون بعيدا عن هذا الفن البديع.

معجم المصطلحات البلاغية وتطورها-أحمد مطلوب-صدر: 1403هـ/1983م


7-معجم المصطلحات البلاغية وتطورها (مشاكلة اللفظ للمعنى)

مشاكلة اللّفظ للمعنى:

مشاكلة اللفظ للمعنى من أبواب عمود الشعر التي حدّدها القدماء قال المرزوقي: «وعيار مشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية طول الدّربة ودوام المدارسة».

وقال الزركشي: «ومتى كان اللفظ جزلا كان المعنى كذلك»، ومنه قوله تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ}. ولم يقل من «طين» كما أخبر به سبحانه في غير موضع {إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ}، إنما عدل من الطين الذي هو مجموع الماء والتراب الى ذكر مجرد التراب لمعنى لطيف، وذلك أنّه أدنى العنصرين وأكثفهما لما كان المقصود مقابلة من ادّعى في المسبح الالهية أتى بما يصغر أمر خلقه عند من ادعى ذلك فلهذا كان الإتيان بلفظ التراب أمسّ في المعنى من غيره من العناصر ولما أراد سبحانه الامتنان على بني إسرائيل أخبرهم أن يخلق لهم من الطين كهيئة الطير تعظيما لأمر ما يخلقه باذنه إذ كان المطلوب الاعتداد عليهم بخلقه ليعظموا قدر النعمة به.

ومنه قوله تعالى: {وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ}. فانه سبحانه إنما اقتصر على ذكر الماء دون بقية العناصر لانه أتى بصيغة الاستغراق، وليس في العناصر الاربع ما يعمّ جميع المخلوقات إلا الماء ليدخل الحيوان البريّ فيها.

والمشاكلة بين اللفظ والمعنى ضرورية في التعبير، لأنّ لكل معنى لفظا يدلّ عليه في صورة من الصور التي يريد الشاعر أو الكاتب أن يعبر عنها.

معجم المصطلحات البلاغية وتطورها-أحمد مطلوب-صدر: 1403هـ/1983م


8-موسوعة الفقه الكويتية (حيلة)

حِيلَةٌ

التَّعْرِيفُ:

1- الْحِيلَةُ لُغَةً: الْحِذْقُ فِي تَدْبِيرِ الْأُمُورِ، وَهُوَ تَقْلِيبُ الْفِكْرِ حَتَّى يَهْتَدِيَ إِلَى الْمَقْصُودِ، وَأَصْلُ الْيَاءِ وَاوٌ، وَهِيَ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى حَالَةٍ مَا، فِي خُفْيَةٍ.

وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَالِهَا فِيمَا فِي تَعَاطِيهِ خُبْثٌ.وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ فِيمَا فِيهِ حِكْمَةٌ.

وَأَصْلُهَا مِنَ الْحَوْلِ، وَهُوَ التَّحَوُّلُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ بِنَوْعِ تَدْبِيرٍ وَلُطْفٍ يُحِيلُ بِهِ الشَّيْءَ عَنْ ظَاهِرِهِ، أَوْ مِنَ الْحَوْلِ بِمَعْنَى الْقُوَّةِ.وَتُجْمَعُ الْحِيلَةُ عَلَى الْحِيَلِ.

أَمَّا فِي الِاصْطِلَاحِ فَيَسْتَعْمِلُ الْفُقَهَاءُ الْحِيلَةَ بِمَعْنًى أَخَصَّ مِنْ مَعْنَاهَا فِي اللُّغَةِ، فَهِيَ نَوْعٌ مَخْصُوصٌ مِنَ الْعَمَلِ الَّذِي يَتَحَوَّلُ بِهِ فَاعِلُهُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، ثُمَّ غَلَبَ اسْتِعْمَالُهَا عُرْفًا فِي سُلُوكِ الطُّرُقِ الْخَفِيَّةِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى حُصُولِ الْغَرَضِ، بِحَيْثُ لَا يُتَفَطَّنُ لَهَا إِلاَّ بِنَوْعٍ مِنَ الذَّكَاءِ وَالْفَطِنَةِ.

الْأَلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

الْخُدْعَةُ:

2- أَصْلُ الْخُدْعَةِ إِخْفَاءُ الشَّيْءِ أَوِ الْفَسَادُ.وَيُرَادُ بِهَا إِظْهَارُ مَا يُبْطَنُ خِلَافُهُ، أَرَادَ اجْتِلَابَ نَفْعٍ، أَوْ دَفْعَ ضُرٍّ، وَلَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ بَعْدَ تَدَبُّرٍ، وَنَظَرٍ، وَفِكْرٍ، وَهَذَا مَا يُفَرِّقُهُ عَنِ الْحِيلَةِ.

فَهُوَ بِمَعْنَى الْخَدِيعَةِ، وَكَذَلِكَ الْخِلَابَةُ.

الْغُرُورُ:

3- الْغُرُورُ: إِيهَامٌ يَحْمِلُ الْإِنْسَانَ عَلَى فِعْلِ مَا يَضُرُّهُ.

التَّدْبِيرُ:

4- التَّدْبِيرُ تَقْوِيمُ الْأَمْرِ عَلَى مَا يَكُونُ فِيهِ صَلَاحُ عَاقِبَتِهِ.

وَأَصْلُهُ مِنَ الدُّبُرِ، وَأَدْبَارُ الْأُمُورِ عَوَاقِبُهَا.

فَيَشْتَرِكُ التَّدْبِيرُ وَالْحِيلَةُ، مِنْ حَيْثُ إِنَّ فِي كُلٍّ إِحَالَةُ شَيْءٍ مِنْ جِهَةٍ إِلَى جِهَةٍ أُخْرَى، وَاخْتَصَّ التَّدْبِيرُ بِمَا يَكُونُ فِيهِ صَلَاحُ الْعَاقِبَةِ، أَمَّا الْحِيلَةُ فَتَعُمُّ الصَّلَاحَ وَالْفَسَادَ.

الْكَيْدُ:

5- الْكَيْدُ إِيقَاعُ الْمَكْرُوهِ بِالْغَيْرِ عَلَى وَجْهِ الْمَكْرِ وَالْخَدِيعَةِ.

وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ الِاحْتِيَالِ وَقَدْ يَكُونُ مَذْمُومًا أَوْ مَمْدُوحًا، وَفِي الْأَوَّلِ أَكْثَرُ، وَكَذَلِكَ الِاسْتِدْرَاجُ وَالْمَكْرُ وَبَعْضُ ذَلِكَ مَمْدُوحٌ كَمَا فِي قوله تعالى: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ}

الْمَكْرُ:

6- الْمَكْرُ صَرْفُ الْغَيْرِ عَمَّا يَقْصِدُهُ بِحِيلَةٍ، وَمِنْهُ الْمَحْمُودُ وَالْمَذْمُومُ.

وَهُوَ أَخَصُّ مِنَ الْحِيلَةِ.

التَّوْرِيَةُ وَالتَّعْرِيضُ:

7- التَّوْرِيَةُ وَالتَّعْرِيضُ: أَنْ تُطْلِقَ لَفْظًا ظَاهِرًا فِي مَعْنًى، وَتُرِيدَ بِهِ مَعْنًى آخَرَ يَتَنَاوَلُهُ ذَلِكَ اللَّفْظُ لَكِنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِهِ.

وَأَصْلُ التَّوْرِيَةِ السِّتْرُ، وَالتَّعْرِيضُ خِلَافُ التَّصْرِيحِ.

الذَّرِيعَةُ:

8- الذَّرِيعَةُ: الْوَسِيلَةُ إِلَى الشَّيْءِ، وَسَدُّ الذَّرِيعَةِ قَطْعُ الْأَسْبَابِ الْمُبَاحَةِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى الْمُحَرَّمِ.

تَقْسِيمُ الْحِيَلِ:

تَنْقَسِمُ الْحِيَلِ بِاعْتِبَارِ مَشْرُوعِيَّتِهَا إِلَى حِيَلٍ مَشْرُوعَةٍ وَحِيَلٍ مُحَرَّمَةٍ.

الْحِيَلُ الْمَشْرُوعَةُ:

9- وَهِيَ الْحِيَلُ الَّتِي تُتَّخَذُ لِلتَّخَلُّصِ مِنَ الْمَآثِمِ لِلتَّوَصُّلِ إِلَى الْحَلَالِ، أَوْ إِلَى الْحُقُوقِ، أَوْ إِلَى دَفْعِ بَاطِلٍ، وَهِيَ الْحِيَلُ الَّتِي لَا تَهْدِمُ أَصْلًا مَشْرُوعًا وَلَا تُنَاقِضُ مَصْلَحَةً شَرْعِيَّةً.

وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ:

أ- أَنْ تَكُونَ الْحِيلَةُ مُحَرَّمَةً وَيُقْصَدَ بِهَا الْوُصُولُ إِلَى الْمَشْرُوعِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ حَقٌّ فَيَجْحَدَهُ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ، فَيُقِيمُ صَاحِبُ الْحَقِّ شَاهِدَيْ زُورٍ يَشْهَدَانِ بِهِ وَلَا يَعْلَمَانِ ثُبُوتَ هَذَا الْحَقِّ.

وَمُتَّخِذُ هَذَا الْقِسْمِ مِنَ الْحِيَلِ يَأْثَمُ عَلَى الْوَسِيلَةِ دُونَ الْقَصْدِ.

وَيُجِيزُ هَذَا مَنْ يُجِيزُ مَسْأَلَةَ الظَّفَرِ بِالْحَقِّ، فَيَجُوزُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ دُونَ بَعْضٍ.

ب- أَنْ تَكُونَ الْحِيلَةُ مَشْرُوعَةً وَتُفْضِيَ إِلَى مَشْرُوعٍ.

وَمِثَالُهَا الْأَسْبَابُ الَّتِي نَصَبَهَا الشَّارِعُ مُفْضِيَةً إِلَى مُسَبَّبَاتِهَا، كَالْبَيْعِ، وَالْإِجَارَةِ وَأَنْوَاعِ الْعُقُودِ الْأُخْرَى، وَيَدْخُلُ فِيهِ التَّحَيُّلُ عَلَى جَلْبِ الْمَنَافِعِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ.

ج- أَنْ تَكُونَ الْحِيلَةُ لَمْ تُوضَعْ وَسِيلَةً إِلَى الْمَشْرُوعِ فَيَتَّخِذُهَا الْمُتَحَيِّلُ وَسِيلَةً إِلَى ذَلِكَ، وَمِثَالُهُ الْمَعَارِيضُ الْجَائِزَةُ فِي الْكَلَامِ.

وَمِنَ الْحِيَلِ الْمَشْرُوعَةِ مَا لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ وَمِنْهَا مَا هُوَ مَحَلُّ تَرَدُّدٍ وَإِشْكَالٍ وَمَوْضِعُ خِلَافٍ.

الْحِيَلُ الْمُحَرَّمَةُ:

10- وَهِيَ الْحِيَلُ الَّتِي تُتَّخَذُ لِلتَّوَصُّلِ بِهَا إِلَى مُحَرَّمٍ، أَوْ إِلَى إِبْطَالِ الْحُقُوقِ، أَوْ لِتَمْوِيهِ الْبَاطِلِ أَوْ إِدْخَالِ الشُّبَهِ فِيهِ.وَهِيَ الْحِيَلُ الَّتِي تَهْدِمُ أَصْلًا شَرْعِيًّا أَوْ تُنَاقِضُ مَصْلَحَةً شَرْعِيَّةً.وَالْحِيَلُ الْمُحَرَّمَةُ مِنْهَا مَا لَا خِلَافَ فِي تَحْرِيمِهِ وَمِنْهَا مَا هُوَ مَحَلُّ تَرَدُّدٍ وَخِلَافٍ.

وَالْحِيَلُ الْمُحَرَّمَةُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ وَهِيَ:

أ- أَنْ تَكُونَ الْحِيلَةُ مُحَرَّمَةً وَيُقْصَدَ بِهَا مُحَرَّمٌ:

وَمِثَالُهُ مَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثَلَاثًا وَأَرَادَ التَّخَلُّصَ مِنْ عَارِ التَّحْلِيلِ، فَإِنَّهُ يُحَالُ لِذَلِكَ بِالْقَدْحِ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ بِفِسْقِ الْوَلِيِّ، أَوِ الشُّهُودِ فَلَا يَصِحُّ الطَّلَاقُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ.

ب- أَنْ تَكُونَ الْحِيلَةُ مُبَاحَةً فِي نَفْسِهَا وَيُقْصَدَ بِهَا مُحَرَّمٌ.

كَمَا يُسَافِرُ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ، أَوْ قَتْلِ النَّفْسِ الْمَعْصُومَةِ.

ج- أَنْ تَكُونَ الْحِيلَةُ لَمْ تُوضَعْ وَسِيلَةً إِلَى الْمُحَرَّمِ بَلْ إِلَى الْمَشْرُوعِ، فَيُتَّخَذُهَا الْمُحْتَالُ وَسِيلَةً إِلَى الْمُحَرَّمِ.

كَمَنْ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ لِوَارِثِهِ، فَيَحْتَالَ لِذَلِكَ بِأَنْ يُقِرَّ لَهُ، فَيَتَّخِذَ الْإِقْرَارَ وَسِيلَةً لِلْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ.

أَدِلَّةُ مَشْرُوعِيَّةِ الْحِيَلِ الْمُبَاحَةِ:

11- تَقَدَّمَ التَّعْرِيفُ بِالْحِيَلِ الْمَشْرُوعَةِ وَهَذَا بَيَانٌ لِأَدِلَّةِ مَشْرُوعِيَّتِهَا:

أ- قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا} أَرَادَ بِالْحِيلَةِ التَّحَيُّلَ عَلَى التَّخَلُّصِ مِنَ الْكُفَّارِ، وَهَذِهِ حِيلَةٌ مَحْمُودَةٌ يُثَابُ عَلَيْهَا مَنْ عَمِلَهَا.

ب- مُبَاشَرَةُ الْأَسْبَابِ الْمَشْرُوعَةِ حِيلَةٌ عَلَى حُصُولِ مُسَبَّبَاتِهَا، كَالْأَكْلِ، وَالشُّرْبِ، وَاللُّبْسِ وَالسَّفَرِ الْوَاجِبِ، وَكَذَلِكَ الْعُقُودُ الشَّرْعِيَّةُ وَاجِبُهَا وَمُسْتَحَبُّهَا وَمُبَاحُهَا كُلُّهَا حِيلَةٌ عَلَى حُصُولِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَإِذَا كَانَتِ الْحِيلَةُ سَبَبًا مَشْرُوعًا وَمَا تُفْضِي إِلَيْهِ مَشْرُوعٌ فَلَا مَعْنَى لِمَنْعِهَا.

ج- إِنَّ الْعَاجِزَ الَّذِي لَا حِيلَةَ عِنْدَهُ لِجَهْلِهِ بِطُرُقِ تَحْصِيلِ مَصَالِحِهِ مَذْمُومٌ، لِأَنَّهُ لَا خِبْرَةَ لَهُ بِطُرُقِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ خَفِيِّهَا وَظَاهِرِهَا، فَيُحْسِنُ التَّوَصُّلَ إِلَى مَقَاصِدِهِ الْمَحْمُودَةِ الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِأَنْوَاعِ الْحِيَلِ، وَيَعْرِفُ طُرُقَ الشَّرِّ الظَّاهِرَةَ وَالْخَفِيَّةَ الَّتِي يَتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى خِدَاعِهِ وَالْمَكْرِ بِهِ فَيَحْتَرِزُ مِنْهَا.وَقَدْ كَانَ «حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ- رضي الله عنه- أَعْلَمَ النَّاسِ بِالشَّرِّ وَالْفِتَنِ، وَكَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- عَنِ الْخَيْرِ، وَكَانَ هُوَ يَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَهُ».

د- إِنَّ الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجَلِهِ حُرِّمَتِ الْحِيَلُ هُوَ أَنَّهَا تَهْدِمُ الْأُصُولَ الشَّرْعِيَّةَ، وَتُنَاقِضُ الْمَصَالِحَ الشَّرْعِيَّةَ، فَإِذَا انْتَفَى هَذَا الْمَعْنَى وَكَانَتِ الْحِيَلُ مِمَّا لَا يُنَاقِضُ الْأُصُولَ الشَّرْعِيَّةَ فَلَا مَعْنَى لِمَنْعِهَا بَلْ كَانَتْ مِنَ الْمَشْرُوعِ.

هـ- أَجَازَتِ الشَّرِيعَةُ لِلْمُكْرَهِ عَلَى الْكُفْرِ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ إِحْرَازًا لِدَمِهِ، وَفِي هَذَا تَحَيُّلٌ عَلَى إِحْرَازِ الدَّمِ، وَالتَّحَيُّلُ هُنَا كَالتَّحَيُّلِ بِكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ إِحْرَازًا لِلدَّمِ، كَذَلِكَ كَمَا فِي قَوْلِهِ: - صلى الله عليه وسلم- «فَإِذَا قَالُوا لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا» فَكُلٌّ مِنَ الْحَالَتَيْنِ نَطَقَ بِكَلِمَةٍ مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادِ مَعْنَاهَا تَوَصُّلًا إِلَى غَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ، وَهُوَ إِحْرَازُ الدَّمِ، فَأُجْرِيَتْ عَلَيْهِمَا أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ فِي الظَّاهِرِ.

و- إِنَّ الْخُرُوجَ مِنَ الْحَرَامِ إِلَى الْحَلَالِ وَالتَّخَلُّصَ مِنَ الْمَآثِمِ أَمْرٌ وَاجِبٌ شَرْعًا، وَالتَّحَيُّلُ لَهُ بِاِتِّخَاذِ الْوَسَائِلِ وَالْأَسْبَابِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَيْهِ أَمْرٌ مَطْلُوبٌ شَرْعًا كَذَلِكَ، وَلَا تَخْرُجُ الْحِيَلُ الْمُبَاحَةُ عَنْ هَذَا.

مِنْ ذَلِكَ قوله تعالى: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} وَهِيَ حِيلَةٌ لِلْخُرُوجِ مِنَ الْحِنْثِ، وَقَدْ عَمِلَ بِهِ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم- فِي حَقِّ الضَّعِيفِ الَّذِي زَنَى، وَهُوَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ فِي السُّنَنِ، حَيْثُ إِنَّهُ أَخْبَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- مِنَ الْأَنْصَارِ أَنَّهُ «اشْتَكَى رَجُلٌ مِنْهُمْ حَتَّى أَضْنَى، فَعَادَ جِلْدَةً عَلَى عَظْمٍ، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ جَارِيَةٌ لِبَعْضِهِمْ، فَهَشَّ لَهَا فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ رِجَالُ قَوْمِهِ يَعُودُونَهُ أَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ، وَقَالَ: اسْتَفْتُوا لِي رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- فَإِنِّي قَدْ وَقَعَتُ عَلَى جَارِيَةٍ دَخَلَتْ عَلَيَّ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- وَقَالُوا: مَا رَأَيْنَا بِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ مِنَ الضُّرِّ مِثْلَ الَّذِي هُوَ بِهِ، لَوْ حَمَلْنَاهُ إِلَيْكَ لَتَفَسَّخَتْ عِظَامُهُ، مَا هُوَ إِلاَّ جِلْدٌ عَلَى عَظْمٍ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- أَنْ يَأْخُذُوا لَهُ مِائَةَ شِمْرَاخٍ، فَيَضْرِبُوهُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً».

وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ «أَنَّ الرَّسُولَ- صلى الله عليه وسلم- اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-: أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- لَا تَفْعَلْ بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا».

وَفِي أَمْرِهِ- صلى الله عليه وسلم- بِأَنْ يَشْتَرِيَ بِالدَّرَاهِمِ تَمْرًا، وَنَهْيِهِ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِمِثْلِهِ خُرُوجٌ مِمَّا لَا يَحِلُّ لِمَا فِيهِ مِنَ الرِّبَا إِلَى مَا يَحِلُّ وَهُوَ الْبَيْعُ، وَهُوَ خُرُوجٌ مِنَ الْإِثْمِ.

أَدِلَّةُ تَحْرِيمِ الْحِيَلِ الْمُحَرَّمَةِ:

12- إِنَّ الْحِيَلَ الْمُحَرَّمَةَ تَقُومُ عَلَى الْمُخَادَعَةِ وَالتَّلْبِيسِ وَالتَّدْلِيسِ، وَعَلَى اتِّخَاذِ الْوَسَائِلِ الْمَشْرُوعَةِ، وَغَيْرِ الْمَشْرُوعَةِ، لِلْوُصُولِ إِلَى الْحَرَامِ وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: 1- قَوْلُهُ- صلى الله عليه وسلم-: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ».

لِأَنَّ فِيهِ اسْتِحْلَالَ الزِّنَى بِاسْمِ النِّكَاحِ، فَإِنَّ قَوْلَ الْمُحَلِّلِ تَزَوَّجْتُ هَذِهِ الْمَرْأَةَ، أَوْ قَبِلْتُ هَذَا النِّكَاحَ، وَهُوَ غَيْرُ مُبْطِنٍ لِحَقِيقَةِ النِّكَاحِ وَلَا يَقْصِدُ أَنْ تَكُونَ زَوْجَةً لَهُ، وَلَا هِيَ مَرِيدَةٌ لِذَلِكَ وَلَا الْوَلِيُّ، فَقَدْ تَوَسَّلَ بِاللَّفْظِ الشَّرْعِيِّ إِلَى مَا يُنَافِي مَقْصُودَ الْعَقْدِ، أَوْ إِلَى أَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ أَحْكَامِ الْعَقْدِ، وَهُوَ عَوْدُ الْمَرْأَةِ إِلَى زَوْجِهَا الْمُطَلِّقِ.

وَقَدْ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- سُئِلَ فِي نِكَاحِ الْمُحَلِّلِ فَقَالَ: لَا، إِلاَّ نِكَاحَ رَغْبَةٍ، لَا نِكَاحَ دُلْسَةٍ، وَلَا اسْتِهْزَاءً بِكِتَابِ اللَّهِ، ثُمَّ يَذُوقُ عُسَيْلَتَهَا».

2- قَوْلُهُ- صلى الله عليه وسلم-: «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمِ الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا» فَاحْتَالُوا عَلَى تَحْرِيمِ أَكْلِ الشُّحُومِ بِأَكْلِ أَثْمَانِهَا.

3- قَوْلُ الْمُرَابِي بِعْتُكَ هَذِهِ السِّلْعَةَ بِكَذَا كَمَا فِي بَيْعِ الْعِينَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ عَلَى أَنْ يَسْتَرِدَّهَا مِنْهُ بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَهَا، وَلَمْ يَكُنْ مَرِيدًا لِحَقِيقَةِ الْبَيْعِ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي غَرَضٌ فِي السِّلْعَةِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَإِنَّمَا قَصَدَ الْبَائِعُ عَوْدَ السِّلْعَةِ إِلَيْهِ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ.

وَصَحَّ عَنْ أَنَسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ- رضي الله عنهما- أَنَّهُمَا سُئِلَا عَنِ الْعِينَةِ، فَقَالَا إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْدَعُ هَذَا مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَسَمَّيَا ذَلِكَ خِدَاعًا.

4- لَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْيَهُودَ عَلَى تَحَايُلِهِمْ عَلَى الْحَرَامِ فَقَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} فَلَقَدْ حَرَّمَ عَلَى الْيَهُودِ أَنْ يَعْمَلُوا فِي السَّبْتِ شَيْئًا، فَكَانَ بَعْضُهُمْ يَحْفِرُ الْحَفِيرَةَ، وَيَجْعَلُ لَهَا نَهَرًا إِلَى الْبَحْرِ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ السَّبْتِ فَتَحَ النَّهَرَ فَأَقْبَلَ الْمَوْجُ بِالْحِيتَانِ يَضْرِبُهَا حَتَّى يُلْقِيَهَا فِي الْحَفِيرَةِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْأَحَدِ، جَاءُوا فَأَخَذُوا مَا تَجَمَّعَ فِي الْحَفِيرَةِ مِنْ حِيتَانٍ وَقَالُوا: إِنَّمَا صِدْنَاهُ يَوْمَ الْأَحَدِ، فَعُوقِبُوا بِالْمَسْخِ قِرَدَةً لِأَنَّهُمُ اسْتَحَلُّوا الْحَرَامَ بِالْحِيلَةِ.

وَلَقَدْ حَذَّرَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم- مِنِ ارْتِكَابِ الْحِيَلِ، كَمَا فَعَلَتْهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ فَقَالَ- صلى الله عليه وسلم-: «لَا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتِ الْيَهُودُ فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللَّهِ بِأَدْنَى الْحِيَلِ».

وَمَعْنَى أَدْنَى الْحِيَلِ، أَيْ أَسْهَلِهَا وَأَقْرَبِهَا، كَمَا فِي الْمُطَلِّقِ ثَلَاثًا، فَمِنَ السَّهْلِ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَ مَالًا لِمَنْ يَنْكِحُ مُطَلَّقَتَهُ لِيُحِلَّهَا لَهُ، بِخِلَافِ الطَّرِيقِ الشَّرْعِيِّ الَّتِي هِيَ نِكَاحُ الرَّغْبَةِ، فَإِنَّهَا يَصْعُبُ مَعَهَا عَوْدُهَا إِلَيْهِ.وَكَذَلِكَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُقْرِضَ أَلْفًا بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَمِنْ أَدْنَى الْحِيَلِ أَنْ يُعْطِيَهُ أَلْفًا إِلاَّ دِرْهَمًا بِاسْمِ الْقَرْضِ، وَيَبِيعَهُ خِرْقَةً تُسَاوِي دِرْهَمًا بِخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَدِرْهَمٍ، فَإِنَّهَا مِنْ أَدْنَى الْحِيَلِ إِلَى الرِّبَا وَأَسْهَلِهَا، كَمَا فَعَلَتِ الْيَهُودُ فِي الِاعْتِدَاءِ يَوْمَ السَّبْتِ.

5- قَوْلُهُ- صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ تَابِعَةٌ لِمَقَاصِدِهَا وَنِيَّاتِهَا، وَأَنَّهُ لَيْسَ لِلْعَبْدِ مِنْ ظَاهِرِ قَوْلِهِ وَعَمَلِهِ إِلاَّ مَا نَوَاهُ وَأَبْطَنَهُ لَا مَا أَعْلَنَهُ وَأَظْهَرَهُ، فَمَنْ نَوَى الرِّبَا بِعَقْدِ الْبَيْعِ فِي الرِّبَوِيَّاتِ وَأَدَّى إِلَى الرِّبَا كَانَ مُرَابِيًا، وَكُلُّ عَمَلٍ قُصِدَ بِهِ التَّوَصُّلُ إِلَى تَفْوِيتِ حَقٍّ كَانَ مُحَرَّمًا.وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (مَخَارِجُ).

(

موسوعة الفقه الكويتية-وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت-صدرت بدءًا من: 1404هـ/1984م


9-موسوعة الفقه الكويتية (خديعة)

خَدِيعَةٌ

التَّعْرِيفُ:

1- الْخَدِيعَةُ وَالْخُدْعَةُ مَصْدَرُ خَدَعَ يَخْدَعُ إِظْهَارُ الْإِنْسَانِ خِلَافَ مَا يُخْفِيهِ.أَوْ هُوَ بِمَعْنَى الْخَتْلِ وَإِرَادَةِ الْمَكْرُوهِ.وَالْفَاعِلُ: الْخَادِعُ، وَخَدَّاعٌ وَخَدُوعٌ مُبَالَغَةٌ، وَالْخُدْعَةُ- بِالضَّمِّ- مَا يُخْدَعُ بِهِ الْإِنْسَانُ مِثْلُ اللُّعْبَةِ لِمَا يُلْعَبُ بِهِ وَالْحَرْبُ خُدْعَةٌ- مُثَلَّثَةُ الْخَاءِ- وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ.قَالَ ثَعْلَبٌ: بَلَغَنَا أَنَّهَا لُغَةُ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم-.

وَلَا يَخْرُجُ الْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيُّ عَنْ هَذَا

الْأَلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ- الْغَدْرُ:

2- الْغَدْرُ، هُوَ تَرْكُ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ، أَوْ نَقْضُهُ.قَالَ: غَدَرَهُ وَغَدَرَ بِهِ غَدْرًا: أَيْ خَانَهُ، وَنَقَضَ عَهْدَهُ.

ب- الْغَبْنُ:

3- هُوَ مِنْ غَبَنَهُ يَغْبِنُهُ غَبْنًا- بِتَسْكِينِ الْبَاءِ- فِي الْبَيْعِ أَيْ: خَدَعَهُ، وَغُبِنَ الرَّأْيَ وَغُبِنَ فِيهِ غَبْنًا وَغَبَنًا- بِفَتْحِ الْبَاءِ- غَلِطَ فِيهِ وَنَسِيَهُ وَأَغْفَلَهُ.وَالْغَبْنُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ يَكُونُ فِي الْبَيْعِ خَاصَّةً.

فَهُوَ أَخَصُّ مِنَ الْخَدِيعَةِ.

ج- الْخِيَانَةُ:

4- الْخِيَانَةُ: التَّفْرِيطُ فِي الْعَهْدِ وَالْأَمَانَةِ وَتَرْكُ النُّصْحِ فِيهَا.وَالْخَدِيعَةُ قَدْ تَكُونُ مَعَ خِيَانَةِ الْأَمَانَةِ وَقَدْ لَا تَكُونُ.

د- الْغُرُورُ، وَالتَّغْرِيرُ:

5- الْغُرُورُ مَصْدَرُ غَرَّهُ يَغُرُّهُ غُرُورًا، إِذَا خَدَعَهُ وَأَطْمَعَهُ بِالْبَاطِلِ.

وَالتَّغْرِيرُ إِيقَاعُ الشَّخْصِ فِي الْغَرَرِ.

وَالْغَرَرُ مَا انْطَوَتْ عَنْكَ عَاقِبَتُهُ، أَوْ مَا تَرَدَّدَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ أَغْلَبُهُمَا أَخْوَفُهُمَا.

هـ- الْغِشُّ:

6- وَهُوَ مَصْدَرُ غَشَّهُ يَغُشُّهُ- بِالضَّمِّ- غِشًّا لَمْ يُمَحِّضْهُ النُّصْحَ، أَوْ أَظْهَرَ لَهُ خِلَافَ مَا يُبْطِنُهُ، يُقَالُ: شَيْءٌ مَغْشُوشٌ.

و- التَّدْلِيسُ:

7- التَّدْلِيسُ، كِتْمَانُ عَيْبِ الشَّيْءِ وَأَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِي الْبَيْعِ.

فَالتَّدْلِيسُ نَوْعٌ مِنَ الْخَدِيعَةِ.

ز- التَّوْرِيَةُ:

8- وَهِيَ مِنْ وَرَّى الْخَبَرَ تَوْرِيَةً: أَيْ سَتَرَهُ، وَأَظْهَرَ غَيْرَهُ

فَهِيَ أَيْضًا نَوْعٌ مِنَ الْخَدِيعَةِ.

ح- التَّزْوِيرُ:

9- هُوَ تَحْسِينُ الشَّيْءِ، وَوَصْفُهُ بِخِلَافِ صِفَتِهِ حَتَّى يُخَيَّلَ إِلَى مَنْ يَسْمَعُهُ أَوْ يَرَاهُ أَنَّهُ بِخِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ فِي الْحَقِيقَةِ، فَهُوَ تَمْوِيهُ الْبَاطِلِ بِمَا يُوهِمُ أَنَّهُ حَقٌّ.وَأَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِي الْمُسْتَنَدَاتِ مِنَ الْوَثَائِقِ وَالشَّهَادَاتِ

ط- الْحِيلَةُ:

10- هِيَ فِي اللُّغَةِ الْحِذْقُ وَجَوْدَةُ النَّظَرِ وَالْقُدْرَةُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي تَدْبِيرِ الْأُمُورِ.

وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْقَيِّمِ أَنَّهُ غَلَبَ فِي الْعُرْفِ عَلَى الْحِيلَةِ اسْتِعْمَالُهَا فِي سُلُوكِ الطُّرُقِ الْخَفِيَّةِ الَّتِي يَتَوَصَّلُ بِهَا الرَّجُلُ إِلَى حُصُولِ غَرَضِهِ، بِحَيْثُ لَا يَتَفَطَّنُ لَهُ إِلاَّ بِنَوْعٍ مِنَ الذَّكَاءِ وَالْفِطْنَةِ.

وَقَالَ الرَّاغِبُ: وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَالِهَا فِيمَا فِي تَعَاطِيهِ خَبَثٌ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيمَا فِي اسْتِعْمَالِهِ حِكْمَةٌ.

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

11- الْخَدِيعَةُ بِمَعْنَى- إِظْهَارِ الْإِنْسَانِ خِلَافَ مَا يُخْفِيهِ- حَرَامٌ إِذَا كَانَ فِيهَا خِيَانَةُ أَمَانَةٍ، أَوْ نَقْضُ عَهْدٍ.وَهَذَا لَا يُعْلَمُ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ، وَتَوَاتَرَتْ نُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ فِي النَّهْيِ عَنْهَا.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} وَقَوْلُهُ: {فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ}

وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: « يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلَالِ كُلِّهَا إِلاَّ الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ ».وَقَالَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم-: « إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ » وَعَدَّهَا النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم- مِنْ عَلَامَاتِ النِّفَاقِ فَقَالَ: « آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ ».

وَقَالَ النَّبِيُّ- عليه الصلاة والسلام-: « إِنِّي لَا أَخِيسُ بِالْعَهْدِ وَلَا أَحْبِسُ الْبُرُدَ ».

قَالَ الصَّنْعَانِيُّ فِي سُبُلِ السَّلَامِ: فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى حِفْظِ الْعَهْدِ، وَالْوَفَاءِ بِهِ.وَنَهَى النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم-: عَنْ عُقُودٍ مُعَيَّنَةٍ تَدْخُلُ فِيهَا الْخَدِيعَةُ مِنَ النَّجْشِ، وَالتَّصْرِيَةِ، وَتَلَقِّي الرُّكْبَانِ.وَنَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ لِلْمَخْدُوعِ فِيهَا حَقَّ خِيَارِ الْفَسْخِ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ- رضي الله عنهما-: قَالَ: « إِنَّ رَجُلًا ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ، فَقَالَ: إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ » أَيْ لَا خَدِيعَةَ.

(ر: نَجْشٌ، وَتَصْرِيَةٌ، وَتَدْلِيسٌ).

الْخَدِيعَةُ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ:

12- أَمَّا الْخَدِيعَةُ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْحَرْبِ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَهْدٌ، فَلَا يَجُوزُ الْخُدَعُ، وَلَا التَّبْيِيتُ بِالْهُجُومِ الْغَادِرِ، وَهُمْ آمِنُونَ مُطْمَئِنُّونَ إِلَى عَهْدٍ لَمْ يُنْقَضْ، وَلَمْ يُنْبَذْ، حَتَّى لَوْ كُنَّا نَخْشَى الْخِيَانَةَ مِنْ جَانِبِهِمْ.قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} وَقَالَ: {فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ} وَقَالَ: {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ} وَأَمَّا إِذَا اسْتَشْعَرَ الْإِمَامُ عَزْمَهُمْ عَلَى الْخِيَانَةِ بِأَمَارَاتٍ تَدُلُّ عَلَيْهَا لَا بِمُجَرَّدِ تَوَهُّمٍ، لَمْ يُنْتَقَضْ عَهْدُهُمْ، وَلَا يَجُوزُ خَدْعُهُمْ وَلَا تَبْيِيتُهُمْ بِهُجُومٍ غَادِرٍ، وَهُمْ آمِنُونَ مُطْمَئِنُّونَ إِلَى عَهْدٍ لَمْ يُنْقَضْ، وَلَمْ يُنْبَذْ.بَلْ يُنْبَذُ إِلَيْهِمُ الْعَهْدُ ثُمَّ يُقَاتِلُهُمْ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ}.

قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ: إِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً: أَيْ غِشًّا، وَنَقْضًا لِلْعَهْدِ مِنَ الْقَوْمِ الْمُعَاهَدِينَ فَاطْرَحْ إِلَيْهِمُ الْعَهْدَ الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ، عَلَى سَوَاءٍ أَيْ أَخْبِرْهُمْ إِخْبَارًا ظَاهِرًا مَكْشُوفًا بِالنَّقْضِ، وَلَا تُنَاجِزْهُمُ الْحَرْبَ بَغْتَةً.

13- فَأَمَّا بَعْدُ أَنْ نَبَذَ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ، وَصَارَ عِلْمُهُمْ وَعِلْمُ الْمُسْلِمِينَ بِنَقْضِهِ عَلَى سَوَاءٍ، وَبَعْدَ أَنْ أَخَذَ كُلُّ خَصْمٍ حِذْرَهُ، فَإِنَّ كُلَّ وَسَائِلِ الْخُدْعَةِ مُبَاحَةٌ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ غَادِرَةً، فَمَنْ جَازَتْ عَلَيْهِ الْخُدْعَةُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ، فَهُوَ غَافِلٌ وَلَيْسَ بِمَغْدُورٍ بِهِ.قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-: « الْحَرْبُ خُدْعَةٌ » وَجَاءَ فِي فَتْحِ الْبَارِي فِي الْحَدِيثِ: الْأَمْرُ بِاسْتِعْمَالِ الْحِيلَةِ فِي الْحَرْبِ مَهْمَا أَمْكَنَ، وَالنَّدْبُ إِلَى خِدَاعِ الْكُفَّارِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ خِدَاعِ الْكُفَّارِ فِي الْحَرْبِ كُلَّمَا أَمْكَنَ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ فِيهِ نَقْضُ عَهْدٍ، أَوْ أَمَانٍ فَلَا يَجُوزُ.

(ر: أَمَانٌ، عَهْدٌ، هُدْنَةٌ).

وَفِيهِ الْإِشَارَةُ إِلَى اسْتِعْمَالِ الرَّأْيِ فِي الْحَرْبِ بَلِ الِاحْتِيَاجُ إِلَيْهِ أَكْثَرُ مِنَ الشَّجَاعَةِ.وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مَعَ « الْحَرْبُ خُدْعَةٌ » الْحَرْبُ الْجَيِّدَةُ لِصَاحِبِهَا الْكَامِلَةُ فِي مَقْصُودِهَا إِنَّمَا هِيَ الْمُخَادَعَةُ، لَا الْمُوَاجَهَةُ، وَذَلِكَ لِخَطَرِ الْمُوَاجَهَةِ وَحُصُولِ الظَّفَرِ مَعَ الْمُخَادَعَةِ بِغَيْرِ خَطَرٍ.

قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِذَا دَعَتْ مَصْلَحَةٌ شَرْعِيَّةٌ رَاجِحَةٌ إِلَى خِدَاعِ الْمُخَاطَبِ، أَوْ حَاجَةٌ لَا مَنْدُوحَةَ عَنْهَا إِلاَّ بِالْكَذِبِ، فَلَا بَأْسَ بِالتَّوْرِيَةِ، وَالتَّعْرِيضِ.

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ مَكْرُوهٌ، وَلَيْسَ بِحَرَامٍ إِلاَّ أَنْ يُتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى أَخْذِ بَاطِلٍ، أَوْ دَفْعِ حَقٍّ فَيَصِيرُ عِنْدَئِذٍ حَرَامًا.

وَفِي التَّوْرِيَةِ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، فِي قِصَّةِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ بَعْدَ أَنِ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- أَنْ يَقُولَ: كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: « إِنَّ هَذَا أَيِ: النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- قَدْ عَنَّانَا، وَسَأَلَنَا الصَّدَقَةَ، فَإِنَّا اتَّبَعْنَاهُ فَنَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ » وَكُلُّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ تَوْرِيَةٌ: وَقَصَدَ بِهَا إِلَى مَعْنًى غَيْرِ الْمَعْنَى الْمُتَبَادَرِ مِنْهَا.

وَمَعْنَى عَنَّانَا: كَلَّفَنَا بِالْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي.

وَمَعْنَى سَأَلَنَا الصَّدَقَةَ: طَلَبَهَا لِيَضَعَهَا فِي مَكَانِهَا الصَّحِيحِ.وَنَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ: نَكْرَهُ أَنْ نُفَارِقَهُ.

وَكَانَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم- إِذَا أَرَادَ أَنْ يَغْزُوَ غَزْوَةً وَرَّى بِغَيْرِهَا.

وَالْمُرَادُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ يُرِيدُ غَزْوَ جِهَةٍ فَلَا يُظْهِرُهَا وَيُظْهِرُ غَيْرَهَا، كَأَنْ يُرِيدَ أَنْ يَغْزُوَ جِهَةَ الشَّرْقِ، فَيَسْأَلُ عَنْ أَمْرٍ فِي جِهَةِ الْغَرْبِ، فَيَتَجَهَّزُ لِلسَّفَرِ فَيَظُنُّ مَنْ يَرَاهُ، وَيَسْمَعُهُ أَنَّهُ يُرِيدُ جِهَةَ الْغَرْبِ.

وَهَذَا فِي الْغَالِبِ فَقَدْ صَرَّحَ بِجِهَةِ غَزْوَةِ تَبُوكَ لِلتَّأَهُّبِ لَهَا.

موسوعة الفقه الكويتية-وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت-صدرت بدءًا من: 1404هـ/1984م


10-موسوعة الفقه الكويتية (سبيل الله)

سَبِيلُ اللَّهِ

التَّعْرِيفُ:

1- السَّبِيلُ هُوَ الطَّرِيقُ، يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ.قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي}.

وَسَبِيلُ اللَّهِ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ هُوَ: الطَّرِيقُ الْمُوَصِّلَةُ إِلَيْهِ تَعَالَى، فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ سَعْيٍ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَفِي سَبِيلِ الْخَيْرِ.

وَفِي الِاصْطِلَاحِ هُوَ الْجِهَادُ.

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

2- قَالَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَعَامَّةُ الْمُفَسِّرِينَ: سَبِيلُ اللَّهِ وَضْعًا هُوَ الطَّرِيقُ الْمُوَصِّلَةُ إِلَى اللَّهِ، وَيَشْمَلُ جَمِيعَ الْقُرَبِ إِلَى اللَّهِ، إِلاَّ أَنَّهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَنْصَرِفُ إِلَى الْجِهَادِ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِ فِيهِ فِي الْقُرْآنِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} وَقَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا}.

وَمَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ «سَبِيلِ اللَّهِ» إِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ الْجِهَادُ إِلاَّ الْيَسِيرَ مِنْهُ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ.

وَلِأَنَّ الْجِهَادَ هُوَ سَبَبُ الشَّهَادَةِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى اللَّهِ، (وَسَبِيلُ اللَّهِ) فِي مَصَارِفِ الزَّكَاةِ يُعْطَى لِلْغُزَاةِ الْمُتَطَوِّعِينَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ سَهْمٌ فِي دِيوَانِ الْجُنْدِ لِفَضْلِهِمْ عَلَى غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ جَاهَدُوا مِنْ غَيْرِ أَرْزَاقٍ مُرَتَّبَةٍ لَهُمْ.فَيُعْطُونَ مَا يَشْتَرُونَ بِهِ الدَّوَابَّ وَالسِّلَاحَ، وَمَا يُنْفِقُونَ بِهِ عَلَى الْعَدُوِّ إِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ- رضي الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم-: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلاَّ لِخَمْسَةٍ: لِعَامِلٍ عَلَيْهَا، أَوْ رَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ غَارِمٍ، أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ مِسْكِينٍ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ مِنْهَا فَأَهْدَى مِنْهَا لِغَنِيٍّ».

وَقَالُوا: وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِينَ صِنْفَيْنِ، وَعَدَّ بَعْدَهُمَا سِتَّةَ أَصْنَافٍ فَلَا يَلْزَمُ وُجُودُ صِفَةِ الصِّنْفَيْنِ فِي بَقِيَّةِ الْأَصْنَافِ كَمَا لَا يَلْزَمُ صِفَةُ الْأَصْنَافِ فِيهِمَا.

وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: لَا تُدْفَعُ إِلاَّ لِمَنْ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ بَعْثِ الرَّسُولِ- صلى الله عليه وسلم- لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ إِلَى الْيَمَنِ وَفِيهِ: «أَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ».

فَقَدْ جَعَلَ النَّاسَ قِسْمَيْنِ: قِسْمًا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ، وَقِسْمًا يُصْرَفُ إِلَيْهِمْ، فَلَوْ جَازَ صَرْفُ الصَّدَقَةِ إِلَى الْغَنِيِّ لَبَطَلَ الْقِسْمَةُ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: الْمُرَادُ مِنْ قوله تعالى: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} الْحَاجُّ الْمُنْقَطِعُ، لِمَا رُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا جَعَلَ بَعِيرًا لَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم-: أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ الْحُجَّاجَ» وَرُوِيَ أَيْضًا «أَنَّ رَجُلًا جَعَلَ جَمَلًا لَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَرَادَتِ امْرَأَتُهُ الْحَجَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-: فَهَلاَّ خَرَجَتْ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْحَجَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».وَعَنْ «أَبِي طَلِيقٍ: قَالَ: طَلَبَتْ مِنِّي أُمُّ طَلِيقٍ جَمَلًا تَحُجُّ عَلَيْهِ فَقُلْتُ: قَدْ جَعَلْتُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: صَدَقْتَ، لَوْ أَعْطَيْتَهَا كَانَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».

وَيُؤْثَرُ عَنْ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ أَنَّهُمَا قَالَا: سَبِيلُ اللَّهِ: الْحَجُّ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ- رضي الله عنهما-: سَبِيلُ اللَّهِ الْحُجَّاجُ وَالْعُمَّارُ.

وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: سَبِيلُ اللَّهِ طَلَبَةُ الْعِلْمِ.وَقَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيَّ فِي تَفْسِيرِهِ: ظَاهِرُ اللَّفْظِ فِي قوله تعالى: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} لَا يُوجِبُ الْقَصْرَ عَلَى الْغُزَاةِ، فَلِهَذَا نَقَلَ الْقَفَّالُ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُمْ أَجَازُوا صَرْفَ الصَّدَقَاتِ إِلَى جَمِيعِ وُجُوهِ الْخَيْرِ مِنْ تَكْفِينِ الْمَوْتَى، وَبِنَاءِ الْحُصُونِ، وَعِمَارَةِ الْمَسَاجِدِ؛ لِأَنَّ سَبِيلَ اللَّهِ عَامٌّ فِي الْكُلِّ.

وَتَفْصِيلُ الْكَلَامِ عَنْ مَصْرِفِ سَبِيلِ اللَّهِ فِي (زَكَاةٍ: ف 172)

موسوعة الفقه الكويتية-وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت-صدرت بدءًا من: 1404هـ/1984م


11-موسوعة الفقه الكويتية (نيابة 1)

نِيَابَة -1

التَّعْرِيف:

1- النِّيَابَةُ فِي اللُّغَةِ: جَعْلُ الْإِنْسَانِ غَيْرَهُ نَائِبًا عَنْهُ فِي الْأَمْرِ.

وَيُقَالُ: نَابَ عَنْهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ نِيَابَةً: إِذَا قَامَ مَقَامَهُ.

وَالنَّائِبُ: مَنْ قَامَ مَقَامَ غَيْرِهِ فِي أَمْرٍ أَوْ عَمَلٍ.

وَالنِّيَابَةُ فِي الِاصْطِلَاحِ: قِيَامُ الْإِنْسَانِ عَنْ غَيْرِهِ بِفِعْلِ أَمْرٍ.

الْأَلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ- الْوِلَايَةُ:

2- الْوِلَايَةُ فِي اللُّغَةِ، بِالْفَتْحِ وَبِالْكَسْرِ: الْقُدْرَةُ، وَالنُّصْرَةُ، وَالتَّدْبِيرُ، يُقَالُ: هُمْ عَلَى وِلَايَةٍ أَيْ مُجْتَمِعُونَ فِي النُّصْرَةِ.

وَالْوَلِيُّ هُوَ: الْمُحِبُّ، وَالصَّدِيقُ، وَالنَّصِيرُ أَوِ النَّاصِرُ.

وَقِيلَ: الْمُتَوَلِّي لِأُمُورِ الْعَالَمِ وَالْخَلَائِقِ الْقَائِمُ بِهَا.

وَوَلِيُّ الْيَتِيمِ: الَّذِي يَلِي أَمْرَهُ وَيَقُومُ بِكِفَايَتِهِ.

وَوَلِيُّ الْمَرْأَةِ: الَّذِي يَلِي عَقْدَ النِّكَاحِ عَلَيْهَا، وَلَا يَدَعُهَا تَسْتَبِدُّ بِعَقْدِ النِّكَاحِ دُونَهُ.

وَفِي الِاصْطِلَاحِ: الْوِلَايَةُ: تَنْفِيذُ الْقَوْلِ عَلَى الْغَيْرِ شَاءَ الْغَيْرُ أَمْ لَا.

وَالصِّلَةُ بَيْنَ النِّيَابَةِ وَالْوِلَايَةِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ وِلَايَةُ أُمُورِ الْغَيْرِ فِي أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ.

ب- الْإِيصَاءُ:

3- الْإِيصَاءُ فِي اللُّغَةِ- مَصْدَرُ أَوْصَى- يُقَالُ: أَوْصَى فُلَانٌ بِكَذَا يُوصِي إِيصَاءً، وَالِاسْمُ الْوِصَايَةُ (بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِهَا) وَهُوَ: أَنْ يَعْهَدَ إِلَى غَيْرِهِ فِي الْقِيَامِ بِأَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْقِيَامُ بِذَلِكَ الْأَمْرِ فِي حَالِ حَيَاةِ الطَّالِبِ أَمْ كَانَ بَعْدَ وَفَاتِهِ.

أَمَّا فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ، فَالْإِيصَاءُ بِمَعْنَى الْوَصِيَّةِ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ هُوَ أَخَصُّ مِنْ ذَلِكَ، فَهُوَ إِقَامَةُ الْإِنْسَانِ غَيْرَهُ مَقَامَهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ فِي تَصَرُّفٍ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ، أَوْ فِي تَدْبِيرِ شُئُونِ أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ وَرِعَايَتِهِمْ، وَذَلِكَ الشَّخْصُ الْمُقَامُ يُسَمَّى الْوَصِيَّ.

أَمَّا إِقَامَةُ غَيْرِهِ مَقَامَهُ فِي الْقِيَامِ بِأَمْرٍ فِي حَالِ حَيَاتِهِ، فَلَا يُقَالُ لَهُ فِي الِاصْطِلَاحِ إِيصَاءٌ عِنْدَهُمْ، وَإِنَّمَا يُقَالُ لَهُ وِكَالَةٌ.

وَالصِّلَةُ بَيْنَ النِّيَابَةِ وَالْإِيصَاءِ، أَنَّ النِّيَابَةَ أَعَمُّ مِنَ الْإِيصَاءِ.

ج- الْقِوَامَةُ:

4- الْقِوَامَةُ فِي اللُّغَةِ: هِيَ الْقِيَامُ عَلَى الْأَمْرِ أَوِ الْمَالِ أَوْ وِلَايَةُ الْأَمْرِ.وَالْقَيِّمُ: هُوَ الَّذِي يَقُومُ عَلَى شُئُونِ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ وَيَلِيهِ، وَيَرْعَاهُ، وَيُصْلِحُ مِنْ شَأْنِهِ، وَمِنْهُ قوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ}.

وَلَا يَخْرُجُ الْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

وَالصِّلَةُ بَيْنَ النِّيَابَةِ وَالْقِوَامَةِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ وِلَايَةُ أُمُورِ الْغَيْرِ.

د- الْوِكَالَةُ:

5- الْوَكَالَةُ بِالْفَتْحِ وَبِالْكَسْرِ، فِي اللُّغَة أَنْ يَعْهَدَ إِلَى غَيْرِهِ لِيَعْمَلَ لَهُ عَمَلًا.

وَالتَّوْكِيلُ تَفْوِيضُ التَّصَرُّفِ إِلَى غَيْرِهِ، وَسُمِّيَ الْوَكِيلُ وَكِيلًا لِأَنَّ مُوكِلَهُ قَدْ وَكَلَ إِلَيْهِ الْقِيَامَ بِأَمْرِهِ، فَهُوَ مَوْكُولٌ إِلَيْهِ الْأَمْرُ.

وَالْوَكَالَةُ فِي الِاصْطِلَاحِ: عَرَّفَهَا الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهَا: إِقَامَةُ الْغَيْرِ مَقَامَ نَفْسِهِ تَرَفُّهًا أَوْ عَجْزًا فِي تَصَرُّفٍ جَائِزٍ مَعْلُومٍ.

وَالصِّلَةُ بَيْنَ النِّيَابَةِ وَالْوِكَالَةِ أَنَّ النِّيَابَةَ أَعَمُّ مِنَ الْوِكَالَةِ.

أَنْوَاعُ النِّيَابَةِ:

تَتَنَوَّعُ النِّيَابَةُ إِلَى نَوْعَيْنِ: نَوْعٌ يَثْبُتُ بِتَوْلِيَةِ الْمَالِكِ (اتِّفَاقِيَّةٌ)، وَنَوْعٌ يَثْبُتُ شَرْعًا لَا بِتَوْلِيَةِ الْمَالِكِ (شَرْعِيَّةٌ).

أَوَّلًا: النِّيَابَةُ الِاتِّفَاقِيَّةُ (وَهِيَ الْوَكَالَةُ):

6- أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْوَكَالَةَ جَائِزَةٌ فِي الْجُمْلَةِ وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَدِلَّةٍ مِنْهَا: قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا}.وَمِنْهَا: حَدِيثُ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ- رضي الله عنه- «أَنَّ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- أَعْطَاهُ دِينَارًا لِيَشْتَرِيَ لَهُ بِهِ شَاةً، فَاشْتَرَى لَهُ بِهِ شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، فَجَاءَهُ بِدِينَارٍ وَشَاةٍ، فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ، وَكَانَ لَوِ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيهِ».

وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْوَكَالَةِ مُنْذُ عَصْرِ الرَّسُولِ- صلى الله عليه وسلم- إِلَى يَوْمِنَا هَذَا.لَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.وَانْظُرْ تَفْصِيلَ أَحْكَامِ الْوَكَالَةِ فِي مُصْطَلَحِ (وَكَالَة).

ثَانِيًا: النِّيَابَةُ الشَّرْعِيَّةُ:

7- النِّيَابَةُ الشَّرْعِيَّةُ- وَهِيَ الْوِلَايَةُ- ثَابِتَةٌ شَرَعًا عَلَى الْعَاجِزِينَ عَنِ التَّصَرُّفِ بِأَنْفُسِهِمْ بِسَبَبِ الصِّغَرِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ، وَذَلِكَ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْمَعْقُولِ.

أَمَّا الْقُرْآنُ فَقَدْ وَرَدَتْ مِنْهُ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ تَدُلُّ عَلَى الْوِلَايَةِ، مِنْ ذَلِكَ قوله تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} (5) {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ}.وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ}.

فَهَذِهِ الْآيَاتُ خِطَابٌ لِلْأَوْلِيَاءِ عَلَى الْمَالِ وَالنَّفْسِ.

وَأَمَّا السُّنَّةُ فَأَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ وَرَدَتْ فِي شَرْعِيَّةِ الْوِلَايَةِ، مِنْهَا: قَوْلُ الرَّسُولِ- صلى الله عليه وسلم-: «لَا نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ».

وَعَنْ عَائِشَةَ- رضي الله عنها- أَنَّ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنِ اشْتَجَرُوا، فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ».

وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَإِنَّ ثُبُوتَ وِلَايَةِ النَّظَرِ لِلْقَادِرِ عَلَى الْعَاجِزِ عَنِ النَّظَرِ مِنْ بَابِ الْإِعَانَةِ عَلَى الْبِرِّ، وَمِنْ بَابِ الْإِحْسَانِ، وَمِنْ بَابِ إِعَانَةِ الضَّعِيفِ وَإِغَاثَةِ اللَّهْفَانِ، وَكُلُّ ذَلِكَ حَسَنٌ عَقْلًا وَشَرْعًا.

وَلِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ شُكْرِ النِّعْمَةِ وَهِيَ نِعْمَةُ الْقُدْرَةِ، إِذْ شُكْرُ كُلِّ نِعْمَةٍ عَلَى حَسَبِ هَذِهِ النِّعْمَةِ، فَشُكْرُ نِعْمَةِ الْقُدْرَةِ مَعُونَةُ الْعَاجِزِ، وَشُكْرُ النِّعْمَةِ وَاجِبٌ عَقْلًا وَشَرْعًا فَضْلًا عَنِ الْجَوَازِ.

أَنْوَاعُ النِّيَابَةِ الشَّرْعِيَّةِ:

8- النِّيَابَةُ الشَّرْعِيَّةُ هِيَ الْوِلَايَةُ، وَالْوِلَايَةُ تَتَنَوَّعُ إِلَى نَوْعَيْنِ بِاعْتِبَارِ مَحَلِّهَا: وِلَايَةٌ عَلَى الْمَالِ، وَوِلَايَةٌ عَلَى النَّفْسِ.

فَالْوِلَايَةُ عَلَى الْمَالِ هِيَ سُلْطَةُ الْوَلِيِّ عَلَى أَنْ يَعْقِدَ الْعُقُودَ وَالتَّصَرُّفَاتِ الْمُتَعَلِّقَةَ بِأَمْوَالِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ، وَتَكُونُ تَصَرُّفَاتُهُ وَعُقُودُهُ نَافِذَةً دُونَ الْحَاجَةِ إِلَى إِذْنٍ مِنْ أَحَدٍ.

وَالْوِلَايَةُ عَلَى النَّفْسِ هِيَ السُّلْطَةُ عَلَى شُئُونِ الصَّغِيرِ وَنَحْوِهِ الْمُتَعَلِّقَةُ بِشَخْصِهِ وَنَفْسِهِ، وَيَدْخُلُ فِيهَا تَزْوِيجُهُ.

وَتُنْظَرُ الْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْوِلَايَةِ عَلَى الْمَالِ وَعَلَى النَّفْسِ فِي مُصْطَلَحِ (وِلَايَة).

النِّيَابَةُ فِي الْعِبَادَاتِ:

تَتَنَوَّعُ الْعِبَادَاتُ فِي الشَّرْعِ إِلَى أَنْوَاعٍ ثَلَاثَةٍ:

مَالِيَّةٌ مَحْضَةٌ، وَبَدَنِيَّةٌ مَحْضَةٌ، وَمُشْتَمِلَةٌ عَلَى الْبَدَنِ وَالْمَالِ.

النَّوْعُ الْأَوَّلُ: الْعِبَادَاتُ الْمَالِيَّةُ الْمَحْضَةُ

9- الْعِبَادَاتُ الْمَالِيَّةُ الْمَحْضَةُ كَالزَّكَاةِ، وَالصَّدَقَاتِ، وَالْكَفَّارَاتِ، وَالنُّذُورِ.

وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْعِبَادَاتِ تَجُوزُ فِيهِ النِّيَابَةُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، سَوَاءٌ كَانَ مَنْ عَلَيْهِ الْعِبَادَةُ قَادِرًا عَلَى الْأَدَاءِ بِنَفْسِهِ، أَوْ لَا.وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ.

وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِالْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَالسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ، وَالْمَعْقُولِ:

فَمِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا}.

وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَوَّزَ الْعَمَلَ عَلَى الزَّكَاةِ، وَذَلِكَ بِحُكْمِ النِّيَابَةِ عَنِ الْمُسْتَحِقِّينَ لَهَا.قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وَأَمَّا الْعَامِلُونَ عَلَيْهَا فَهُمُ الْجُبَاةُ، وَالسُّعَاةُ يَسْتَحِقُّونَ مِنْهَا قِسْطًا عَلَى ذَلِكَ.

وَمِنَ السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ أَحَادِيثُ مِنْهَا:

مَا وَرَدَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ- رضي الله عنه- قَالَ: «أَرَدْتُ الْخُرُوجَ إِلَى خَيْبَرَ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَقَلْتُ لَهُ: إِنِّي أَرَدْتُ الْخُرُوجَ إِلَى خَيْبَرَ، فَقَالَ: إِذَا أَتَيْتَ وَكِيلِي فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسْقًا، فَإِنِ ابْتَغَى مِنْكَ آيَةً فَضَعْ يَدَك عَلَى تَرْقُوَتِهِ».

وَقَوْلُ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم-: «الْخَازِنُ الْمُسْلِمُ الْأَمِينُ الَّذِي يُنْفِذُ- وَرُبَّمَا قَالَ: يُعْطِي- مَا أُمِرَ بِهِ كَامِلًا مُوَفَّرًا طَيِّبًا بِهِ نَفْسُهُ فَيَدْفَعُهُ إِلَى الَّذِي أُمِرَ لَهُ بِهِ أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ».

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- رضي الله عنه- قَالَ: «وَكَّلَنِي النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم- بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ» وَحَدِيثُ: «أَعْطَى النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم- عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ غَنَمًا يُقَسِّمُهَا عَلَى صَحَابَتِهِ».

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ- رضي الله عنهما- قَالَ: «قَالَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم- لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ- رضي الله عنه- حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: أَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ».

وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ- رضي الله عنه- قَالَ: «اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- رَجُلًا مِنَ الْأَسْدِ عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ يُدْعَى ابْنَ اللُّتْبِيَّةِ فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ».

وَمِنَ الْمَعْقُولِ: أَنَّ الْوَاجِبَ فِي هَذِهِ الْعِبَادَاتِ إِخْرَاجُ الْمَالِ، وَأَنَّهُ يَحْصُلُ بِفِعْلِ النَّائِبِ.

وَأَنَّهُ حَقٌّ مَالِيٌّ فَجَازَ أَنْ يُوَكَّلَ فِي أَدَائِهِ كَدُيُونِ الْآدَمِيِّينَ.

النَّوْعُ الثَّانِي: الْعِبَادَاتُ الْبَدَنِيَّةُ الْمَحْضَةُ:

10- الْعِبَادَاتُ الْبَدَنِيَّةُ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالطَّهَارَةِ مِنَ الْحَدَثِ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْعِبَادَاتِ لَا تَجُوزُ فِيهِ النِّيَابَةُ عَلَى الْإِطْلَاقِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَيِّ.وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِالْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَالسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ، وَالْمَعْقُولِ:

أَمَّا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى}.إِلاَّ مَا خُصَّ بِدَلِيلٍ لِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ- رضي الله عنهما-: «لَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، وَلَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ».

أَيْ فِي حَقِّ الْخُرُوجِ عَنِ الْعُهْدَةِ لَا فِي حَقِّ الثَّوَابِ، فَإِنَّ مَنْ صَامَ أَوْ صَلَّى أَوْ تَصَدَّقَ وَجَعَلَ ثَوَابَهُ لِغَيْرِهِ مِنَ الْأَمْوَاتِ أَوِ الْأَحْيَاءِ جَازَ.وَيَصِلُ ثَوَابُهَا إِلَيْهِمْ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ.عَلَى خِلَافٍ وَتَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (ثَوَاب ف 10).

وَأَمَّا الْمَعْقُولُ: فَلِأَنَّ هَذِهِ الْعِبَادَةَ تَتَعَلَّقُ بِبَدَنِ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ فَلَا يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ فِيهَا وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الِابْتِلَاءُ وَالِاخْتِبَارُ وَإِتْعَابُ النَّفْسِ وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِالتَّوْكِيلِ.

وَأَمَّا النِّيَابَةُ عَنِ الْمَيِّتِ فِي الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِهَا.وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (أَدَاء ف 15).

النَّوْعُ الثَّالِثِ: الْعِبَادَاتُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى الْبَدَنِ وَالْمَالِ:

11- الْعِبَادَاتُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى الْبَدَنِ وَالْمَالِ هِيَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.وَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْحَجِّ عَنِ الْغَيْرِ، وَقَابِلِيَّتِهِ لِلنِّيَابَةِ لِلْعُذْرِ الْمَيْئُوسِ مِنْ زَوَالِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَيِّ، وَذَهَبَ مَالِكٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فِي مَذْهَبِهِ، إِلَى أَنَّ الْحَجَّ لَا يَقْبَلُ النِّيَابَةَ لَا عَنِ الْحَيِّ وَلَا عَنِ الْمَيِّتِ، مَعْذُورًا أَوْ غَيْرَ مَعْذُورٍ، وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (حَجٍّ ف 114 وَمَا بَعْدَهَا، وَأَدَاءٍ ف 16، وَعِبَادَةٍ ف 7).أَمَّا الْعُمْرَةُ فَتَقْبَلُ النِّيَابَةَ فِي الْجُمْلَةِ، وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (عُمْرَةٍ ف 38).

أَوَّلًا: النِّيَابَةُ فِي الْحَجِّ عَنِ الْحَيِّ:

مَنْ يَقَعُ عَنْهُ حَجُّ النَّائِبِ:

12- ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْحَجَّ يَقَعُ عَنِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ.لِحَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ حَيْثُ قَالَ لَهَا النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم-: «حُجِّي عَنْ أَبِيكِ» فَقَدْ أَمَرَهَا النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم- بِالْحَجِّ عَنْ أَبِيهَا، وَلَوْلَا أَنَّ حَجَّهَا يَقَعُ عَنْ أَبِيهَا لَمَا أَمَرَهَا بِالْحَجِّ عَنْهُ.

وَلِأَنَّ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- قَاسَ دَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى بِدَيْنِ الْعِبَادِ بِقَوْلِهِ: «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ».وَذَلِكَ تُجْزِئُ فِيهِ النِّيَابَةُ، وَيَقُومُ فِعْلُ النَّائِبِ مَقَامَ فِعْلِ الْمَنُوبِ عَنْهُ كَذَا هَذَا.لِأَنَّ الْحَاجَّ يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ كَذَا الْإِحْرَامُ، وَلَوْ لَمْ يَقَعْ نَفْسُ الْحَجِّ عَنْهُ لَكَانَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّتِهِ.

وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّ نَفْسَ الْحَجِّ يَقَعُ عَنِ الْحَاجِّ، وَإِنَّمَا لِلْمَحْجُوجِ عَنْهُ ثَوَابُ النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ وَمَالِيَّةٌ وَالْبَدَنَ لِلْحَاجِّ، وَالْمَالَ لِلْمَحْجُوجِ عَنْهُ، فَمَا كَانَ مِنَ الْبَدَنِ لِصَاحِبِ الْبَدَنِ، وَمَا كَانَ بِسَبَبِ الْمَالِ يَكُونُ لِصَاحِبِ الْمَالِ.وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوِ ارْتَكَبَ شَيْئًا مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ فَكَفَّارَتُهُ فِي مَالِهِ لَا فِي مَالِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ، وَكَذَا لَوْ أَفْسَدَ الْحَجَّ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ نَفْسَ الْحَجِّ يَقَعُ لَهُ.

إِلاَّ أَنَّ الشَّرْعَ أَقَامَ ثَوَابَ نَفَقَةِ الْحَجِّ فِي حَقِّ الْعَاجِزِ عَنِ الْحَجِّ بِنَفْسِهِ، مَقَامَ الْحَجِّ بِنَفْسِهِ نَظَرًا لَهُ وَمَرْحَمَةً عَلَيْهِ.

شَرَائِطُ جَوَازِ النِّيَابَةِ فِي الْحَجِّ عَنِ الْحَيِّ:

13- الشَّرْطُ الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الْمَحْجُوجُ عَنْهُ عَاجِزًا عَنْ أَدَاءِ الْحَجِّ بِنَفْسِهِ، وَلَهُ مَالٌ يَسْتَنِيبُ مِنْهُ فَإِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الْأَدَاءِ بِنَفْسِهِ، بِأَنْ كَانَ صَحِيحَ الْبَدَنِ وَلَهُ مَالٌ.فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ حَجُّ غَيْرِهِ عَنْهُ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الْأَدَاءِ بِبَدَنِهِ وَلَهُ مَالٌ يَحُجُّ بِهِ، فَالْفَرْضُ يَتَعَلَّقُ بِبَدَنِهِ لَا بِمَالِهِ، بَلِ الْمَالُ يَكُونُ شَرْطًا، وَإِذَا تَعَلَّقَ الْفَرْضُ بِبَدَنِهِ لَا تُجْزِي فِيهِ النِّيَابَةُ كَالْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ الْمَحْضَةِ.

وَكَذَا لَوْ كَانَ فَقِيرًا صَحِيحَ الْبَدَنِ لَا يَجُوزُ حَجُّ غَيْرِهِ عَنْهُ؛ لأَنَّ الْمَالَ مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَصْلًا، فَلَا يَنُوبُ عَنْهُ غَيْرُهُ فِي أَدَاءِ الْوَاجِبِ وَلَا وَاجِبَ.

14- الشَّرْطُ الثَّانِي: الْعَجْزُ الْمُسْتَدَامُ مِنْ وَقْتِ الْإِحْجَاجِ إِلَى وَقْتِ الْمَوْتِ، بِأَنْ يَمُوتَ عَلَى مَرَضِهِ فَإِذَا عُوفِيَ الْمَرِيضُ بَعْدَ أَنْ حُجَّ عَنْهُ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عُوفِيَ بَعْدَ حَجِّ النَّائِبِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عُوفِيَ قَبْلَ فَرَاغِ النَّائِبِ مِنَ الْحَجِّ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عُوفِيَ قَبْلَ إِحْرَامِ النَّائِبِ.

15- الْحَالَةُ الْأُولَى: إِذَا عُوفِيَ الْمَرِيضُ بَعْدَ مَا حُجَّ عَنْهُ:

فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ حَجٌّ آخَرُ، وَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ فَخَرَجَ مِنَ الْعُهْدَةِ كَمَا لَوْ لَمْ يَبْرَأْ.وَلِأَنَّهُ قَدْ أَدَّى حَجَّةَ الْإِسْلَامِ بِأَمْرِ الشَّارِعِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ حَجٌّ ثَانٍ كَمَا لَوْ حَجَّ بِنَفْسِهِ.وَالْمُعْتَبَرُ لِجَوَازِ الِاسْتِنَابَةِ الْيَأْسُ ظَاهِرًا.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْأَصَحِّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ إِلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ حَجٌّ ثَانٍ وَلَمْ يَجُزْ حَجُّ غَيْرِهِ عَنْهُ لِأَنَّ هَذَا بَدَلُ إِيَاسٍ فَإِذَا بَرَأَ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَيْئُوسًا مِنْهُ، فَلَزِمَهُ الْأَصْلُ، كَالْآيِسَةِ إِذَا اعْتَدَّتْ بِالشُّهُورِ ثُمَّ حَاضَتْ لَا تُجْزِئُهَا تِلْكَ الْعِدَّةُ.

كَمَا أَنَّ جَوَازَ حَجِّ الْغَيْرِ عَنِ الْغَيْرِ ثَبَتَ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ لِضَرُورَةِ الْعَجْزِ الَّذِي لَا يُرْجَى زَوَالُهُ فَيَتَقَيَّدُ الْجَوَازُ بِهِ.

16- الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا عُوفِيَ قَبْلَ فَرَاغِ النَّائِبِ مِنَ الْحَجِّ:

الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ كَالْمُتَمَتِّعِ إِذَا شَرَعَ فِي الصِّيَامِ ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْهَدْيِ، وَالْمُكَفِّرِ إِذَا قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْبَدَلِ، وَفِي قَوْلٍ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: يَنْبَغِي أَلاَّ يُجْزِئَهُ الْحَجُّ؛ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ تَمَامِ الْبَدَلِ فَلَزِمَهُ كَالصَّغِيرَةِ وَمَنِ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا إِذَا حَاضَتَا قَبْلَ إِتْمَامِ عَدَّتِهِمَا بِالشُّهُورِ، وَكَالْمُتَيَمِّمِ إِذَا رَأَى الْمَاءَ فِي صَلَاتِهِ.

17- الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: إِذَا عُوفِيَ قَبْلَ إِحْرَامِ النَّائِبِ:

لَمْ يُجْزِئْهُ بِحَالٍ.لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْمُبْدَلِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْبَدَلِ.

النِّيَابَةُ عَنِ الْمَرِيضِ الَّذِي يُرْجَى بُرْؤُهُ:

18- وَهَلْ يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ الَّذِي يُرْجَى بُرْؤُهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ مَنْ يَحُجَّ عَنْهُ؟ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ:

فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ مَنْ يُرْجَى زَوَالُ مَرَضِهِ، وَالْمَحْبُوسَ وَنَحْوَهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يُجْزِئْهُ وَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ؛ لِأَنَّهُ يَرْجُو الْقُدْرَةَ عَلَى الْحَجِّ بِنَفْسِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ الِاسْتِنَابَةُ وَلَا تُجْزِئُهُ إِنْ فَعَلَ كَالْفَقِيرِ.

كَمَا أَنَّ النَّصَّ إِنَّمَا وَرَدَ فِي الْحَجِّ عَنِ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَهُوَ مِمَّنْ لَا يُرْجَى مِنْهُ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ إِلاَّ مَنْ كَانَ مِثْلَهُ.

فَعَلَى هَذَا: إِذَا اسْتَنَابَ مَنْ يَرْجُو الْقُدْرَةَ عَلَى الْحَجِّ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ صَارَ مَيْئُوسًا مِنْ بُرْئِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ مَرَّةً أُخْرَى؛ لِأَنَّهُ اسْتَنَابَ فِي حَالٍ لَا تَجُوزُ لَهُ الِاسْتِنَابَةُ فِيهَا فَأَشْبَهَ الصَّحِيحَ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْجَوَازَ مَوْقُوفٌ إِنْ مَاتَ وَهُوَ مَرِيضٌ أَوْ مَحْبُوسٌ جَازَ، وَإِنْ زَالَ الْمَرَضُ أَوِ الْحَبْسُ قَبْلَ الْمَوْتِ لَمْ يَجُزْ.

19- الشَّرْطُ الثَّالِثُ:

لَا يَجُوزُ الْحَجُّ عَنِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ؛ لِأَنَّ جَوَازَهُ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ عَنْهُ، وَالنِّيَابَةُ لَا تَثْبُتُ إِلاَّ بِالْأَمْرِ.

وَهَذَا بِالِاتِّفَاقِ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَيِّ، أَمَّا الْمَيِّتُ فَفِيهِ خِلَافٌ، وَيُنْظَرُ التَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (حَجٍّ ف 117).

20- الشَّرْطُ الرَّابِعُ: النِّيَّةُ عَنِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ: ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ النِّيَّةُ عَنِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّ النَّائِبَ يَحُجُّ عَنْهُ لَا عَنْ نَفْسِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّتِهِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَقُولَ بِلِسَانِهِ: لَبَّيْكَ عَنْ فُلَانٍ، كَمَا إِذَا حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ.

وَيَكْفِي أَنْ يَنْوِيَ النَّائِبُ عَنِ الْمُسْتَنِيبِ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِ لَفْظًا.وَإِنْ نَسِيَ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ نَوَى مَنْ دَفَعَ إِلَيْهِ الْمَالَ لِيَحُجَّ عَنْهُ.

وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: لَا تَكْفِي نِيَّةُ الْمُسْتَنِيبِ فِي الْحَجِّ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ فِي الْحَجِّ فِعْلُ النَّائِبِ فَوَجَبَتِ النِّيَّةُ مِنْهُ.

21- الشَّرْطُ الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ حَجُّ الْمَأْمُورِ بِمَالِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ:

إِنْ تَطَوَّعَ الْحَاجُّ عَنِ الْغَيْرِ بِمَالِ نَفْسِهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي إِجْزَاءِ الْحَجِّ عَنْهُ.وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (حَجٍّ ف 117).

22- الشَّرْطُ السَّادِسُ: أَنْ يَكُونَ النَّائِبُ قَدْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ أَوَّلًا:

وَهَذَا الشَّرْطُ اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ:

فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِمَنْ لَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ، فَإِنْ فَعَلَ وَقَعَ إِحْرَامُهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ عَنْ نَفْسِهِ، وَبِهَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ النِّيَابَةَ تَصِحُّ، سَوَاءٌ كَانَ النَّائِبُ قَدْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ لَا، إِلاَّ أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَكُونَ قَدْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ وَيُسَمَّى حَجَّ الصَّرُورَةِ.

وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي قَالَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ، هُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ، وَجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَثْلُ ذَلِكَ.

وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: إِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى الْحَجِّ عَنْ نَفْسِهِ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْحَجِّ عَنْ نَفْسِهِ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ مِمَّا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ، فَجَازَ أَنْ يُؤَدِّيَهُ عَنْ غَيْرِهِ مَنْ لَمْ يَسْقُطْ فَرْضُهُ عَنْ نَفْسِهِ، كَالزَّكَاةِ.

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ: يَقَعُ الْحَجُّ بَاطِلًا، وَلَا يَصِحُّ عَنْهُ وَلَا عَنْ غَيْرِهِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ- رضي الله عنهما- لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مِنْ شَرْطِ طَوَافِ الزِّيَارَةِ تَعْيِينُ النِّيَّةِ، فَمَتَى نَوَاهُ لِغَيْرِهِ، وَلَمْ يَنْوِ لِنَفْسِهِ، لَمْ يَقَعْ عَنْ نَفْسِهِ، كَذَا الطَّوَافُ حَامِلًا لِغَيْرِهِ لَمْ يَقَعْ عَنْ نَفْسِهِ وَانْظُرْ تَفْصِيلَ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (حَجٍّ ف 116).

نِيَابَةُ الْمَرْأَةِ فِي الْحَجِّ:

23- تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِي الْحَجِّ بِالشُّرُوطِ السَّابِقَةِ، سَوَاءٌ كَانَ النَّائِبُ رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً، وَهَذَا فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ.

وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ يَجُوزُ مَعَ الْكَرَاهَةِ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ.

أَمَّا الْجَوَازُ، فَلِحَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ، وَأَمَّا الْكَرَاهَةُ، فَلِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي حَجِّهَا ضَرْبُ نُقْصَانٍ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَسْتَوْفِي سُنَنَ الْحَجِّ، فَإِنَّهَا لَا تَرْمُلُ فِي الطَّوَافِ وَفِي السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَة، وَلَا تَحْلِقُ.

النِّيَابَةُ فِي حَجَّةِ الْفَرْضِ وَحَجَّةِ النَّذْرِ مَعًا:

24- صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ إِذَا كَانَ عَلَى الْإِنْسَانِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ، وَحَجَّةُ النَّذْرِ، فَاسْتَأْجَرَ رَجُلَيْنِ يَحُجَّانِ عَنْهُ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَدْ نَصَّ فِي الْأُمِّ أَنَّهُ يَجُوزُ وَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقَدِّمِ النَّذْرَ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَمِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مَنْ قَالَ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحُجُّ بِنَفْسِهِ حَجَّتَيْنِ فِي سَنَةٍ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ.

النِّيَابَةُ فِي حَالَةِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْحَجِّ بِنَفْسِهِ:

25- الْحَجُّ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فَرْضًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ نَذْرًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ تَطَوُّعًا.

فَإِنْ كَانَ الْحَجُّ فَرْضًا، فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْقَادِرِ أَنْ يَسْتَنِيبَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ، وَكَذَا الْحَجُّ الْمَنْذُورُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِلْمَالِكِيَّةِ الَّذِينَ يَرَوْنَ كَرَاهَتَهُ.

وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْحَجُّ حَجَّ تَطَوُّعٍ، وَكَانَ الْمُسْتَنِيبُ قَدْ أَدَّى حَجَّةَ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْحَجِّ بِنَفْسِهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ الِاسْتِنَابَةِ:

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ، إِلَى أَنَّهُ تَجُوزُ الِاسْتِنَابَةُ.

وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ كَرَاهَةَ الِاسْتِنَابَةِ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ، إِلَى عَدَمِ جَوَازِ الِاسْتِنَابَةِ وَيُنْظَرُ التَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (حَجٍّ ف 118).

الْعَجْزُ عَنْ حَجِّ التَّطَوُّعِ عَجْزًا مَرْجُوَّ الزَّوَالِ:

26- صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الْإِنْسَانُ عَاجِزًا عَنْ حَجِّ التَّطَوُّعِ عَجْزًا مَرْجُوَّ الزَّوَالِ، كَالْمَرِيضِ مَرَضًا يُرْجَى بُرْؤُهُ، وَالْمَحْبُوسِ جَازَ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ حَجٌّ لَا يَلْزَمُهُ عَجَزَ عَنْ فِعْلِهِ بِنَفْسِهِ، فَجَازَ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهِ كَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ.

وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَجِّ الْفَرْضِ، أَنَّ الْفَرْضَ عِبَادَةُ الْعُمْرِ فَلَا يَفُوتُ بِتَأْخِيرِهِ عَنْ هَذَا الْعَامِ، وَالتَّطَوُّعُ مَشْرُوعٌ فِي كُلِّ عَامٍ فَيَفُوتُ حَجُّ هَذَا الْعَامِ بِتَأْخِيرِهِ، وَلِأَنَّ حَجَّ الْفَرْضِ إِذَا مَاتَ قَبْلَ فِعْلِهِ فُعِلَ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَحَجُّ التَّطَوُّعِ لَا يُفْعَلُ فَيَفُوتَ.

مَا يَصِيرُ بِهِ النَّائِبُ مُخَالِفًا وَحُكْمُهُ إِذَا خَالَفَ:

أ- أَمَرَهُ بِالْإِفْرَادِ فَقَرَنَ:

27- إِذَا أُمِرَ النَّائِبُ بِالْإِفْرَادِ فَقَرَنَ فَقَدْ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، إِلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُخَالِفًا وَلَا يَضْمَنُ، وَوَقَعَ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ عَنِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ الْمَأْمُورَ بِهِ وَزَادَ خَيْرًا، فَكَانَ مَأْذُونًا فِي الزِّيَادَةِ دَلَالَةً، فَلَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا فَصَحَّ وَلَمْ يَضْمَنْ، كَمَا لَوْ أَمَرَهُ بِشِرَاءِ شَاةٍ بِدِينَارٍ فَاشْتَرَى بِهِ شَاتَيْنِ تُسَاوِي إِحْدَاهُمَا دِينَارًا.

وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ يَكُونُ مُخَالِفًا وَيَضْمَنُ النَّفَقَةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ، إِذْ أُمِرَ بِسَفَرٍ يَصْرِفُهُ إِلَى الْحَجِّ لَا غَيْرَ، وَلَمْ يَأْتِ بِهِ، فَقَدْ خَالَفَ أَمْرَ الْآمِرِ فَضَمِنَ.

ب- أَمَرَهُ بِالْحَجِّ فَتَمَتَّعَ أَوِ اعْتَمَرَ لِنَفْسِهِ مِنَ الْمِيقَاتِ:

28- ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا أُمِرَ النَّائِبُ بِحَجٍّ فَتَمَتَّعَ، أَوِ اعْتَمَرَ لِنَفْسِهِ مِنَ الْمِيقَاتِ، ثُمَّ حَجَّ: فَإِنْ خَرَجَ إِلَى الْمِيقَاتِ فَأَحْرَمَ مِنْهُ بِالْحَجِّ جَازَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ فَعَلَيْهِ دَمٌ، لِتَرْكِ مِيقَاتِهِ وَيَرُدُّ مِنَ النَّفَقَةِ بِقَدْرِ مَا تَرَكَ مِنْ إِحْرَامِ الْحَجِّ فِيمَا بَيْنَ الْمِيقَاتِ وَمَكَّةَ؛ لِأَنَّهُ إِذَا أَحْرَمَ مِنَ الْمِيقَاتِ فَقَدْ أَتَى بِالْحَجِّ صَحِيحًا مِنْ مِيقَاتِهِ، وَإِنْ أَحْرَمَ بِهِ مِنْ مَكَّةَ فَمَا أَخَلَّ إِلاَّ بِمَا يَجْبُرُهُ الدَّمُ، فَلَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهُ كَمَا لَوْ تَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ فَأَحْرَمَ دُونَهُ.وَإِذَا أَمَرَهُ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ فَاعْتَمَرَ ضَمِنَ لِأَنَّهُ خَالَفَ، وَلَوِ اعْتَمَرَ ثُمَّ حَجَّ مِنْ مَكَّةَ يَضْمَنُ النَّفَقَةَ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِغَيْرِ مَا أُمِرَ بِهِ فَيَكُونُ مُخَالِفًا فَيَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِصَرْفِ كُلِّ السَّفَرِ إِلَى الْحَجِّ وَلَمْ يَأْتِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى بِالسَّفَرِ حَجًّا عَنِ الْآمِرِ وَعُمْرَةً عَنْ نَفْسِهِ، فَكَانَ مُخَالِفًا، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ.

ج- أَمَرَهُ بِالتَّمَتُّعِ فَقَرَنَ:

29- قَالَ الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا اسْتَأْجَرَهُ لِلتَّمَتُّعِ فَقَرَنَ فَقَدْ زَادَ خَيْرًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَحْرَمَ بِالنُّسُكَيْنِ مِنَ الْمِيقَاتِ، ثُمَّ إِنْ عَدَّدَ الْأَفْعَالَ لِلنُّسُكَيْنِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُعَدِّدْ فَيَحُطَّ شَيْءٌ مِنَ الْأُجْرَةِ لِاخْتِصَارِهِ فِي الْأَفْعَالِ فِي وَجْهٍ.

وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَمَرَ النَّائِبَ بِالتَّمَتُّعِ فَقَرَنَ، وَقَعَ عَنِ الْآمِرِ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِهِمَا، وَإِنَّمَا خَالَفَ فِي أَنَّهُ أَمَرَهُ بِالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ فَأَحْرَمَ بِهِ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئًا مِنَ النَّفَقَةِ، وَقَالَ الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ: يَرُدُّ نِصْفَ النَّفَقَةِ لِأَنَّ غَرَضَهُ فِي عُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ وَتَحْصِيلُ فَضِيلَةِ التَّمَتُّعِ، وَقَدْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ وَفَوَّتَهُ عَلَيْهِ.

د- أَمَرَهُ بِالتَّمَتُّعِ فَأَفْرَدَ:

30- نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا اسْتَأْجَرَ شَخْصًا لِلتَّمَتُّعِ فَأَفْرَدَ يُنْظَرُ:

إِنْ قَدَّمَ الْعُمْرَةَ وَعَادَ لِلْحَجِّ إِلَى الْمِيقَاتِ فَقَدْ زَادَ خَيْرًا، وَإِنْ أَخَّرَ الْعُمْرَةَ، فَإِنْ كَانَتْ إِجَارَةَ عَيْنٍ انْفَسَخَتْ فِي الْعُمْرَةِ لِفَوَاتِ وَقْتِهَا الْمُعَيَّنِ فَيَرُدُّ حِصَّتَهَا مِنَ الْمُسَمَّى، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى الذِّمَّةِ وَعَادَ إِلَى الْمِيقَاتِ لِلْعُمْرَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وَإِلاَّ فَعَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِهِ الْإِحْرَامَ بِالْعُمْرَةِ مِنَ الْمِيقَاتِ وَفِي حَطِّ شَيْءٍ مِنَ الْأُجْرَةِ خِلَافٌ.

وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَمَرَ النَّائِبَ بِالتَّمَتُّعِ فَأَفْرَدَ وَقَعَ عَنِ الْمُسْتَنِيبِ وَيَرُدُّ نِصْفَ النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّهُ أَخَلَّ بِالْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ مِنَ الْمِيقَاتِ وَقَدْ أَمَرَهُ بِهِ، وَإِحْرَامُهُ بِالْحَجِّ مِنَ الْمِيقَاتِ زِيَادَةٌ لَا يَسْتَحِقُّ بِهِ شَيْئًا.

هـ- أَمَرَهُ بِالْقِرَانِ فَأَفْرَدَ أَوْ تَمَتَّعَ:

31- نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا اسْتَأْجَرَهُ لِلْقِرَانِ فَعَدَلَ يُنْظَرُ: إِنْ عَدَلَ إِلَى الْإِفْرَادِ فَحَجَّ ثُمَّ اعْتَمَرَ، فَإِنْ كَانَتِ الْإِجَارَةُ عَلَى الْعَيْنِ لَزِمَهُ أَنْ يَرُدَّ مِنَ الْأُجْرَةِ حِصَّةَ الْعُمْرَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي «الْمَنَاسِكِ الْكَبِيرِ» لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْعَمَلِ فِي هَذِهِ الْإِجَارَةِ عَنِ الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الذِّمَّةِ نُظِرَ: إِنْ عَادَ إِلَى الْمِيقَاتِ لِلْعُمْرَةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ زَادَ خَيْرًا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ أَيْضًا لِأَنَّهُ لَمْ يَقْرِنْ، وَإِنْ لَمْ يَعُدْ فَعَلَى الْأَجِيرِ دَمٌ لِمُجَاوَزَتِهِ الْمِيقَاتَ لِلْعُمْرَةِ.

وَهَلْ يَحُطُّ شَيْءٌ مِنَ الْأُجْرَةِ أَمْ تَنْجَبِرُ الْإِسَاءَةُ بِالدَّمِ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ:

أَصَحُّهُمَا عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَنْجَبِرُ، وَيَصِيرُ كَأَنَّهُ لَا مُخَالَفَةَ فَتَجِبُ جَمِيعُ الْأُجْرَةِ، وَأَظْهَرُهُمَا وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْمُخْتَصَرِ: يَحُطُّ.

وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: الْقَطْعُ بِالْحَطِّ.

وَإِنْ عَدَلَ إِلَى التَّمَتُّعِ، فَقَدْ أَشَارَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَتْ إِجَارَةَ عَيْنٍ لَمْ يَقَعِ الْحَجُّ عَنِ الْمُسْتَأْجِرِ لِوُقُوعِهِ فِي غَيْرِ الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ وَهَذَا هُوَ قِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى الذِّمَّةِ نُظِرَ: إِنْ عَادَ إِلَى الْمِيقَاتِ لِلْحَجِّ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ، وَإِلاَّ فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَا يُجْعَلُ مُخَالِفًا لِتَقَارُبِ الْجِهَتَيْنِ فَيَكُونُ حُكْمُهُ كَمَا لَوِ امْتَثَلَ، وَفِي كَوْنِ الدَّمِ عَلَى الْأَجِيرِ أَوِ الْمُسْتَأْجِرِ الْوَجْهَانِ، وَأَصَحُّهَا يُجْعَلُ مُخَالِفًا فَيَجِبُ الدَّمُ عَلَى الْأَجِيرِ لِإِسَاءَتِهِ، وَفِي حَطِّ شَيْءٍ مِنَ الْأُجْرَةِ الْخِلَافُ السَّابِقُ.وَذَكَرَ أَصْحَابُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْأَجِيرِ دَمٌ لِتَرْكِهِ الْإِحْرَامَ مِنَ الْمِيقَاتِ وَعَلَى الْمُسْتَأْجِرِ دَمٌ آخَرُ؛ لِأَنَّ الْقِرَانَ الَّذِي أَمَرَ بِهِ يَتَضَمَّنُهُ، وَاسْتَبْعَدَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ.

وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَمَرَ النَّائِبَ بِالْقِرَانِ فَأَفْرَدَ أَوْ تَمَتَّعَ، صَحَّ وَوَقَعَ النُّسُكَانِ عَنِ الْآمِرِ، وَيرُدُّ مِنَ النَّفَقَةِ بِقَدْرِ مَا تَرَكَ مِنْ إِحْرَامِ النُّسُكِ الَّذِي تَرَكَهُ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَفِي جَمِيعِ ذَلِكَ إِذَا أَمَرَهُ بِالنُّسُكَيْنِ فَفَعَلَ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ رَدَّ مِنَ النَّفَقَةِ بِقَدْرِ مَا تَرَكَ وَوَقَعَ الْمَفْعُولُ عَنِ الْآمِرِ، وَلِلنَّائِبِ مِنَ النَّفَقَةِ بِقَدْرِهِ.

و- أَمَرَهُ بِالْحَجِّ فَحَجَّ ثُمَّ اعْتَمَرَ لِنَفْسِهِ:

32- نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَمَرَ النَّائِبَ بِالْحَجِّ فَحَجَّ ثُمَّ اعْتَمَرَ لِنَفْسِهِ، أَوْ أَمَرَ بِعُمْرَةٍ فَاعْتَمَرَ ثُمَّ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ صَحَّ، وَلَمْ يَرُدَّ شَيْئًا مِنَ النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ.

ز- أَمَرَهُ بِالْإِحْرَامِ مِنْ بَلَدِهِ فَخَالَفَ:

33- نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَمَرَ النَّائِبَ بِالْإِحْرَامِ مِنْ بَلَدِهِ، فَأَحْرَمَ مِنَ الْمِيقَاتِ جَازَ لِأَنَّهُ الْأَفْضَلُ.

وَإِنْ أَمَرَ بِالْإِحْرَامِ مِنَ الْمِيقَاتِ فَأَحْرَمَ مِنْ بَلَدِهِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ لَا تَضُرُّ.

ح- أَمَرَهُ بِالْحَجِّ فِي سَنَةٍ مُعَيَّنَةٍ فَخَالَفَ:

34- نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَمَرَ النَّائِبَ بِالْحَجِّ فِي سَنَةٍ مُعَيَّنَةٍ، أَوْ بِالِاعْتِمَارِ فِي شَهْرٍ مُعَيَّنٍ فَفَعَلَهُ فِي غَيْرِهِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ فِي الْجُمْلَةِ.

وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ قَدَّمَ الْأَجِيرُ الْحَجَّ عَلَى السَّنَةِ الْمُعَيَّنَةِ جَازَ وَقَدْ زَادَ خَيْرًا.

موسوعة الفقه الكويتية-وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت-صدرت بدءًا من: 1404هـ/1984م


12-موسوعة الفقه الكويتية (وكالة 2)

وَكَالَة -2

صِفَةُ عَقْدِ الْوَكَالَةِ:

30- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِفَةِ عَقْدِ الْوَكَالَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ آرَاءٍ:

الرَّأْيُ الْأَوَّلُ: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْوَكَالَةَ مِنَ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ تَبَرُّعٌ وَلَا لُزُومَ فِي التَّبَرُّعَاتِ.

وَاسْتَدَلُّوا عَلَى عَدَمِ لُزُومِ عَقْدِ الْوَكَالَةِ بِأَنَّ الْمُوَكِّلَ قَدْ يَرَى الْمَصْلَحَةَ فِي تَرْكِ مَا وَكَّلَ فِيهِ أَوْ فِي تَوْكِيلِ آخَرَ، كَذَلِكَ الْوَكِيلُ قَدْ لَا يَتَفَرَّغُ، فَيَكُونُ لُزُومُ الْعَقْدِ مُضِرًّا بِهِمَا.

وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ مَا إِذَا تَعَلَّقَ بِالْوَكَالَةِ حَقُّ الْغَيْرِ، فَإِنَّهَا تَكُونُ لَازِمَةً.

وَمَثَّلَ الْحَنَفِيَّةُ ذَلِكَ بِوَكِيلِ خُصُومَةٍ بِطَلَبِ الْخَصْمِ، فَلَيْسَ لِلْمُوَكِّلِ عَزْلُهُ، فَإِذَا وَكَّلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَكِيلًا بِالْخُصُومَةِ بِطَلَبِ الْخَصْمِ (الَّذِي هُوَ الْمُدَّعِي) ثُمَّ غَابَ (الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) وَعَزَلَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ لِئَلاَّ يَضِيعَ حَقُّ الْمُدَّعِي.

وَكَذَا لَوْ عَزَلَ الْعَدْلُ الْمُوَكَّلُ بِبَيْعِ الرَّهْنِ نَفْسَهُ بِحَضْرَةِ الْمُرْتَهِنِ، إِنْ رَضِيَ بِالْعَزْلِ صَحَّ وَإِلاَّ لَا يَصِحُّ؛ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِهِ.

كَمَا أَنَّ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَعْزِلَ نَفْسَهُ مِنَ الْوَكَالَةِ وَلَكِنْ لَوْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ يَكُونُ مَجْبُورًا عَلَى إِبْقَاءِ الْوَكَالَةِ.

وَمَثَّلَ الْمَالِكِيَّةُ بِمَا إِذَا وَكَّلَ الْمُوَكِّلُ وَكِيلًا فِي خُصُومَةٍ وَقَاعَدَ خَصْمُهُ ثَلَاثَ مَجَالِسَ وَلَوْ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ وَانْعَقَدَتِ الْمَقَالَاتُ بَيْنَهُمَا، فَلَيْسَ لِلْمُوَكِّلِ حِينَئِذٍ عَزْلُ الْوَكِيلِ إِلاَّ لِمُقْتَضٍ كَظُهُورِ تَفْرِيطٍ أَوْ مَيْلٍ مَعَ الْخَصْمِ أَوْ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْذَارِ.

وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ حِينَئِذٍ عَزْلُ نَفْسِهِ إِلاَّ لِعُذْرٍ.

وَاشْتَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ لِهَذَا الْجَوَازِ أَنْ تَكُونَ الْوَكَالَةُ خَالِيَةً عَنِ الْجُعْلِ وَلَمْ تُعْقَدْ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ.

وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: تَتَفَرَّعُ عَلَى عَدَمِ لُزُومِ عَقْدِ الْوَكَالَةِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ:

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: لَا يَدْخُلُ الْوَكَالَةَ خِيَارُ الشَّرْطِ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي عَقْدٍ لَازِمٍ لِيَتَمَكَّنَ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ مِنْ فَسْخِهِ إِذَا أَرَادَ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَصِحُّ الْحُكْمُ بِالْوَكَالَةِ مَقْصُودًا، وَإِنَّمَا يَصِحُّ فِي ضِمْنِ دَعْوَى صَحِيحَةٍ عَلَى غَرِيمٍ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: كَمَا أَنَّ لِلْمُوَكِّلِ عَزْلَ وَكِيلِهِ فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ، فَإِنَّ لِلْوَكِيلِ أَيْضًا أَنْ يَسْتَقِيلَ مِنَ الْوَكَالَةِ فِي أَيِّ وَقْتٍ أَرَادَ.

وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ الْحَالَاتِ الَّتِي لَيْسَ لِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَعْزِلَ وَكِيلَهُ، عِنْدَ الْكَلَامِ عَنْ عَزْلِ الْوَكِيلِ.

الرَّأْيُ الثَّانِي: إِنْ كَانَتِ الْوَكَالَةُ بِأُجْرَةٍ عَلَى سَبِيلِ الْإِجَارَةِ فَهِيَ لَازِمَةٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، وَيَجِبُ حِينَئِذٍ أَنْ تَجْتَمِعَ فِيهَا شَرَائِطُ الْإِجَارَةِ، وَبِهَذَا صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ.

الرَّأْيُ الثَّالِثُ: ذَهَبَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ عَقْدَ الْوَكَالَةِ لَازِمٌ مِنْ جَانِبِ الْوَكِيلِ وَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ، بِنَاءً عَلَى لُزُومِ الْهِبَةِ وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ.

وَإِنْ كَانَتِ الْوَكَالَةُ عَلَى سَبِيلِ الْجَعَالَةِ فَفِي صِفَةِ عَقْدِ الْوَكَالَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:

الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: اللُّزُومُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، وَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ.

الْقَوْلُ الثَّانِي: الْجَوَازُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَأَحَدُ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ.

الْقَوْلُ الثَّالِثُ: وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْجَاعِلِ وَالْمَجْعُولِ لَهُ، فَيَكُونُ الْعَقْدُ لَازِمًا مِنْ جِهَةِ الْجَاعِلِ- وَهُوَ الْمُوَكِّلُ- بِشُرُوعِ الْمَجْعُولِ لَهُ بِالْعَمَلِ، وَهَذَا أَحَدُ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ.

الرُّكْنُ الثَّانِي مِنْ أَرْكَانِ الْوَكَالَةِ: الْعَاقِدَانِ:

وَهَمَّا الْمُوَكِّلُ وَالْوَكِيلُ:

أَوَّلًا: الْمُوَكِّلُ:

31- الْمُوَكِّلُ: هُوَ مَنْ يُقِيمُ غَيْرَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي تَصَرُّفٍ جَائِزٍ مَعْلُومٍ، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَمْلِكُ ذَلِكَ التَّصَرُّفَ، وَتَلْزَمُهُ الْأَحْكَامُ.

وَعَلَى ذَلِكَ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْوَكَالَةُ مِنَ الْمَجْنُونِ، وَالْمَعْتُوهِ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَالنَّائِمِ، وَالصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ مُطْلَقًا مَهْمَا كَانَ نَوْعُ التَّصَرُّفِ مَحَلِّ الْوَكَالَةِ.وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يَأْتِي:

أ- تَوْكِيلُ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ:

32- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ تَوْكِيلِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ فِي تَصَرُّفَاتٍ نَافِعَةٍ لَهُ نَفْعًا مَحْضًا.

كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ جَوَازِ تَوْكِيلِهِ فِيمَا كَانَ ضَارًّا ضَرَرًا مَحْضًا.

أَمَّا التَّصَرُّفَاتُ الدَّائِرَةُ بَيْنَ النَّفْعِ وَالضَّرَرِ بِحَسَبِ أَصْلِ وَصْفِهَا فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَوْكِيلِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ فِيهَا.

فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهَا تَصِحُّ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ.

قَالَ الْبُهُوتِيُّ: وَكَالَةُ الْمُمَيِّزِ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ فِي كُلِّ تَصَرُّفٍ لَا يُعْتَبَرُ لَهُ الْبُلُوغُ كَتَصَرُّفِ الْمُمَيِّزِ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ تَوْكِيلَ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ بَاطِلٌ.

ب- تَوْكِيلُ السَّفِيهِ:

33- لَا تَجُوزُ الْوَكَالَةُ مِنَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ فِيمَا لَا يَسْتَقِلُّ بِهِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ، أَمَّا مَا يَسْتَقِلُّ بِهِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ فِيهِ.

انْظُرْ مُصْطَلَحَ (سَفَه ف 30).

ج- تَوْكِيلُ الْمَرْأَةِ فِي النِّكَاحِ:

34- لَا يَجُوزُ تَوْكِيلُ الْمَرْأَةِ فِي النِّكَاحِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ لِأَنَّهَا لَا تُزَوِّجُ نَفْسَهَا فَلَا تُوَكَّلُ فِيهِ وَإِنَّمَا وَلِيُّهَا الَّذِي يُزَوِّجُهَا.

وَيَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ.

وَانْظُرِ التَّفْصِيلَ فِي (نِكَاح ف 109).

د- تَوْكِيلُ الْمُرْتَدِّ:

35- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ تَوْكِيلِ الْمُرْتَدِّ لِغَيْرِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:

الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: الْوَكَالَةُ مِنَ الْمُرْتَدِّ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى عَوْدَتِهِ إِلَى الْإِسْلَامِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَأَبِي حَنِيفَةَ) فَإِنْ أَسْلَمَ نَفَذَتْ، وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا بَطَلَتْ.وَهَذَا مَا يُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ.

الْقَوْلُ الثَّانِي: يَرَى الصَّاحِبَانِ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ أَنَّ وَكَالَةَ الْمُرْتَدِّ لِغَيْرِهِ صَحِيحَةٌ وَنَافِذَةٌ، وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْمُرْتَدَّةَ يَجُوزُ تَوْكِيلُهَا بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّ تَصَرُّفَاتِهَا نَافِذَةٌ.

الْقَوْلُ الثَّالِثُ: ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّ تَوْكِيلَ الْمُرْتَدِّ بَاطِلٌ، وَهَذَا الْقَوْلُ اسْتَوْجَهَهُ الشَّيْخُ زَكَرِيَّا الْأَنْصَارِيُّ.وَقَالَ الشَّبْرَامَلْسِيُّ: هُوَ الْمُعْتَمَدُ.

هـ- تَوْكِيلُ الْمُسْلِمِ الْكَافِرَ فِي بَيْعِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ:

36- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ تَوْكِيلِ الْمُسْلِمِ الْكَافِرَ فِي بَيْعِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ.

فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالصَّاحِبَانِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَوْكِيلُ مُسْلُمٍ ذِمِّيًّا فِي بَيْعِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَشِرَائِهِمَا؛ لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْوَكَالَةِ أَنْ يَمْلِكَ الْمُوَكِّلُ نَفْسَ التَّصَرُّفِ الَّذِي يُوَكِّلُ فِيهِ الْغَيْرَ.وَالْمُسْلِمُ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي الْخَمْرِ أَوِ الْخِنْزِيرِ بِالْبَيْعِ أَوِ الشِّرَاءِ أَوْ غَيْرِهِمَا.وَفَاقِدُ الشَّيْءِ لَا يُعْطِيهِ.

وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى صِحَّةِ تَوْكِيلِ الْمُسْلِمِ الذِّمِّيَّ فِي بَيْعِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ؛ إِذْ يَكْفِي أَنْ يَكُونَ لِلْمُوَكِّلِ أَهْلِيَّةُ أَدَاءٍ تُخَوِّلُ لَهُ حَقَّ تَوْكِيلِ الْغَيْرِ فِيمَا يُوَكِّلُهُ فِيهِ.

و- تَوْكِيلُ الْمُحْرِمِ:

37- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَوْكِيلِ الْمُحْرِمِ لِحَلَالٍ فِي النِّكَاحِ.

فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَوْكِيلُ الْمُحْرِمِ لِحَلَالٍ فِي النِّكَاحِ يَعْقِدُهُ لَهُ حَالَ إِحْرَامِ الْمُوَكِّلِ، لِأَنَّهُ لَا يُبَاشِرُهُ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ تَوْكِيلُ الْمُحْرِمِ فِي الزَّوَاجِ مُطْلَقًا، لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْقِدَهُ بِنَفْسِهِ فَجَازَ لَهُ التَّوْكِيلُ فِيهِ.

وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (نِكَاح ف 73).

ز- جَهَالَةُ الْمُوَكِّلِ:

38- نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الْوَكَالَةُ إِذَا لَمْ يَعْرِفِ الْوَكِيلُ مُوَكِّلَهُ بِأَنْ قِيلَ لَهُ: وَكَّلَكَ زَيْدٌ وَلَمْ يُنْسَبْ لَهُ وَلَمْ يُذْكَرْ لَهُ مِنْ وَصْفِهِ أَوْ شُهْرَتِهِ مَا يُمَيِّزُهُ.

ثَانِيًا- الْوَكِيلُ:

39- الْوَكِيلُ هُوَ الْمَعْهُودُ إِلَيْهِ تَنْفِيذُ الْوَكَالَةِ، وَيُشْتَرَطُ فِي الْوَكِيلِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُوَكِّلِ مِنَ الْعَقْلِ، فَلَا يَجُوزُ تَوْكِيلُ الْمَجْنُونِ وَالْمَعْتُوهِ وَالصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ.

وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ الْأُمُورِ الْآتِيَةِ فِي الْوَكِيلِ:

أ- الْبُلُوغُ:

40- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ الْبُلُوغِ فِي الْوَكِيلِ.

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِ وَكَالَةِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ.

قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا كَانَ يَعْقِلُ الْعَقْدَ وَيَقْصِدُهُ، أَيْ يَعْقِلُ الْبَيْعَ وَغَيْرَهُ مِنَ الْعُقُودِ، فَيَعْرِفُ أَنَّ الشِّرَاءَ جَالِبٌ لِلْمَبِيعِ وَسَالِبٌ لِلثَّمَنِ، وَالْبَيْعَ عَلَى عَكْسِهِ، وَيَعْرِفُ الْغَبْنَ الْفَاحِشَ مِنَ الْيَسِيرِ وَيَقْصِدُ بِذَلِكَ ثُبُوتَ الْحُكْمِ وَالرِّبْحِ لَا الْهَزْلَ.

وَقَالُوا: إِنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ تَرْجِعُ إِلَى الْوَكِيلِ إِذَا كَانَ بَالِغًا، أَمَّا إِذَا كَانَ صَبِيًّا مُمَيِّزًا فَإِنَّ حُقُوقَهُ تَرْجِعُ إِلَى الْمُوكِّلِ لَا إِلَى الْوَكِيلِ.كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ.

وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يَصِحُّ تَوْكِيلُ الْمُمَيِّزِ وَتَوَكُّلُهُ فِي كُلِّ تَصَرُّفٍ لَا يُشْتَرَطُ لَهُ الْبُلُوغُ، Cكَتَصَرُّفِ الْمُمَيِّزِ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ.

وَاسْتَدَلَّ الْقَائِلُونَ بِصِحَّةِ وَكَالَةِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ.بِمَا وَرَدَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- لَمَّا خَطَبَ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ: لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِي شَاهِدٌ، فَقَالَ - صلى الله عليه وسلم-: لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِكِ شَاهِدٌ وَلَا غَائِبٌ يَكْرَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ لِعُمَرَ ابْنِ أُمِّ سَلَمَةَ: قُمْ فَزَوِّجْ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم-، فَزَوَّجَهُ وَكَانَ صَبِيًّا».

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ وَكَالَةِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ وَلَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، فَلَا يَمْلِكُ أَنْ يَتَوَكَّلَ لِغَيْرِهِ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ بِحَقِّ الْمِلْكِ لَمْ يَمْلِكْهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ بِالتَّوْكِيلِ.

ب- تَعْيِينُ الْوَكِيلِ:

41- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْوَكَالَةِ أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ مُعَيَّنًا، فَإِذَا كَانَ مَجْهُولًا بَطَلَتِ الْوَكَالَةُ، فَلَوْ قَالَ شَخْصٌ: وَكَّلْتُ أَحَدَ النَّاسِ فِي بَيْعِ سِلْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ، بَطَلَتِ الْوَكَالَةُ لِجَهَالَةِ الْوَكِيلِ وَعَدَمِ تَعْيِينِهِ.

وَقَالَ ابْنُ نُجَيْمٍ: مِنَ التَّوْكِيلِ الْمَجْهُولِ قَوْلُ الدَّائِنِ لِمَدْيُونِهِ: مَنْ جَاءَكَ بِعَلَامَةِ كَذَا، وَمَنْ أَخَذَ أُصْبُعَكَ، أَوْ قَالَ لَكَ كَذَا، فَادْفَعْ مَا لِي عَلَيْكَ إِلَيْهِ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ تَوْكِيلُ مَجْهُولٍ، فَلَا يَبْرَأُ بِالدَّفْعِ إِلَيْهِ.

ج- عِلْمُ الْوَكِيلِ بِالْوَكَالَةِ:

42- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ عِلْمِ الْوَكِيلِ بِالْوَكَالَةِ لِصِحَّتِهَا.

قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: الْعِلْمُ بِالتَّوْكِيلِ فِي الْجُمْلَةِ شَرْطٌ بِلَا خِلَافٍ، إِمَّا عِلْمُ الْوَكِيلِ وَإِمَّا عِلْمُ مَنْ يُعَامِلُهُ، حَتَّى لَوْ وَكَّلَ رَجُلًا بِبَيْعِ عَبْدِهِ فَبَاعَهُ الْوَكِيلُ مِنْ رَجُلٍ قَبْلَ عِلْمِهِ وَعِلْمِ الرَّجُلِ بِالتَّوْكِيلِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ حَتَّى يُجِيزَهُ الْمُوَكِّلُ أَوِ الْوَكِيلُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالْوَكَالَةِ.

وَأَمَّا عِلْمُ الْوَكِيلِ عَلَى التَّعْيِينِ بِالتَّوْكِيلِ فَهَلْ هُوَ شَرْطٌ؟ ذُكِرَ فِي الزِّيَادَاتِ أَنَّهُ شَرْطٌ، وَذُكِرَ فِي الْوَكَالَةِ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ.

وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ: اذْهَبْ بِثَوْبِي هَذَا إِلَى فُلَانٍ حَتَّى يَبِيعَهُ، أَوِ اذْهَبْ إِلَى فُلَانٍ حَتَّى يَبِيعَكَ ثَوْبِي الَّذِي عِنْدَهُ، فَهُوَ جَائِزٌ، وَهُوَ إِذْنٌ مِنْهُ لِفُلَانٍ فِي بَيْعِ Cذَلِكَ الثَّوْبِ، إِنْ أَعْلَمَهُ الْمُخَاطَبُ بِمَا قَالَهُ الْمَالِكُ جَازَ بَيْعُهُ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَإِنْ لَمْ يُعْلِمْهُ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ.

وَلَوْ قَالَ: اذْهَبْ بِهَذَا الثَّوْبِ إِلَى الْقَصَّارِ حَتَّى يَقْصُرَهُ، أَوْ إِلَى الْخَيَّاطِ حَتَّى يَخِيطَهُ قَمِيصًا، فَهُوَ إِذْنٌ مِنْهُ لِلْقَصَّارِ وَالْخَيَّاطِ فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ حَتَّى لَا يَصِيرَ ضَامِنًا بِعَمَلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ.

وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: انْطَلِقِي إِلَى فُلَانٍ حَتَّى يُطَلِّقَكِ، فَطَلَّقَهَا فُلَانٌ وَلَمْ يَعْلَمْ يَقَعُ، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرْخَسِيِّ فِي بَابِ مَا تَقَعُ بِهِ الْوَكَالَةُ.

وَعِلْمُ الْوَكِيلِ بِالْوَكَالَةِ شَرْطُ عَمَلِ الْوَكَالَةِ حَتَّى إِنَّ مَنْ وَكَّلَ غَيْرَهُ بِبَيْعِ عَبْدِهِ أَوْ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ وَالْوَكِيلُ لَا يَعْلَمُ فَطَلَّقَ أَوْ بَاعَ، لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَا طَلَاقُهُ.هَكَذَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ - رحمه الله- (فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ.فَإِذَا وَكَّلَ إِنْسَانًا لَا يَصِيرُ وَكِيلًا قَبْلَ الْعِلْمِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ.

وَقَالُوا: إِذَا كَانَ عِلْمُ الْوَكِيلِ بِالتَّوْكِيلِ شَرْطًا لِصِحَّةِ الْوَكَالَةِ، فَإِنْ كَانَ التَّوْكِيلُ بِحَضْرَةِ الْوَكِيلِ، أَوْ كَتَبَ الْمُوَكِّلُ بِذَلِكَ كِتَابًا إِلَيْهِ فَبَلَغَهُ وَعَلِمَ مَا فِيهِ، أَوْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولًا فَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ، أَوْ أَخْبَرَهُ بِالتَّوْكِيلِ رَجُلَانِ، أَوْ رَجُلٌ وَاحِدٌ عَدْلٌ- صَارَ وَكِيلًا بِإِجْمَاعِ الْحَنَفِيَّةِ، وَإِنْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ غَيْرُ عَدْلٍ، فَإِنْ صَدَّقَهُ صَارَ وَكِيلًا أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ لَا يَكُونُ وَكِيلًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَيَكُونُ وَكِيلًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ بِالْوَكَالَةِ، فَلَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ دَارِهِ وَلَمْ يَعْلَمِ الْوَكِيلُ بِالتَّوْكِيلِ فَبَاعَهَا نَفَذَ بَيْعُهُ عِنْدَهُمْ، لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْعُقُودِ بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.

وَهَذَا مَا يُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى الْأَظْهَرِ، حَيْثُ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُ مَالِ غَيْرِهِ ظَاهِرًا إِنْ بَانَ بَعْدَ الْبَيْعِ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ وِلَايَةً كَوَكِيلٍ أَوْ وَصِيٍّ، اعْتِبَارًا فِي الْعُقُودِ بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لِعَدَمِ حَاجَتِهَا إِلَى النِّيَّةِ.وَقَالُوا: يَحْرُمُ عَلَى الْوَكِيلِ تَعَاطِي هَذَا التَّصَرُّفِ قَبْلَ الْعِلْمِ بِأَنَّ لَهُ وِلَايَةً عَلَيْهِ.

د- عَدَالَةُ الْوَكِيلِ:

43- لَا تُشْتَرَطُ عَدَالَةُ الْوَكِيلِ فِي الْجُمْلَةِ، إِلاَّ أَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ اشْتَرَطُوا فِي عُقُودٍ مُعَيَّنَةٍ أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ أَوِ الْوَلِيُّ عَدْلًا، وَمِنْهَا عَقْدُ النِّكَاحِ، حَيْثُ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فِي الْوَلِيِّ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَلِلتَّفْصِيلِ (ر: نِكَاح ف 7، وَفِسْق ف 14).

هـ- ذُكُورَةُ الْوَكِيلِ:

44- لَمْ يَشْتَرِطِ الْفُقَهَاءُ ذُكُورَةَ الْوَكِيلِ فِي الْجُمْلَةِ إِلاَّ أَنَّ بَعْضَهُمُ اشْتَرَطَ كَوْنَ الْوَكِيلِ رَجُلًا فِي بَعْضِ الْعُقُودِ، وَمِنْهَا النِّكَاحُ.

وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (نِكَاح ف 107).

الرُّكْنُ الثَّالِثُ مِنْ أَرْكَانِ الْوَكَالَةِ: مَحَلُّ الْوَكَالَةِ:

45- مَحَلُّ الْوَكَالَةِ: هُوَ التَّصَرُّفُ الْمَأْذُونُ فِيهِ مِنَ الْمُوَكِّلِ لِلْوَكِيلِ بِمَلِكٍ أَوْ وِلَايَةٍ.

وَقَدْ نَصَّ فُقَهَاءُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى أَنَّ لِمَحَلِّ الْوَكَالَةِ شُرُوطًا ثَلَاثَةً:

أ- أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بَطَلَتِ الْوَكَالَةُ، لِأَنَّهَا لَا تَصِحُّ مَعَ الْجَهَالَةِ.

ب- أَنْ يَكُونَ قَابِلًا لِلنِّيَابَةِ.

ج- أَنْ يَمْلِكَهُ الْمُوَكِّلُ حَالَ التَّوْكِيلِ.

أَنْوَاعُ الْوَكَالَةِ بِاعْتِبَارِ مَحَلِّهَا:

تَتَنَوَّعُ الْوَكَالَةُ بِاعْتِبَارِ الْمَحَلِّ: إِلَى وَكَالَةٍ خَاصَّةٍ، وَوَكَالَةٍ عَامَّةٍ.

أ- الْوَكَالَةُ الْخَاصَّةُ:

46- الْوَكَالَةُ الْخَاصَّةُ هِيَ مَا كَانَ إِيجَابُ الْمُوَكِّلِ فِيهَا خَاصًّا بِتَصَرُّفٍ مُعَيَّنٍ، كَأَنْ يُوَكِّلَ إِنْسَانٌ آخَرَ فِي أَنْ يَبِيعَ لَهُ سِلْعَةً مُعَيَّنَةً.وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَجُوزُ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَتَصَرَّفَ إِلاَّ فِيمَا وُكِّلَ بِهِ، بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ.

ب- الْوَكَالَةُ الْعَامَّةُ:

47- الْوَكَالَةُ الْعَامَّةُ قَدْ تَكُونُ عَامَّةً فِي كُلِّ شَيْءٍ، كَأَنْ يَقُولَ الْمُوَكِّلُ لِلْوَكِيلِ: أَنْتَ وَكِيلِي فِي كُلِّ شَيْءٍ، أَوْ يَقُولَ لَهُ: أَنْتَ وَكِيلِي فِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْوَكَالَةِ الْعَامَّةِ:

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى جَوَازِ التَّوْكِيلِ الْعَامِّ فِي الْجُمْلَةِ.وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ.فَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ: أَنْتَ وَكِيلِي فِي كُلِّ شَيْءٍ، أَوْ قَالَ: أَنْتَ وَكِيلِي بِكُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، يَكُونُ وَكِيلًا بِحِفْظٍ لَا غَيْرَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، أَمَّا لَوْ قَالَ: أَنْتَ وَكِيلِي فِي كُلِّ شَيْءٍ جَائِزٌ أَمْرُكَ، يَصِيرُ وَكِيلًا فِي جَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ كَبَيْعٍ وَشِرَاءٍ وَهِبَةٍ وَصَدَقَةٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي طَلَاقٍ وَعِتَاقٍ وَوَقْفٍ، فَقِيلَ: يَمْلِكُ ذَلِكَ لِإِطْلَاقِ تَعْمِيمِ اللَّفْظِ، وَقِيلَ: لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ إِلاَّ إِذَا دَلَّ دَلِيلُ سَابِقَةِ الْكَلَامِ وَنَحْوِهِ، وَبِهِ أَخَذَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ.

وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: أَنْتَ وَكِيلِي فِي كُلِّ شَيْءٍ جَائِزٌ أَمْرُكَ، مَلَكَ الْحِفْظَ وَالْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ، وَيَمْلِكُ الْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ حَتَّى إِذَا أَنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ جَازَ حَتَّى يُعْلَمَ خِلَافُهُ مِنْ قَصْدِ الْمُوَكِّلِ، وَعَنِ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ تَخْصِيصُهُ بِالْمُعَاوَضَاتِ وَلَا يَلِي الْعِتْقَ وَالتَّبَرُّعَ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.وَكَذَا لَوْ قَالَ طَلَّقْتُ امْرَأَتَكَ وَوَهَبْتُ وَوَقَفْتُ أَرْضَكَ، فِي الْأَصَحِّ لَا يَجُوزُ، وَفِي الذَّخِيرَةِ أَنَّهُ تَوْكِيلٌ بِالْمُعَاوَضَاتِ لَا بِالْإِعْتَاقِ وَالْهِبَاتِ، وَبِهِ يُفْتَى ا.ه.

وَفِي الْخُلَاصَةِ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ.

وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْوَكِيلَ وَكَالَةً عَامَّةً يَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ إِلاَّ الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ وَالْوَقْفَ وَالْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَمْلِكَ الْإِبْرَاءَ وَالْحَطَّ عَنِ الْمَدْيُونِ لِأَنَّهُمَا مِنْ قَبِيلِ التَّبَرُّعِ وَأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي مَرَّةٍ بَعْدَ أُخْرَى، وَهَلْ لَهُ الْإِقْرَاضُ وَالْهِبَةُ بِشَرْطِ الْعِوَضِ.فَإِنَّهُمَا بِالنَّظَرِ إِلَى الِابْتِدَاءِ تَبَرُّعٌ فَإِنَّ الْقَرْضَ عَارِيَّةٌ ابْتِدَاءً، مُعَاوَضَةٌ انْتِهَاءً، وَالْهِبَةُ بِشَرْطِ الْعِوَضِ هِبَةٌ ابْتِدَاءً مُعَاوَضَةٌ انْتِهَاءً، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَمْلِكَهُمَا الْوَكِيلُ بِالتَّوْكِيلِ الْعَامِّ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُمَا مَنْ يَمْلِكُ التَّبَرُّعَاتِ، وَلِذَا لَا يَجُوزُ إِقْرَاضُ الْوَصِيِّ مَالَ الْيَتِيمِ وَلَا هِبَتُهُ بِشَرْطِ الْعِوَضِ وَإِنْ كَانَتْ مُعَاوَضَةً فِي الِانْتِهَاءِ.

وَظَاهِرُ الْعُمُومِ أَنَّهُ يَمْلِكُ قَبْضَ الدَّيْنِ وَاقْتِضَاءَهُ وَإِيفَاءَهُ وَالدَّعْوَى بِحُقُوقِ الْمُوَكِّلِ وَسَمَاعَ الدَّعْوَى بِحُقُوقٍ عَلَى الْمُوَكِّلِ وَالْأَقَارِيرِ عَلَى الْمُوَكِّلِ بِالدُّيُونِ، وَلَا يَخْتَصُّ بِمَجْلِسِ الْقَاضِي، لِأَنَّ فِي ذَلِكَ بِالْوَكِيلِ بِالْخُصُومَةِ لَا فِي الْعَامِّ، فَإِنْ قَالَ لَهُ: وَكَّلْتُكَ وَكَالَةً مُطْلَقَةً عَامَّةً، فَهَلْ يَتَنَاوَلُ الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ وَالتَّبَرُّعَاتِ؟ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا عَلَى الْمُفْتَى بِهِ، لِأَنَّ مِنَ الْأَلْفَاظِ مَا صَرَّحَ قَاضِيخَانَ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ عَامٌّ وَمَعَ ذَلِكَ قَالُوا بِعَدَمِهِ.

وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: لَا تَنْعَقِدُ الْوَكَالَةُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ: وَكَّلْتُكَ، لِأَنَّهُ لَا يَدُلُّ عُرْفًا عَلَى شَيْءٍ بَلْ حَتَّى يُفَوِّضَ لِلْوَكِيلِ الْأَمْرَ بِأَنْ يَقُولَ: وَكَّلْتُكَ وَكَالَةً مُفَوَّضَةً، أَوْ: فِي جَمِيعِ أُمُورِي، أَوْ: أَقَمْتُكَ مَقَامِي فِي أُمُورِي، وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَإِذَا فَوَّضَ لَهُ فَيَمْضِي وَيَجُوزُ النَّظَرُ وَهُوَ الصَّوَابُ، أَيْ مَا فِيهِ تَنْمِيَةُ الْمَالِ لَا غَيْرُهُ، وَهُوَ مَا لَيْسَ فِيهِ تَنْمِيَةُ الْمَالِ كَالْعِتْقِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ، إِلاَّ أَنْ يَقُولَ الْمُوَكِّلُ: وَيَمْضِي مِنْكَ غَيْرُ النَّظَرِ، فَيَمْضِي إِنْ وَقَعَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ ابْتِدَاءً فَلَيْسَ لِلْمُوَكِّلِ رَدُّهُ، وَلَا تَضْمِينُ الْوَكِيلِ.

وَالْمُرَادُ بِغَيْرِ النَّظَرِ مَا لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ وَلَا تَبْذِيرٍ.وَقَالُوا: لَا يَمْضِي عَنِ الْوَكِيلِ طَلَاقُ زَوْجَةِ الْمُوَكِّلِ، وَإِنْكَاحُ بِكْرِهِ، وَبَيْعُ دَارِ سُكْنَاهُ فِي كُلٍّ مِنَ النَّظَرِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ لَا تَنْدَرِجُ تَحْتَ عُمُومِ الْوَكَالَةِ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُهُ الْوَكِيلُ بِإِذْنٍ خَاصٍّ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ التَّوْكِيلَ الْعَامَّ لَا يَصِحُّ.فَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُوَكَّلُ فِيهِ مَعْلُومًا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ حَيْثُ يَقِلُّ مَعَهُ الْغَرَرُ، وَلَا يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَلَوْ قَالَ: وَكَّلْتُكَ فِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ لِي، أَوْ فِي كُلِّ أُمُورِي، أَوْ فَوَّضْتُ إِلَيْكَ كُلَّ شَيْءٍ، أَوْ: أَنْتَ وَكِيلِي فَتَصَرَّفْ كَيْفَ شِئْتَ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، لَمْ يَصِحَّ لِكَثْرَةِ الْغَرَرِ وَعَظِيمِ الْخَطَرِ، وَإِنْ قَالَ وَكَّلْتُكَ فِي بَيْعِ أَمْوَالِي وَقَبْضِ دُيُونِي وَاسْتِيفَائِهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ، صَحَّ وَإِنْ جَهِلَ الْأَمْوَالَ وَالدُّيُونَ وَمَنْ هِيَ عَلَيْهِ.

الْأُمُورُ الَّتِي تَقَعُ عَلَيْهَا الْوَكَالَةُ:

48- ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ ضَابِطًا عَامًّا لِمَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِعَقْدِ الْوَكَالَةِ، وَهُوَ: كُلُّ عَقْدٍ جَازَ أَنْ يَعْقِدَهُ الْإِنْسَانُ بِنَفْسِهِ جَازَ أَنْ يُوَكِّلَ بِهِ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَعْجِزُ عَنِ الْمُبَاشَرَةِ بِنَفْسِهِ عَلَى اعْتِبَارِ بَعْضِ الْأَحْوَالِ فَيَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ فَيَكُونَ بِسَبِيلٍ مِنْهُ دَفْعًا لِلْحَاجَةِ.إِلاَّ أَنْ هُنَاكَ أُمُورًا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ فِيهَا بِالِاتِّفَاقِ، وَأُمُورًا لَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ فِيهَا بِالِاتِّفَاقِ، وَأُمُورًا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا.

أ- الْأُمُورُ الَّتِي يَصِحُّ التَّوْكِيلُ فِيهَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ:

أَوَّلًا الْعُقُودُ:

49- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى التَّوْكِيلِ فِيهِمَا، فَقَدْ يَكُونُ الْمُوَكِّلُ مِمَّنْ لَا يُحْسِنُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ، أَوْ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ إِلَى السُّوقِ، وَقَدْ يَكُونُ لَهُ مَالٌ وَلَا يُحْسِنُ التِّجَارَةَ فِيهِ، وَقَدْ يُحْسِنُهَا وَلَكِنَّهُ لَا يَتَفَرَّغُ لِذَلِكَ، وَقَدْ لَا تَلِيقُ بِهِ التِّجَارَةُ لِكَوْنِهِ امْرَأَةً، أَوْ مِمَّنْ يَتَعَيَّرُ بِهَا وَيَحُطُّ ذَلِكَ مِنْ مَنْزِلَتِهِ، وَأَبَاحَهَا الشَّرْعُ دَفْعًا لِلْحَاجَةِ وَتَحْصِيلًا لِمَصْلَحَةِ الْعِبَادِ.«وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم- وَكَّلَ Cعُرْوَةَ الْبَارِقِيَّ فِي شِرَاءِ الشَّاةِ».«وَلِأَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم- دَفَعَ دِينَارًا إِلَى حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ - رضي الله عنه- لِيَشْتَرِيَ بِهِ أُضْحِيَّةً».

50- وَاتَّفَقُوا أَيْضًا عَلَى جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِي الْحَوَالَةِ وَالرَّهْنِ وَالْكَفَالَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْوَدِيعَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالْجَعَالَةِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْإِجَارَةِ وَالْقَرْضِ، وَالْوَصِيَّةِ، وَالْفَسْخِ، وَالْإِبْرَاءِ، وَالْمُصَارَفَةِ، وَالْإِقَالَةِ، وَالشُّفْعَةِ، لِأَنَّ كُلَّ هَذِهِ الْعُقُودِ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ فِي الْحَاجَةِ إِلَى التَّوْكِيلِ فِيهَا فَيَثْبُتُ فِيهَا حُكْمُهُ.

وَاتَّفَقُوا كَذَلِكَ عَلَى جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِي الضَّمَانِ وَالصُّلْحِ وَالْهِبَةِ، لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْبَيْعِ فِي الْحَاجَةِ إِلَى التَّوْكِيلِ، وَلِأَنَّ الْمُوَكِّلَ يَمْلِكُ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ بِنَفْسِهِ فَيَمْلِكُ تَفْوِيضَهَا إِلَى غَيْرِهِ.

51- وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى صِحَّةِ التَّوْكِيلِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ مِنَ الرَّجُلِ؛ «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم- وَكَّلَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ وَأَبَا رَافِعٍ فِي قَبُولِ النِّكَاحِ لَهُ» وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ رُبَّمَا احْتَاجَ الْمُوَكِّلُ إِلَى التَّزَوُّجِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ لَا يُمْكِنُهُ السَّفَرُ إِلَيْهِ.فَإِنَّ «النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم- تَزَوَّجَ أُمَّ حَبِيبَةَ وَهِيَ يَوْمَئِذٍ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ».

ثَانِيًا: الْعِبَادَاتُ الْمَالِيَّةُ

52- وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِي الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ، كَالزَّكَاةِ، وَالصَّدَقَاتِ، وَالْمَنْذُورَاتِ، وَالْكَفَّارَاتِ.لِأَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم- بَعَثَ عُمَّالَهُ لِقَبْضِ الصَّدَقَاتِ وَتَفْرِيقِهَا، وَقَالَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: «أَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ Cفَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ»..

ثَالِثًا: الطَّلَاقُ وَالرَّجْعَةُ وَالْخُلْعِ

53- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِي الطَّلَاقِ، وَالرَّجْعَةِ، وَالْخُلْعِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى ذَلِكَ كَدُعَائِهَا إِلَى التَّوْكِيلِ فِي الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ.

ب- الْأُمُورُ الَّتِي لَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ فِيهَا بِالِاتِّفَاقِ:

أَوَّلًا الشَّهَادَةُ:

54- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِي الشَّهَادَةِ، فَلَوْ قَالَ الشَّاهِدُ لِغَيْرِهِ: وَكَّلْتُكَ لِتَشْهَدَ عَنِّي فِي كَذَا، لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ، لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ الشَّاهِدِ لِكَوْنِهَا خَبَرًا عَمَّا رَآهُ أَوْ سَمِعَهُ، وَلَا يَتَحَقَّقُ هَذَا الْمَعْنَى فِي نَائِبِهِ، وَلِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى التَّعَبُّدِ وَالْيَقِينِ الَّذِي لَا تُمْكِنُ النِّيَابَةُ فِيهِ.

فَإِنِ اسْتَنَابَ فِيهَا كَانَ النَّائِبُ شَاهِدًا عَلَى شَهَادَتِهِ لِكَوْنِهِ يُؤَدِّي مَا سَمِعَ مِنْ شَاهِدِ الْأَصْلِ وَلَيْسَ بِوَكِيلٍ.وَلِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ مُصْطَلَحَ (شَهَادَة ف 42).

ثَانِيًا: الْأَيْمَانُ وَالنُّذُورُ:

55- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ الْحَالِفِ وَالنَّاذِرِ فَأَشْبَهَتِ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةَ، وَلِأَنَّ الْيَمِينَ تُفِيدُ صِدْقَ الْحَالِفِ بِمَا يَعْلَمُهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ اللِّعَانُ، وَالْإِيلَاءُ، وَالْقَسَامَةُ، لِأَنَّهَا أَيْمَانٌ فَلَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ.

ثَالِثًا الْمَعَاصِي:

56- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِي الْمَعَاصِي كَالْجِنَايَاتِ مِثْلِ: الْقَتْلِ وَالسَّرِقَةِ وَالْغَصْبِ وَالْقَذْفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ مُحَرَّمَةٌ فَلَا يَصِحُّ فِعْلُهَا مِنَ الْمُوَكِّلِ Cوَلَا مِنَ الْوَكِيلِ.

رَابِعًا الْعِبَادَاتُ الْبَدَنِيَّةُ:

57- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِي الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ الْمَحْضَةِ، أَيِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا تَعَلُّقٌ بِالْمَالِ، كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالطَّهَارَةِ مِنَ الْحَدَثِ، لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِبَدَنِ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ فَلَا يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ فِيهَا.انْظُرْ مُصْطَلَحَ (عِبَادَة ف 7).

ج- الْأُمُورُ الْمُخْتَلَفُ فِي التَّوْكِيلِ فِيهَا:

أَوَّلًا الْحَجُّ:

58- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي الْحَجِّ مِنَ الْإِنْسَانِ الْقَادِرِ عَلَى الْحَجِّ بِنَفْسِهِ.

أَمَّا الْعَاجِزُ عَنِ الْأَدَاءِ بِنَفْسِهِ فَلِلْفُقَهَاءِ فِيهِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي (حَجّ ف 114 وَمَا بَعْدَهَا، وَنِيَابَة ف 13- 45، أَدَاء ف 16).

ثَانِيًا الْعُمْرَةُ:

59- ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى جَوَازِ أَدَاءِ الْعُمْرَةِ عَنِ الْغَيْرِ بِالْوَكَالَةِ.وَلِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ مُصْطَلَحَ (عُمْرَة ف 38).

ثَالِثًا: النِّكَاحُ مِنَ الْمَرْأَةِ:

60- ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُوَكِّلَ وَلَا أَنْ تَتَوَكَّلَ فِي الزَّوَاجِ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَعْقِدَهُ بِنَفْسِهَا، فَلَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَتَوَكَّلَ وَلَا أَنْ تُوَكَّلَ فِيهِ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْحُرَّةِ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ، بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا، لِأَنَّهَا تَمْلِكُ أَنْ تَعْقِدَهُ بِنَفْسِهَا عِنْدَهُمْ، فَمَلَكَتِ التَّوَكُّلَ وَالتَّوْكِيلَ فِيهِ أَيْضًا (نِكَاح ف 107).

رَابِعًا الظِّهَارُ:

61- ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْأَصَحِّ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِي الظِّهَارِ بِأَنْ يَقُولَ الْوَكِيلُ: أَنْتِ عَلَى مُوَكِّلِي كَظَهْرِ أُمِّهِ، لِأَنَّهُ قَوْلٌ مُنْكَرٌ وَزُورٌ فَلَا يَجُوزُ فِعْلُهُ وَلَا الِاسْتِنَابَةُ فِيهِ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَصِحُّ التَّوْكِيلُ فِيهِ.وَهُوَ رَأْيُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ مِنَ Cالْمَالِكِيَّةِ حَيْثُ قَالَ: الْأَقْرَبُ فِي الظِّهَارِ أَنَّهُ كَالطَّلَاقِ لِأَنَّ قَوْلَ الْوَكِيلِ: زَوْجَةُ مُوَكِّلِي عَلَيْهِ كَظَهْرِ أُمِّهِ، كَقَوْلِهِ: امْرَأَةُ مُوَكِّلِي طَالِقٌ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الظِّهَارَ وَالطَّلَاقَ إِنْشَاءٌ مُجَرَّدٌ كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ.

خَامِسًا تَحْصِيلُ الْمُبَاحَاتِ:

62- ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْأَظْهَرِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي تَحْصِيلِ الْمُبَاحَاتِ كَإِحْيَاءِ الْمَوَاتِ، وَإِسْقَاءِ الْمَاءِ، وَالِاصْطِيَادِ، وَالِاحْتِشَاشِ، أَوْ يُوَكِّلُ مَنْ يَحْفُرُ لَهُ مَعْدِنًا، لِأَنَّهَا تَمَلُّكُ مَالٍ بِسَبَبٍ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ فَجَازَ التَّوْكِيلُ فِيهِ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِلِ الْأَظْهَرِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِي الْمُبَاحَاتِ، وَالْمَلِكُ فِيهَا لِلْوَكِيلِ لِأَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ وَهُوَ وَضْعُ الْيَدِ قَدْ وُجِدَ فَلَا يَنْصَرِفُ عَنْهُ بِالنِّيَّةِ.

سَادِسًا الْإِقْرَارُ:

63- ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِلِ الْأَصَحِّ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِالْإِقْرَارِ فِي الْحُقُوقِ، فَلَوْ قَالَ شَخْصٌ لآِخَرَ: وَكَّلْتُكَ لِتُقِرَّ عَنِّي لِفُلَانٍ بِكَذَا، جَازَ هَذَا التَّوْكِيلُ، لِأَنَّهُ إِثْبَاتُ حَقٍّ فِي الذِّمَّةِ بِالْقَوْلِ فَجَازَ التَّوْكِيلُ فِيهِ كَالْبَيْعِ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْأَصَحِّ عِنْدَهُمْ.وَالطَّحَاوِيُّ.إِلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِي الْإِقْرَارِ، لِأَنَّهُ إِخْبَارٌ عَنْ حَقٍّ فَلَمْ يَقْبَلِ التَّوْكِيلَ كَالشَّهَادَةِ.

موسوعة الفقه الكويتية-وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت-صدرت بدءًا من: 1404هـ/1984م


13-الأضداد لابن الأنباري (مثل)

79 - ومثْل حرف من الأَضداد، يقال: مثْل للمُشْبِه

للشَّيء والمعادِل له، ويقال: مثل للضِّعف، فيكون واقعًا على المثْلين؛ زعم الفَرَّاءُ أَنه يقال: رَأَيتُكُمْ مثلَكم، يراد به رأَيتُكم ضعْفكم، ورأَيتُكُم مثْلَيْكُم، يراد به رأَيتُكم ضعْفَيكم؛ من هذا قول الله عزّ وجلّ: يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْن، معناه يَرَى المسلمون المشركين ضعْفَيْهم، أَي ثلاثة أَمثالهم؛ لأَنَّ المسلمين كانوا يَوْم بدر ثلثمائة وأَربعة عشر رجلًا، وكانَ المشركون تسعمائة وخمسين رجلًا، فكان المسلمونَ يَرَوْن المشركين على عَدَدهم ثلاثة أَمثالهم.

فإِن قال قائل: كيف كان هذا في هذه الآية تكثيرًا وفي سورة الأَنفال تقليلًا حين يقول جلّ وعزّ: وإذْ يُريكُموهُمْ إذْ التقَيْتُمْ في أَعْيُنكُمْ قليلًا ويُقَلِّلُكُم في أَعْيُنهمْ. قيل

له: هذه آية للمسلمين أَخبرهم بها، وتلك آية للمشركين؛ مع أَنك قائل في الكلام: إنِّي لأرَى كثيرَكم قليلًا، أَي قَدْ هُوِّن عَلَيَّ، فأَنا أَرى الثلاثة اثنين.

قال أَبو بكر: هذا قول الفَرَّاءُ؛ وقد طَعَن عليه فيه

بعضُ البصريّين، فقال: محال أَن يكونَ المسلمون رَأَوا المشركين يوم بدر على كمال عَددهم تسعمائة وخمسين، لأَنَّه لو كان الأَمر كذا بطلت الآيةُ؛ ولم يكن في هذا أُعجوبة ينبِّه الله عليها خَلْقه، وإنّما معنى الآية: يرى المسلمون المشركين مِثْلَيْهم ستمائة ونيّفا وعشرين، لتصحّ الأُعجوبة، بأَن يروْهم أَقلَّ من عددهم.

قال أَبو بكر: لا حجّة على الفَرَّاءُ في هذا؛ لأَنَّ الأُعجوبةَ لم تكن في العدد، وإنما كانت في الجَزَع الَّذي أَوقعه الله جلّ وعزّ في قلوب المشركين، على كثرة عددهم، وقلة عدد المسلمين، وللشجاعة الَّتي أَوقعها الله في قلوب المسلمين، فهانَ المشركون عليهم وهم يتبيَّنون كثرةَ عددهم، وصار احتقارُ المسلمين إياهم على كمال العدد أَعجبَ من احتقارهم إياهم على نُقصان العدد. وقد أَجاز الفَرَّاءُ القول الآخر، واختار الأَوّل، وقالَ: الدليل على أنَّ المِثْل يقع على المثليْن، أن الرَّجُل يقول وعنده عبد: أَحتاج إِلى مثلَيْ عبدي، فمعناه أَحتاج إِلى ثلاثة؛ لأَنَّه غير مستغن عن عبده، ويَقُولُ: أَحتاج إِلى مثل هذا الأَلف، يريد: أَحتاج إِلى أَلفين. ومن قرأَ: تَرَوْنَهُمْ مثْلَيْهمْ جعل الفعل لليهود، أَي

يا معاشر اليهود، ترون المشركين مثلَي المسلمين.

وقالَ أَبو عَمْرو بن العلاء: من قرأَ: تَرَوْنَهُمْ بالتاء لزمه، أَن يقول: مِثْلَيْكُمْ، فرُدّ هذا القول على أَبي عمرو، وقيل المخاطبون اليهود، والهاءُ والميم المتصلتان بمثل للمسلمين.

وقالَ الفَرَّاءُ: يجوز أَن يكون يَرَوْنَهُمْ بالياء لليهود، وإن كان قد تقدم خطابُهم في قوله عزّ وجلّ: قدْ كان لَكُمْ آيةٌ، لأَنَّ العرب ترجع من الخطاب إِلى الغيبة، ومن

الغيبة إِلى الخطاب، كقوله عزّ وجلّ: حتَّى إِذا كُنْتُمْ في الفُلْك وجَرَيْنَ بهمْ، أَراد بكم. وقالَ عزّ وجلّ في موضع آخر: وسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهورًا. إنَّ هذا كان لَكُمْ جَزاءً، معناه كان لهم جزاءً، فرجع من الغيبة إِلى الخطاب، وقالَ الأَعشى:

«عنده البِرُّ والتُّقَى وأَسى الصَّدْ *** عِ وحَمْلٌ لِمُضْلِعِ الأَثْقالِ»

«وَوَفاءٌ إِذا أَجرْتَ فما غُرّ *** تْ حِبالٌ وصلتَها بحبالِ»

«أَرْيَحِيٌّ صَلْتٌ يَظلُّ لهُ القوْ *** مُ رُكودًا قيامَهُمْ للهلالِ»

فقال: عنده البرّ، ثمَّ قال: ووفاءٌ إِذا أَجرتَ فخاطب. وقالَ معن بن أَوس:

«فكمْ من ثَناءٍ صالحٍ كُنْتَ أَهْلهُ *** مُدِحْتَ بهِ تَجْزي يَداكَ وتقْبَلُ»

«فأَنْتَ المصفَّى من قريش دِعامة *** لمن نابه حِرْزٌ نجاةٌ ومَعْقِلُ»

أَرادَ: لمن نابك. وقال الآخر:

«يا لَهفَ نفسي كان جِدَّةُ خالدٍ *** وبياض وجهكَ للترابِ الأَعْفَرِ»

أَرادَ: وبياض وجهه. وقالَ عنترة:

«شَطَّتْ مَزارُ العاشِقينَ فأَصْبَحَتْ *** عَسِرًا عليَّ طلابُكِ ابنَةَ مَخْرَمِ»

أَرادَ طلابها. وقالَ لَبيد:

«باتت تَشكَّى إليّ النفسُ مُجْهشَةً *** وقَدْ حَمَلْتُكِ سَبْعًا بَعْدَ سَبْعينا»

«إنْ تُحْدِثي أَمَلًا يا نفس كارهة *** ففي الثَّلاث وفاءٌ للثَّمانينا»

أَرادَ: وقد حملتها. وقال الآخر:

«لا زال مِسْكٌ ورَيحانٌ له أَرَجٌ *** على صَداكَ بصافي اللَّونِ سَلْسالِ»

«يَسْقي صَداهُ ومُمْساهُ ومُصْبَحُهُ *** رِفْهًا وَرَمْسُكَ مَحْفوفٌ بأَظْلالِ»

أَرادَ: يسقي صداك. وقالَ كُثَيِّر:

«أَسيئي بنا أَوْ أَحسني لا مَلومَةً *** لدَيْنا ولا مَقْليَّةً إنْ تَقَلَّتِ»

أَراد: إن تقلّيت. وقالَ أَبو عبيد: معنى قوله تبارك وتعالى: يَرَوْنَهُم مثْلَيْهمْ يرى

المشركون المسلمين مثليْهم. ويروى عن ابن عباس يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ، أَي يُري الله المشركين المسلمين مثليْهم. ويروى عن أَبي عبد الرحمن تَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِم على مثل معنى قراءة ابن عباس. والدليل على أَن الضِّعْف يكون بمَعْنَى المثلين قول الشاعر، يعني عبد الله بن عامر:

«وأَضْعَفَ عبد الله إذْ غابَ حَظهُ *** على حَظِّ لَهْفانٍ من الحِرْصِ فاغِرِ»

أَرادَ أَعطاه مثْليْ جائزة اللهفان.

الأضداد-أبو بكر، محمد بن القاسم بن محمد بن بشار بن الحسن بن بيان بن سماعة بن فَروة بن قَطَن بن دعامة الأنباري-توفي: 328هـ/940م


14-الأضداد لابن الأنباري (قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين)

234 - وممَّا يفسّر من كتاب الله عزَّ وجلَّ تفسيرين متضادَّين، قوله تعالى: قالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ منْكُمْ فإِنِّي أُعَذِّبهُ عَذابًا لا أُعَذِّبه أَحَدًا مِنَ العالَمِينَ، قالَ بعض المفسِّرين: نزلت المائدة، وقالَ بعضهم: لم تنزِل.

أَخبرنا أَبو علي العَنَزِيّ، قالَ: حدَّثنا الحسن بن قَزْعَة، قالَ: حدَّثنا سفيان بن حبيب، عن سعيد، عن قَتادة، عن خِلاس ابن عمرو، عن عَمَّار بن ياسر، قالَ: قالَ رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم: نزلت المائدة خُبْزًا ولحمًا، وأُمروا أَلا يخونوا ولا يخبئوا ولا يدَّخروا، فخانوا، وخَبئُوا وادَّخروا، فمسِخوا قِردة وخنازير.

وحدَّثنا محمد بن يونس، قالَ: حدَّثنا عمر بن يونس ابن القاسم اليماميّ، قالَ: حدَّثنا إِسماعيل بن فيروز، عن أَبيه، عن وهب بن منبّه، قالَ: كانت مائدةً يجلس عليها أَربعة آلاف، فقالوا لقوم من وُضَعائهم: إِنَّ هؤلاء يلطِّخون ثيابنا علينا، فلو بنينا لها دكانًا يرفعها! فبنوْا لها دكانًا، فجعلت الضُّعفاءُ لا تصل إِلى شيء، فلمَّا خالفوا أَمرَ الله جلّ وعزّ رفعها عنهم.

وحدَّثنا محمد، قالَ: حدَّثنا الحكم بن مروان، قالَ: حدَّثنا إِسرائيل، عن سِماك، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس، في قوله تعالى: أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ، قالَ: مائدة طعام.

وحدَّثنا محمد، قالَ: خبَّرنا بشر بن عمر، قال، خبَّرنا شعبة عن أَبي إِسحاق، عن أَبي عبد الرحمن السُّلَميّ، في قوله: أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ، قالَ: خبزًا وسمكًا.

وحدَّثنا محمد، قالَ: حدَّثنا الحكم بن مروان، قالَ: أَخبرنا الفضل بن مرزوق، عن عطية، قالَ: كانت سمكة وجدوا فيها كلّ شيء.

وأَخبرنا عبد الله بن محمد، قالَ: خبَّرنا يوسف القطَّان، قالَ: حدَّثنا جرير، عن أَشعث، عن جعفر، عن سعيد، قالَ: نزلت المائدة وهي طعام يفور؛ فكانوا يأْكلون منها قعودًا، فأَحدثوا فرفعت شيئًا، فأَكلوا على الرُّكَب، ثمَّ أَحدثوا، فرفعت شيئًا، فأَكلوا قيامًا، ثمَّ أَحدثوا، فرفعت البتَّة.

وأَخبرنا عبد الله، قالَ: خبَّرنا يوسف، قالَ: خبَّرنا عمرو بن حُمران، عن سعيد، عن قَتادة، قالَ: كانت مائدة ينزل عليها ثَمَرٌ من ثمار الجنَّة، وأُمِروا أَلاّ يَخونوا، ولا يخبئوا ولا يدَّخروا، بلاءً ابتلاهم الله به، فكانوا إِذا فعلوا شيئًا من ذلك أَخبرهم به عيس عليه السَّلام، قالَ: فخانوا وخبئوا وادَّخروا.

وأَخبرنا عبد الله، قالَ: خبَّرنا يوسف، قالَ: أَخبرنا

عمرو بن حُمران، عن سعيد، عن قَتادة، عن الحسن، قالَ: لمَّا قال الله عزَّ وجلَّ: إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فإِنِّي أُعَذِّبهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا من العالمين، قالوا: لا حاجة لنا فيها، فلم تنزل عليهم.

الأضداد-أبو بكر، محمد بن القاسم بن محمد بن بشار بن الحسن بن بيان بن سماعة بن فَروة بن قَطَن بن دعامة الأنباري-توفي: 328هـ/940م


15-الغريبين في القرآن والحديث (غيب)

(غيب)

قوله تعالى: {يؤمنون بالغيب} قيل: الغيب هو الله تعالى لأنه لا يرى في الدار الدنيا، وإنما ترى آياته الدالة عليه المشيرة إليه، وقيل: أي بما غاب عنهم بما أخبرهم به النبي - صلى الله عليه وسلم - من الملائكة والجنة والنار والحساب، وقال ابن الأعرابي: الغيب غاب عن العيون، وإن كان محصلا في القلوب، قال الشاعر:

«وللفؤاد وجيب تحت أبهرة *** لدم الغلام وراء الغيب بالحجر»

أي وراء الجدار.

وقوله: {ولله غيب السموات والأرض} أي علم غيب السموات والأرض.

وقوله: {وخشي الرحمن بالغيب} أي خاف الله من حيث لا يراه أحد.

وقوله: {في غيابة الجب} الغيابة شبه لجف أو طاق في البئر فويق الماء يغيب الشيء عن العيون.

وقوله: {حافظات للغيب بما حفظ الله} أي لغيب أزواجهن.

وقوله تعالى: {ولا يغتب بعضكم بعضا} الغيبة: أن يذكر الإنسان من ورائه بسوء إن كان فيه فإن ذكره بما ليس فيه فهو البهتة والبهتان.

وفي عهدة الرقيق (لا داء ولا خبثة ولا تغبيب) قال ابن شميل: التغبيب: أن لا يبيعه ضالة ولا لقطة ولا مزعزعا أي معبا.

وفي الحديث: (حتى تمتشط الشعثة، وتستحد المغيبة) يعني التي غاب عنها زوجها ونقيضها المشهد بلاهاء.

وفي حديث أبي بكر رضي الله عنه (أن حسان لما هجا قريشا قالت: قريش إن هذا لشتم ما غاب عنه ابن أبي قحافة) قال القتيبي: أرادوا أن أبا بكر عالم بالأنساب، والأخبار وهو الذي علمه ويدل على ذلك ما روي: (أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لحسان: سله عن معايب القوم) يعني أبا بكر وكان نسابة علامة رضي الله عنه.

الغريبين في القرآن والحديث-أبو عبيد أحمد بن محمد الهروي-توفي: 401هـ/1010م


16-المعجم الغني (أَبْلَغَ)

أَبْلَغَ- [بلغ]، (فعل: رباعي. متعدٍّ، مزيد بحرف)، أَبْلَغْتُ، أُبْلِغُ، أَبْلِغْ، المصدر: إِبْلَاغٌ.

1- "أَبْلَغَ رِجَالَ الأَمْنِ بالحَادِثَةِ": أَخْبَرَهُمْ.

2- "أَبْلَغَهُ الأَمَانَةَ": أَوْصَلَها إِلَيْهِ. "أَبْلَغَتْنِي الإدَارَةُ بقَرَارِهَا".

3- "أَبْلَغَهُ إلَيْهِ": أَوْصَلَهُ.

الغني-عبدالغني أبوالعزم-صدر: 1421هـ/2001م


17-المعجم الغني (حَدَّثَ)

حَدَّثَ- [حدث]، (فعل: رباعي. لازم ومتعدٍّ. مزيد بحرف)، حَدَّثْتُ، أُحَدِّثُ، حَدِّثْ، المصدر: تَحْديثٌ.

1- "حَدَّثَ النَّاسَ": كَلَّمَهُمْ، أَخْبَرَهُمْ. "حَدِّثْ وَلا حَرَجَ".

2- "حَدَّثَ الْمُحَدِّثُ": رَوَى حَديثَ النَّبِيِّ. "يُحَدِّثُنا في كُلِّ مَساءٍ عَنْ أَخْبارِ الأوَّلينَ".

3- "حَدَّثَتْهُ نَفسُهُ": أَخْطَرَتْهُ، أَشْعَرَتْهُ. "تُحَدِّثُهُ نَفْسُهُ أَنَّ أَمْرًا مَّا سَيَحْصُلُ" "حَدَّثَهُ قَلْبُهُ".

4- "حَدَّثَ بِالنِّعْمَةِ": نَشَرَها وَحَمِدَ اللَّهَ عَلَيْها وَشَكَرَهُ. {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: 11]:

5- "حَدَّثَ صاحِبَهُ الحَديثَ، وَبِهِ": خَبَّرَهٌ.

الغني-عبدالغني أبوالعزم-صدر: 1421هـ/2001م


18-المعجم الغني (لَاتَ)

لَاتَ- [ليت]، (فعل: ثلاثي. متعدٍّ، مزيد بحرف)، لِتْتُ، أَلِيتُ، لِتْ، المصدر: لَيْتٌ.

1- "لَاتَ ابْنَهُ عَنْ أَمْرٍ مَّا": صَرَفَهُ وَحَبَسَهُ عَنْهُ.

2- "لَاتَ صَاحِبَهُ حَقَّهُ": نَقَصَهُ إِيَّاهُ. {لَا يَلِتُكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا} [الحجرات: 14]:

3- "لَاتَ أَهْلَهُ": أَخْبَرَهُمْ بِالشَّيْءِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهِ.

الغني-عبدالغني أبوالعزم-صدر: 1421هـ/2001م


19-تاج العروس (سكن)

[سكن]: سَكَنَ الشَّي‌ءُ سُكونًا: ذَهَبَتْ حَرَكَتُه وقَرَّ.

وفي الصِّحاحِ: اسْتَقرَّ وثَبَتَ.

وقالَ ابنُ الكمالِ، رحِمَه اللهُ تعالَى: السُّكُونُ عَدَمُ الحرَكَةِ عمَّا مِن شأْنِهِ أَنْ يتحرَّكَ، فعَدَمُ الحرَكَةِ عمَّا ليسَ مِن شأَنِهِ أَنْ يتحرَّكَ لا يكونُ سُكونًا، فالمَوْصوفُ به لا يكونُ متحرِّكًا ولا ساكنًا.

وسَكَّنْتُهُ تسْكِينًا: أَثْبتَّه. وأَمَّا قوْلُه تعالَى: {وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ}.

فقالَ ابنُ الأَعْرابيِّ: أَي حَلَّ.

وقالَ ثَعْلَبٌ: إنَّما الساكِنُ مِن الناسِ والبهائِمِ، خاصَّةً، قالَ: وسَكَنَ: هَدَأَ بعْدَ تَحَرُّك، وإنَّما مَعْناهُ، والله تعالى أَعْلم، الخَلْق.

وسَكَنَ دارَهُ يَسْكُنُ سكنًا وسُكُونًا: أَقامَ.

وقالَ الرَّاغبُ: السُّكُونُ: ثبوتُ الشي‌ءِ بعْدَ تَحَرُّكِه، ويُسْتَعْمل في الاسْتِيطَانِ يقالُ: سَكَنَ فلانٌ مكانًا تَوَطَّنَه.

وأَسْكَنَهَا غيرَهُ؛ قالَ كثيِّرُ عزَّةَ:

وإن كان لا سُعْدَى أَطالتْ سُكُونَهُ *** ولا أَهْلُ سُعْدَى آخِرَ الدَّهْرِ نازِلُهْ

ومِن الإسْكانِ قوْلُه تعالَى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ}؛ وقوْلُه تعالى: {رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} والاسمُ: السَّكَنُ، محرَّكةً، والسُّكْنَى، كبُشْرَى، وعليه اقْتَصَرَ الجَوْهرِيُّ، كما أنَّ العُتْبَى اسمٌ مِن الإِعْتابِ، والأوَّلُ عن اللّحْيانيّ قالَ: والسَّكَنُ أَيْضًا سُكْنَى الرَّجُل في الدارِ.

يقالُ: لك فيها سَكَنٌ؛ أَي سُكْنَى.

والسُّكْنَى: أنْ يُسْكَنَ الرَّجُل بِلا كِرْوَة، كالعُمْرَى.

والمَسْكَنُ، كمَقْعَدٍ: هي لُغَةُ الحِجازِ، وتُكْسَرُ كافُه، وهي نادِرَةٌ: المَنْزِلُ والبَيْتُ، جَمْعُه مَساكِنٌ.

ومَسْكِنٌ، كمَسْجِدٍ: موضع بالكُوفَة.

وقالَ نَصْر: صقْعٌ بالعِراقِ قُتِلَ فيه مصعب ابن الزُّبَيْر.

وذَكَرَ ياقوتُ أنَّه مِن كُورِ الإسْتَان العالي في غربيه.

والسَّكْنُ، بالفتْحِ: أَهْلُ الدَّارِ، اسمٌ لجمْعِ ساكِنٍ، كشارِبٍ وشَرْبٍ؛ وقيلَ: جَمْع على قوْلِ الأَخْفَش؛ قالَ سَلامةُ بنُ جَنْدَلَ:

ليس بأَسْفَى ولا أَقْنَى ولا سَغِلٍ *** يُسْقَى دواءَ قَفِيِّ السَّكْنِ مَرْبُوبِ

وأَنْشَدَ الجَوْهِرِيُّ لذي الرُّمَّةِ:

فيا كَرَمَ السَّكْنِ الذين تَحَمَّلوا *** عن الدارِ والمُسْتَخْلَفِ المُتَبَدّلِ

قالَ ابنُ بَرِّي: أَي صارَ خَلَفًا وبَدَلًا للظّباءِ والبَقَرِ.

وفي حدِيثِ يأْجُوج ومأْجُوج: «حتى إنَّ الرُّمَّانَة لتُشْبعُ السِّكْنَ»؛ أَي أَهْل البَيْتِ.

وقالَ اللّحْيانيُّ: السَّكْنُ: جِمَاعُ القَبِيلَةِ. يقالُ: تَحَمَّلَ السَّكْنُ فذَهبُوا.

والسَّكَنُ، بالتَّحريكِ: النَّارُ، لأنَّه يُسْتَأْنَسُ بها، كما سُمِّيت مُؤْنسة؛ وهو مجازٌ؛ وأَنْشَدَ الجَوْهرِيُّ للراجزِ:

أَلْجأَني الليلُ وريحٌ بَلَّهُ *** إلى سَوادِ إبِلٍ وثَلَّهُ

وسَكَنٍ تُوقَدُ في مِظَلَّهْ

وقالَ آخَرُ يَصِفُ قناةً ثَقَّفَها بالنارِ والدُّهُن:

أَقامَها بسَكَنٍ وأَدْهان

والسَّكَنُ: كلُّ ما يُسْكَنُ إليه ويُطْمأَنُّ به مِن أَهْلٍ وغيرِهِ؛ ومنه قوْلُه تعالَى: {جَعَلَ} لكُمُ {اللَّيْلَ سَكَنًا}.

وفي الحدِيثِ: «اللهُمَّ أنْزِلْ علينا في أرْضِنا سَكَنَها»؛ أَي غيَاث أَهْلها الذي تَسْكُن أَنْفَسهم إليه.

وفي الصِّحاح: فلانٌ بنُ السَّكَنِ: رجُلٌ؛ وقد يُسَكَّنُ، قالَ: هكذا كانَ الأَصْمعيُّ يقولُه بجزْمِ الكافِ.

قالَ ابنُ بَرِّي: قالَ ابنُ حبيبٍ: يقالُ سَكَنٌ وسَكْنٌ؛ قالَ جَرير في الإسْكانِ:

ونُبِّئْتُ جَوَّابًا وسَكْنًا يَسُبُّني *** وعَمْرو بنُ عَفْرا لا سلامَ على عَمْرِو!

والسَّكَنُ: الرَّحْمَةُ والبَرَكَةُ، وبه فُسِّرَ قوْلُه تعالَى: {إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} أَي رحْمَةٌ وبَرَكَةٌ.

وقالَ الزَّجاجُ: أَي يَسْكنُون بها.

والمِسْكينُ بالكسْرِ وتُفْتَحُ مِيمُه لُغَةٌ لبَني أَسَدٍ، حَكَاها الكِسائيُّ، وهي نادِرَةٌ لأنَّه ليسَ في الكَلامِ مِفْعِيل: من لا شي‌ءَ له يكْفِي عيالَهُ؛ أَوْ لَهُ ما لا يَكْفِيه، أَو الذي أَسْكَنَه الفَقْرُ؛ أَي قَلَّلَ حَرَكَته، كذا في النُّسخِ، والصَّوابُ: وقَلَّلَ حَرَكَته، ونَصّ أبي إسْحق: أَي قَلَّلَ حَرَكَته.

قالَ ابنُ سِيْدَه: وهذا بَعِيدٌ لأنَّ مِسْكِينًا في معْنَى فاعِلٍ. وقوْلُه: الذي أَسْكَنَه الفَقْرُ يُخْرجُه إلى معْنَى مَفْعولٍ.

والمِسْكِينُ: الذَّليلُ والضَّعيفُ.

وفي الصِّحاحِ: المِسْكِينُ الفَقِيرُ، وقد يكونُ بمعْنَى الذّلَّةِ والضَّعْفِ، ثم قالَ: وكانَ يونسُ يقولُ: المِسْكِينُ أَشَدّ حالًا مِن الفَقيرِ، قالَ: وقُلْتُ لأَعْرابيِّ أَفَقيرٌ أَنْتَ؛ فقالَ: لا والله بل مِسْكِينٌ.

وفي الحدِيثِ: ليسَ المِسْكِينُ الذي تَرُدُّه اللُّقْمةُ واللُّقْمتانِ، وإنَّما المِسْكِينُ الذي لا يَسْأَل ولا يُفْطَنُ له فيُعْطَى، انتَهَى.

وقد تقدَّمَ الفَرْقُ بينَ المِسْكِين والفَقِير أنَّ الفَقِيرَ الذي له بعضُ ما يقيمُهُ، والمِسْكِينُ أَسْوأُ حالًا مِن الفَقِيرِ؛ نَقَلَه ابنُ الأنْبارِيّ عن يونُسَ، وهو قوْلُ ابنِ السِّكِّيت، وإليه ذَهَبَ مالِكٌ وأَبو حَنِيفَةَ، رضِيَ اللهُ عنهما، واسْتَدَلَّ يونس بقولِ الرَّاعي:

أَمَّا الفَقِيرُ الذي كانَتْ حَلوبَتُه *** وَفْق العِيالِ فلم يُتْرَك له سَبَدُ

فأَثْبَتَ أنَّ للفَقيرِ حَلوبَة وجَعَلَها وَفْقًا لعِيالِه.

ورُوِي عن الأَصْمعيّ أنَّه قالَ: المِسْكِينُ أَسْوأُ حالًا مِن الفَقِيرِ، وإليه ذَهَبَ أَحمدُ بنُ عُبَيْدٍ، رحِمَه اللهُ تعالَى، قالَ: وهو القوْلُ الصَّحِيحُ عنْدَنا؛ وإليه ذَهَبَ عليُّ بنُ حَمْزَةَ الأصْبهانيُّ اللّغَويُّ، ويَرى أنَّه الصَّوابُ وما سِواهُ خَطَأٌ، ووَافَقَ قوْلُهم قوْلَ الإمامِ الشافِعِيّ، رضِيَ الله عنه.

وقالَ قتادَةُ: الفَقِيرُ الذي به زَمانَة، والمِسْكِينُ الصَّحيحُ المُحْتاجُ.

وقالَ زِيادَةُ اللهِ بنُ أَحْمدَ: الفَقِيرُ القاعِدُ في بيْتِه لا يَسْأَلُ، والمِسْكِينُ: الذي يَسْأَلُ.

وأَمَّا قَوْله، صلى ‌الله‌ عليه‌ وسلم: «اللهُمَّ أَحْينِي مِسْكِينًا وَأمِتْني مِسْكِينًا واحْشُرْني في زُمْرَةِ المَساكِين»، فإنَّما أَرادَ به التَّواضعَ والإخْباتَ وأنْ لا يكون مِن الجبَّارِين المُتَكبِّرِين؛ أَي خاضِعًا لك يا رَبّ ذَلِيلًا غَيْرَ مُتكَبِّرٍ، وليسَ يُرادُ بالمِسْكِينِ هنا الفَقِيرُ المُحْتاج، وقد اسْتَعاذَ، صلى ‌الله‌ عليه‌ وسلم، من الفَقْرِ، ويمكنُ أَنْ يكونَ مِن هذا قَوْله تعالَى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ}، سَمَّاهُم مَساكِين لخضُوعِم وذلّهم مِن جَوْرِ الملكِ، وقد يكونُ المِسْكِينُ مُقِلًّا ومُكْثِرًا، إذ الأصْل فيه أنَّه مِنَ المَسْكَنة، وهي الخُضُوعُ والذلُّ.

وقالَ ابنُ الأثيرِ: يَدُورُ معْنَى المَسْكَنة على الخُضُوعِ والذلَّةِ وقلَّةِ المالِ والحالِ السَّيْئةِ.

الجمع: مَساكِينُ، وإنْ شِئْتَ قلْتَ: مِسْكِينُونَ، كما تقولُ فَقِيرُونَ.

قالَ الجَوْهرِيُّ: وإنَّما قالوا ذلِكَ مِن حيثُ قيلَ للإناثِ مِسْكِينات لأَجْل دُخولِ الهاءِ، انتَهَى.

وقالَ أَبو الحَسَنِ: يعْني أنَّ مِفْعيلًا يَقَعُ للمُذكَّرِ والمُؤَنَّثِ بلفْظٍ واحِدٍ نحْو مِحْضِيرٍ ومِئْشِيرٍ، وإنَّما يكونُ ذلِكَ ما دامَتِ الصَّيغةُ للمُبالَغَةِ، فلمَّا قالوا مِسْكِينة يَعْنونَ المُؤَنَّث ولم يقْصِدُوا به المُبالَغَة شبَّهُوها بفَقِيرَةٍ، ولذلِكَ ساغَ جَمْع مُذَكَّره بالواوِ والنُّونِ.

وسَكَنَ الرَّجُلُ وتَسَكَّنَ، عن اللَّحْيانيِّ على القِياسِ وهو الأَكْثَر الأَفْصَح، كما قالَهُ ابنُ قتيبَةَ، وتَمَسْكَنَ كما قالوا تَمَدْرَعَ مِن المِدْرعَةِ وهو شاذٌّ مخالِفٌ للقِياسِ، نَقَلَه الجَوْهرِيُّ؛ صارَ مِسْكِينًا.

وقد جاءَ في الحدِيثِ أنَّه قالَ للمُصلِّي: تَبْأَسُ وتَمسْكَنُ وتُقْنِعُ يَدَيْك». قالَ القُتَيْبيُّ: كانَ القِياسُ تسَكَّن إلَّا أنَّه جاءَ في هذا الحَرْف تَمَفْعَل، ومِثْلُه تَمَدْرَعَ وأَصْلُه تَدرَّع، ومعْنَى تَمَسْكَنَ: خَضَعَ للهِ وتَذَلَّلَ.

وقالَ اللّحْيانيُّ: تَمَسْكَنَ لربِّه: تَضَرَّعَ.

وقالَ سِيْبَوَيْه: كلُّ مِيمٍ كانتْ في أَوَّلِ حَرْفٍ فهي مَزِيدَةٌ إلَّا مِيم مِعْزى، ومِيم مَعَدِّ، ومِيم مَنْجَنِيقٍ، ومِيم مَأْجَجٍ، ومِيم مَهْدَدٍ.

وهي مِسْكينٌ ومِسْكينَةٌ، شاهِدُ المِسْكِينِ للأُنْثى قَوْلُ تأَبَّطَ شرًّا:

قد أَطْعَنُ الطَّعْنَةَ النَّجْلاءِ عن عُرُضٍ *** كفَرْجِ خَرْقاءَ وَسْطَ الدارِ مِسْكينِ

عَنَى بالفَرْج ما انشَقَّ مِن ثيابِها؛ الجمع: مِسْكِينات.

والسَّكِنَةُ، كفَرِحَةٍ: مَقَرُّ الرَّأْسِ من العُنُق؛ وأَنْشَدَ الجَوْهرِيُّ لأَبي الطَّمحان حَنْظَلَة ابن شَرْقيّ:

بضَرْبٍ يُزِيلُ الهامَ عن سَكِناتِه *** وطَعْنٍ كتَشْهاقِ العَفَا هَمَّ بالنَّهْقِ

قالَ ابنُ بَرِّي: والمصْراعُ الأَوَّل اتَّفَقَ فيه زامِلُ بنُ مُصادٍ القَيْنيّ وطُفَيْل والنابِغَةُ وافْتَرَقُوا في الأخيرِ فقالَ زامِلٌ:

وطَعْنٍ كأَفْواه المَزادِ المُخَرَّق

وقالَ طُفَيْل:

ويَنْقَعُ من هامِ الرجالِ المُشَرَّب

وقالَ النابِغَةُ:

وطَعْنٍ كإيزاغِ المَخاضِ الضَّواربِ

وفي الحدِيثِ: أنّه قالَ يوْمَ الفتْحِ: «اسْتَقِرُّوا على سَكِناتِكُمْ فقد انْقَطَعتِ الهُجْرةُ»؛ أَي على مَواضِعِكم ومَسَاكِنِكم، يعْنِي أنَّ اللهَ قد أَعزَّ الإسْلامَ وأَغْنَى عن الهجْرةِ والفِرارِ عن الوطَنِ خَوْفَ المُشْركِين.

والسِّكِّينُ، بكسْرٍ فتَشْديدٍ: معروف مَعْروفٌ، وإنَّما أَهْمَلَهُ مِن الضَّبْط لشُهْرتِه، كالسِّكِّينَةِ، بالهاءِ، عن ابنِ سِيْدَه؛ وأَنْشَدَ:

سِكِّينَةٌ من طَبْعِ سَيْفِ عَمْرِو *** نِصابُها من قَرْنِ تَيْسٍ بَرِّي

وفي الحدِيثِ: «قالَ المَلَكُ لمَّا شَقَّ بَطْنَه ائتِني بالسِّكِّينَةِ»؛ هي لُغَةٌ في السِّكِّين، والمَشْهورُ بِلا هاءٍ.

وفي حدِيثِ أَبي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللهُ تعالَى عنه: إن سَمِعْتُ بالسِّكِّين إلَّا في هذا الحدِيثِ، ما كنَّا نُسمِّيها إلَّا المُدْيَةَ؛ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، والغالِبُ عليه التَّذْكِيرْ؛ وأَنْشَدَ الجَوْهرِيُّ لأَبي ذُؤَيْبٍ:

يُرَى ناصِحًا فيما بَدا فإذا خَلا *** فذلك سِكِّينٌ على الحَلْقِ حاذِقُ

* قلْتُ: وشاهِدُ التأْنِيثِ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

فعَيَّثَ في السَّنامِ غَداةَ قُرٍّ *** بِسِكِّينٍ مُوَثَّقَةِ النِّصابِ

وقالَ ابنُ الأَعْرابيِّ: لم أَسْمَع تأْنِيثَ السِّكِّين.

وقالَ ثَعْلَب: قد سَمِعَه الفرَّاءُ.

وقالَ ابنُ بَرِّي: قالَ أَبو حاتِمٍ البيت الذي فيه:

بسِكِّينٍ مُوَثَّقَة النِّصابِ

لا يَعْرِفِهُ أَصْحابُنا.

* قلْتُ: ويَشْهدُ للتَّأْنِيثِ: فجاءَ المَلَكُ بسِكِّينٍ دَرَهْرَهَةٍ أَي مُعْوَجَّة الرأْسِ.

قالَ ابنُ بَرِّي: ذَكَرَه ابنُ الجَوَالِيقي في المُعَرَّبِ في بابِ الدَّالِ، وذَكَرَه الهَرَويُّ في الغَرِيبَيْن.

وفي بعضِ الآثارِ: مَنْ تولَّى القَضَاءَ فقد ذُبِحَ بغيْرِ سِكِّينٍ.

وقالَ الرَّاغبُ: سمِّي لإزَالتِه حَرَكَة المَذْبوحِ.

وقالَ ابنُ دُرَيْدٍ: فِعِّيل من ذَبَحْتُ الشي‌ءَ حتى سَكَنَ اضْطِرابُه.

وقالَ الأَزْهرِيُّ: سُمِّي به لأَنَّها تُسَكِّنُ الذَّبيحَةَ بالمَوْتِ، وكلُّ شي‌ءٍ ماتَ فقد سَكَنَ، والجَمْعُ سَكَاكِين، وصانِعُها: سَكَّانٌ، كشَدَّادٍ، وسَكاكِينِيٌّ.

قالَ ابنُ سِيْدَه: الأَخيرَةُ عنْدِي موَلَّدَةٌ لأَنَّك إذا نَسَبْتَ إلى الجَمْعِ فالقِياس أن تَردَّه إلى الواحِدِ.

والسَّكِينَةُ، كسَفِينَةٍ، والسِّكِّينَةُ، بالكسْرِ مشدَّدةً.

* قلْتُ: الذي حُكِي عن أَبي زيْدٍ بالفتْحِ مشدَّدَة، ولا نَظِير لها، إذ لا يُعْلَم في الكَلامِ فِعِّيلَة؛ وحُكِي عن الكِسائيّ السِكِينَة بالكسْرِ مخَفَّفَة، كذا في تَذْكَرَةِ أَبي عليٍّ، فالمصنِّفُ أَخَذَ الكَسْرَ مِن لُغَةٍ والتَّشدِيدَ مِن لُغَةٍ فَخَلَطَ بَيْنهما وهذا غَرِيبٌ، تأَمَّل ذلِكَ؛ الطُّمَأْنينَةُ والوَداعُ والقَرارُ والسُّكونُ الذي يُنْزِلُه الله تعالَى في قَلْبِ عبْدِه المُؤْمنِ عنْدَ اضْطِرابِه من شِدَّةِ المُخاوِفِ، فلا يَنْزعِجُ بعْدَ ذلِكَ لمَا يرد عليه ويُوجِبُ له زِيادَة الإيمانِ وقوَّة اليَقِينِ والثَّباتِ، ولهذا أَخْبَر سُبْحانه وتعالَى عن إنْزَالِها على رَسُولِه وعلى المُؤْمِنِين في مَواضِع القَلَقِ والاضْطِرابِ كيَوْم الغارِ ويَوْم حُنَيْن، وقد قُرِئَ بهما أَي بالتَّخْفيفِ والتَّشْديدِ مع الكسْرِ كما هو مُقْتَضى سِياقِه، والصَّوابُ أَنَّه قُرِئَ بالفتْحِ والكسْرِ، والأَخيرَةُ قِرَاءَة الكِسائيّ، فراجِعْ ذلِكَ.

وفي البَصائِرِ: ذَكَرَ اللهُ تعالَى السَّكِينَةَ في ستَّةِ مَواضِعَ مِن كتابِهِ:

الأوَّل: قوْلُه تعالَى: {وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ} فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ {وَبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ}.

الثَّاني: قوْلُه تعالَى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها}.

الثَّالثُ: قوْلُه تعالَى: {إِلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها}. الرابعُ: قوْلُه تعالَى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيمانًا مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ}.

الخامسُ: قوْلُه تعالَى: {لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا}.

السادس: قوْلُه تعالَى: {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ}؛ قالَ: وكانَ بعضُ المشايخِ الصَّالِحين إذا اشْتَدَّ عليه الأَمْرُ قرَأَ آياتَ السّكِينَةِ فيرى لها أَثرًا عَظِيمًا في سكونٍ وطُمَأْنِينةٍ.

وقالَ ابنُ عبَّاس، رضِيَ الله تعالَى عنه: كلُّ سَكِينةٍ في القُرآنِ فهي طُمَأْنِينةٌ إلَّا في سورَةِ البَقَرَةِ، واخْتَلفُوا في حَقيقَتِها هل هي قائِمَة بنفْسِها، أَو معنى على قَوْلَيْن وعلى الثاني فقالَ الزجَّاجُ: أَي فيه ما تَسْكُنُونَ به إذا أَتاكُم.

وقالَ عطاءُ بنُ أَبي رباحٍ: هي ما تَعْرفُونَ مِن الآياتِ فتَسْكُنُونَ إليها.

وقالَ قتادَةُ والكَلْبيُّ: هي مِنَ السكونِ أَي طُمْأَنِينَة مِن ربِّكُم ففي أَيِّ مكانٍ كانَ التابوتُ اطْمَأَنّوا إليه وسَكَنُوا، وعلى القوْلِ الأوَّلِ اخْتَلفوا في صفَتِها فرُوِي عن عليٍّ، رضِيَ الله تعالَى عنه وكرَّمَ وجْهَه: فأَنْزَلَ الله تعالى عليه السّكِينَةَ، قالَ: وهي رِيحٌ خَجُوجٌ أَي سَرِيعَةُ المَمَرِّ.

ورُوِي عنه أَيْضًا في تفْسِيرِ الآيةِ أنَّها رِيحٌ صفاقَةٌ لها رأْسانِ ووَجْه كوَجْهِ الإنْسانِ؛ ووَرَدَ أيْضًا أنَّها حيوانٌ لها وَجْه كوَجْهِ الإنْسانِ مُجْتَمِع وسائِرُها خَلْقٌ رَقِيقٌ كالرِّيحِ والهواءِ.

أَو هي شي‌ءٌ كانَ له رأْسٌ كرأْسِ الهِرِّ مِن زَبْرَجَدٍ وياقُوتٍ؛ وقيلَ: من زمردٍ وزَبَرْجَدٍ له عَيْنان لهما شُعاعٌ وجَناحانِ إذا صاحَ يُنْبي بالظَّفَرِ، وهذا رُوِي عن مجاهِدٍ.

وقالَ الرَّاغبُ: هذا القَوْلُ ما أراهُ بصَحِيحٍ.

وقالَ غيرُهُ: كانَ في التَّابوتِ مِيراثُ الأنْبياءِ، عليهم وعلى نبيِّنا أَفْضل الصَّلاة والسَّلام، وعَصَى موسَى وعَمامَةُ هرُون الصَّفْراء.

وعن ابنِ عبَّاسٍ، رضِيَ اللهُ تعالى عنهما: هي طستٌ مِن ذَهَبٍ مِن الجنَّةِ كانَ تُغْسَل فيه قُلوبُ الأَنْبياءِ، عليهم‌السلام.

وعن ابنِ وهبٍ: هي روحٌ مِن رُوحِ اللهِ إذا اخْتَلَفوا في شي‌ءٍ أَخْبَرَهم ببيانِ ما يُرِيدُون.

وفي حدِيثِ ابنِ عبَّاسٍ، رضِيَ اللهُ تعالى عنهما: «كنا نَتَحدَّثُ أنَّ السَّكِينَةَ كانتْ تنطقُ على لسانِ عُمَر وقلْبهِ»، فقيلَ هي مِن الوقارِ والسّكُونِ؛ وقيلَ: هي الرَّحْمةُ، وقيلَ: هي الصّورَةُ المَذْكورَةُ.

قالَ بعضُهم: وهو الأَشْبَه:

قلْتُ: بل الأَشْبَه أَنْ يكونَ المُرادُ بها النُّطْق بالحكْمَةِ والصَّوابِ والحَيْلولَة بَيْنه وبينَ قوْل الفَحْشاء والخَنَا واللّغْو والهَجْر والاطْمِئْنان وخُشُوع الجَوارِحِ، وكثيرًا ما ينْطقُ صاحِبُ السَّكِينَةِ بكَلامٍ لم يكنْ عن قدْرَةٍ منه ولا رَوِيَّة، ويَسْتغْربُه مِن نفْسِه كما يَسْتغْربُه السامِعُ له، ورُبَّما لم يعْلَم بعد انْقِضائِه ما صَدَرَ منه، وأَكْثَر ما يكونُ هذا عنْدَ الحاجَةِ وصدْقِ الرَّغْبةِ مِن السَّائِلِ والجالِسِ، وصدْق الرَّغْبةِ منه إلى اللهِ تعالَى، وهي وهبيةٌ مِن اللهِ تعالَى ليْسَتْ بسَبَبِيّة ولا كَسْبِيَّة، وقد أَحْسَنَ مَنْ قالَ:

وتلك مواهبُ الرَّحمن ليْسَتْ *** تحصل باجتهادٍ أو بكسبِ

ولكن لا غِنًى عن بَذْلِ جهدِ *** وإخلاص بجدٍّ لا بلعبِ

وفضل الله مبذولٌ ولكن *** بحكمتِهِ وهذا النص يُنْبيِ

فتأَمَّل ذلِكَ فإنَّه في غايَةِ النَّفاسَةِ.

وأَصْبَحُوا مُسْكِنِين: أَي ذَوِي مَسْكَنةٍ؛ عن اللَّحْيانيّ؛ أَي ذلّ وضَعْفٌ وقلَّة يَسَارٍ.

وحُكِي: ما كانَ مِسْكينًا وإنَّما سَكُنَ، كَكَرُمَ ونَصَرَ.

ونَصّ اللّحْيانيّ: وما كُنْت مِسْكينًا ولقد سكنت.

وأَسْكَنَه الله وأَسْكَنَ جَوْفَه: جَعَلَه مِسْكِينًا.

والمِسْكِينَةُ: هي المدينةُ النَّبَوِيَّةُ، صلى الله تعالى على ساكِنِها وسلم.

قالَ ابنُ سِيْدَه: لا أَدْرِي لِمَ سُمِّيت بذلِكَ إلَّا أَنْ يكونَ لفقْدِها النَّبيّ، صلى ‌الله‌ عليه‌ وسلم، وقد ذَكَرَها المصنِّفُ في المَغانِمِ المُسْتطابَه في أَعْلام طَابَه.

واسْتكانَ الرَّجُلُ: خَضَعَ وذَلَّ. ومنه حدِيثُ توْبَة كَعْب: أمَّا صاحِبَاي فاسْتَسكانَا وقَعَد في بيوتِهما؛ أَي خَضَعا وذَلَّا؛ افْتَعَلَ من المَسْكَنَةِ؛ ووَقَعَ في بعضِ الأصُولِ: اسْتَفْعل من السُّكونِ، وهو وَهمٌ فإنَّ سِينَ اسْتَفْعل زائِدَةٌ، أُشْبِعَتْ حركةُ عَيْنِه فجاءَتْ أَلِفًا.

وفي المُحْكَم: وأَكْثر ما جاءَ إشْباعُ حَرَكةِ العَيْنِ في الشعْرِ كقوْلِهِ:

يَنْباعُ من دَفْرَى غَضُوب

أَي يَنْبَع، مُدَّتْ فتْحَةُ الباءِ بأَلفٍ، وجَعَلَه أَبو عليٍّ الفارِسِيُّ رحِمَه اللهُ تعالَى، مِن الكَيْنِ الذي هو لحْمُ باطِنِ الفرْجِ لأنَّ الخاضِعَ الذَّليلَ خفيٌّ، فشبَّهَه بذلِكَ لأنَّه أَخْفَى ما يكونُ مِنَ الإنْسانِ وهو يَتعدَّى بحرْفِ الجرِّ ودُونه؛ قالَ كثيِّرُ عزَّةَ:

فما وَجُدوا فيكَ ابنَ مَرْوانَ سَقْطةً *** ولا جَهْلةً في مازِقٍ تَسْتَكِينُها

والسُّكَيْنُ، كزُبَيْرٍ: حيٌّ.

ونَصُّ الجَوْهرِيّ: وسُكَيْن مُصَغَّرًا حيٌّ مِنَ العَرَبِ في شعْرِ النابِغَةِ الذّبْيانيّ؛ قالَ ابنُ بَرِّي يعْني به قوْلَه:

وعلى الرُّمَيْثة من سُكَينٍ حاضرٌ *** وعلى الدُّثَيْنةِ من بَني سَيَّارِ

والسُّكَيْنُ: الحِمارُ الخَفِيفُ السَّريعُ؛ وخصَّ بعضُهم به الوَحْشيّ؛ قالَ أَبو دُوَاد:

دَعَرْتُ السُّكَيْنَ به آيِلًا *** وعَيْنَ نِعاجٍ تُراعي السِّخالا

والتَّسْكينُ: مُداوَمَةُ رُكوبِه؛ عن ابنِ الأعْرابيِّ.

قالَ: والتَّسْكينُ أَيْضًا: تَقْويمُ الصَّعْدَة، بالنَّارِ، وهي السكينُ.

وسُكَيْنةُ، كجُهَيْنَةَ: الأَتانُ الخَفيفَةُ السَّريعَةُ، وبه سُمِّيتِ الجارِيَةُ الخَفِيفَةُ الرُّوحِ سُكَيْنَة؛ عن ابنِ الأعْرابيِّ.

قالَ: والسُّكَيْنَةُ أَيْضًا: اسمُ البَقَّةِ الدَّاخلةِ أَنْفَ نُمْروذٍ ابنِ كنْعانَ الخاطِئِ فأَكَلَتْ دِماغَه.

وسُكَيْنَةُ: صحابيٌّ، كذا جاءَ، وصَوابُه: سفينة، ذَكَرَه أَبو موسَى، ونبَّه عليه، قالَهُ الذَّهبيَّ وابنُ فهْدٍ.

وسُكَيْنَةُ بِنْتُ الحُسَيْنِ بنِ عليِّ رضِي الله تعالى عنهما، وأُمّها الرَّبَاب بِنْت امْرِئِ القَيْسِ بنِ عدِيٍّ الكَلْبية وتُكْنى أُمُّ عبدِ الله.

وقيلَ: سُكَيْنَةُ لَقَبُها واسْمُها أمينةُ، كما في الرَّوْضِ، كانَ لها دعابَةٌ ومزحٌ لَطِيفٌ، شَهِدَت الطفَّ مع أَبِيها ولمَّا رَجَعَتْ أُمُّ سُكَيْنةَ بعْدَ مَقْتَل الحُسَيْن خَطَبَها أَشْرافُ قُرَيْشٍ فأَبَتْ وتَرَفَّعَتْ وقالَتْ: لا يكونُ لي حَمٌ بعْدَ رَسُولِ الله، صلى ‌الله‌ عليه‌ وسلم، وبَقِيَتْ بعْدَه لا يظلّها سقْفٌ حتى ماتَتْ كَمَدًا عليه، وفيها يقولُ والدُها:

كأَنَّ اللّيْلَ مَوْصولٌ بليلٍ *** إذا زَارَت سُكَيْنة والرَّباب

قالَ السّهيليُّ: أَي إذا زَارَت قَوْمَها وهم بنُو عليم بنِ خباب.

والطُّرَّةُ السُّكَيْنِيَّةُ: مَنْسوبَةٌ إليها؛ كما في الصِّحاحِ.

وسُكَيْنَةُ: عدَّةُ نسْوَةٍ محدِّثاتٍ.

وسَكِّينَةُ، بالفتْحِ مشدَّدةً، كذا في النُّسخِ، والصُّوابُ بالكسْرِ مشدَّدةً كما ضَبَطَه الحافِظُ، علِيُّ بنُ الحُسَيْنِ بنِ سَكِّينَةَ الأَنْماطيِّ سَمِعَ القطيعيّ، وابْنه أبو عبْدِ اللهِ محمدُ ابنُ عليِّ سَمِعَ ابنَ الصَّمْت المحبر؛ والمُبارَكُ بنُ أَحمدَ بنِ حُسَيْنِ بنِ سكِّينَةَ سَمِعَ أَبا عبْدِ اللهِ النعَّال وابْنُه عبْدُ اللهِ بنُ المُبارَكِ سَمِعَ ابنَ ناصِرٍ وأَبا المَحاسِنِ ابنِ المُظَفَّر البَرْمكيّ، ماتَ سَنَة 610؛ والمُبارَكُ بنُ المُبارَكِ بنِ الحُسَيْنِ، كذا في النُّسخِ والصَّوابُ ابنِ الحَسَنِ بنِ الحُسَيْنِ بنِ سَكِّينَةَ سَمِعَ أَبا القاسِمِ بنِ السَّمَرْقَنْدِيّ، ماتَ سنة 597، مُحَدِّثونَ.

* وفاتَهُ:

المُبارَكُ بنُ محمدِ بنِ مكارِمِ بنِ سَكِّينَةَ عن ابنِ بيانٍ، وعنه ابنُ الأَخْضَر، وابْنُه إسْمعيلُ بنُ المُبارَكِ، وأُخْته مَحْبوبَةُ، سَمِعَا ابن البَطِّيّ.

وكسَفِينَةٍ: أَبو سَكِينَةَ زِيادُ بنُ مالِكٍ: حدَّثَ عنه أَبو بكْرِ بنُ أَبي مَرْيمٍ، فَرْدٌ.

والسَّاكِنُ: قرية، أَو دار قُرْبَ الطَّائِفِ.

وأَحمدُ بنُ محمدِ بنِ ساكِنٍ الزَّنْجانيُّ عن نصْرِ بنِ عليٍّ وإسْمعيل ابنِ بنْتِ السّديّ، وعنه يوسُفُ بنُ القاسِمِ الميانجيّ؛ ومحمدُ بنُ عبْدِ الله بنِ ساكِنٍ البيكَنْدِيّ البُخارِيُّ عن عيسَى بنِ أَحمدَ العَسْقلانيّ، مُحدِّثانٍ.

وسَواكِنُ: جَزيرَةٌ حَسَنَةٌ قُرْبَ مكَّةَ، وهي بينَ جدَّةَ وبلادِ الحَبَشَةِ، وهي أَوَّلُ عمالَةِ الحَبَشِ.

والأَسْكانُ: الأَقْواتُ، الواحِدُ سَكَنٌ بالتَّحْريكِ، وقيلَ: هو بضمَّتَيْن؛ ومنه حدِيثُ المَهْديّ: «حتى إنَّ العُنْقودَ ليكونَ سُكْنَ أَهْلِ الدارِ»؛ أَي قُوتَهم مِن بَرَكَتِه، وهو بمنْزِلَةِ النُّزْلِ، وهو طَعامُ القوْمِ الذين ينزلُونَ عليه؛ قيلَ: وإنَّما قيلَ للقُوتِ سُكْنٌ لأَنَّ المَكانَ به يُسْكَنُ، وهذا كما يُقالُ نُزْلُ العَسْكرِ لأَرْزاقِهم المقدَّرَةِ لهم إذا نزلوا مَنْزِلًا.

وسَمَّوْا ساكِنًا، وقد تقدَّمَ؛ وساكِنَةَ، ومنهم: ساكِنَةُ بنْتُ الجعْدِ المحدِّثَةُ؛ ومَسْكَنًا، كمَقْعَدٍ، ومنهم: محمدُ ابنُ مَسْكَنِ السرَّاجُ البُخارِيُّ رَوَى عنه أَسْباطُ بنُ اليسع، ويقالُ له مِسْكِينٌ أَيْضًا؛ ومُسْكِنًا مِثْلُ مُحْسِنٍ، ومنهم: مُسْكِنُ بنُ تمامٍ القشيريُّ الذي شَهِدَ وقْعَةَ الخازرِ مَعَ عُمَيْر بنِ الحبابِ؛ وسَكِينَةَ، وقد تقدَّمَ وهي كجُهَيْنَةَ.

ومِسْكينٌ الدَّارِميُّ: شاعِرٌ مُجيدٌ، وهو مِسْكينُ بنُ عامِرِ بنِ أنيفِ بنِ شُرَيْح بنِ عَمْرو بنِ عدسِ بنِ زيْدِ بنِ عبْدِ الله بن دَارِمٍ.

ودِرعُ بنُ يَسْكُنَ، كيَنْصُرُ: تابِعِيٌّ، كذا في النُّسخِ، والصَّوابُ: يافِعِيٌّ أَي مِن بَني يافِعٍ، له خَبَرٌ، كذا في التبْصِيرِ.

وسَكَنٌ الضِّمْرِيُّ، محرَّكةً، وظاهِرُ سِياقِه يَقْتَضِي الفتْحَ.

أَو سُكَيْنٌ، كزُبَيْرٍ: اخْتُلِفَ في صُحْبتِه.

* قلْتُ: لم يَخْتَلَفْ في صُحْبتِه وإنَّما اخْتُلِفَ في اسمِه، رَوَى عن عَطَاء بنِ يَسَارٍ حدِيثًا.

* وَمِمَّا يُسْتَدْرَكُ عَلَيْهِ:

أَسْكَنَه مِثْل سَكَّنَه.

والسُّكَّانُ، كرُمَّانٍ، جَمْعُ ساكِنٍ وأَيْضًا: ذَنَبُ السَّفِينَةِ، عرَبيٌّ صَحِيحٌ.

وقالَ أَبو عُبَيْدٍ: هي الخَيْزُرَانَةُ والكَوْثَلُ.

وقالَ الأزْهرِيُّ: ما تُسَكَّنُ به السَّفِينَةُ تُمْنَعُ به مِن الحرَكَةِ والاضْطِرابِ.

وقالَ اللَّيْثُ: ما به تُعَدَّلُ، وأَنْشَدَ لطرَفَةَ:

كسُكَّانِ بُوصِيٍّ بدَجْلَةَ مُصْعِدِ

وكشَدَّادٍ: قرْيَةٌ بالسغد.

والسَّكْنُ، بالفتْحِ: البيتُ لأنَّه يُسْكَنُ فيه.

وبالتَّحْريكِ: المرْأَةُ لأنَّه يُسْكَنُ إليها.

وأَيْضًا: الساكِنُ؛ قالَ الرَّاجزُ:

ليَلْجَؤُا من هَدَفٍ إلى فَنَنْ *** إلى ذَرَى دِفْ‌ءٍ وظِلٍّ ذي سَكَنْ

ومَرْعًى مُسْكِنٌ كمُحْسِنٍ: إذا كانَ كثيرًا لا يُحْوجُ إلى الظَّعْن، وكذلِكَ مَرْعًى مُرْبعٌ ومُنْزِلٌ.

والسُّكْنُ، بالضمِّ: المَسْكَنُ وسُكَّانُ الدَّارِ: هُمُ الجنِّ المُقِيمونَ بها.

والسَّكِينَةُ: الرَّحْمةُ والنَّصْرُ.

ويقالُ للوَقُورِ: عليه السَّكِينَةُ والسُّكونُ.

وتَسَكَّنَ الرَّجُلُ مِن السَّكِينَةِ.

وتَرَكْتُهم على سَكِنَاتِهم، بكسْرِ الكافِ وفتْحِها؛ أَي على اسْتِقامَتِهم وحُسْنِ حالِهم، نَقَلَه الجَوْهرِيُّ عن الفرَّاءِ.

وقالَ ثَعْلَب: وعلى مَساكِنِهم.

وفي المُحْكَم: على مَنازِلِهم؛ قالَ: وهذا هو الجَيِّد لأنَّ الأوَّلَ لا يُطابقُ فيه الاسْمُ الخَبَر، إذا المُبْتدأ اسمٌ والخَبَر مَصْدرٌ.

وتَمَسْكَنَ: إذا تَشَبَّه بالمَساكِينِ.

وقالَ سِيْبَوَيْه: المِسْكِينُ مِن الأَلْفاظِ المُتَرَحَّمِ بها.

* قلْتُ: وسَمِعْتهم يقُولُونَ عنْدَ التَّرَحُّم مُسَيْكِين بالتَّصْغيرِ.

وأَسْكَنَ: صارَ مِسْكِينًا.

واسْتَكَنَ: خَضَعَ وذَلَّ.

والسَّكُونُ، كصَبُورٍ: حيٌّ مِنَ العَرَبِ، وهو ابنُ أَشْرَس ابنِ ثوْرِ بنِ كنْدَةَ، منهم: أَبو بدْرٍ شُجاعُ بنُ الوَلِيدِ بنِ قَيْسٍ السَّكُونيُّ الكُوفيُّ المحدِّثُ.

وقالَ ابنُ شُمَيْل: تَغْطيةُ الوَجْه عنْدَ النَّوْم سُكْنَةٌ، بالضمِّ، كأَنَّه يأْمنُ الوَحْشَة.

وسُكَيْنٌ، كزُبَيْرٍ: اسمُ مَوْضِعٍ، وبه فُسِّرَ قوْلُ النابِغَةِ.

وأَمَّا المُسْكانُ، بضمِّ المِيمِ، بمعْنَى العَرَبُون، فهو فُعْلان، تقدَّمَ ذِكْرُه في الكافِ.

والسَّكَنُ، محرَّكةٌ: جَدُّ أَبي الحَسَنِ عَمْرو بنِ إِسْحق ابنِ إبراهيمَ بنِ أَحمدَ بنِ السَّكَنِ بنِ أَسْلَمَة بنِ أَخْشَن بنِ كورٍ الأَسَديّ البُخارِي السَّكَنيّ الكورِيّ مِن صالِحِي جزْرَةَ، وعنه الحاكِمُ أَبو عبْدِ الله، تُوفي سَنَة 344، وقَرِيبه أَبو بكْرٍ محمدُ بنُ أَحمدَ بنِ محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ أَحمدَ سَمِعَ عنه أَبو محمدٍ النَّخْشبيّ.

والسَّكَناتُ، محرَّكةً: ضِدُّ الحَرَكَات.

وساكَنَهُ في الدَّارِ مُساكَنَةً: سَكَنَ هو وإِيَّاه فيها وتَساكَنُوا فيها.

وسَكَنَ إليه: اسْتَأْنَسَ به.

وسَكَنَ غَضَبُه وهو ساكِنٌ وهادِئٌ.

والمساكِنُ: قرْيَةٌ قُرْبَ تُونس.

وسَكَنُ بنُ أَبي سَكَنٍ: صَحابيٌّ.

والفَضِيلُ بنُ سُكين الندى شيْخٌ لأَبي يَعْلى الموصِليّ. وكجُهَيْنَةَ: سُكَيْنَةُ بِنْتُ أَبي وقَّاصٍ، صَحابِيَّةٌ؛ وأُخْرى لم تُنْسَب، ذَكَرَها ابنُ مَنْده.

وأَبو سُكَيْنَةَ: تابِعِيٌّ رَوَى عنه يَحْيَى بنُ أَبي عَمْرٍو الشَّيْبانيُّ.

وأَبو السكين الطَّائيُّ اسْمُه زَكَريا.

وأَسكونيا، بالفتْحِ: مَوْضِعٌ بَيَّض له ياقوتٌ.

وعبدُ الوَهَابِ بنُ عليِّ بنِ سُكَيْنَةَ، كجُهَيْنَةَ: محدِّثٌ بَغْدادِيٌّ مَشْهورٌ.

وأَبو سكنَةَ محمدُ بنُ راشِدِ بنِ أَبي سكنَةَ، وأخُوه إبراهيمُ رَوَيا عن أَبِيهما عن أَبي الدَّرْداءِ ومُعاوِيَةَ.

وسَاوَكَانُ: قرْيَةٌ بخَوَارِزم، منها: أَبو سعيدٍ أَحمدُ بنُ عليٍّ الكِلابيُّ الإِمامُ المَشْهورُ مِن شيوخِ ابنِ السّمعانيّ.

والمسكينَةُ: قَرْيةٌ بمِصْرَ مِن أَعْمالِ الغَربيَّة.

تاج العروس-مرتضى الزَّبيدي-توفي: 1205هـ/1791م


20-لسان العرب (غيب)

غيب: الغَيْبُ: الشَّكُّ، وَجَمْعُهُ غِيابٌ وغُيُوبٌ؛ قَالَ:

أَنْتَ نَبيٌّ تَعْلَمُ الغِيابا، ***لَا قَائِلًا إِفْكًا وَلَا مُرْتابا

والغَيْبُ: كلُّ مَا غَابَ عَنْكَ.

أَبو إِسحاق فِي قَوْلِهِ تعالى: {يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}؛ أَي يُؤْمِنُونَ بِمَا غابَ عَنْهُمْ، مِمَّا أَخبرهم بِهِ النبيُّ، صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، مِنْ أَمرِ البَعْثِ والجنةِ وَالنَّارِ.

وكلُّ مَا غابَ عَنْهُمْ مِمَّا أَنبأَهم بِهِ، فَهُوَ غَيْبٌ؛ وَقَالَ ابن الأَعرابي: يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ.

قَالَ: والغَيْبُ أَيضًا مَا غابَ عَنِ العُيونِ، وإِن كَانَ مُحَصَّلًا فِي الْقُلُوبِ.

ويُقال: سَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ وَرَاءِ الغَيْب أَي مِنْ مَوْضِعٍ لَا أَراه.

وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ الْغَيْبِ، وَهُوَ كُلُّ مَا غَابَ عَنِ الْعُيُونِ، سَوَاءٌ كَانَ مُحَصَّلًا فِي الْقُلُوبِ، أَو غَيْرَ مُحَصَّلٍ.

وغابَ عَنِّي الأَمْرُ غَيْبًا، وغِيابًا، وغَيْبَةً، وغَيْبُوبةً، وغُيُوبًا، ومَغابًا، ومَغِيبًا، وتَغَيَّب: بَطَنَ.

وغَيَّبه هُوَ، وغَيَّبه عَنْهُ.

وَفِي الْحَدِيثِ: «لَمَّا هَجا حَسَّانُ قُرَيْشًا، قَالَتْ: إِن هَذَا لَشَتْمٌ مَا غابَ عَنْهُ ابنُ أَبي قُحافة»؛ أَرادوا: أَن أَبا بَكْرٍ كَانَ عَالِمًا بالأَنْساب والأَخبار، فَهُوَ الَّذِي عَلَّم حَسَّانَ؛ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لحسَّانَ: سَلْ أَبا بَكْرٍ عَنْ مَعايِب الْقَوْمِ؛ وَكَانَ نَسَّابةً عَلَّامة.

وَقَوْلُهُمْ: غَيَّبه غَيَابُه أَي دُفِنَ فِي قَبْرِه.

قَالَ شَمِرٌ: كلُّ مَكَانٍ لَا يُدْرَى مَا فِيهِ، فَهُوَ غَيْبٌ؛ وَكَذَلِكَ الْمَوْضِعُ الَّذِي لَا يُدْرَى مَا وَرَاءَهُ، وَجَمْعُهُ: غُيُوبٌ؛ قَالَ أَبو ذُؤَيْبٍ:

يَرْمِي الغُيُوبَ بعَيْنَيْهِ، ومَطْرِفُه ***مُغْضٍ، كَمَا كَشَفَ المُسْتَأْخِذُ الرَّمِدُ

وغابَ الرجلُ غَيْبًا ومَغِيبًا وتَغَيَّبَ: سافرَ، أَو بانَ؛ وَقَوْلُهُ أَنشده ابْنُ الأَعرابي:

وَلَا أَجْعَلُ المَعْرُوفَ حِلَّ أَلِيَّةٍ، ***وَلَا عِدَةً، فِي الناظِرِ المُتَغَيَّبِ

إِنما وَضعَ فِيهِ الشاعرُ المُتَغَيَّبَ موضعَ المُتَغَيِّبِ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَهَكَذَا وَجَدْتُهُ بِخَطِّ الْحَامِضِ، وَالصَّحِيحُ المُتَغَيِّب، بِالْكَسْرِ.

والمُغَايَبةُ: خلافُ المُخاطَبة.

وتَغَيَّبَ عَنِّي فلانٌ.

وجاءَ فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ تَغَيَّبَنِي؛ قَالَ إمرؤُ الْقَيْسِ:

فظَلَّ لَنَا يومٌ لَذيذٌ بنَعْمةٍ، ***فَقِلْ فِي مَقِيلٍ نَحْسُه مُتَغَيِّبُ

وَقَالَ الفراءُ: المُتَغَيِّبُ مَرْفُوعٌ، وَالشِّعْرُ مُكْفَأٌ.

وَلَا يَجُوزُ أَن يَرِدَ عَلَى المَقيلِ، كَمَا لَا يَجُوزُ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ أَبوه قَائِمٍ.

وَفِي حَدِيثِ عُهْدَةِ الرَّقيقِ: «لَا داءَ»، وَلَا خُبْنَة، وَلَا تَغْييبَ.

التَّغْيِيب: أَن لَا يَبيعه ضالَّةً، وَلَا لُقَطَة.

وقومٌ غُيَّبٌ، وغُيَّابٌ، وغَيَبٌ: غائِبُون؛ الأَخيرةُ اسْمٌ لِلْجَمْعِ، وَصَحَّتِ الياءُ فِيهَا تَنْبِيهًا عَلَى أَصل غابَ.

وإِنما ثَبَتَتْ فِيهِ الْيَاءُ مَعَ التَّحْرِيكِ لأَنه شُبِّهَ بصَيَدٍ، وإِن كَانَ جَمْعًا، وصَيَدٌ: مصدرُ قولِك بعيرٌ أَصْيَدُ، لأَنه يَجُوزُ أَن تَنْوِيَ بِهِ الْمَصْدَرَ.

وَفِي حَدِيثِ أَبي سَعِيدٍ: «إِن سَيِّدَ الحيِّ سَلِيمٌ، وإِن نَفَرنا غَيَبٌ»أَي رجالُنا غَائِبُونَ.

والغَيَبُ، بِالتَّحْرِيكِ: جَمْعُ غائبٍ كخادمٍ وخَدَمٍ.

وامرأَةٌ مُغِيبٌ، ومُغْيِبٌ، ومُغِيبةٌ: غابَ بَعْلُها أَو أَحدٌ مِن أَهلها؛ وَيُقَالُ: هِيَ مُغِيبةٌ، بِالْهَاءِ، ومُشْهِدٌ، بِلَا هَاءٍ.

وأَغابَتِ المرأَةُ، فَهِيَ مُغِيبٌ: غابُوا عَنْهَا.

وَفِي الْحَدِيثِ: «أَمْهِلُوا حَتَّى تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ وتَسْتَحِدَّ المُغِيبةُ، هِيَ الَّتِي غَابَ عَنْهَا زوجُها».

وَفِي حديثِ ابنِ عَبَّاس: أَنَّ امرأَةً مُغِيبةً أَتَتْ رَجُلًا تَشْتَري مِنْهُ شَيْئًا، فَتَعَرَّضَ لَهَا، فقالتْ لَهُ: وَيْحَكَ إِني مُغِيبٌ فتَرَكها.

وَهُمْ يَشْهَدُون أَحْيانًا، ويَتَغايَبُونَ أَحْيانًا أَي يَغِيبُون أَحْيانًا.

وَلَا يُقَالُ: يَتَغَيَّبُونَ.

وغابَتِ الشمسُ وغيرُها مِنَ النُّجوم، مَغِيبًا، وغِيابًا، وغُيوبًا، وغَيْبُوبة، وغُيُوبةً، عَنِ الهَجَري: غَرَبَتْ.

وأَغابَ القومُ: دَخَلُوا فِي المَغِيبِ.

وبَدَا غَيَّبانُ العُود إِذا بَدَتْ عُروقُه الَّتِي تَغَيَّبَتْ مِنْهُ؛ وَذَلِكَ إِذا أَصابه البُعَاقُ مِنَ المَطر، فاشْتَدَّ السيلُ فحَفَر أُصولَ الشَّجر حَتَّى ظَهَرَتْ عُروقُه، وَمَا تَغَيَّبَ مِنْهُ.

وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: الْعَرَبُ تُسَمِّي مَا لَمْ تُصِبْه الشمسُ مِنَ النَّبات كُلِّه الغَيْبانَ، بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ؛ والغَيَابة: كالغَيْبانِ.

أَبو زِيَادٍ الكِلابيُّ: الغَيَّبانُ، بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ، مِنَ النَّبَاتِ مَا غَابَ عَنِ الشَّمْسِ فَلَمْ تُصِبْه؛ وَكَذَلِكَ غَيَّبانُ العُروق.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَدَا غَيْبانُ الشَّجرة، وَهِيَ عُرُوقها الَّتِي تَغَيَّبَتْ فِي الأَرض، فحَفَرْتَ عَنْهَا حَتَّى ظَهَرَتْ.

والغَيْبُ مِنَ الأَرض: مَا غَيَّبك، وَجَمْعُهُ غُيُوب؛ أَنشد ابْنُ الأَعرابي:

إِذَا كَرِهُوا الجَمِيعَ، وحَلَّ مِنْهُمْ ***أَراهطُ بالغُيُوبِ وبالتِّلاعِ

والغَيْبُ: مَا اطْمَأَنَّ مِنَ الأَرض، وَجَمْعُهُ غُيوب.

قَالَ لَبِيدٌ يَصِفُ بَقَرَةَ، أَكل السبعُ وَلَدَهَا فأَقبلت تَطُوف خَلْفَهُ:

وتَسَمَّعَتْ رِزَّ الأَنيسِ، فَراعَها ***عَنْ ظهرِ غَيْبٍ، والأَنِيسُ سَقامُها

تَسَمَّعَتْ رِزَّ الأَنيسِ أَي صوتَ الصَّيَّادِينَ، فَرَاعَهَا أَي أَفزعها.

وَقَوْلُهُ: والأَنيسُ سَقامُها أَي أَنَّ الصَّيَّادِينَ يَصِيدُونها، فَهُمْ سَقامُها.

ووقَعْنا فِي غَيْبة مِنَ الأَرض أَي فِي هَبْطةٍ، عَنِ اللِّحْيَانِيِّ.

ووَقَعُوا فِي غَيابةٍ مِنَ الأَرض أَي فِي مُنْهَبِط مِنْهَا.

وغَيابةُ كلِّ شَيْءٍ: قَعْرُه، مِنْهُ، كالجُبِّ وَالْوَادِي وَغَيْرِهِمَا؛ تَقُولُ: وَقَعْنا فِي غَيْبةٍ وغَيابةٍ أَي هَبْطة مِنَ الأَرض؛ وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: {فِي غَياباتِ الجُبِّ}.

وغابَ الشيءُ فِي الشيءِ غِيابةً، وغُيُوبًا، وغَيابًا، وغِيابًا، وغَيْبةً، وَفِي حرفِ أُبَيٍّ، فِي غَيْبةِ الجُبِّ.

والغَيْبَةُ: مِنَ الغَيْبُوبةِ.

والغِيبةُ: مِنَ الاغْتِيابِ.

واغْتابَ الرجلُ صاحبَه اغْتِيابًا إِذا وَقَع فِيهِ، وَهُوَ أَن يَتَكَلَّمَ خَلْفَ إِنْسَانٍ مَسْتُورٍ بِسُوءٍ، أَو بِمَا يَغُمُّه لَوْ سَمِعَهُ وإِن كَانَ فِيهِ، فإِن كَانَ صِدْقًا، فَهُوَ غِيبةٌ؛ وإِن كَانَ كَذِبًا، فَهُوَ البَهْتُ والبُهْتانُ؛ كَذَلِكَ جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلا مِنْ وَرَائِهِ، وَالِاسْمُ: الغِيبةُ.

وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: {وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا}؛ أَي لَا يَتَناوَلْ رَجُلًا بظَهْرِ الغَيْبِ بِمَا يَسُوءُه مِمَّا هُوَ فِيهِ.

وإِذا تَنَاوَلَهُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ بَهْتٌ وبُهْتانٌ.

وَجَاءَ المَغْيَبانُ، عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

ورُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنه سَمِعَ: غَابَهُ يَغِيبُهُ إِذا عَابَهُ، وذكَر مِنْهُ مَا يَسُوءُه.

ابْنُ الأَعرابي: غابَ إِذا اغْتَابَ.

وغابَ إِذا ذَكَرَ إِنسانًا بخيرٍ أَو شَرٍّ؛ والغِيبَةُ: فِعْلَةٌ مِنْهُ، تَكُونُ حَسَنةً وقَبِيحةً.

وغائِبُ الرجلِ: مَا غابَ مِنْهُ، اسْمٌ، كالكاهِل وَالْجَامِلِ؛ أَنشد ابْنُ الأَعرابي:

ويُخْبِرُني، عَنْ غَائبِ المَرْءِ، هَدْيُه، ***كفَى الهَدْيُ، عَمَّا غَيَّبَ المَرْءُ، مُخبرا

والغَيْبُ: شحمُ ثَرْبِ الشَّاةِ.

وَشَاةٌ ذاتُ غَيْبٍ أَي ذاتُ شَحْمٍ لتَغَيُّبه عَنِ الْعَيْنِ؛ وَقَوْلُ ابْنِ الرِّقَاعِ يَصِفُ فَرَسًا:

وتَرَى لغَرِّ نَساهُ غَيْبًا غامِضًا، ***قَلِقَ الخَصِيلَةِ، مِن فُوَيْقِ الْمِفْصَلِ

قَوْلُهُ: غَيْبًا، يَعْنِي انْفَلَقَتْ فَخِذَاه بِلَحْمَتَيْنِ عِنْدَ سِمَنِه، فَجَرَى النَّسا بَيْنَهُمَا واسْتَبان.

والخَصِيلَةُ: كُلُّ لَحْمة فِيهَا عَصَبة.

والغَرُّ: تَكَسُّر الجِلْد وتَغَضُّنُه.

وَسُئِلَ رَجُلٌ عَنْ ضُمْرِ الفَرس، قال: إِذا بُلَّ فَريرهُ، وتَفَلَّقَتْ غُرورُه، وَبَدَا حَصِيرُه، واسْتَرْخَتْ شاكِلَتُه.

وَالشَّاكِلَةُ: الطِّفْطِفَةُ.

وَالْفَرِيرُ: موضعُ المَجَسَّة مِنْ مَعْرَفَتِه.

والحَصِيرُ: العَقَبة الَّتِي تَبْدُو فِي الجَنْبِ، بَيْنَ الصِّفاقِ ومَقَطِّ الأَضْلاع.

الهَوَازنيُّ: الْغَابَةُ الوَطَاءَةُ مِنَ الأَرض الَّتِي دُونَهَا شُرْفَةٌ، وَهِيَ الوَهْدَة.

وَقَالَ أَبو جَابِرٍ الأَسَدِيُّ: الغابَةُ الجمعُ مِنَ الناسِ؛ قَالَ وأَنشدني الهَوَازِنيُّ:

إِذا نَصَبُوا رِماحَهُمُ بِغَابٍ، ***حَسِبْتَ رِماحَهُمْ سَبَلَ الغَوادي

وَالْغَابَةُ: الأَجَمَةُ الَّتِي طالتْ، وَلَهَا أَطْراف مُرْتَفِعَةٌ باسِقَة؛ يُقَالُ: ليثُ غابةٍ.

والغابُ: الْآجَامُ، وَهُوَ مِنَ الْيَاءِ.

والغابةُ: الأَجَمة؛ وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: الغابةُ أَجَمة القَصَب، قَالَ: وَقَدْ جُعِلَتْ جماعةَ الشَّجَرِ، لأَنه مأْخوذ مِنَ الغَيابةِ.

وَفِي الْحَدِيثِ: «أَنَّ مِنْبَر سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنْ أَثْلِ الغابةِ»؛ وَفِي رِوَايَةٍ:

مِنْ طَرْفاءِ الْغَابَةِ.

قَالَ ابْنُ الأَثير: الأَثْلُ شَجَرٌ شبيهٌ بالطَّرْفاءِ، إِلَّا أَنه أَعظم مِنْهُ؛ والغابةُ: غَيْضَةٌ ذَاتُ شَجَرٍ كَثِيرٍ، وَهِيَ عَلَى تسعةِ أَميال مِنَ الْمَدِينَةِ؛ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: هِيَ موضعٌ قريبٌ مِن الْمَدِينَةِ، مِن عَواليها، وَبِهَا أَموال لأَهلها.

قَالَ: وَهُوَ المذكور في حديث فِي حَدِيثِ السِّباق، وَفِي حَدِيثِ تَرِكَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

وَالْغَابَةُ: الأَجمة ذاتُ الشَّجَرِ المُتَكاثف، لأَنها تُغَيِّبُ مَا فِيهَا.

والغابةُ مِنَ الرِّماحِ: مَا طَالَ مِنْهَا، وَكَانَ لَهَا أَطراف تُرى كأَطراف الأَجَمة؛ وَقِيلَ: هِيَ المُضْطَرِبةُ مِنَ الرماحِ فِي الرِّيحِ؛ وَقِيلَ: هِيَ الرماحُ إِذا اجْتَمَعَتْ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وأُراه عَلَى التَّشْبِيهِ بِالْغَابَةِ الَّتِي هِيَ الأَجمة؛ والجمعُ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ: غاباتٌ وغابٌ.

وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ، كَرَّمَ اللَّهُ وجهَه: «كلَيْثِ غاباتٍ شديدِ القَسْوَرَهْ».

أَضافه إِلى الْغَابَاتِ لشدّتِه وَقُوَّتِهِ، وأَنه يَحْمِي غاباتٍ شَتَّى.

وغابةُ: اسْمُ مَوْضِعٍ بِالْحِجَازِ.

لسان العرب-ابن منظور الإفريقي-توفي: 711هـ/1311م


21-تهذيب اللغة (ده)

ده: قال الليث: دَهْ: كلمة كانت العرب تتكلم بها، يرى الرجل تأمرَه فيقول له: يا فلان: إلّا دَهْ فلا دَهْ؛ أي: إنك إن لم تثأر بفلان الآن لم تثأر به أبدًا، قال: وأما قول رؤبة:

وقُوَّلٌ: إلا دَهٍ فلا دَهِ

يقال إنها فارسية حكى قَوْلَ ظِئْرِه.

وقال أبو عبيد في باب طالب الحاجة يَسألُها فَيُمْنَعُها فيطلبُ غيرهَا.

ومن أمثالهم في هذا: «إلَّا دَهٍ فَلَا دَهٍ»، قال: يُضرب للرجل، يقول: أريد كذا وكذا، فإن قيل له: ليس يمكن ذاك، قال: فكذا وكذا.

قال أبو عبيدة بعض هذا الكلام وليس كلُّه عنه.

قال: وكان ابنُ الكلْبيّ يخبر عن بعض الكهَّان: أنه تنافر إليه رجلان، فقالوا، أخْبِرْنَا في أيِّ شيء جئناك؟ فقال: في كذا وكذا، فقالوا: إلّا دَهٍ؛ انظر غير هذا النظر، فقال: إلّا دَهٍ فَلا دَهٍ، ثم أخبرهم بها.

وقال أبو عبيد، وقال الأصمعي في بيتِ رؤبة:

وقُوَّلٌ إلّا دَهٍ فَلَا دَهِ

إن لم يكن هذا فلا يكون ذاك، ولا أدري ما أصله؟ وأخبرني المنذريّ عن أبي الهيثم فيما أكتب ابنَه قال: ويقال إلّا دَهٍ فلا دهٍ، يقول: لا أَقْبَلُ واحدة من الخَصْلتين اللتين تَعرِضُ.

قال: وفي كتاب «الأمثال» للأصمعي: «إلّا دَهٍ فلا دَهٍ»، يُرادُ به إن لم يكن هذا الآن فلا يكون.

وقال أبو زيد: تقول إلَّا دَهٍ فلا دَهٍ يا هذا، وذلك أن يُوتَر الرجلُ فيلقى واتِرَه فيقول له بعضُ القوم: إن لم تضربْه الآن فإنّك لا تضربُه.

قلت: وقول أبي زيد هذا يدلّ على أن «دَهٍ» فارسية معناها الضرب، تقول للرجل إذا أمرته بالضرب: «دِه»، رأيته في كتابه، بكسر الدال.

وروى أبو العباس عن ابن الأعرابيّ نحوًا من قول

أبي زيد، قال: والعرب تقول إلا دَهٍ فلا دَهٍ، يقال للرجل الذي قد أشرف على قضاء حاجته من غريم له أو من ثأره أو من إكرام صديق له: إلّا دَهٍ فلا دَهٍ، أي: إن لم تغتنم الفُرصةَ الساعةَ فلست تصادفها أبدًا، ومثله: «بادِرِ الفُرْصة قبل أن تكون غُصّة».

أبو عبيد عن الأصمعيّ في باب الباطل وأسمائِه: دُهْ دِرّينْ سعدَ القيْن.

قال: ومعناه عندهم الباطل، ولا أدري ما أصله قال: قال أبو عبيد: وأمَّا أبو زياد فإنه قال لي يقال: دُهْ دُرَّيْه، بالهاء، وقال المنذري: وجدت بخط أبي الهيثم دُهْ دُرَّيْن سعدَ القين، دُه مضمومة الدال، سعد منصوب الدال، والقين غير معربٍ، كأنه موقوف.

ورُوي عن ابن السّكِّيت أنه قال: الدُّهدُر والدهْدُن: الباطل، وكأنهما كلمتان جُعلَتا واحدةً.

وروي عنه أنه قال: قولهم: دُهْ دُرْ، معرّب، وأصله دُه؛ أي: عشرة دُرّين أو دُرّ؛ أي: عشرة ألوان في واحد أو اثنين.

قلت: وقد حكيت في هذين المثلين أعني «إلّا دَهْ فلا دَهْ».

وقولهم: «دَهْ دُرّين» ما سمعته وحفظته لأهل اللغة، ولم أجدْ لهما في العربية أو العجمية إلى هذه الغاية أصلًا معتَمدًا إلا ما ذكرتُ لأبي زيدِ وابن الأعرابيّ، ولست على يقين ممَّا قالا.

أبو عبيد عن الأحمر قال: الدَّهْداه: صغار الإبل؛ وأنشدنا:

قد رَوِيَتْ إلا دُهيدهينا *** قُلَيِّصَاتٍ وأُبَيْكِرِينا

قال شمر: وسمعت ابن الأعرابي يقول: رَأيت أخي في المنام، فقلت له كيف رأيت الآخرة؟ فقال كالدَّهْدَاهِ في الزحام.

وقال وقال ابن الأعرابي: الدَّهداه، لا واحد له، قال: والدُّهَيْدِهين: صغار الإبل.

أبو عبيد عن أبي زيد: إذا كثُر الإبل فهي الدَّهْدَهَانُ؛ وأنشد:

لَنِعْمَ ساقي الدَّهْدَهَانِ ذي العَدَدْ

وقال أبو الطفيل: الدهداه: الكثير من الإبل، جِلَّةً كانت أو حواشي؛ وقال الرّاجز:

إذا الأُمورُ اصْطَكَّتِ الدّوَاهي *** مَارَسْنَ ذا عَقْبٍ وذا بُدَاهِ

يَذودُ يومَ النَّهَلِ الدَّهْدَاهِ

أي: النهل الكثير.

شمر: دهْدَهْتُ الحجارة، ودهديتها: إذا دحرجتَها فَتَدَهْدَهَ وَتَدَهْدَى؛ وقال رؤبة:

دَهْدَهْنَ جَوْلَانَ الحَصَى المُدَهْدَهِ

وقال ابن الأعرابيّ: دُه: زجر للابل، يقال لها في زجرها دُه دُه.

وقال الليث: الدَّهْدَهَةُ: قذفُك الحجارة من أعلى إلى أسفل دحرجةً؛ وأنشد:

يُدَهْدِهْنَ الرُّؤُوسَ كما تُدَهْدِي *** حَزَاوِرَةٌ بِأَبْطُحِها الكُرِينَا

قال: حوّل الهاء الآخرة ياء لقرب شبهها بالهاء، ألا ترى أن الياء مَدَّة، والهاء نَفَس.

ومن هنالك صار مجرى الياء والواو والألف والهاء في روي الشعر شيئًا واحدًا، نحو قوله:

لِمَنْ طَلَلٌ كالوَحْي عَافٍ مَنَازِلُهُ

فاللام، هو الروي، والهاء وصل للروي، كما أنها لو لم تكن لمُدّت اللّام حتى

تخرج من مَدَّتها واو أو ياءٌ أو ألفٌ للوصل، نحو: منازِلي منازِلا منازِلُو.

تهذيب اللغة-أبومنصور الأزهري-توفي: 370هـ/980م


22-تهذيب اللغة (غيب)

غيب: قال شمر: كلُّ مكانٍ لا يُدْرَى ما فيه فهو غيْبٌ، وكذلك الموْضِعُ الذي لا يُدْرَى ما وراءه، وجمعُهُ غيوبٌ.

قال أبو ذؤيب:

يرْمي الغُيوبَ بعَيْنَيْه ومَطرِفُه *** مُغضٍ كما كَسَفَ المُسْتأخِذُ الرَّمِدُ

وقال الليثُ: الغِيبَةُ من الاغتِيابِ، والغَيبَةُ من الغيبُوبة، وأغابت المرْأَةُ فهي مُغيبَةٌ إذا غابَ زوْجُها، والغابُ: الأجَمَة، والغيْبُ: الشَّكُّ.

وقال أبو إسحاق في قول الله جل وعز: {يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة: 3]، أي: يُؤمِنونَ بما غابَ عنهم ممَّا أخبرهم به رسول الله صلى‌ الله‌ عليه‌ وسلم مِنْ أمر البَعْثِ والجنَّة والنارِ، وكلُّ ما غابَ عنهم مِما أَنبأَهُمْ به فهوَ غيبٌ.

أبو العباس عن الأعرابي في قوله: (يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ)، قال: يؤمِنونَ بالله، قال: والغيبُ أيضًا ما غابَ عنِ العيونِ وإن كان مُحَصَّلًا في القلوبِ، والغيْبُ: شَحْمُ ثَرْبِ الشاة، والغيبُ: المطمَئنُّ من الأرضِ، وجمعُهُ: غيوبٌ، ويقال: سمعتُ صوتًا منْ وراء الغيب: أي مِنْ موضع لا أراه.

وقال اللحيانيُّ: امرأةٌ مُغيبةٌ ومُغيب إذا غاب زوْجُها.

قال: وقال بعضهم: بَدَا غيْبَانُ الشّجَرة، وهيَ عُرُوقُها التي تغيَّبَتْ في الأرضِ فَحَفَرْت عنها حتى ظَهَرَتْ.

وقال الله جل وعز: {وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} [الحجرات: 12]، أي: لا يتناولْ رجُلًا بظهْرِ الغيبِ بما يَسُوءهُ مما هُو فيه، وإذا تنَاوَلهُ بما ليْسَ فيه فهو بَهْتٌ وبُهتانٌ، وجاء المَغيَبَانُ عن النبي صلى‌ الله‌ عليه‌ وسلم، ويقال: اغتابَ فلانٌ فلانًا اغتِيابًا وغِيبَةً يَغتابُه.

ورُويَ عن بعضهم أنه سَمِعَ غابَهُ يَغيبُهُ: إذا عابَهُ وذكَرَ منه ما يَسُوءُه.

شمرٌ عن الهوازنيِّ: الغابةُ: الوطاءَةُ من الأرضِ التي دُونها شُرْفةٌ، وهي الوَهْدَةُ.

وقال أبو جابر الأسَدِيُّ: الغابةَ: الجمعُ من الناس.

قال: وأنشدني الهوازِنيُّ:

إذا نَصَبُوا رِماحَهُمُ بِغاب *** حَسِبْتَ رِماحَهم سَبَلَ الغوادي

ثعلب عن ابن الأعرابي: غابَ إذا اغتابَ، وغابَ إذا ذكَرَ إنسانًا بخيرٍ أو شَرٍّ، والغيبةُ فِعْلةٌ منه تكونُ حَسنَةً وقَبيحَة.

والغَيَب جمع غائب مثل حارس وحَرَس، ويجمع الغائب غُيَّبًا وغيَّابًا.

تهذيب اللغة-أبومنصور الأزهري-توفي: 370هـ/980م


انتهت النتائج