1-معجم متن اللغة (أمرذ الثريد)
أمرذ الثريد: فتفته ثم صب عليه اللبن ثم تميثه وتحساه.مر – مرًا ومرورًا وممرًا عليه و- به: اجتازه.
و- الدهر: ذهب.
و-: جاء وذهب كاستمر.
وفي التنزيل: حملت حملًا خفيفًا فمرت به.
أي استمرت.
و- مرًا الرجل بعيره: شد عليه المرار – الحبل-.
معجم متن اللغة-أحمد رضا-صدر: 1377هـ/ 1958م
2-القاموس المحيط (مر)
مَرَّ مَرًّا ومُرورًا: جازَ، وذَهَبَ،كاسْتَمَرَّ.
مَرَّهُ،
وـ به: جازَ عليه.
وامْتَرَّ به،
وـ عليه: كَمَرَّ.
وقَوْلُ الله تعالى: {حَمَلَتْ حَمْلًا خَفيفًا فَمَرَّتْ به}، أي: اسْتَمَرَّتْ به.
وأمَرَّهُ على الجِسْرِ: سَلَكَهُ فيه.
وأمَرَّهُ به: جَعَلَهُ يَمُرُّ به.
ومَارَّهُ: مَرَّ مَعَهُ.
واسْتَمَرَّ: مَضَى على طَريقَةٍ واحدَةٍ،
وـ بالشيءِ: قَوِيَ على حَمْلِهِ.
والمَرَّةُ: الفَعْلَةُ الواحِدَةُ
ج: مَرٌّ ومِرارٌ ومِررٌ، (بكسرِهِما)، ومُرُورٌ، (بالضم).
ولَقِيَهُ ذاتَ مَرَّةٍ: لا يُسْتَعْمَل إِلاَّ ظَرْفًا،
وذاتَ المِرارِ، أي: مِرارًا كثيرَةً.
وجِئْتُهُ مَرًّا أو مَرَّيْنِ، أي: مَرَّةً أو مَرَّتَيْنِ.
والمُرُّ، بالضم: ضِدُّ الحُلْوِ، مَرَّ يَمَرُّ، بالفتح والضم، مَرارَةً وأمَرَّ،
ودَواءٌ م، نافِعٌ للسُّعالِ، ولَسْعِ العقارِبِ، ولدِيدانِ الأَمْعاءِ
ج: أمْرارٌ، وبالفتح: الحَبْلُ، والمِسْحاةُ، أو مَقْبِضُها.
والمُرَّةُ، بالضم: شَجَرَةٌ، أو بَقْلَةٌ
ج: مُرٌّ وأمْرارٌ.
والمُرِّيُّ، كدُرِّيٍّ: إِدامٌ كالكَامَخِ.
وما يُمِرُّ وما يُحْلِي: ما يَضُرُّ وما يَنْفُعُ.
ولَقِي منه الأَمَرَّيْنِ، بكسر الراءِ وفَتْحِها،
والمُرَّتَيْن بالضم، أي: الشَّرَّ، والأَمْرَ العظيمَ.
والمُرارُ، بالضم: شَجَرٌ مُرٌّ من أفْضَلِ العُشْبِ وأضْخَمِهِ، إذا أكَلَتْها الإِبِلُ، قَلَصَتْ مَشافِرُها، فَبَدَتْ أسْنَانُها، ولذلك قيلَ لجَدِّ امْرِئِ القَيْسِ: آكِلُ المُرارِ، لكَشْرٍ كان به.
وذو المُرارِ: أرْضٌ.
وثَنِيَّةُ المُرارِ: مَهْبِطُ الحُدَيْبِيَةِ.
والمَرارَةُ، بالفتح: هَنَةٌ لازِقَةٌ بالكَبِدِ، لِكُلِّ ذي رُوحٍ إِلاَّ النَّعامَ والإِبِلَ.
والمُرَيْراءُ، كحُمَيْراءَ: حَبٌّ أسْوَدُ يَكونُ في الطَّعامِ، يُرْمَى به.
وأمَرَّ الطَّعامُ: صارَ فيه.
والمِرَّةُ، بالكسر: مِزاجٌ من أمْزِجَةِ البَدَنِ، ومُررْتُ به، مَجْهولًا، أُمَرُّ مَرًّا ومِرَّةً: غَلَبَتْ عليَّ المِرَّةُ، وقُوَّةُ الخَلْقِ وشِدَّتُهُ
ج: مِرَرٌ وأمْرَارٌ، والعَقْلُ، والأَصالَةُ، والإِحْكامُ، والقُوَّةُ، وطاقَةُ الحَبْلِ،
كالمَريرَةِ.
ويُمارُّهُ: يَتَلَوَّى عليه ويُدِيرُهُ ليَصْرَعَهُ.
و {ذو مِرَّةٍ}: جِبريلُ عليه السلامُ.
والمَرِيرَةُ: الحَبْلُ الشديدُ الفَتْلِ، أو الطويلُ الدَّقيقُ، وعِزَّةُ النَّفْسِ، والعَزيمَةُ،
كالمَرِيرِ.
أو المَريرُ: أرْضٌ لا شَيءَ فيها
ج: مَرائرُ، وما لَطُفَ من الحِبالِ.
وقِرْبَةٌ مَمْرورَةٌ: مملُوءَةٌ.
والأَمَرُّ: المَصارينُ يَجْتَمِعُ فيها الفَرْثُ، كالأعَمِّ للجماعَةِ.
وَمَرَّانُ شَنُوءَةَ: ع باليمن.
وبَطْنُ مَرٍّ، ويُقالُ له: مَرُّ الظَّهْرانِ: ع على مَرْحَلَةٍ من مكةَ.
وتَمَرْمَرَ الرَّمْلُ: مارَ.
والمَرْمَرُ: الرُّخامُ، وضَرْبٌ من تَقْطيعِ ثِيابِ النِّساءِ.
والأَمَرَّانِ: الفَقْرُ والهَرَمُ، أو الصَّبْرُ والثُّفَّاءُ.
والمُرَّيانِ: الأَلاءُ والشِّيحُ، وبالضم: تَميمُ بنُ مُرِّ بنَ أُدِّ بنِ طابِخَةَ. ومُرُّ بنُ عَمْرٍو: من طَيِّئٍ.
ومُرَّةُ بنُ كَعْب: أبو قبيلةٍ من قُرَيْشٍ، وأبو قبيلةٍ من قَيْسِ عَيْلانَ.
وأبو مُرَّةَ كُنْيَةُ إِبليسَ، لَعَنَهُ اللهُ تعالى.
والمُرَّانُ، كعُثْمانَ: شَجَرٌ باسِقٌ، ورِماحُ القَنَا.
وعَقَبَةُ المُرَّانِ: مُشْرِفَةٌ على غُوطَةِ دِمَشْقَ.
والمَرْمَرُ والمَرْمارُ: الرُّمانُ الكثيرُ الماءِ، لا شَحْمَ له، والناعِمُ المُرْتَجُّ،
كالمُرامِرِ، كعُلابِطٍ.
والمَرْمَرَةُ: المَطَرُ الكثيرُ.
ومَرْمَرَ: غَضِبَ،
وـ الماءَ: جَعَلَهُ يَمُرُّ على وجْهِ الأرضِ.
والمارُورَةُ والمُرَيْراءُ، كحُمَيْراءَ،
والمُرْمُورَةُ، بالضم،
والمَرْمارَةُ: الجاريَةُ الناعِمَةُ الرَّجْراجَةُ. ومَرٌّ المُؤَذِّنُ: محدِّثٌ.
وذاتٌ الأَمْرار: ع.
ومَرَّ بعيرَه: شَدَّ عليه الحَبْلَ. وكشَدَّادٍ: المَرَّارُ الكَلْبِيُّ، وابنُ سَعيدٍ الفَقْعَسِيُّ، وابنُ مُنْقِذٍ التَّمِيمِيُّ، وابنُ سَلامَةَ العِجْلِيُّ، وابنُ بَشيرٍ الشَّيْبانِيُّ، وابنُ مُعاذٍ الحَرَشِيُّ: شُعَراءُ.
ومُرامِرُ بنُ مُرَّةَ، بضمهما: أوَّلُ من وَضَعَ الخَطَّ العَرَبِيَّ.
والمُرامِرُ، أيضًا: الباطِلُ.
والمُمَرُّ، بالضم: الذي يَتَغَفَّلُ البَكْرَةَ الصَّعْبَةَ، فَيَتَمَكَّنُ من ذَنَبِها، ثم يُوتِدُ قَدَمَيْهِ في الأرضِ لئَلاَّ تَجُرَّهُ، إذا أرادَتِ الإِفْلاتَ منه.
وأمَرَّها بذَنَبِها: صَرَفَها شِقًّا بِشِقٍّ، حتى يُذَلِّلَها بذلك.
ومَرَّرَهُ: جَعَلَهُ مُرًّا، ودَحاهُ على وجْهِ الأرضِ.
وتَمَرْمَرَ: اهْتَزَّ وتَرَجْرَجَ.
و {سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ}: مُحْكَمٌ قَوِيٌّ، أو ذاهِبٌ باطِلٌ.
و {في يومِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ}، أي: قَوِيٍّ في نُحوسَتِهِ، أو دائِم الشَّرِّ، أو مُرٍّ، أو نافِذٍ، أو ماضٍ فيما أُمِرَ به وسُخِّرَ له، أو هو يومُ الأَرْبِعاءِ الذي لا يَدُورُ في الشَّهْرِ.
واسْتَمَرَّتْ مَرِيرَتُهُ عليه: اسْتَحْكَمَ عليه، وقَوِيَتْ شَكِيمَتُهُ.
وهو بعيدُ المُسْتَمَرِّ، بفتح الميمِ الثانيةِ: قَوِيٌّ في الخُصومَةِ، لا يَسْأَمُ المِراسَ.
ومارَّ الشيءُ مِرارًا: انْجَرَّ.
القاموس المحيط-مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادي-توفي: 817هـ/1414م
3-المعجم الاشتقاقي المؤصل (مرر مرمر)
(مرر- مرمر): {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى} [النجم: 6]المَرّ -بالفتح: الحَبْلُ. والمَرِير من الحبال: ما لطُف وطال واشتد فتلُه، والمفتول على أكثر من طاق. وقد أمررته: أجدت قَتلَه وشددته فهو مُمرّ -بضم ففتح. وكل قوّة من قُوَى الحبل مِرّة- بالكسر، ومَرِيرة. والأَمَرّ: المصارين يجتمع فيها الفَرْث. والمرير: الأرض التي لا شيء فيها مرّ عليه، وبه: اجتاز.
° المعنى المحوري
استرسال اطرادي أو اجتيازي مع شدّة أثناء أو ضِيق وحبس (1) كالحبل الدقيق المفتول فتلًا شديدًا، وكالمصارين. وشدة الأثناء
متحققة في الحبل والمصارين وفي الأرض التي لا تنبت (لا تتشقق بالنبات). والمرور استرسال اجتيازي وفيه امتداد الوجود إلى مكان آخر كالاطرادي. وشدة الأثناء فيه واضحة في آيات المرور التي سنذكرها.
ومن شدة الأثناء مع الاسترسال "المرمر الرُخام "وصلابتُه من شدة تركُّز ذرّاته، ويتضح اطراده بعد تسويته، "والمرارة "فيها- مع شدة المذاق المركزة التي تمتدّ- أنها تمرئ الطعام أي تساعد على هضمه فيسري في البدن. ومما فيه ذلك المذاق "المُرار- كغراب: شجر مرٌّ إذا أكلتْه الإبلُ قَلَصتْ عنه مشافرُها "ومن ذلك أيضًا "المِرّة- بالكسر: القوة وشدة العقل {ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى} واستمرَّ مَرِيرُه: قَويَ بعد ضعف ""هو يُمارّ فلانًا، ويمِرّه- من أَمَرّ: يعالجه / يتلوَّى عليه ويديره ليصرعه ". ولعل هذا المعنى الأخير ناظر إلى قولهم "أَمَرَّ الناقةَ بذَنَبها: صَرَفها شِقًّا لشِقّ (بِلَيّ ذَنَبها): يَستمكن من ذَنَبها، ثم يوتِّد قدميه في الأرض كي لا تَجُرّه إذا أرادت الإفلاتَ منه. فإذا ذُلِّلتْ بالإمرار أرسلها إلى الرائض ". (فهي حينئذٍ تقبل أن تراض فتطرد في عملها).
ومن المرور المذكور "امترّ به وعليه: اجتاز. ومرّ: جاء وذهب كاستمر "- ومنه في حديث الوحي "كان إذا نَزَلَ سَمعت الملائكةُ صوتَ مِرار- ككتاب- السِلْسلة على الصفا، أي كصوت انجرارها واطِّرادها على الصخر "، "والمَرّة "- بالفتح، من هذا، أي هي واحدةُ مرور الأَمْر وجريانه. قال تعالى: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ} [البقرة: 259] وكل (مرّ) فهي من (المرور) الاجتياز عدا ما ننبّه عليه، {وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [التوبة: 13] أي أول وقوع] وجرَيَانٍ للقتال من أفعالهم بمكة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وبالمؤمنين، أو معونتهم بني بكر على خزاعة، أو فعلهم يوم بدر [بحر 5/ 18] وكذا كل (مرة) فمعناها (وقوع للحدث أو الأمر) {لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَينِ} [الإسراء: 5] أولاهما قتلهم زكريا أو شعيا وحبس أرميا وقصد قتل عيسى، والأخرى قتلهم يحيى [بحر 6/ 8، 10]، و "استَمرَّ الشيءُ: مضى على طريقة واحدة " (استرسال) {وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} [القمر: 2] أي ذاهب، من مَرّ واستَمرّ: ذهب. وقيل: محُكم قويّ شديد، من المِرَّة- بالكسر: القوة / وقيل دائم.. [قر 17/ 127، 135] (أي مسترسل مع بقاء أثره. وأميل إلى أنها من الشدة مِرّةً أو مَرارة، وكذا ما في [القمر: 19، 46]). {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ} [يونس: 12]: أي استَمرّ على كفره [قر 8/ 317] (ويجوز: استرسل شديدًا عند نفسه كأنه لم يشك من ضُر). {حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ} [الأعراف: 189]: استمرت بذلك الحَمْل تقوم وتقعد لا تكترِت بحَمله إلى أن ثقُلت [قر 7/ 337] (أي من المرور: الذهاب ويلحظ ما يعطيه السياق في الآيتين من ضرورة كون
المرور فيه قوة. وهو يكفي لإثبات أن ما خلا من تلك الضرورة مجتزَأ عنه). {وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} [النمل 88] في [بحر 7/ 94] أن ذلك يوم القيامة. والنظر إلى الآية السابقة يرجحه. لكن توجيه الخطاب والتنويه بصنع الله الذي أتقن كل شيء يناسب لفت أهل هذه الحياة الدنيا لذلك ليؤمنوا.
أما قولهم: "امرأة مَرْمارة- بالفتح: ترتجّ عند القيام "، فمن رخاوة الشحم في بدنها واحتباسه فيه؛ فتتردد حركةُ ما يتراكم فيه ذلك من بَدَنها. واللفظ يعبر عن ذلك التردد).
المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن الكريم-محمد حسن حسن جبل-صدر: 1432هـ/2010م
4-موسوعة الفقه الكويتية (استقبال 1)
اسْتِقْبَال -1التَّعْرِيفُ:
1- الِاسْتِقْبَالُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ اسْتَقْبَلَ الشَّيْءَ إِذَا وَاجَهَهُ، وَالسِّينُ وَالتَّاءُ فِيهِ لَيْسَتَا لِلطَّلَبِ، فَاسْتَفْعَلَ هُنَا بِمَعْنَى فَعَلَ، كَاسْتَمَرَّ وَاسْتَقَرَّ وَمِثْلُهُ الْمُقَابَلَةُ.
وَيُقَابِلُهُ بِهَذَا الْمَعْنَى الِاسْتِدْبَارُ.
وَيَرِدُ الِاسْتِقْبَالُ فِي اللُّغَةِ أَيْضًا بِمَعْنَى: الِاسْتِئْنَافِ، يُقَالُ اقْتَبَلَ الْأَمْرَ وَاسْتَقْبَلَهُ: إِذَا اسْتَأْنَفَهُ.
وَقَدِ اسْتَعْمَلَهُ الْفُقَهَاءُ بِهَذَيْنِ الْإِطْلَاقَيْنِ فَيَقُولُونَ: اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ أَيْ مُقَابَلَتُهَا وَيَقُولُونَ: اسْتَقْبَلَ حَوْلَ الزَّكَاةِ أَيِ: ابْتَدَأَهُ وَاسْتَأْنَفَهُ.
وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ إطْلَاقَهُ عَلَى طَلَبِ الْقَبُولِ الَّذِي يُقَابِلُ الْإِيجَابَ فِي الْعُقُودِ، فَقَالُوا: يَصِحُّ الْبَيْعُ بِالِاسْتِقْبَالِ، وَمَثَّلُوا لَهُ بِنَحْوِ: اشْتَرِ مِنِّي، فَإِنَّهُ اسْتِقْبَالٌ قَائِمٌ مَقَامَ الْإِيجَابِ، وَمِثْلُ الْبَيْعِ الرَّهْنُ، فَيَصِحُّ بِنَحْوِ: ارْتَهِنْ دَارِي بِكَذَا.
الْأَلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ
أ- الِاسْتِئْنَافُ:
2- الِاسْتِئْنَافُ: ابْتِدَاءُ الْأَمْرِ، وَعَلَيْهِ فَهُوَ مُرَادِفٌ لِلِاسْتِقْبَالِ فِي أَحَدِ إطْلَاقَاتِهِ.
ب- الْمُسَامَتَةُ:
3- الْمُسَامَتَةُ بِمَعْنَى: الْمُقَابَلَةِ وَالْمُوَازَاةِ، وَهِيَ مُرَادِفَةٌ لِلِاسْتِقْبَالِ عِنْدَ الَّذِينَ فَسَّرُوا الِاسْتِقْبَالَ بِمَعْنَى التَّوَجُّهِ إلَى الشَّيْءِ بِعَيْنِهِ بِلَا انْحِرَافٍ يَمْنَةً وَلَا يَسْرَةً.وَأَمَّا الَّذِينَ لَمْ يَشْتَرِطُوا فِي الِاسْتِقْبَالِ هَذَا الشَّرْطَ كَالْمَالِكِيَّةِ فَإِنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا، فَخَصُّوا الْمُسَامَتَةَ بِاسْتِقْبَالِ عَيْنِ الشَّيْءِ تَمَامًا بِجَمِيعِ الْبَدَنِ، وَجَعَلُوا الِاسْتِقْبَالَ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ، لِصِدْقِهِ بِخُرُوجِ شَيْءٍ مِنَ الْبَدَنِ عَنْ مُحَاذَاةِ الْعَيْنِ.
ج- الْمُحَاذَاةُ:
4- الْمُحَاذَاةُ بِمَعْنَى: الْمُوَازَاةِ.وَمَا قِيلَ فِي الْمُسَامَتَةِ يُقَالُ هُنَا أَيْضًا.
د- الِالْتِفَاتُ:
5- الِالْتِفَاتُ صَرْفُ الْوَجْهِ ذَاتَ الْيَمِينِ أَوِ الشِّمَالِ.وَقَدْ يُرَادُ بِهِ الِانْحِرَافُ بِالْوَجْهِ وَالصَّدْرِ أَيْضًا كَمَا وَرَدَ فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: «فَجَعَلَتْ تَلْتَفِتُ خَلْفَهَا» وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّحَوُّلَ إلَى خَلْفٍ لَا يَكُونُ إلاَّ بِالْوَجْهِ وَالصَّدْرِ.
6- هَذَا وَالِاسْتِقْبَالُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ قَدْ يَكُونُ إلَى الْقِبْلَةِ، وَقَدْ يَكُونُ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ.وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ قَدْ يَكُونُ فِي الصَّلَاةِ، وَقَدْ يَكُونُ فِي غَيْرِهَا
وَسَيَأْتِي بَيَانُ هَذِهِ الْأَقْسَامِ وَاحِدًا بَعْدَ الْآخَرِ.
اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فِي الصَّلَاةِ:
7- الْمُرَادُ بِالْقِبْلَةِ مَوْضِعُ الْكَعْبَةِ، لِأَنَّهُ لَوْ نُقِلَ بِنَاؤُهَا إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ وَصُلِّيَ إلَيْهِ لَمْ يَجُزْ.وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ النَّاسَ يُقَابِلُونَهَا فِي صَلَاتِهِمْ.وَمَا فَوْقَ الْكَعْبَةِ إلَى السَّمَاءِ يُعَدُّ قِبْلَةً، وَهَكَذَا مَا تَحْتَهَا مَهْمَا نَزَلَ، فَلَوْ صَلَّى فِي الْجِبَالِ الْعَالِيَةِ وَالْآبَارِ الْعَمِيقَةِ جَازَ مَا دَامَ مُتَوَجِّهًا إلَيْهَا، لِأَنَّهَا لَوْ زَالَتْ صَحَّتِ الصَّلَاةُ إلَى مَوْضِعِهَا، وَلِأَنَّ الْمُصَلِّي عَلَى الْجَبَلِ يُعَدُّ مُصَلِّيًا إلَيْهَا.
اسْتِقْبَالُ الْحِجْرِ:
8- ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ لَوِ اسْتَقْبَلَ الْمُصَلِّي الْحِجْرَ دُونَ الْكَعْبَةِ لَمْ يُجْزِهِ، لِأَنَّ كَوْنَهُ مِنَ الْبَيْتِ مَظْنُونٌ لَا مَقْطُوعٌ بِهِ، وَهُوَ لَا يُكْتَفَى بِهِ فِي الْقِبْلَةِ احْتِيَاطًا، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَاللَّخْمِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ إلَى الْحِجْرِ، لِأَنَّهُ مِنَ الْبَيْتِ، لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «الْحِجْرُ مِنَ الْبَيْتِ».وَفِي رِوَايَةٍ: «سِتُّ أَذْرُعٍ مِنَ الْحِجْرِ مِنَ الْبَيْتِ» وَلِأَنَّهُ لَوْ طَافَ فِيهِ لَمْ يَصِحَّ طَوَافُهُ.وَهُوَ وَجْهٌ مَشْهُورٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الْأَصَحِّ فِي مَذْهَبِهِمْ، وَقَدَّرَهُ الْحَنَابِلَةُ بِسِتِّ أَذْرُعٍ وَشَيْءٍ، فَمَنِ اسْتَقْبَلَ عِنْدَهُمْ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ أَلْبَتَّةَ.عَلَى أَنَّ هَذَا التَّقْدِيرَ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الطَّوَافِ، أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ خُرُوجِهِ عَنْ جَمِيعِهِ احْتِيَاطًا.
حُكْمُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فِي الصَّلَاةِ:
9- لَا خِلَافَ فِي أَنَّ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ، لقوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} أَيْ جِهَتَهُ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ أَحْوَالٌ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الِاسْتِقْبَالُ، كَصَلَاةِ الْخَوْفِ، وَالْمَصْلُوبِ، وَالْغَرِيقِ، وَنَفْلِ السَّفَرِ الْمُبَاحِ وَغَيْرِهَا، وَنَصُّوا عَلَى أَنَّ نِيَّةَ الِاسْتِقْبَالِ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ عَلَى الرَّاجِحِ، اُنْظُرِ الْكَلَامَ عَلَى النِّيَّةِ فِي الصَّلَاةِ.
تَرْكُ الِاسْتِقْبَالِ:
10- ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ مِنْ مُفْسِدَاتِ الصَّلَاةِ تَحْوِيلُ الْمُصَلِّي صَدْرَهُ عَنِ الْقِبْلَةِ بِغَيْرِ عُذْرٍ اتِّفَاقًا، وَإِنْ تَعَمَّدَ الصَّلَاةَ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِهْزَاءِ يَكْفُرُ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ مَعَ الْقَوَاعِدِ الْعَامَّةِ لِلشَّرِيعَةِ.
وَفَصَّلَ الْحَنَفِيَّةُ فِيمَا إِذَا صَلَّى بِلَا تَحَرٍّ فَظَهَرَ أَنَّهُ أَصَابَ الْقِبْلَةَ أَثْنَاءَ الصَّلَاةِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، لِبِنَاءِ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ، فَإِنْ ظَهَرَ ذَلِكَ بَعْدَ الصَّلَاةِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ، لِأَنَّ مَا فُرِضَ لِغَيْرِهِ- كَالِاسْتِقْبَالِ الْمَشْرُوطِ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ- يُشْتَرَطُ حُصُولُهُ لَا تَحْصِيلُهُ، وَقَدْ حَصَلَ وَلَيْسَ فِيهِ بِنَاءُ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: إنْ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ لِجِهَةٍ فَخَالَفَهَا وَصَلَّى مُتَعَمِّدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ صَادَفَ الْقِبْلَةَ، وَيُعِيدُ أَبَدًا.وَأَمَّا لَوْ صَلَّى لِغَيْرِهَا نَاسِيًا وَصَادَفَ الْقِبْلَةَ فَهَلْ يَجْرِي فِيهِ مِنَ الْخِلَافِ مَا يَجْرِي فِي النَّاسِي إِذَا أَخْطَأَ، أَوْ يُجْزَمُ بِالصِّحَّةِ لِأَنَّهُ صَادَفَ وَهُوَ الظَّاهِرُ؟.
وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ اسْتِقْبَالُهَا بِجَهْلٍ وَلَا غَفْلَةٍ وَلَا إكْرَاهٍ وَلَا نِسْيَانٍ، فَلَوْ اسْتَدْبَرَ نَاسِيًا لَمْ يَضُرَّ لَوْ عَادَ عَنْ قُرْبٍ.وَيُسَنُّ عِنْدَ ذَلِكَ أَنْ يَسْجُدَ لِلسَّهْوِ لِأَنَّ تَعَمُّدَ الِاسْتِدْبَارِ مُبْطِلٌ.وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ أُمِيلَ عَنْهَا قَهْرًا فَإِنَّهَا تَبْطُلُ، وَإِنْ قَلَّ الزَّمَنُ لِنُدْرَةِ ذَلِكَ.وَلَوْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ بِاجْتِهَادٍ ثُمَّ ظَهَرَ الْخَطَأُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.
وَأَطْلَقَ الْحَنَابِلَةُ الْقَوْلَ بِأَنَّ مِنْ مُبْطِلَاتِ الصَّلَاةِ اسْتِدْبَارَ الْقِبْلَةِ حَيْثُ شُرِطَ اسْتِقْبَالُهَا.كَمَا نَصُّوا فِي بَابِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ لَا تَسْقُطُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا.
هَذَا، وَلَا بُدَّ مِنَ الْقَوْلِ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ نَصُّوا عَلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ إِذَا حَوَّلَ وَجْهَهُ وَصَدْرَهُ عَنِ الْقِبْلَةِ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ، حَيْثُ بَقِيَتْ رِجْلَاهُ إلَى الْقِبْلَةِ.وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ بِلَا ضَرُورَةٍ، وَقَالُوا: إنَّ هَذِهِ الْكَرَاهَةَ فِي حَقِّ مُعَايِنِ الْكَعْبَةِ حَيْثُ لَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ مِنْ بَدَنِهِ، فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ أُصْبُعًا مِنْ سَمْتِهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.
مَا يَتَحَقَّقُ بِهِ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فِي الصَّلَاةِ:
11- ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يَكُونَ بِالصَّدْرِ لَا بِالْوَجْهِ، خِلَافًا لِمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ ظَاهِرِ قوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَجْهِ هُنَا الذَّاتُ، وَالْمُرَادُ مِنَ الذَّاتِ بَعْضُهَا وَهُوَ الصَّدْرُ فَهُوَ مَجَازٌ مَبْنِيٌّ عَلَى مَجَازٍ.وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الِاسْتِقْبَالُ بِالْقَدَمَيْنِ.
أَمَّا الِاسْتِقْبَالُ بِالْوَجْهِ فَهُوَ سُنَّةٌ، وَتَرْكُهُ مَكْرُوهٌ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ.
وَهَذَا فِي حَقِّ الْقَائِمِ وَالْقَاعِدِ.أَمَّا الَّذِي يُصَلِّي مُسْتَلْقِيًا أَوْ مُضْطَجِعًا لِعَجْزِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِمَا الِاسْتِقْبَالُ بِالْوَجْهِ، عَلَى تَفْصِيلٍ يُذْكَرُ فِي صَلَاةِ الْمَرِيضِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الِاسْتِقْبَالِ التَّوَجُّهُ بِالصَّدْرِ أَيْضًا، وَإِنَّمَا الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ فَهُوَ التَّوَجُّهُ بِالرِّجْلَيْنِ.
عَلَى أَنَّ الْفُقَهَاءَ تَعَرَّضُوا لِأَعْضَاءٍ أُخْرَى يَسْتَقْبِلُ بِهَا الْمُصَلِّي الْقِبْلَةَ فِي مُنَاسِبَاتٍ كَثِيرَةٍ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ، نَكْتَفِي بِالْإِشَارَةِ إلَى بَعْضِهَا دُونَ تَفْصِيلٍ لِكَوْنِهَا بِتِلْكَ الْمَوَاطِنِ أَلْصَقَ، وَلِسِيَاقِ الْفُقَهَاءِ أَنْسَبَ مِنْ جِهَةٍ، وَتَفَادِيًا لِلتَّكْرَارِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى.وَمِنْ ذَلِكَ:
اسْتِحْبَابِ الِاسْتِقْبَالِ بِبُطُونِ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَبِالْيَدَيْنِ وَبِأَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ فِي السُّجُودِ، وَبِأَصَابِعِ يُسْرَاهُ فِي التَّشَهُّدِ.وَذَلِكَ حِينَ الْكَلَامِ عَلَى «صِفَةِ الصَّلَاةِ».فَمَنْ أَرَادَهَا بِالتَّفْصِيلِ فَلْيَرْجِعْ إلَى مَوَاطِنِهَا هُنَاكَ.
اسْتِقْبَالُ الْمَكِّيِّ لِلْقِبْلَةِ:
اسْتِقْبَالُ الْمَكِّيِّ الْمُعَايِنِ:
12- لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ فِي أَنَّ مَنْ كَانَ يُعَايِنُ الْكَعْبَةَ فَعَلَيْهِ إصَابَةُ عَيْنِهَا فِي الصَّلَاةِ، أَيْ مُقَابَلَةُ ذَاتِ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ يَقِينًا، وَلَا يَكْفِي الِاجْتِهَادُ وَلَا اسْتِقْبَالُ جِهَتِهَا، لِأَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْيَقِينِ وَالْعَيْنِ تَمْنَعُ مِنْ الِاجْتِهَادِ وَالْجِهَةِ الْمُعَرَّضَيْنِ لِلْخَطَأِ.وَأَيْضًا فَإِنَّ مَنِ انْحَرَفَ عَنْ مُقَابَلَةِ شَيْءٍ فَهُوَ لَيْسَ مُتَوَجِّهًا نَحْوَهُ.
وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَابْنُ عَقِيلٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ- وَأَقَرُّوهُ- أَنَّ الْمُصَلِّيَ فِي مَكَّةَ وَمَا فِي حُكْمِهَا مِمَّنْ تُمْكِنُهُ الْمُسَامَتَةُ لَوِ اسْتَقْبَلَ طَرَفًا مِنَ الْكَعْبَةِ بِبَعْضِ بَدَنِهِ وَخَرَجَ بَاقِيهِ- لَوْ عُضْوًا وَاحِدًا- عَنِ اسْتِقْبَالِهَا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ.وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ يَكْفِي التَّوَجُّهُ بِبَعْضِ بَدَنِهِ.
صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ قُرْبَ الْكَعْبَةِ:
13- ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ- وَهُوَ مَا يُسْتَفَادُ مِنْ كَلَامِ الْحَنَابِلَةِ- أَنَّهُ إنِ امْتَدَّ صَفٌّ طَوِيلٌ بِقُرْبِ الْكَعْبَةِ وَخَرَجَ بَعْضُهُمْ عَنِ الْمُحَاذَاةِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، لِعَدَمِ اسْتِقْبَالِهِمْ لَهَا، بِخِلَافِ الْبُعْدِ عَنْهَا، فَيُصَلُّونَ فِي حَالَةِ الْقُرْبِ دَائِرَةً أَوْ قَوْسًا إنْ قَصُرُوا عَنِ الدَّائِرَةِ، لِأَنَّ الصَّلَاةَ بِمَكَّةَ تُؤَدَّى هَكَذَا مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- إلَى يَوْمِنَا هَذَا.
اسْتِقْبَالُ الْمَكِّيِّ غَيْرِ الْمُعَايِنِ:
14- ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ حَائِلٌ فَهُوَ كَالْغَائِبِ عَلَى الْأَصَحِّ، فَيَكْفِيهِ اسْتِقْبَالُ الْجِهَةِ، وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ مَذْهَبِهِمْ فِي إصَابَةِ الْجِهَةِ فِي «اسْتِقْبَالِ الْبَعِيدِ عَنْ مَكَّةَ».وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يُصَلِّ بِالْمَسْجِدِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَمَنْ أُلْحِقَ بِهِمْ عَلَيْهِ إصَابَةُ الْعَيْنِ، وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
وَتَفْصِيلُ مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُمْ أَوْجَبُوا إصَابَةَ الْعَيْنِ يَقِينًا عَلَى مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَوْ نَاشِئًا بِهَا مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ مُحْدَثٍ كَالْحِيطَانِ.
وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهَا وَهُوَ غَائِبٌ عَنِ الْكَعْبَةِ فَفَرْضُهُ الْخَبَرُ، كَمَا إِذَا وَجَدَ مُخْبِرًا يُخْبِرُهُ عَنْ يَقِينٍ، أَوْ كَانَ غَرِيبًا نَزَلَ بِمَكَّةَ فَأَخْبَرَهُ أَهْلُ الدَّارِ بِهَا.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَجِبُ عَلَى مَنْ نَشَأَ بِمَكَّةَ وَهُوَ غَائِبٌ عَنِ الْكَعْبَةِ إصَابَةُ الْعَيْنِ إنْ تَيَقَّنَ إصَابَتَهَا، وَإِلاَّ جَازَ لَهُ الِاجْتِهَادُ لِمَا فِي تَكْلِيفِهِ الْمُعَايَنَةَ مِنَ الْمَشَقَّةِ إِذَا لَمْ يَجِدْ ثِقَةً يُخْبِرُهُ عَنْ عِلْمٍ.
15- الِاسْتِقْبَالُ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ فِي الْكَعْبَةِ:
ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ دَاخِلَ الْكَعْبَةِ.مِنْهُمُ الْحَنَفِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالثَّوْرِيُّ، لِحَدِيثِ بِلَالٍ «أَنَّ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ».قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ اسْتِقْبَالُ جُزْءٍ مِنْهَا غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ الْجُزْءُ قِبْلَةً بِالشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ وَالتَّوَجُّهِ إلَيْهِ.وَمَتَى صَارَ قِبْلَةً فَاسْتِدْبَارُ غَيْرِهِ لَا يَكُونُ مُفْسِدًا.وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنَّهُ لَوْ صَلَّى رَكْعَةً إلَى جِهَةٍ أُخْرَى لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّهُ صَارَ مُسْتَدْبِرًا الْجِهَةَ الَّتِي صَارَتْ قِبْلَةً فِي حَقِّهِ بِيَقِينٍ بِلَا ضَرُورَةٍ.
وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لَا تُصَلَّى الْفَرِيضَةُ وَالْوِتْرُ فِي الْكَعْبَةِ، لِأَنَّهَا مِنَ الْمَوَاطِنِ السَّبْعِ الَّتِي نَهَى عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا، وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْإِخْلَالِ بِالتَّعْظِيمِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} قَالُوا: وَالشَّطْرُ: الْجِهَةُ.وَمَنْ صَلَّى فِيهَا أَوْ عَلَى سَطْحِهَا فَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقْبِلٍ لِجِهَتِهَا، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مُسْتَدْبِرًا مِنَ الْكَعْبَةِ مَا لَوِ اسْتَقْبَلَهُ مِنْهَا وَهُوَ فِي خَارِجِهَا صَحَّتْ صَلَاتُهُ، وَلِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَى ظَهْرِهَا قَدْ وَرَدَ صَرِيحًا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «سَبْعُ مَوَاطِنَ لَا تَجُوزُ فِيهَا الصَّلَاةُ: ظَهْرُ بَيْتِ اللَّهِ وَالْمَقْبَرَةُ»..إِلَخْ وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا لِأَنَّهَا سَوَاءٌ فِي الْمَعْنَى.وَتَوَجُّهُ الْمُصَلِّي فِي دَاخِلِهَا إلَى الْجِدَارِ لَا أَثَرَ لَهُ، إذِ الْمَقْصُودُ الْبُقْعَةُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُصَلِّي لِلْبُقْعَةِ حَيْثُ لَا جِدَارَ.وَإِنَّمَا جَازَ عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ مَعَ أَنَّهُ أَعْلَى مِنْ بِنَائِهَا لِأَنَّ الْمُصَلِّي عَلَيْهِ مُصَلٍّ لَهَا، وَأَمَّا الْمُصَلِّي عَلَى ظَهْرِهَا فَهُوَ فِيهَا.
وَهُنَاكَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ بِجَوَازِ الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ مَعَ الْكَرَاهَةِ.
الِاسْتِقْبَالُ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ فَوْقَ الْكَعْبَةِ:
16- وَأَمَّا صَلَاةُ الْفَرِيضَةِ عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ فَقَدْ أَجَازَهَا الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، لَكِنْ مَعَ الْكَرَاهَةِ عِنْدَهُمْ.وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى عَدَمِ جَوَازِ الْفَرْضِ وَالْوِتْرِ عَلَيْهَا لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ.
صَلَاةُ النَّافِلَةِ فِي الْكَعْبَةِ وَعَلَيْهَا:
17- ذَهَبَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ إلَى جَوَازِ صَلَاةِ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ دَاخِلَ الْكَعْبَةِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- صَلَّى فِيهَا، وَلِلْأَدِلَّةِ السَّابِقَةِ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ، وَأَمَّا السُّنَنُ الرَّوَاتِبُ فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إلَى جَوَازِهَا فِي الْكَعْبَةِ كَذَلِكَ.وَلِلْمَالِكِيَّةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْحُرْمَةُ بِأَدِلَّتِهِمْ عَلَى مَنْعِ الْفَرِيضَةِ، وَالْجَوَازُ قِيَاسًا عَلَى النَّفْلِ الْمُطْلَقِ، وَالثَّالِثُ الْكَرَاهَةُ وَهُوَ الرَّاجِحُ.
وَذَهَبَ أَصْبَغُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ- رضي الله عنهما- فِيمَا حُكِيَ عَنْهُ إلَى أَنَّهُ لَا تَصِحُّ صَلَاةُ النَّافِلَةِ فِيهَا.
أَمَّا صَلَاةُ النَّافِلَةِ عَلَى ظَهْرِهَا فَتَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، وَفِي قَوْلٍ لِلْمَالِكِيَّةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَكْفِي اسْتِقْبَالُ الْهَوَاءِ أَوِ اسْتِقْبَالُ قِطْعَةٍ مِنَ الْبِنَاءِ وَلَوْ مِنْ حَائِطِ السَّطْحِ.
هَذَا، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى جَوَازِهَا مَعَ الْكَرَاهَةِ لِبُعْدِهِ عَنِ الْأَدَبِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْفَرِيضَةِ.
هَذَا، وَمَا وَرَدَ فِي شَأْنِ الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ يَرِدُ فِي الْحِجْرِ (الْحَطِيمِ) لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنَ الْكَعْبَةِ.
18- وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، إلَى أَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي تَجُوزُ فِي الْكَعْبَةِ، تَصِحُّ لِأَيِّ جِهَةٍ وَلَوْ لِجِهَةِ بَابِهَا مَفْتُوحًا، وَلَوْ لَمْ يَسْتَقْبِلْ شَيْئًا فِي هَذِهِ الْحَالِ، لِأَنَّ الْقِبْلَةَ هِيَ الْعَرْصَةُ وَالْهَوَاءُ إلَى عَنَانِ السَّمَاءِ، وَلَيْسَتْ هِيَ الْبِنَاءُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ نُقِلَ إلَى عَرْصَةٍ أُخْرَى وَصَلَّى إلَيْهِ لَمْ يَجُزْ، وَلِأَنَّهُ لَوْ صَلَّى عَلَى جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ جَازَتْ بِالْإِجْمَاعِ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ إلَى الْبِنَاءِ.وَشَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ لِجَوَازِ الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ وَعَلَيْهَا أَنْ يَسْتَقْبِلَ جِدَارًا مِنْهَا أَيًّا كَانَ، أَوْ يَسْتَقْبِلَ الْبَابَ إنْ كَانَ مَفْتُوحًا وَكَانَ لَهُ عَتَبَةٌ قَدْرَ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ بِذِرَاعِ الْآدَمِيِّ تَقْرِيبًا عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ، لِأَنَّ هَذَا الْمِقْدَارَ هُوَ سُتْرَةُ الْمُصَلِّي فَاعْتُبِرَ فِيهِ قَدْرُهَا.
وَاخْتَارَ أَكْثَرُ الْحَنَابِلَةِ أَنْ يُشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا شَاخِصٌ يَتَّصِلُ بِهَا، كَالْبِنَاءِ وَالْبَابِ وَلَوْ مَفْتُوحًا، فَلَا اعْتِبَارَ بِالْآجُرِّ غَيْرِ الْمَبْنِيِّ، وَلَا الْخَشَبِ غَيْرِ الْمَسْمُورِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّصِلٍ، لَكِنَّهُمْ لَمْ يُقَدِّرُوا ارْتِفَاعَ الشَّاخِصِ.وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَكْفِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الْكَعْبَةِ إِذَا سَجَدَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَاخِصٌ، اخْتَارَهَا الْمُوَفَّقُ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ وَهِيَ الْمَذْهَبُ.
اسْتِقْبَالُ الْبَعِيدِ عَنْ مَكَّةَ:
19- مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ يَكْفِي الْمُصَلِّي الْبَعِيدَ عَنْ مَكَّةَ اسْتِقْبَالُ جِهَةِ الْكَعْبَةِ بِاجْتِهَادٍ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إصَابَةُ الْعَيْنِ، فَيَكْفِي غَلَبَةُ ظَنِّهِ أَنَّ الْقِبْلَةَ فِي الْجِهَةِ الَّتِي أَمَامَهُ، وَلَوْ لَمْ يُقَدَّرْ أَنَّهُ مُسَامِتٌ وَمُقَابِلٌ لَهَا.
وَفَسَّرَ الْحَنَفِيَّةُ جِهَةَ الْكَعْبَةِ بِأَنَّهَا الْجَانِبُ الَّذِي إِذَا تَوَجَّهَ إلَيْهِ الْإِنْسَانُ يَكُونُ مُسَامِتًا لِلْكَعْبَةِ، أَوْ هَوَائِهَا تَحْقِيقًا أَوْ تَقْرِيبًا.
وَاسْتَدَلُّوا بِالْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: {وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} وَقَالُوا: شَطْرَ الْبَيْتِ نَحْوَهُ وَقِبَلَهُ، كَمَا اسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ: «مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ»
وَهَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، وَمَا فِي حُكْمِهَا مِنَ الْأَمَاكِنِ الْمَقْطُوعِ بِقِبْلَتِهَا، عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي اسْتِقْبَالِ الْمَحَارِيبِ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَالْأَظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ لِابْنِ الْقَصَّارِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ اخْتَارَهَا أَبُو الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ تَلْزَمُ إصَابَةُ الْعَيْنِ.
وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} أَيْ جِهَتَهُ، وَالْمُرَادُ بِالْجِهَةِ هُنَا الْعَيْنُ؛ وَكَذَا الْمُرَادُ بِالْقِبْلَةِ هُنَا الْعَيْنُ أَيْضًا، لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ: «أَنَّهُ- صلى الله عليه وسلم- رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ قِبَلَ الْكَعْبَةِ، وَقَالَ: هَذِهِ الْقِبْلَةُ» فَالْحَصْرُ هُنَا يَدْفَعُ حَمْلَ الْآيَةِ عَلَى الْجِهَةِ.وَإِطْلَاقُ الْجِهَةِ عَلَى الْعَيْنِ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا.
اسْتِقْبَالُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَا فِي حُكْمِهَا:
20- ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْأَصَحِّ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلْحَنَابِلَةِ إلَى أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ- كَغَيْرِهَا- الِاجْتِهَادُ لِإِصَابَةِ جِهَةِ الْكَعْبَةِ، وَهُوَ جَارٍ مَعَ الْأَصْلِ فِي أَمْرِ الْقِبْلَةِ.
وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الرَّاجِحِ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلْحَنَابِلَةِ (وَأَرَادُوا بِالْمَدَنِيِّ مَنْ فِي مَسْجِدِهِ- صلى الله عليه وسلم- أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ): يَجِبُ عَلَى الْمُصَلِّي فِي الْمَدِينَةِ إصَابَةُ عَيْنِ الْقِبْلَةِ لِثُبُوتِ مِحْرَابِ مَسْجِدِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- بِالْوَحْيِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ كَانَ مُشَاهِدًا لِلْبَيْتِ، بَلْ أَوْرَدَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الشِّفَاءِ أَنَّهُ رُفِعَتْ لَهُ الْكَعْبَةُ حِينَ بَنَى مَسْجِدَهُ- صلى الله عليه وسلم-.
اسْتِقْبَالُ مَحَارِيبِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ:
21- ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّ مَحَارِيبَ الصَّحَابَةِ، كَجَامِعِ دِمَشْقَ، وَجَامِعِ عَمْرٍو بِالْفُسْطَاطِ، وَمَسْجِدِ الْكُوفَةِ وَالْقَيْرَوَانِ وَالْبَصْرَةِ، لَا يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ مَعَهَا فِي إثْبَاتِ الْجِهَةِ، لَكِنْ لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ الِانْحِرَافِ الْيَسِيرِ يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً، وَلَا تَلْحَقُ بِمَحَارِيبِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- إذْ لَا يَجُوزُ فِيهَا أَدْنَى انْحِرَافٍ.
وَكَذَلِكَ مَحَارِيبُ الْمُسْلِمِينَ، وَمَحَارِيبُ جَادَّتِهِمْ أَيْ مُعْظَمُ طَرِيقِهِمْ وَقُرَاهُمُ الْقَدِيمَةُ الَّتِي أَنْشَأَتْهَا قُرُونٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أَيْ جَمَاعَاتٌ مِنْهُمْ صَلُّوا إلَى هَذَا الْمِحْرَابِ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ طَعَنَ فِيهَا، لِأَنَّهَا لَمْ تُنْصَبْ إلاَّ بِحَضْرَةِ جَمْعٍ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْأَدِلَّةِ، فَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى الْخَبَرِ.
لَكِنْ قَالَ الْحَنَابِلَةُ: إنْ فَرَضَ مَنْ كَانَ فِيهَا إصَابَةَ الْعَيْنِ بِبَدَنِهِ بِالتَّوَجُّهِ إلَى قِبْلَتِهِ، مُعَلِّلِينَ ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ.
الْإِخْبَارُ عَنِ الْقِبْلَةِ:
22- ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إلَى أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ مَحَارِيبُ مَنْصُوبَةً فِي الْحَضَرِ، فَيَسْأَلُ مَنْ يَعْلَمُ بِالْقِبْلَةِ مِمَّنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَكَانِ مِمَّنْ يَكُونُ بِحَضْرَتِهِ.أَمَّا غَيْرُ مَقْبُولِ الشَّهَادَةِ، كَالْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ وَالصَّبِيِّ فَلَا يُعْتَدُّ بِإِخْبَارِهِ فِيمَا هُوَ مِنْ أُمُورِ الدِّيَانَاتِ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ.
وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَكَانِ فَلِأَنَّهُ يُخْبِرُ عَنِ اجْتِهَادٍ، فَلَا يُتْرَكُ اجْتِهَادُهُ بِاجْتِهَادِ غَيْرِهِ.
وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَتِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ أَحَدٌ فَإِنَّهُ يَتَحَرَّى وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَرْعُ الْأَبْوَابِ.
وَأَمَّا فِي الْمَفَازَةِ فَالدَّلِيلُ عَلَيْهَا النُّجُومُ كَالْقُطْبِ، وَإِلاَّ فَمِنْ أَهْلِهَا الْعَالِمِ بِهَا مِمَّنْ لَوْ صَاحَ بِهِ سَمِعَهُ، وَالِاسْتِدْلَالُ بِالنُّجُومِ فِي الْمَفَازَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى السُّؤَالِ، وَالسُّؤَالُ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّحَرِّي.
اخْتِلَافُ الْمُخْبِرِينَ:
23- صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ عِنْدَ اخْتِلَافِ اثْنَيْنِ فِي الْإِخْبَارِ عَنِ الْقِبْلَةِ: أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ فَيَأْخُذُ بِقَوْلِ أَحَدِهِمَا، وَقِيلَ: يَتَسَاقَطَانِ وَيَجْتَهِدُ لِنَفْسِهِ، وَلَا يَأْخُذُ بِقَوْلِ أَحَدِهِمَا إلاَّ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الِاجْتِهَادِ، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ اُضْطُرَّ لِلْأَخْذِ بِقَوْلِ أَحَدِهِمَا، أَمَّا فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ فَالْمُخْبِرَانِ اخْتَلَفَا فِي عَلَامَةٍ وَاحِدَةٍ لِعَارِضٍ فِيهَا وَهُوَ مُوجِبٌ لِلتَّسَاقُطِ.
وَمَا صَرَّحُوا بِهِ لَا تَأْبَاهُ قَوَاعِدُ الْمَذَاهِبِ الْأُخْرَى.
أَدِلَّةُ الْقِبْلَةِ:
24- سَبَقَ مَا يَتَّصِلُ بِالِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْقِبْلَةِ بِالْمَحَارِيبِ، فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ فَهُنَاكَ عَلَامَاتٌ يُمْكِنُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهَا عِنْدَ أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِهَا، مِنْهَا:
أ- النُّجُومُ:
وَأَهَمُّهَا الْقُطْبُ، لِأَنَّهُ نَجْمٌ ثَابِتٌ وَيُمْكِنُ بِهِ مَعْرِفَةُ الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ، وَبِذَلِكَ يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ الْقِبْلَةِ وَلَوْ عَلَى سَبِيلِ التَّقْرِيبِ.وَتَخْتَلِفُ قِبْلَةُ الْبِلَادِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ اخْتِلَافًا كَبِيرًا.
ب- الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ:
يُمْكِنُ التَّعَرُّفُ بِمَنَازِل الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ عَلَى الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ، وَذَلِكَ فِي أَيَّامِ الِاعْتِدَالَيْنِ (الرَّبِيعِيِّ وَالْخَرِيفِيِّ) بِالنِّسْبَةِ لِلشَّمْسِ، وَاسْتِكْمَالُ الْبَدْرِ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْقَمَرِ.وَفِي غَيْرِ الِاعْتِدَالَيْنِ يُنْظَرُ إلَى اتِّجَاهِ تِلْكَ الْمَنَازِلِ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ لِأَهْلِ الْخِبْرَةِ فَيُرْجَعُ إلَيْهِمْ فِيهِ، وَفِي كُتُبِ الْفِقْهِ تَفَاصِيلُ عَنْ ذَلِكَ.وَيُتَّبَعُ ذَلِكَ الِاسْتِدْلَالُ بِمَطَالِعِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَمَغَارِبِهِمَا.
ج- الْإِبْرَةُ الْمِغْنَاطِيسِيَّةُ:
مِنَ الِاسْتِقْرَاءِ الْمُفِيدِ لِلْيَقِينِ تَبَيَّنَ أَنَّهَا تُحَدِّدُ جِهَةَ الشَّمَالِ تَقْرِيبًا، وَبِذَلِكَ تُعْرَفُ الْجِهَاتُ الْأَرْبَعُ وَتُحَدَّدُ الْقِبْلَةُ.
تَرْتِيبُ أَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ:
25- ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى الْقِبْلَةِ فِي الْمَفَاوِزِ وَالْبِحَارِ النُّجُومُ كَالْقُطْبِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ لِوُجُودِ غَيْمٍ أَوْ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ بِهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ عَالِمًا بِهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْ يَسْأَلُهُ أَوْ لَمْ يُخْبِرْهُ الْمَسْئُولُ عَنْهَا فَيَتَحَرَّى.
وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ لَوْ تَعَارَضَتْ الْأَدِلَّةُ عَلَى الْقِبْلَةِ فَيَنْبَغِي تَقْدِيمُ خَبَرِ جَمْعٍ بَلَغَ عَدَدُهُمْ حَدَّ التَّوَاتُرِ، لِإِفَادَتِهِ الْيَقِينَ، ثُمَّ الْإِخْبَارُ عَنْ عِلْمٍ بِرُؤْيَةِ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ رُؤْيَةُ الْمَحَارِيبِ الْمُعْتَمَدَةِ، ثُمَّ رُؤْيَةُ الْقُطْبِ.
وَأَمَّا بَيْتُ الْإِبْرَةِ فَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ مُخَيَّرٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الِاجْتِهَادِ.
وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إنَّ خَبَرَ الْمُخْبِرِ عَنْ يَقِينٍ مُقَدَّمٌ عَلَى الِاجْتِهَادِ.
تَعَلُّمُ أَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ:
26- تَعَلُّمُ الْعَلَامَاتِ الَّتِي تُعْرَفُ بِهَا الْقِبْلَةُ مَطْلُوبٌ شَرْعًا، وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْأَصَحِّ عِنْدَهُمْ بِأَنَّ هَذَا وَاجِبٌ عَلَى سَبِيلِ الْكِفَايَةِ.وَقَدْ يُصْبِحُ تَعَلُّمُ هَذِهِ الْعَلَامَاتِ وَاجِبًا عَيْنِيًّا، كَمَنْ سَافَرَ سَفَرًا يَجْهَلُ مَعَهُ اتِّجَاهَ الْقِبْلَةِ، وَيَقِلُّ فِيهَا الْعَارِفُونَ بِهَا، وَكَانَتْ عِنْدَهُ قُدْرَةٌ عَلَى تَعَلُّمِ هَذِهِ الْعَلَامَاتِ، وَكُلُّ ذَلِكَ تَحْقِيقًا لِإِصَابَةِ الْقِبْلَةِ.
وَهَلْ يَجُوزُ تَعَلُّمُهَا مِنْ كَافِرٍ؟ قَوَاعِدُ الشَّرِيعَةِ لَا تَمْنَعُ ذَلِكَ.لِأَنَّهُ لَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي اتِّجَاهِ الْقِبْلَةِ، وَإِنَّمَا فِي مَعْرِفَةِ الْعَلَامَاتِ الَّتِي لَا يَخْتَلِفُ فِيهَا الْكَافِرُ عَنِ الْمُسْلِمِ، وَذَلِكَ كَتَعَلُّمِ سَائِرِ الْعُلُومِ.
الِاجْتِهَادُ فِي الْقِبْلَةِ:
27- اتَّفَقَتِ الْمَذَاهِبُ الْأَرْبَعَةُ عَلَى وُجُوبِ الِاجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَةِ فِي الْجُمْلَةِ.
قَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إنْ فَقَدَ الْمُصَلِّي مَا ذُكِرَ مِنَ الرُّؤْيَةِ وَالْمَحَارِيبِ وَالْمُخْبِرِ وَأَمْكَنَهُ الِاجْتِهَادُ، بِأَنْ كَانَ بَصِيرًا يَعْرِفُ أَدِلَّةَ الْقِبْلَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا بِأَحْكَامِ الشَّرْعِ، إذْ كُلُّ مَنْ عَلِمَ أَدِلَّةَ شَيْءٍ كَانَ مُجْتَهِدًا فِيهِ، وَلِأَنَّ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ اتِّبَاعُهُ عِنْدَ وُجُودِهِ وَجَبَ الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ عِنْدَ خَفَائِهِ، وَذَكَرُوا أَيْضًا أَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ حَرُمَ عَلَيْهِ التَّقْلِيدُ، لِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنِ اسْتِقْبَالِهَا بِدَلِيلِهِ.
وَقَالُوا: أَنَّهُ إِذَا ضَاقَ عَلَيْهِ الْوَقْتُ عَنْ الِاجْتِهَادِ صَلَّى حَسَبَ حَالِهِ وَلَا يُقَلِّدُ، كَالْحَاكِمِ لَا يَسَعُهُ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ، وَلَكِنَّهُ يُعِيدُ الصَّلَاةَ.وَصَرَّحَ ابْنُ قُدَامَةَ بِأَنَّ شَرْطَ الِاجْتِهَادِ لَا يَسْقُطُ بِضِيقِ الْوَقْتِ مَعَ إمْكَانِهِ.
الشَّكُّ فِي الِاجْتِهَادِ وَتَغَيُّرُهُ:
28- ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُ الْمُجْتَهِدِ عَمِلَ بِالِاجْتِهَادِ الثَّانِي حَتْمًا، إِنْ تَرَجَّحَ عَلَى الْأَوَّلِ، وَعَمِلَ بِالْأَوَّلِ إِنْ تَرَجَّحَ عَلَى الثَّانِي.وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: وَإِنْ شَكَّ فِي اجْتِهَادِهِ لَمْ يَزُلْ عَنْ جِهَتِهِ، لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ ظَاهِرٌ فَلَا يَزُولُ عَنْهُ بِالشَّكِّ.وَلَا يُعِيدُ مَا صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ الْأَوَّلِ، كَالْحَاكِمِ لَوْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ فِي الْحَادِثَةِ الثَّانِيَةِ عَمِلَ فِيهَا بِالِاجْتِهَادِ الثَّانِي، وَلَمْ يُنْقَضْ حُكْمُهُ الْأَوَّلُ بِغَيْرِ خِلَافٍ، لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ بِالِاجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَةِ إِذَا تَحَوَّلَ رَأْيُهُ اسْتَدَارَ وَبَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ تَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ وَبَعْدَهَا، فَإِنْ كَانَ فِيهَا اسْتَدَارَ وَبَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ، حَتَّى إنَّهُ لَوْ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ لِأَرْبَعِ جِهَاتٍ بِالِاجْتِهَادِ جَازَ، لِأَنَّهُ مُجْتَهِدٌ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى جِهَةٍ، فَلَمْ تَجُزْ لَهُ الصَّلَاةُ إلَى غَيْرِهَا، كَمَا لَوْ أَرَادَ صَلَاةً أُخْرَى، وَلَيْسَ فِيهِ نَقْضٌ لِاجْتِهَادِهِ، لِأَنَّا لَمْ نُلْزِمْهُ إعَادَةَ مَا مَضَى، وَإِنَّمَا نُلْزِمُهُ الْعَمَلَ بِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَإِنْ تَبَيَّنَ لِمَنْ صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ خَطَأُ اجْتِهَادِهِ فِي الصَّلَاةِ يَقِينًا أَوْ ظَنًّا وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ قَطَعَهَا وُجُوبًا.أَمَّا بَعْدَ إتْمَامِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُعِيدُهَا نَدْبًا لَا وُجُوبًا.قِيَاسًا عَلَى الْقَاضِي إِذَا تَبَيَّنَ لَهُ خَطَأُ الدَّلِيلِ قَبْلَ بَتِّ الْحُكْمُ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِاجْتِهَادِهِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ حَكَمَ بِهِ نُقِضَ.أَمَّا إنْ شَكَّ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُتِمُّ صَلَاتَهُ عَلَى اجْتِهَادِهِ الْأَوَّلِ.
الِاخْتِلَافُ فِي الِاجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَةِ:
29- ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّهُ إِذَا اخْتَلَفَ اجْتِهَادُ مُجْتَهِدَيْنِ لَمْ يَتَّبِعْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ وَلَا يَؤُمُّهُ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَعْتَقِدُ خَطَأَ الْآخَرِ فَلَمْ يَجُزْ الِائْتِمَامُ.
وَعِنْدَ ابْنِ قُدَامَةَ أَنَّ قِيَاسَ الْمَذْهَبِ جَوَازُ ذَلِكَ.وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي ثَوْرٍ، ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَعْتَقِدُ صِحَّةَ صَلَاةِ الْآخَرِ، وَأَنَّ فَرْضَهُ التَّوَجُّهُ إلَى مَا تَوَجَّهَ إلَيْهِ، فَلَمْ يَمْنَعْ اخْتِلَافُ الْجِهَةِ الِاقْتِدَاءَ بِهِ، كَالْمُصَلِّينَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ.
وَلَوِ اتَّفَقَا فِي الْجِهَةِ وَاخْتَلَفَا فِي الِانْحِرَافِ يَمِينًا أَوْ شِمَالًا فَالْمَذْهَبُ صِحَّةُ الِائْتِمَامِ بِلَا خِلَافٍ لِاتِّفَاقِهِمَا فِي الْجِهَةِ، وَهِيَ كَافِيَةٌ فِي الِاسْتِقْبَالِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: لَوِ اجْتَهَدَ اثْنَانِ فِي الْقِبْلَةِ، وَاتَّفَقَ اجْتِهَادُهُمَا، فَاقْتَدَى أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَزِمَهُ الِانْحِرَافُ إلَى الْجِهَةِ الثَّانِيَةِ، وَيَنْوِي الْمَأْمُومُ الْمُفَارَقَةَ وَإِنْ اخْتَلَفَا تَيَامُنًا وَتَيَاسُرًا، وَذَلِكَ عُذْرٌ فِي الْمُفَارَقَةِ فَلَا تَفُوتُهُ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ حَيْثُ عَلِمَ الْمَأْمُومُ بِانْحِرَافِ إمَامِهِ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ إلاَّ بَعْدَ السَّلَامِ فَالْأَقْرَبُ وُجُوبُ الْإِعَادَةِ.
وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ سَلَّمَ الْإِمَامُ فَتَحَوَّلَ رَأْيُ مَسْبُوقٍ وَلَاحِقٍ اسْتَدَارَ الْمَسْبُوقُ، لِأَنَّهُ مُنْفَرِدٌ فِيمَا يَقْضِيهِ، وَاسْتَأْنَفَ اللاَّحِقُ، لِأَنَّهُ مُقْتَدٍ فِيمَا يَقْضِيهِ.وَالْمُقْتَدِي إِذَا ظَهَرَ لَهُ وَرَاءَ الْإِمَامِ أَنَّ الْقِبْلَةَ غَيْرُ الْجِهَةِ الَّتِي يُصَلِّي إلَيْهَا الْإِمَامُ لَا يُمْكِنُهُ إصْلَاحُ صَلَاتِهِ، لِأَنَّهُ إنِ اسْتَدَارَ خَالَفَ إمَامَهُ فِي الْجِهَةِ قَصْدًا وَهُوَ مُفْسِدٌ، وَإِلاَّ كَانَ مُتِمًّا صَلَاتَهُ إلَى مَا هُوَ غَيْرُ الْقِبْلَةِ عِنْدَهُ وَهُوَ مُفْسِدٌ أَيْضًا.
خَفَاءُ الْقِبْلَةِ عَلَى الْمُجْتَهِدِ:
30- خَفَاءُ الْقِبْلَةِ عَلَى الْمُجْتَهِدِ إمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَوْ فِي أَثْنَائِهَا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْلَ التَّحَرِّي أَوْ بَعْدَهُ، وَسَنَتَنَاوَلُ بِالْبَحْثِ كُلًّا عَلَى حِدَةٍ.
خَفَاءُ الْقِبْلَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَالتَّحَرِّي:
31- ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنْ مَعْرِفَةِ الْقِبْلَةِ بِالِاسْتِدْلَالِ، وَخَفِيَتْ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ لِفَقْدِهَا أَوْ لِغَيْمٍ أَوْ حَبْسٍ أَوِ الْتِبَاسٍ مَعَ ظُهُورِهَا، حَيْثُ تَعَارَضَتْ عِنْدَهُ الْأَمَارَاتُ، فَإِنَّهُ يَتَحَرَّى وَيُصَلِّي، وَتَصِحُّ صَلَاتُهُ عِنْدَئِذٍ، لِأَنَّهُ بَذَلَ وُسْعَهُ فِي مَعْرِفَةِ الْحَقِّ مَعَ عِلْمِهِ بِأَدِلَّتِهِ، أَشْبَهَ الْحَاكِمَ إِذَا خَفِيَتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- فِي سَفَرٍ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَلَمْ نَدْرِ أَيْنَ الْقِبْلَةُ، فَصَلَّى كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا حِيَالَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- فَنَزَلَ: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} وَعَرَّفَ الْحَنَفِيَّةُ التَّحَرِّيَ بِأَنَّهُ بَذْلُ الْجُهُودِ لِنَيْلِ الْمَقْصُودِ.وَأَفَادَ ابْنُ عَابِدِينَ بِأَنَّ قِبْلَةَ التَّحَرِّي مَبْنِيَّةٌ عَلَى مُجَرَّدِ شَهَادَةِ الْقَلْبِ مِنْ غَيْرِ أَمَارَةٍ، وَعَبَّرَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ يَتَخَيَّرُ جِهَةً مِنَ الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ يُصَلِّي إلَيْهَا صَلَاةً وَاحِدَةً، وَلَا إعَادَةَ لِسُقُوطِ الطَّلَبِ عَنْهُ، وَهَذَا مَا رَجَّحَهُ ابْنُ عَابِدِينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ بِتَكْرَارِ الصَّلَاةِ إلَى الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ فِي حَالَةِ التَّحَرِّي وَعَدَمِ الرُّكُونِ إلَى جِهَةٍ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّهُ يُصَلِّي كَيْفَ كَانَ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ، وَيَقْضِي لِنُدْرَتِهِ.
موسوعة الفقه الكويتية-وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت-صدرت بدءًا من: 1404هـ/1984م
5-تاج العروس (مر مرر مرمر)
[مرر]: مَرَّ عليه يَمُرُّ مَرًّا، ومُرُورًا: جاز. ومَرَّ مَرًّا ومُرُورًا: ذَهَبَ، كاسْتَمَرَّ، وقال ابنُ سِيدَه: مَرَّ يَمُرُّ مَرًّا ومُرورًا: جاءَ وذَهَب. ومَرَّهُ ومَرَّ به: جازَ عَلَيْه؛ وهذا قد يَجُوز أَن يكون ممّا يتعدّى بحَرْفٍ وغيْرِ حرف، ويَجُوز أَن يكون مِمَّا حُذِف فيه الحرفُ فأُوصِلَ الفِعْل، وعلى هذين الوَجهَين يُحمل بيت جَريرٍ:تَمُرُّون الدِّيَارَ ولمْ تعُوجُوا *** كلامُكمُ عَليَّ إِذًا حَرَامُ
وقال بعضُهُم: إِنّمَا الرّوايةُ:
مَرَرْتُم بالدِّيار ولم تَعُوجُوا
فدَلَّ هذا على أَنّه فَرِقَ مِن تَعَدِّيه بغير حرْف. وأَمَّا ابنُ الأَعرابيّ فقال: مُرَّ زَيدًا، في معنى مُرَّ به، لا على الحَذْف، ولكن على التَّعدّي الصحيح. أَلا تَرَى أَنّ ابن جنّي قال: لا تقول مَررْتُ زيدًا، في لغة مشهورة، إِلّا في شيءٍ حكاه ابنُ الأَعرابيّ، قال: ولمْ يَروِهِ أَصحابُنا.
وامْترَّ. به امْتِرَارًا وامْترَّ عَليْهِ، كمَرَّ مُرُورًا. وفي خبر يوم غَبِيطِ المَدَرَةِ: فامْتَرُّوا على بني مالِك.
وقولُ الله تعَالى وعزَّ: {فَلَمّا تَغَشّاها} حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ أَي اسْتمرَّت به يعني المَنِيَّ. قيل: قَعَدتْ وقامَتْ فلم يُثْقِلْهَا، فلمَّا أَثْقلَت؛ أَي دَنا وِلَادُها. قاله الزجَّاج. وقال الكلابيُّون: حَمَلتْ حَمْلًا خفِيفًا فاسْتمَرَّتْ به؛ أَي مَرَّت، ولم يَعْرِفُوا فمَرَّت به.
وَأَمَرَّهُ على الجِسْرِ: سَلَكَهُ فيه، قال اللِّحْيَانيّ: أَمْرَرْتُ فلانًا على الجِسْرِ أُمِرُّه إِمْرارًا، إِذا سَلَكْت به عَليْه. والاسمُ من كلِّ ذلك المَرَّةُ، قال الأَعْشى:
أَلَا قُلْ لِتَيَّا قَبْلَ مَرَّتِها اسْلَمِي *** تَحِيَّةَ مُشْتاقٍ إِليها مُسَلِّمِ
وأَمَرَّهُ به، وفي بعض النُّسخ: أَمَرَّ به، والأُولَى الصَّوَاب: جَعَلَه يَمُرُّ به، كذا في النُّسخ والصواب: جعلَه يَمُرُّه، كما في اللسان. ويُقَال: أَمْرَرْتُ الشيءَ إِمْرَارًا، إِذا جَعلْته يَمُرُّ؛ أَي يَذْهب.
ومَارَّهُ مُمارَّةً ومِرَارًا: مَرَّ مَعَهُ.
واسْتَمَرَّ الشيءُ: مَضَى على طَرِيقَةٍ وَاحِدَة، وقال اللَّيْثُ: وكُلُّ شَيْءٍ قد انقادَتْ طَرِيقَتُه فهو مُستَمِرٌّ. واستَمَرَّ بالشَّيْءِ: قَوِيَ على حَمْلِه، ويُقَال: استَمَرَّ مَرِيرُه؛ أَي اسْتَحْكَمَ عَزْمُه. وقال ابن شَمَيْل: يُقَال للرجُل إِذا استقامَ أَمرُه بعد فسادٍ: قد اسْتَمَرَّ. قال: والعربُ تقول: أَرْجَى الغِلْمَانِ الذي يَبدأُ بحُمْقٍ ثمَّ يَستمِرّ. وأَنشدَ للأَعشَى يُخَاطبُ امرأَتَه:
يا خَيَرُ إِنِّي قد جَعلْتُ اسْتَمِرّ *** أَرْفَعُ مِن بُرْدَيَّ ما كنتُ أَجُرّ
والمَرَّةُ، بالفَتْح، الفَعْلَةُ الوَاحِدَة، الجمع: مَرٌّ ومِرَارٌ ومِرَرٌ، بكسرهما، ومُرُورٌ، بالضَّمّ، عن أَبي عليّ، كذا في المُحكم. وفي الصّحاح: المَرَّة وَاحدةُ المَرِّ والمِرَار. قال ذو الرُّمَّة:
لا بَلْ هُوَ الشَّوْقُ منْ دَارٍ تَخَوَّنَهَا *** مَرًّا شَمَالٌ ومَرًّا بارِحٌ تَرِبُ
وأَنشد ابنُ سيده قول أَبِي ذُؤَيْب شاهِدًا على أَنَّ مُرورًا جَمْع:
تَنَكَّرْتَ بَعْدِي أَمْ أَصابَك حادِثٌ *** مِن الدَّهْرِ أَمْ مَرَّت عليكَ مُرُورُ
قال: وذهب السُكَّرِيّ إِلى أَنّ مُرورًا مصدرٌ، ولا أُبْعِدُ أَن يكونَ كما ذكرَ، وإِن كان قد أَنّث الفِعل، وذلك أَنَّ المصدر يُفِيد الكَثْرةَ والجِنْسِيّةَ. ولَقِيَهُ ذَاتَ مَرَّةٍ. قال سيبويه: لا يُسْتَعْمَلُ ذات مَرَّة إِلَّا ظَرْفًا، ولَقِيَه ذَاتَ المِرَارِ أَي مِرَارًا كثيرةً. ويُقَال: فلانٌ يَصْنَع ذلك الأَمْرَ ذاتَ المِرارِ؛ أَي يَصنَعُه مِرَارًا ويَدَعُه مِرَارًا. وقال ابنُ السِّكِّيت: يُقَال: فلانٌ يَصنع ذلكَ تارَاتٍ، ويَصنع ذلك تِيَرًا، ويَصنع ذلك ذَاتَ المِرَارِ، معنَى ذلك كُلِّه: يَصنعه مِرَارًا ويَدَعُه مِرارًا. وجِئتُه مَرًّا أَو مَرَّيْنِ؛ أَي مَرَّةً أَو مَرَّتَيْن. وقولُه عَزَّ وجَلَّ: {سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ} قال: يعَذَّبون بالإِيثاق والقَتْلِ، وقيل: بالقَتْل وعَذابِ القَبْر. وقد تكون التَّثْنِية هنا بمعنَى الجَمْع، كقولِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ} أَي كَرَّاتٍ.
والمُرُّ، بالضَّمِّ: ضدّ الحُلْوِ، مَرَّ الشيءُ يَمَرُّ ويَمُرُّ، بالفَتْحِ والضَّم، الفَتْحُ عن ثَعْلَب، مَرَارَةً، وكذا أَمَرَّ الشيءُ، بالأَلف، عن الكسائيّ، وأَنشد ثَعْلَب:
لئن مَرَّ في كِرْمانَ لَيْلِي لَطَالَمَا *** حَلَا بين شَطَّيْ بابِل فالمُضَيَّحِ
وأَنْشَدَ اللِّحْيَانِيُّ:
أَلَا تِلْكَ الثَّعالِبُ قدْ تَوَالَتْ *** عَلَيَّ وحالَفتْ عُرْجًا ضِبَاعَا
لِتَأْكُلَني فَمرَّ لَهنَّ لَحْمِي *** فأَذْرَقَ من حِذَارِي أَوْ أَتَاعَا
وأَنشد الكسَائيُّ البَيْتَ هكذا:
لِيَمْضُغَنِي العِدَا فأَمَرَّ لَحْمِي *** فَأَشْفَقَ منْ حِذَارِي أَو أَتَاعَا
وأَنشد ثَعلبٌ.
تُمِرُّ علينا الأَرْضُ مِن أَنْ نَرَى بها *** أَنِيسًا ويَحْلَوْلِي لنا البَلَدُ القَفْرُ
عدّاه بعلى لأَنّ فيه معنَى تَضِيقُ. قال: ولم يَعرف الكسائيُّ مَرّ [اللَّحْمُ] بغير أَلفِ. وقال ابنُ الأَعْرَابيّ: مَرَّ الطعامُ يَمَرُّ فهو مُرُّ، وأَمَرَّهُ غَيْرُه ومَرَّهُ. ومَرَّ يَمُرُّ، من المُرُور. ويُقال: لَقَدْ مَرِرْتُ، مِن المِرَّة. أَمَرُّ، مَرًّا ومِرَّةً، وهي الاسم. وهذا أَمَرُّ مِن كذا.
وفي قصَّة مَوْلد المَسيح عليهالسلام: خَرَج قَومٌ معهُم المُرُّ، قالوا نَجْبُر به الكَسِيرَ والجُرْحَ المُرُّ: دَواءُ م، كالصَّبِرِ، سُمِّيَ به لمَرَارَته، نافعٌ للسُّعالِ، اسْتِحْلابًا في الفَم، ولَسْعِ العَقَارِب طِلاءً، ولِدِيدانِ الأَمْعَاءِ، سُفُوفًا، وله خواصُّ كثيرة أَودَعها الأَطِبّاءُ في كُتُبهم. وسمعتُ شَيخِي المُعَمَّرَ عبدَ الوهاب بنَ عبد السلام الشاذليَّ يقول: مَنْ أَكل المُرُّ ما رأَى الضُرَّ. الجمع: أَمْرارٌ، قال الأَعْشَى يصف حِمارَ وَحْشٍ:
رَعَى الرَّوْضَ والوَسْميَّ حتَّى كَأَنَّمَا *** يَرَى بيَبِيس الدَّوِّ أَمْرَارَ عَلْقَمِ
والمَرُّ، بالفَتْح: الحَبْلُ قال:
ثُمَّ شَدَدْنَا فَوْقَه بمَرِّ *** بيْنَ خَشَاشَىْ بازِلٍ جِوَرِّ
وجمعه المِرَارُ.
والمَرُّ: المِسْحاةُ أَو مَقْبِضُها، وكذلك هو من المِحْرَاث. وقال الصاغانيّ: المَرُّ هو الذي يُعْمَل به في الطِّين.
والمُرَّةُ، بالضمّ: شَجَرَةٌ أَو بَقْلةٌ تَنْفَرِش على الأَرض، لها وَرَقٌ مثْل وَرَقِ الهِنْدَبَا أَو أَعْرَض، ولها نَوْرَة صَفْرَاءُ وأَرومَةٌ بيضاءُ، وتُقْلَع مع أَرُومَتها فتُغْسَل ثم تُؤكل بالخلّ والخُبْز، فيها عُلَيْقِمَةٌ يَسيرة. ولكنّهَا مَصَحَّة، وهي مَرْعًى، ومَنْبِتُها السُّهولُ وقُرْبُ الماءِ حَيْثُ النَّدَى. قاله أَبو حَنِيفة: الجمع: مُرٌّ، بالضمّ، وأَمْرَارٌ. وفي التَّهْذِيب: وهذه البَقلة من أَمْرَارِ البُقُول، والمُرُّ الواحد. وقال ابنُ سِيدَه أَيضًا: وعندي أَنَّ أَمْرَارًا جمْع مُرٍّ. قال شيخُنا: وظاهر كلام المصنِّف أَنّ المُرَّة اسمٌ خاصٌّ لشَجَرة أَو بَقْلة، وكلامُ غيْرِه كالصَّرِيح في أَنَّهَا وَصْف، لأَنّهم قالوا: شَجَرَة مُرَّة، والجمع المَرَائر كحُرَّة وحَرَائِر. وقال السُّهَيلِيّ في الرَّوْض: ولا ثالثَ لهمَا.
والمُرِّيُّ، كدُرِّيٍّ: إِدَامٌ كالكَامَخِ يُؤْتَدَمُ به، كأَنه منسوب إِلى المَرَارَة، والعَامَّة تُخَفّفه. وأَنشد أَبو الغَوْث.
وأُمُّ مَثَوَايَ لُبَاخِيَّةٌ *** وعِندَها المُرِّيُّ والكَامَخُ
وقد جاءَ ذكره في حديث أَبي الدَّرْداءِ، وذَكَرَه الأَزهريُّ في الناقِص.
وفلانٌ ما يُمِرُّ وما يُحْلِي؛ أَي ما يَضُرُّ وما يَنْفَعُ، ويُقَال: شتَمَنِي فلانٌ فما أَمْرَرْتُ وما أَحْلَيْت؛ أَي ما قُلتُ مُرَّةً ولا حُلْوةً. وقولهم: ما أَمَرَّ فلانٌ وما أَحْلَى؛ أَي ما قال مُرًّا ولا حُلْوًا. وفي حديث الاستِسقاءِ.
وأَلْقَى بكَفَّيه الفَتِيُّ استِكانَةً *** من الجُوعِ ضَعْفًا ما يُمِرُّ وما يُحْلِي
أَي ما يَنطق بخَيْرِ ولا شَرٍّ، من الجُوع والضَّعْف. وقال ابنُ الأَعْرَابِيّ: ما أُمِرُّ وما أُحْلِي؛ أَي ما آتِي بكَلِمَةٍ ولا فعْلَةٍ مُرَّةٍ ولا حُلْوَةٍ، فإِن أَردتَ أَن تكون مَرَّةً مُرًّا ومَرَّةً حُلْوًا قلْت: أَمَرُّ وأَحْلُوا، وأَمُرُّ وأَحْلُو.
ومن المَجَاز: لَقِيتُ مِنْهُ الأَمَرِّينَ بكسر الرَّاءِ، وكذا البُرَحِينَ والأَقْوَرِينَ. قال أَبو منصور: جاءَت هذه الأَحْرُف على لفظ الجمَاعَة بالنون، عن العَرَب؛ أَي الدَّوَاهيَ، وفَتْحِهَا، على التثنية، عن ابن الأَعرابيّ، وعنه أَيضًا: لَقِيتُ منه المُرَّتَيْن، بالضّمّ، كأَنّهَا تَثْنية الحالةِ المُرَّى؛ أَي الشَّرَّ والأَمْرَ العَظِيمَ. والمُرَارُ، بالضّمِّ: حَمْضٌ، وقيل: شَجَرٌ مُرٌّ من أَفضلِ العُشْبِ وأَضْخَمِه إِذَا أَكَلَتْه* الإِبِلُ قَلَصَتْ عنه مَشَافِرُها فبَدَتْ أَسْنانُهَا، واحدته مُرَارَة، ولذلك قِيل لجَدِّ امرِئِ القَيْسِ: آكِلُ المُرَارِ، لكَشْرٍ كانَ بِهِ. قال أَبو عُبَيْد: أخبرني ابنُ الكَلْبيّ أَنَّ حُجْرًا إِنَّمَا سُمِّيَ آكِلَ المُرَار لأَنّ ابْنَةً كانت له سَبَاهَا مَلِكٌ من مَلوك سَلِيح يقال له ابن هَبُولةَ، فقالت له ابنةُ حُجْر: كأَنَّك بأَبِي قد جاءَ كأَنه جَمَلٌ آكِلُ المُرَارِ. يعني كاشِرًا عن أَنْيَابِه، فسُمِّيَ بذلك، وقيل: إِنَّه كان في نَفَر من أَصْحَابه في سَفَرٍ فأَصابهم الجُوعُ، فأَمّا هو فأَكَل من المُرَار حتى شَبع ونَجا، وأَمَّا أَصحابُه فلم يُطيقُوا ذلك حتى هَلَكَ أَكثرُهُم، ففَضَل عليهم بصَبْرِه على أَكْله المُرَارَ. قلْت: آكِلُ المُرَار لَقَبُ حُجْرِ بن مُعاويةَ الأَكْرَم بن الحارث بن مُعاوية بن ثَوْر بن مُرْتِع بن مُعاوية بن ثَوْر وهو كِنْدَة، وهو جَدُّ فَحْل الشُعراءِ امرئ القيْس بن حُجْر بن الحارث بن عَمْرِو بن حُجْرٍ آكلِ المُرَار. وأَمّا ابن هَبُولة فهو زِيَادُ بن الضَّجَاعِمة مُلُوك الشام، قتله عَمْرُو بن أَبي رَبيعةَ بن ذُهْل بن شَيْبان، كان مع حُجْر.
وذُو المُرَارِ: أَرْضٌ، لأَنّها كثيرةُ هذا النّباتِ، فسُمِّيَت بذلك، قال الرَّاعي:
مِنْ ذي المُرَارِ الَّذِي تُلْقِي حَوَالِبُه *** بَطْنَ الكِلَابِ سَنِيحًا حيْثُ يَنْدَفِقُ
وثَنِيَّةُ المُرَار: مَهْبِط الحُدَيْبيَةِ وقد رُويَ عن جابرٍ رضي الله عنه عن النَّبيّ صلى الله عليهوسلم أَنَّه قال: «مَنْ يَصْعَد الثَّنِيَّةَ ثَنِيَّةَ المُرَار فإِنَّهُ يُحَطُّ عنه ما حُطَّ عن بني إِسْرائيلَ»، المشهور فيها ضمّ الميم، وبعضُهُم يَكْسِرها.
والمَرَارَةُ، بالفتْح: هَنَةٌ لازِقَةٌ بالكَبِد، وهي التي تُمْرِئُ الطَّعَامَ، تكون لكُلِّ ذي رُوح إِلَّا النَّعامَ والإِبلَ فإِنَّها لا مَرَارَةَ لها.
والمُرَيْرَاءُ، كحُمَيْرَاءَ، والمَارُورَة: حَبٌّ أَسْودُ يكونُ في الطَّعام، يَمَرُّ منه، وهو كالدَّنْقة، وقيل: هو ما يُخْرَج منه ويُرْمَى به. وقال الفَرَّاءُ: في الطّعام زؤَانٌ ومُرَيْراءُ ورُعَيداءُ وكُلَّه ممّا يُرْمى به ويُخْرج منه.
وقد أَمرَّ الطَّعامُ: صار فيه المُرَيْراءُ. ويقال: قد أَمَرَّ هذا الطعامُ في فَمي؛ أَي صار فيه مُرًّا، وكذلك كلّ شيءٍ يَصير مُرًّا. والمَرَارَةُ الاسْمُ.
والمِرَّةُ، بالكسْر: مِزَاجٌ من أَمْزِجةِ البَدَن، كذا في المُحْكم، وهي إِحْدَى الطبائع الأَرْبعة، قال الّلحْيانيّ: وقد مُررْتُ به، مجْهولًا؛ أَي على صِيغة فِعْل المفْعُول، أُمَرُّ مَرًّا، بالفتْح، ومِرَّةً، بالكسْر: غَلَبَتْ عليَّ المِرَّةُ، وقال مَرَّةً: المَرُّ المَصْدرُ، والمِرَّةُ الاسمُ، كما تقُول: حُمِمْتُ حُمَّى والحُمَّى الاسْمُ. والمَمْرُور: الذي غَلَبتْ عليه المِرَّةُ.
والمِرَّةُ: قُوَّةُ الخَلْق وشِدَّتُه، ومنهالحديث: «لا تَحِلُّ الصَّدَقةُ لغَنِيٍّ ولا لذِي مِرَّةٍ سَوِيّ» المِرَّة: الشِّدَّةُ والقُوَّة، والسَّوِيُّ: الصَّحيحُ الأَعْضاءِ، الجمع: مِرَرٌ، بالكسْر، وأَمْرارٌ، جَمْعُ الجَمْعِ.
والمِرَّةُ: العَقْلُ، وقيل: شِدَّتُه.
والمِرَّةُ: الأَصَالَةُ والإِحْكامُ، يقالُ: إِنَّهُ لَذُو مِرَّة؛ أَي عَقْل وأَصَالةٍ وإِحْكام، وهو على المَثل. وقال ابنُ السِّكِّيت: المِرَّة: القُوَّةُ وجَمعُها المِرَرُ، قال: وأَصْل المِرَّةِ إِحْكام الفَتْل، والمِرَّةُ: طاقَةُ الحَبْل، كالمَرِيرَة، وكُلُّ قُوَّةٍ من قُوَى الحَبْل مِرَّةٌ، وجمعها مِرَرٌ، والمَرَائر هي الحِبالُ المَفْتُولة على أَكْثرَ من طاقٍ، واحدها مَرِيرٌ ومَرِيرَةٌ. ومنه قولُهُم: ما زال فلان يُمِرُّ فلانًا، يُمَارُّهُ؛ أَي يُعالِجه ويَتَلَوَّى عليه ليَصْرَعَه. وأَنشد ابنُ سِيدَه لأَبي ذُؤَيْب:
وذلك مَشْبُوحُ الذِّراعَيْن خَلْجَمٌ *** خَشُوفٌ إِذا ما الحَرْبُ طال مِرَارُها
فسره الأَصمعيُّ فقال: مِرارُها: مُداوَرَتُها ومُعالَجتُها.
وسأَل أَبو الأَسْود الدُّؤَليّ غلامًا له عن أَبيه فقال: ما فَعلَت امرأَةُ أَبيك؟ قال: كانت تُسَارُّه وتُجَارُّه وتُزَارُّه وتُهَارُّه وتُمَارُّه.
أَي تَلْتَوِي عليْه وتُخالِفُه. وهو من فَتْلِ الحَبْل. وهو يُمَارُّ البَعيرَ؛ أَي يُدِيرُه، كذا في النُّسخ، وفي اللسان: أَي يُرِيده ليَصْرَعهُ وهو الصوابُ، ويدُلُّ على ذلك قولُ أَبي الهَيْثم: مارَرْتُ الرَّجُل مُمَارَّةً ومِرَارًا إِذا عالَجْتَه لتَصْرَعَه وأَراد ذلك منك أَيضًا. وفي قَول الله عزّ وجلّ ذُو {مِرَّةٍ فَاسْتَوى} قيل: هو جِبْرِيلُ عليهالسلام، خلَقَه الله قَويًّا ذَا مِرَّةٍ شَدِيدة. وقال الفَرَّاءُ: {ذُو مِرَّةٍ}، من نَعْت قوله تعالَى: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى. ذُو مِرَّةٍ}.
والمَرِيرَةُ: الحَبْلُ الشَّديدُ الفَتْلِ، أَو هو الحَبْل الطَّويلُ الدَّقيقُ، أَو المفتول على أَكثرَ مِن طاقٍ، جمْعُها المَرَائرُ، ومنهحديثُ عليٍّ: «إِنَّ الله جعلَ المَوْتَ قاطِعًا لمَرَائرِ أَقْرانِها».
والمَرِيرَة: عِزَّةُ النَّفْسِ. والمَرِيرَة: العَزِيمَةُ.
ويقال: اسْتَمَرَّت مَرِيرةُ الرَّجُلِ، إِذا قَوِيَت شَكِيمتُه، قال الشاعر:
ولا أَنْثَنِي مِن طِيرَةٍ عنْ مَرِيرةٍ *** إِذا الأَخْطَبُ الدَّاعِي على الدَّوْحِ صَرْصَرَا
كالمَرِير، يُقَال: استَمرَّ مَرِيرُه، إِذا قَوِيَ بعْدَ ضَعْف، أَو المَرِيرُ: أَرْضٌ لا شيءَ فيها، الجمع: مَرَائرُ. والمَريرُ أَيضًا: مَا لَطُفَ من الحِبَال وطالَ واشْتَدَّ فَتْلُه، وهي المَرَائرُ، قاله ابن السِّكِّيت.
وقِرْبَةٌ مَمْرُورَةٌ: مَمْلُوءَة.
والأَمَرُّ: المَصَارِينُ يَجْتَمِعُ فيها الفَرْثُ، جاءَ اسمًا للجَمْع، كالأَعَمِّ للجَمَاعَة، قال:
ولا تُهْدِي الأَمَرَّ ومَا يَلِيهِ *** ولا تُهْدِنَّ مَعْرُوقَ العِظَامِ
وقبله:
إذا ما كُنْتِ مُهْدِيَةً فأَهْدِي *** من المَأْناتِ أَو فِدَرِ السَّنَامِ
قال ابن بَرّيّ: يُخاطب زَوْجَتَه ويأْمُرها بمكارِم الأَخلاقِ.
أَي لا تُهدِي من الجَزورِ إِلَّا أَطَايبَه.
ومَرَّانُ شَنُوءَةَ، بالفتح: موضع باليمن، عن ابن الأَعْرابيّ، قال الصاغانيّ: به قَبْرُ تَمِيم بن مُرّ.
وبَطْنُ مَرٍّ، بالفتْح، ويُقال له مَرُّ الظَّهْرانِ: موضع على مَرْحلةٍ من مكَّة على جادَّة المدينة، شرفهما الله تعالى، قال أَبو ذُؤَيْب:
أَصْبَح من أُمِّ عَمْرٍو بَطْنُ مَرَّ فَأَكْ *** نَافُ الرَّجِيعِ فذُو سِدْرٍ فأَمْلاحُ
وتَمَرْمَرَ الرجُلُ: مارَ.
والمَرْمَرُ: الرُّخَامُ، وقيل: نَوْعٌ منه صُلْب، وقال الأَعْشَى:
كدُمْيَةٍ صُوِّرَ مِحْرَابُها *** بمُذْهَبٍ ذي مَرْمَرٍ مائرِ
والمَرْمَرُ: ضَرْبٌ من تَقْطِيع ثِيَابِ النِّساءِ.
ومن المَجاز: نَزَلَ به الأَمَرَّانِ؛ أَي الفَقْرُ والهَرَم، وقال الزَّمخشريُّ: الهَرم والمَرَض، أَو الأَمرَّانِ الصَّبِرُ والثُّفَّاءُ، ومنهالحَدِيث: «ماذا في الأَمَرَّيْن من الشِّفاءِ»: والمَرَارَةُ في الصَّبر دون الثُّفَّاءِ فغلَّبَه عليه. والصَّبرُ هو الدَّواءُ المعروفُ.
والثُّفَّاءُ: الخَرْدَل، قيل: إِنّما قال الأَمَرَّيْنِ والمُرُّ أَحدُهما، لأَنّه جعلَ الحُرُوفَة والحِدَّة التي في الخَرْدَل بمنزلة المَرَارَة.
وقد يُغلِّبُون أَحد القَرِينَيْن على الآخر فيَذْكُرُونهما بلفظ واحد. وتأَنيثُ الأَمَرِّ المُرَّى، وتَثْنيَتُها المُرَّيَانِ. ويُقال: رَعَى بنو فلانِ المُرَّيَان وهما، الأَلَاءُ والشِّيحُ.
ومُرّ، بالضَّمِّ: تَميمُ بنُ مُرِّ بنِ أُدِّ بنِ طابِخَةَ بن الْيَاس بن مُضَرَ: أَبو قبيلة مَشْهُورة. ومُرُّ بنُ عَمْرٍو بن الغَوْث بن جُلْهُمَة من طَيِّئٍ، وإِخوته ستَّةَ عَشَرَ.
ومُرَّةُ بنُ كَعْبٍ: أَبو قَبيلَة من قُرَيْش، وهو مُرَّة بن كَعْب بن لُؤَيّ بن غالِب بن فِهْر بن مالِك بن النَّضْر. ومُرَّة: أَبُو قَبِيلَةٍ من قَيْس عَيْلانَ، وهو مُرَّة بن عَوْف بن سَعْد بن قَيْسِ عَيْلان. وأَبو مُرَّةَ: كُنْيَة إِبليس لَعَنَه الله تعالَى، قيل: تَكَنَّى بابْنَةٍ اسمُها مُرَّة.
والمُرّانُ، كعُثْمَانَ: شَجَرٌ باسِقٌ. والمُرَّانُ: رِمَاحُ القَنَا تُعْمَل من هذا الشَّجَر، وصوابه أن يذكر في باب النون لأَنَّه فُعَّال كما في اللسان.
وعَقَبَةُ المُرَّانِ، مشْرِفَةٌ على غُوطَةِ دِمَشْق الشَّام.
والمَرْمَر والمَرْمارُ: الرُّمَّانُ الكَثِيرُ الماءِ الذي لا شَحْمَ لَهُ. والمَرْمَر والمَرْمَارُ: النَّاعِمُ المُرْتَجُّ، كالمُرَامِرِ، كعُلابِطٍ، والمَرْمُور، يقال: جِسْمٌ مَرْمَارٌ ومَرْمُورٌ ومُرَامِرٌ: ناعمٌ.
والمَرْمَرَةُ: المَطَرُ الكَثِيرُ، نقله الصاغانيّ.
ومَرْمَرَ، إِذا غَضِبَ، ورَمْرَمَ، إِذا أَصلَحَ شأْنَه، عن ابن الأَعْرَابيّ. ومَرْمَرَ المَاءَ: جَعَلَهُ يَمُرُّ على وَجْهِ الأَرضِ: والمَارُورَةُ والمُرَيْرَاءُ كحُمَيْرَاءَ، هكذا في سائر النُّسَخ وهو محلُّ تأَمُّل: إِن كان المرادُ أَنَّ المارُورَة مثل المُرَيْرَاءِ فلا يحتاج إِلى إِتْيَان واو العطف. وقد تقدّم ذِكْرُ المُرَيْرَاءِ، فكان يَنْبَغِي أَن يَقُول هناك كالمَارُورَة، فيخْلُص من هذا التَّكْرارِ الذي لا يَزِيد الناظِرَ إِلا الانْبِهام.
والمُرْمُورَة، بالضمّ، والمَرْمَارَةُ، بالفَتْح: الجَارِيَةُ النَّاعِمَةُ الرَّجْرَاجَةُ، وهي التي تَرْتَجُّ عند القِيَام. وقال أَبو منصور: معنى تَرْتَجُّ وتَمَرْمَرُ وَاحدٌ؛ أَي تَرْعُدُ من رُطُوبتها.
ومَرٌّ المُؤذِّنُ، بالفتح: مُحدِّثٌ، عن عَمْرِو بن فَيْرُوز الدَّيْلميِّ.
وذاتُ الأَمْرَار: موضع، أَنشد الأَصْمعيُّ:
ووَكَرَى مِنْ أَثْل ذَاتِ الأَمْرَارْ *** مِثْلِ أَتَانِ الأَهْلِ بيْنَ الأَعْيارْ
وقال الزَّجَّاجُ: مَرَّ الرجلُ بَعِيرَهُ، وكذا أَمَرَّ على بَعِيره، إِذا شدَّ عليه المِرَارَ، بالكسر، وهو الحَبْل.
والمَرَّارُ، كشدَّادٍ، ستّة: المَرَّارُ الكَلْبيّ؛ والمَرَّارُ بنُ سَعيدٍ الفَقْعَسيّ؛ والمَرَّارُ بنُ مُنْقِذٍ التَّمِيميّ؛ والمَرَّارُ بنُ سَلَامة العِجْليُّ؛ والمَرَّارُ بنُ بَشِيرٍ الشَّيْبانيُّ؛ والمَرَّارُ بنُ مُعاذٍ الحَرشيّ، شُعراءُ. قال شيْخُنا: وفي شرْح أَمالي القالي: إِنَّ المَرَّارِينَ سَبْعة، ولم يذكر السابع، وأحاله على شُرُوح شواهد التَّفْسير.
قلْت: ولعلّ السابع هو المَرَّارُ العَنْبريّ. ولهم مَرَّارُ بن مُنْقِذ العَدَويُّ، ومَرَّار بن مُنْقِذ الهِلاليّ، ومَرَّارُ بنُ الجُلِّيُّ الطائيُّ الشاعر، كان في زَمنِ الحجّاج، نقلَه الحافظ في التَّبْصير، ويأْتي ذكره في الجمع: ل ل.
ومُرَامِرُ بنُ مُرَّةَ، بضمِّهما: أَوَّل مَنْ وَضَعَ الخَطَّ العربيَّ، قال شَرْقِيُّ بن القُطاميّ: إِنَّ أَوَّل من وَضَع خَطَّنا هذا من طَيِّئ، منهم مُرَامِرُ بنُ مُرَّةَ، قال الشاعر:
تعَلَّمْتُ بَاجَادِ وآلَ مُرَامِرٍ *** وسَوَّدْتُ أَثْوَابي ولَسْتُ بكاتِبِ
قال: وإِنّما قال: وآل مُرَامِر، لأَنَّه كان قد سَمّى كُلّ واحدٍ من أَولادِه بكلمةٍ من أَبْجد، وهي ثمانية. قال ابن بَرِّيّ: الذي ذكره ابنُ النَّحَّاس وغيْرُه عن المَدائنيّ أَنَّهُ مُرَامِرُ بن مَرْوَة. قال المَدائني: أَوّل مَنْ كتبَ بالعربيّة مُرَامِرُ بن مَرْوة مَن أَهْل الأَنْبَار، ويقال: من أَهْل الحِيرَة.
قال: وقال سَمُرَةُ بن جُنْدَب: نَظرْتُ في كتاب العربيّة فإِذا هو قد مرَّ بالأَنْبار قبلَ أَن يَمُرَّ بالحِيرة. ويُقال: إِنَّه سُئل المُهاجرُون. مِن أَيْنَ تَعَلَّمْتُم الخَطَّ. فقالوا: من الحِيرَةِ.
وسُئِل أَهلُ الحِيرَة: من أَين تَعَلَّمْتُم الخَطَّ؟ فقالوا: من الأَنْبَارِ. قلت: وذكر ابنُ خلِّكان في ترجمة عليّ بن هِلال ما يَقْرُب من ذلك. ومرَّ للمصنِّف في الجمع: بلد ر أَنّ أَوَّل مَن كَتَب بالعَرَبِيّة عامِرُ بنُ جَدَرَةَ. ولعَلَّ الجَمْع بينهما إِمّا بالتَّرْجِيح أَو بالعُمُوم والخُصوص، أَو غَيْرِ ذلِك ممّا يَظهر بالتّأَمُّل، كما حقَّقه شيخُنَا.
والمُرَامِرُ أَيضًا، بالضَّمِّ: الباطِلُ نقله الصاغانيّ.
والمُمَرُّ، بالضَّمِّ، قال أبو الهَيْثَم: الَّذي يَتَغَفَّلُ، هكذا بالغَيْن والفاءِ في النُّسَخ، وفي التكملة: يتَعَقَّل بالعين والقاف، البَكْرَةَ الصَّعْبَةَ فيَتَمَكَّنُ، هكذا في النُّسَخ، وصوابُه فيَسْتَمكِن مِنْ ذَنَبِهَا ثم يُوتِدُ قَدَمَيْه في الأَرْضِ لئلَّا، هكذا في النُّسَخ وصوابُه كَما في الأُصول الصَّحيحة: كيلا تَجُرَّه إِذا أَرادَت الإِفْلاتَ منه. وأَمَرَّها بذَنَبِها أَي صَرَفَها شِقًّا بِشِقٍّ، هكذا في النُّسخ، والصواب لِشِقّ، حَتَّى يُذَلِّلَها بذلك، فإِذا ذَلَّت بالإِمرَار أَرسلَها إِلى الرائضِ.
ومَرَّرَهُ تَمْرِيرًا: جَعَلَه مُرًّا. ومَرَّرَه: دَحَاهُ على وَجْه الأَرْض، كمَرْمَرَه. وقال الأَزهريّ: ويُمَرْمِرُه على وَجْه الأَرْض؛ أَي يَدْحُوه. وأَصله يُمَرِّرُه.
وتَمَرْمَرَ جِسْمُ المرأَةِ: اهْتَزَّ وتَرَجْرَجَ. وقال ابنُ القَطَّاع: إِذا صار ناعِمًا مثلَ المَرْمَرِ. وقال الصاغانيّ: تَمَرْمَرَ، إِذا تَحَرّكَ، أَنشدَ ابنُ دُرَيْد لِذي الرُّمَّة:
تَرَى خَلْقَهَا نِصْفًا قَنَاةً قَوِيمَةً *** ونِصْفًا نَقًا يَرْتَجُّ أَوْ يَتَمَرْمَرُ
وأَمْرَرْتُ الحَبْلَ أُمِرُّه فهو مُمَرٌّ، إِذا شَدَدْتَ فَتْلَه، ومن ذلك قولُه عَزَّ وجلَّ: سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ أَي مُحْكَمٌ قَوِيٌّ، أَو معناه ذاهِبٌ باطِلٌ؛ أَي سيَذْهَبُ ويَبْطُل. قال الأَزهريُّ: جعله من مَرَّ يَمُرُّ، إِذا ذَهَب، وأَمَّا قولُه تعالَى: فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ فقِيلَ: أَي قَوِيّ في نُحُو سَتِهِ، وهذه عن الزَّجَّاج، أَو دائمِ الشَّرِّ، أَو الشُؤْم، أَو مستمِرّ: مُرٍّ، وكذا في قوله تعالى: {سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} أَي مُرّ. يقال: استَمَرَّ الشيءُ؛ أَي مَرَّ، قاله الصاغانيّ أَو نَافِذٍ أَو ماضٍ، هكذا في النُّسخ، وصوابه أَو نافذٍ ماضٍ فِيما أُمِرَ به وسُخِّر له، أَوْ هو أَي يوم نَحْس مُسْتَمِرّ يَوْمُ الأَرْبِعَاءِ الَّذِي لا يَدُورُ في الشَّهْر؛ ومنهُم من خَصَّه بآخرِ الأَرْبَعَاءِ في شَهْر صَفَر.
واسْتَمَرَّت مَرِيرَتُه علَيْه: اسْتَحْكَمَ أَمْرُه عليه، وقَوِيَتْ شَكِيمَتُه فيه وأَلِفَهُ واعْتَادَه، وهو مَجاز، وأَصلُه من فَتَل الحَبْلَ، وهُوَ، وفي الصحاح: لَتَجِدَنَّ فُلانًا أَلْوَى بَعِيد المُسْتَمَرِّ، بفتح المِيمِ الثّانِيَة؛ أَي أَنَّه قَوِيٌّ في الخُصومَة لا يَسْأَمُ المِرَاسَ. وأَنْشَدَ أَبو عُبَيْد:
إِذا تَخازَرْتُ وما بِي من خَزَرْ *** ثُمَّ كَسَرْتُ العَيْنَ مِنْ غَيْرِ عَوَرْ
وَجَدْتَنِي أَلْوَى بَعِيدَ المُسْتَمَرّ *** أَحْمِلُ مَا حُمِّلْتُ من خَيْرٍ وشَرّ
قال ابنُ بَرِّيّ: هذا الرَّجَزُ، يُرْوَى لعَمْرِو بن العاص.
قال: وهو المشهور. ويُقال إِنّه لأَرطاةَ بنِ سُهَيَّةَ تَمَثَّل به عَمرو. قال الصاغانيّ: ويُرْوَى للعَجّاج، وليس له، وللنَّجاشِيّ الحارثيّ، وقال أَبو محمّد الأَعْرَابِيّ: إِنّه لمُسَاوِر بنِ هِنْد.
وَمارَّ الشَّيْءُ نَفْسُه مِرَارًا بالكسر: انْجَرَّ، ومنهحديث الوَحْيِ: «إِذا نَزَل سَمِعَتِ الملائكةُ صَوتَ مِرَارِ السِّلْسِلة على الصَّفا»؛ أَي صوت انجِرارها واطِّرادها على الصَّخْر.
وأَصلُ المِرَارِ: الفَتْلُ، لأَنَّهُ يُمَرُّ؛ أَي يُفْتَلُ. وفي حديثٍ آخر: «كإِمْرَارِ الحَدِيد على الطَّشْتِ»؛ أَي كجَرِّه عليه.
قال ابنُ الأَثير: ورُبَّما رُوِيَ الحَدِيثُ الأَوّلُ: صَوتَ إِمرارِ السِّلْسِلَة.
* وممّا يُستَدرَك عليه:
استَمَرَّ الرجلُ، إِذا استَقامَ أَمرُهُ بعد فَسادٍ، عن ابنِ شُمَيل. وقد تَقَدَّم.
المَمَرُّ بالفَتْح: مَوضع المُرورِ، والمَصدَر.
وهذا أَمَرُّ من كذا.
قالَت امرَأَةٌ من العَرَب: «صُغْرَاهَا مُرَّاهَا». وهو مَثَلٌ، وقد تُستَعار المَرارَة للنَّفْسِ ويُرَاد بها الخُبْثُ والكَرَاهَة، قال خالِدُ بن زُهَيرٍ الهُذَلِيّ:
فَلَمْ يُغْنِ عَنْهُ خَدْعُها حينَ أَزْمَعَتْ *** صَرِيمَتَهَا والنَّفْسُ مُرٌّ ضَمِيرُها
أَراد ونَفْسها خَبِيثَة كارِهَة.
وشيءٌ مُرٌّ، والجَمع أَمرَارٌ. وبَقْلَةٌ مُرَّةٌ، وجَمعُهَا مِرَارٌ.
وعَيْشٌ مُرٌّ، على المَثَل، كما قالوا: حُلْوٌ، وفي حَدِيث ابنِ مَسعُود في الوَصِيَّة «هُمَا المُرَّيَانِ: الإِمساكُ في الحياةِ والتَّبذيرُ عند المَمات» قال أَبو عُبَيد: معناه هما الخَصْلتَانِ المُرَّيَان، نَسَبَهما إِلى المَرَارَةِ لِمَا فِيهِمَا من مَرَارَةِ المَأْثَم.
وقال ابنُ الأَثِير المُرَّيَان: تَثْنِيَة المُرَّى مثل صُغْرَى وكُبرَى وصُغْرَيَان وكُبْرَيَان، فهي فُعْلَى من المَرَارة تأْنيث الأَمرّ، كالجُلَّى والأَجَلّ؛ أَي الخَصْلَتَان المُفَضَّلتان في المَرَارة على سائر الخِصال المُرَّة أَنْ يَكونَ الرَّجلُ شَحِيحًا بمالِه ما دام حَيًّا صَحيحًا، وأَنْ يُبَذِّره فيما لا يُجدِي عليه من الوَصايَا المَبنِيَّة على هَوَى النَّفْسِ عند مُشارَفَةِ المَوت.
ورَجُلٌ مَرِيرٌ، كأَمِيرٍ: قَوِيٌّ ذو مِرَّة.
والمُمَرُّ، على صيغة اسمِ المَفْعُولِ: الحَبْلُ الذي أُجِيدَ فَتْلُه. ويقال: المِرَارُ، بالكَسر، وكُلُّ مفتولٍ مُمَرٌّ. وفي الحديث: «أَنَّ رَجُلًا أصابَه في سَيْرِه المِرَارُ» أَي الحَبْل، قال ابنُ الأَثِير: هكذا فُسِّر، وإِنَّمَا الحَبْل المَرُّ، ولعلَّه جَمَعه، وفي حديث مُعَاوِية: سُحِلَتْ مَرِيرَتُه»؛ أَي جُعلَ حَبْلُه المُبْرَم سَحِيلًا، يَعني رخْوًا ضَعيفًا.
ويُقَال: مَرَّ الشَّيْءُ واستَمَرَّ وأَمَرَّ، من المَرَارَة.
وقَولُه تَعَالَى: {وَالسّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ} أَي أَشَدُّ مَرارَةً.
والمِرَارُ: المُدَاوَرَةُ والمُرَاوَدَة.
والمُمِرُّ، بالضّمّ: الذي يُدعَى للبَكْرَةِ الصَّعبَة، لِيُمِرَّهَا قَبل الرّائضِ: قاله أَبو الهَيثَم.
وفُلانٌ أَمَرُّ عَقْدًا من فُلانٍ؛ أَي أَحكَمُ أَمْرًا منه، وأَوْفَى ذِمَّةً.
ومَرْمَارٌ، من أَسماءِ الدّاهِيَة قال:
قَد عَلمَتْ سَلْمَةُ بالغَمِيسِ *** لَيلَةَ مَرْمَارٍ ومَرْمَرِيسِ
ومَرْمَرَةُ: مَضِيقٌ بين جَبَلَين في بَحرِ الرُّومِ صَعْبُ المَسْلَك.
ومُرَيْرَةُ والمُرَيْرَةُ: مَوضع، قال:
كأَدمَاءَ هَزَّتْ جِيدَهَا في أَرَاكَةٍ *** تَعَاطَى كَبَاثًا من مُرَيْرَةَ أَسوَدَا
وقال:
وتَشْرَبُ آسَانَ الحِيَاضِ تَشُوفُها *** ولَوْ وَرَدَت ماءَ المُرَيْرَةِ آجِنَا
وقال الصاغَانيّ: المُرَيْرَةُ ماءٌ لبني عَمْرِو بن كِلَاب.
والأَمْرَارُ: مِيَاهٌ معروفة في دِيَار بني فَزَارَةَ، وأَمّا قولُ النّابِغَة يُخَاطِبُ عَمْرَو بنَ هنْد:
مَنْ مُبْلِغٌ عَمْرَو بنَ هِنْدٍ آيَةً *** ومِنَ النَّصيحَة كَثْرَةُ الإِنْذارِ
لا أَعْرِفَنَّك عارِضًا لِرِماحِنا *** في جُفِّ تَغْلِبَ وَارِدِي الأَمْرَارِ
فهي مِيَاهٌ بالبَادِيَة.
وقال ابنُ بَرّيّ: الأَمْرَار: مِيَاهٌ مُرَّةٌ معروفَة، منها عُرَاعِرٌ، وكُنَيْبٌ، والعُرَيْمَة.
وقال الصاغانيّ: وبنو يَرْبُوع يقولُون: مِرَّ علينا فُلانٌ، بالكَسْر؛ أَي مَرَّ.
وتَمَرْمَرَ عَلَيْنَا؛ أَي تَأَمَّرَ.
والمُرَّارَ كرُمَّان: الكُهَّانُ.
ومَرَّانُ، كشَدَّاد: مَوْضِع بين البَصْرة ومَكَّة، لبَنِي هِلالٍ من بني عامرٍ. ومَوْضِعٌ آخر بين مَكَّة والمدينة.
ومَرَّارٌ، كشَدَّادٍ: وَادٍ نَجْدِيٌّ.
وذَاتُ المُرَارِ، كغُرَاب: مَوضعٌ من دِيَارِ كَلْب.
ومَرٌّ، بالفَتْح: ماءٌ لغَطَفان، وبالضَّمّ: وَادٍ من بَطْنِ إِضَمٍ، وقيل: هو إِضَمٌ.
والمُرَّانِ، مُثَنًّى: ماءَان لغَطَفَانَ بينهما جَبَلٌ أَسْوَد.
ومُرَيْرٌ، كزُبَيْرٍ: ماءٌ نَجْديٌّ من مِياه بَنِي سُلَيْم. ومُرِّينُ، بالضّمِّ وتَشْدِيد الراءِ المَكْسُورة: ناحِيَةٌ من دِيَار مُضَر.
ورَجلٌ مُمَرٌّ وفَرَسٌ مُمَرٌّ مُسْتَحْكِمْ الخِلْقَةِ.
والدَّهْرُ ذُو نَقْضٍ وإِمْرَارٍ. وهو على المَثَل.
وأَمَرَّ فلانًا: عالَجَهُ وفَتَلَ عُنُقَه لِيَصْرَعَه. وهما يَتَمارَّانِ.
ومَرَّت عليه أَمْرارٌ؛ أَي مَكَارِهُ، وهو مَجاز.
والمَرَّارُ بن حَمُّويةَ الهَمَذانيُّ، كشَدَّاد: شيخٌ للبُخَارِيّ.
وأَبُو عَمْرٍ وإِسْحَاقُ بن مِرَارٍ الشَّيْبَانيّ ككِتَاب: لُغَوِيٌّ، كتب عنه أحمد بن حَنْبَل، وابنُه عَمّرو بن أَبي عَمْرٍو، له ذِكْر.
ومَرَّانُ بنُ جَعْفَر، بالفَتْح: بَطْن.
ومِرَّةُ بنُ سُبَيْع، بكَسْر الميم، وسُبَيْع هو ابنُ الحارِث بنِ زَيد بن بَحرِ بن سَعدِ بن عَوف.
وذُو مُرٍّ، بالضَّمّ، من أَصحابِ عليّ رضي الله عنه.
وذُو مَرِّين، بالفَتْح فتَشْدِيد راءٍ مكسورة: لَقبُ وَائِلِ بن الغَوْثِ بن قَطَنِ بن عَرِيبٍ الحِميَرِيّ.
وذُو مَرّانَ، بالفَتْح: عُمَيْرُ بن أَفْلَح بن شُرَحْبِيلَ من الأَقْيَال. وبالضّمِّ: مُجَالِدُ بن سَعِيدِ بن ذي مُرَّانَ الهَمْدانيّ، عن الشَّعبِيّ مشهور.
ومُرَّةُ، بالضّمّ: قريَةٌ باليَمَن بالقُرب من زَبِيد.
والمَرِّيّةُ، بالفَتح وتشديد الرّاءِ المَكْسُورة: بلدةٌ بالأَندلس.
ومُرَيرَة، كهُرَيرَة: جَدّ أَبي مُحَمَّدٍ إِسماعيلَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ محَمّدِ بن مُوسَى بن هَارُون بن مُرَيرَةَ الآخِريّ. ذكره المَالِينيّ.
تاج العروس-مرتضى الزَّبيدي-توفي: 1205هـ/1791م