1-العربية المعاصرة (بعث)

بعَثَ/بعَثَ ب/بعَثَ في يبعَث، بَعْثًا وبِعْثةً وبَعْثةً، فهو باعِث، والمفعول مَبْعوث.

* بعَث اللهُ الخلقَ: أحياهم بعد موتهم {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [قرآن] - {وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ} [قرآن] (*) بعثَه من النَّوم: أيقظه- يُبعث من جديد: ينهض من العدم.

* بعَث الشُّعورَ ونحوه: أثاره وأيقظه وهيّجه (بعَث الشّعرُ في النفوس حماسةً- يبعث الرّعب في النفوس- {فَأَمَاتَهُ اللهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ} [قرآن]) - بعَث الأملَ: أحياه وولّده.

* بعَث الشَّخصَ: أرسله (بعث الرئيسُ وزير الخارجيّة للتَّفاوض- {فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} [قرآن]) - مبعوث فوق العادة: مندوب سياسيّ له مطلق الصَّلاحية في دولة أجنبيّة.

* بعَث رسالةً/بعَث إليه رسالةً/بعَث له رسالةً/بعَث برسالةٍ/بعَث إليه برسالة: أرسلها، وجّهها.

* بعَث الشَّخصَ على النَّجاح: حمله عليه، أجبره، أغراه به وشجَّعه عليه (بعثه الحزنُ على البكاء- جوٌّ يبعث على المذاكرة- {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} [قرآن]: سلَّطْنا).

* بعَث في طلب كذا: أرسل (بعَث في طلب الطّبيب).

ابتعثَ يبتعث، ابتِعاثًا، فهو مُبتعِث، والمفعول مُبتعَث.

* ابتعثَ الشَّخصَ:

1 - بعَثه، أرسله (كان من المُبتَعَثين للدِّراسة).

2 - بعثَه، أيقظه من نومه (أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ فَابْتَعَثَانِي) [حديث].

انبعثَ/انبعثَ عن/انبعثَ في/انبعثَ من ينبعث، انبَعاثًا، فهو مُنبعِث، والمفعول مُنبعَث عنه.

* انبعث الشَّخصُ/انبعث الشَّخصُ في السَّير: مُطاوع بعَثَ/بعَثَ ب/بعَثَ في: انْدَفع، أوغل، انطلق وأسْرَع وهبَّ مندفعًا (انبعث الماءُ- {إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا} [قرآن] - {وَلَكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ} [قرآن]: خروجَهم للقتال).

* انبعث الدُّخانُ عنه/انبعث الدُّخان منه: صَدَرَ، تصاعد، خرج، تحرّك (انبعثتِ الأضواءُ من الدّاخل- انبعثت منه/عنه رائحةٌ: فاحت وانتشرت- شعاع مُنْبعث: منتشر، منطلق) (*) انبعثت صداقة قديمة: عادت للظهور بعد أن زالت- انبعث حيًّا من رماده: بدأ حياة جديدة.

ابتِعاث [مفرد]:

1 - مصدر ابتعثَ.

2 - [في الطبيعة والفيزياء] إطلاق شيء ما مثل الحرارة من جسم ساخن، أو الضّوء من مصدر إشعاع.

انبعاث [مفرد]:

1 - مصدر انبعثَ/انبعثَ عن/انبعثَ في/انبعثَ من.

2 - [في الطبيعة والفيزياء] ما يخرج من مصدر ما مثل انبعاث أشعَّة ألفا أو بيتا من العناصر ذات النشاط الإشعاعيّ.

3 - نهضة بعد ركُود (كان انبعاث الأمة العربية في القرن الماضي بداية نهوض وتحرّر) (*) عصر الانبعاث: عصر النَّهضة، نهضة بعد انحطاط.

باعِث [مفرد]: جمعه باعثون وبَواعِثُ (لغير العاقل)، والمؤنث باعثة، والجمع المؤنث باعثات وبَواعِثُ (لغير العاقل):

1 - اسم فاعل من بعَثَ/بعَثَ ب/بعَثَ في: (من بواعِث النهضة توافر التقنية الحديثة- ما الباعث على التمرّد؟) (*) باعث النَّهضة: أوّل الدعاة إليها- باعثة الأشباح: آلة السينما المرسِلةُ الصورَ على الشَّاشة البيضاء.

2 - دافِع، سبب، داعٍ.

3 - [في الفلسفة والتصوُّف] عامِل نفسيّ، وهو فكرة تنزع إلى إحداث عمل إراديّ.

* الباعِث: اسم من أسماء الله الحسنى، ومعناه: باعث الخلق يوم القيامة للحساب، وباعث الرّسل إلى الخلق لهدايتهم.

بَعْث [مفرد]: جمعه بُعوث (لغير المصدر):

1 - مصدر بعَثَ/بعَثَ ب/بعَثَ في (*) يَوْمُ البَعْث: يوم القيامة.

2 - مَنْ يُرْسَل في مهمَّة، واحدًا كان أو جماعة (ما زالت البعوث تقصد إفريقيا).

3 - جيش (كنت في بعْث فلان: في جيشه الذي بُعث معه).

بَعْثة [مفرد]: جمعه بَعَثات (لغير المصدر) وبَعْثات (لغير المصدر):

1 - مصدر بعَثَ/بعَثَ ب/بعَثَ في.

2 - اسم مرَّة من بعَثَ/بعَثَ ب/بعَثَ في: (البَعْثة المحمَّديّة).

3 - هيئة تُرْسَل للقيام بمُهمّة معيّنة لوقتٍ مُحدَّد كالبَعْثات العلميّة والأثريّة والعسكريّة والدّبلوماسيّة (بَعْثة دراسيّة) (*) طالب بَعْثَة: صاحب زمالة أو منحة للدراسة في بلد آخر- مديرية البعثات/إدارة البعثات: إدارة تُعنى بشئون البعثات الدراسيّة.

بِعْثَة [مفرد]: جمعه بِعْثَات (لغير المصدر):

1 - مصدر بعَثَ/بعَثَ ب/بعَثَ في.

2 - اسم هيئة من بعَثَ/بعَثَ ب/بعَثَ في.

3 - بَعْثة؛ هيئة تُرْسَل للقيام بمُهمّة معيّنة لوقتٍ مُحدَّد كالبعثات العلميّة والأثريّة والعسكريَّة والدبلوماسيّة.

مَبْعَث [مفرد]: جمعه مَباعِثُ:

1 - مصدر ميميّ من بعَثَ/بعَثَ ب/بعَثَ في: (كان سنّ الرسول صلى الله عليه وسلم عند مَبْعَثه أربعين عامًا).

2 - عامِل، سبَب (مَبْعَث التفوّق) (*) مبعث سخريّة: ما يحمل على فعل شيء.

مبعوث [مفرد]:

1 - اسم مفعول من بعَثَ/بعَثَ ب/بعَثَ في.

2 - مَنْ يُرسَل للدِّراسة أو لمهمَّة خاصَّة (مبعوث رسميّ) (*) مبعوث سياسيّ: دبلوماسيّ تُوكل إليه مهمَّة رسميَّة في بلد آخر.

العربية المعاصرة-أحمد مختار عمر وآخرون-صدر: 1429هـ/2008م


2-العربية المعاصرة (عصى)

عصَى يَعصِي، اعْصِ، عَصْيًا وعِصْيانًا، فهو عاصٍ وعَصِيّ، والمفعول مَعْصِيّ.

* عصَى رَبَّه: خالف أمرَه، وعانده، وخَرج عن طاعته (عصَى أمرَ والده/سيّدَه- {وَعَصَى ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} [قرآن]).

استعصى/استعصى على يستعصي، اسْتَعْصِ، استعصاءً، فهو مُسْتَعْصٍ، والمفعول مُسْتَعْصًى عليه.

* استعصى الدَّاءُ: صَعُبَ شفاؤُه (حالة مستعصية- أُصيب بمرض مُسْتَعْصٍ).

* استعصى عليه الأمرُ: اشتدّ عليه وشقَّ، لم يستطع معالَجَتَه (استعصت عليه المشكلةُ- استعصى عليها الامتحانُ- مسألة مستعصية).

تعصَّى يتعصَّى، تَعَصّيًا، فهو مُتَعَصٍّ.

* تعصَّى الأمرُ: صعُب (تعصَّى علينا فتحُ الباب).

استعصاء [مفرد]: مصدر استعصى/استعصى على.

عاصٍ [مفرد]: جمعه عاصون وعُصاة: اسم فاعل من عصَى.

عَصْي [مفرد]: مصدر عصَى.

عِصْيان [مفرد]: مصدر عصَى (*) عِصْيان الجنود: امتناعهم عن تنفيذ أوامر قادتهم- عصيان مدنيّ: رفض إطاعة الحقوق المدنيّة من أجل إجبار الحكومة على القيام بتغيير- عِصْيان مسلَّح: تمرُّد قائم على قوَّة السِّلاح.

عَصِيّ [مفرد]: صفة مشبَّهة تدلّ على الثبوت من عصَى.

مَعْصِية [مفرد]: جمعه مَعْصِيات ومعاصٍ:

1 - مصدر ميميّ من عصَى.

2 - [في الفلسفة والتصوُّف] خطأ أخلاقيّ مبعثه إرادةٌ غير خيِّرة ويُطلق بوجه خاصٍّ على مخالفة الأوامر الإلهيَّة (اجتنب المعاصي- {وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ} [قرآن]) (*) لا طاعة لمخلوق في مَعْصِية الخالق: لا يجوز طاعة أحد من النَّاس في أمر نهى الله تعالى عنه.

العربية المعاصرة-أحمد مختار عمر وآخرون-صدر: 1429هـ/2008م


3-شمس العلوم (القَرْن)

الكلمة: القَرْن. الجذر: قرن. الوزن: فَعْل.

[القَرْن]: قَرْن الثور والتيس ونحوهما معروف.

والقَرْن: الجبل الصغير.

وقَرْن [المنازل]: اسم موضع، وهو ميقات أهل نجد للإحرام.

والقَرْن: الخُصلة من الشَّعر.

وقرون الشَّعر: الذوائب، الواحدة قَرْن؛ ومن ذلك قول أبي سفيان للعباس وقد رأى المسلمين إذا قام النبي عليه‌السلام قاموا، وإذا كبَّر كبَّروا، وإذا ركع ركعوا، وإذا سجد سجدوا: يا أبا الفضل، ما رأيت كاليوم طاعة قوم ولا فارس الأكارم ولا الروم ذات القرون.

قال الأصمعي: أراد قرون شعورهم لأنهم يطوِّلونها، قال المرقِّش:

لات هنّا وليتني طرف الزُّجْ *** ج وأهلي بالشام ذات القرون

لات هنّا: أي ليس هذا وقت إرادتنا، والزُّج: اسم موضع.

والشام ذات القرون: يعني الروم، لسكونهم بالشام.

والقَرْن: الدفعة من العَرق.

والقَرْن من الزمان: ثمانون سنة، وقال بعضهم: هو ثلاثون سنة.

والقَرْن: مثلك في السِّنِّ، يقال: هذا قَرْنُ فلان.

والقَرْن: الأمة، قال الله تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ}، قال الشاعر:

إذا كُنْتَ من قَرْنٍ من الناس قد مضى *** وأصبحت في قَرْن فأنت غريبُ

والقَرْن: العَفَلة تخرج من الرحم.

ويروى أنه اختُصم إلى شُريح في جارية لها قَرْن فقال: اقعدوها فإن أصاب الأرض فهو عيب، وإن لم يُصبها فليس بعيب.

وقَرْن الشمس: أول ما يبدو منها عند الطلوع، قال قيس بن الخطيم:

تبدت كقرن الشمس تحت غمامةٍ *** بدا حاجب منها وضنّت بحاجب

ويروى: تبدت لنا كالشمس.

والقرنان: جانبا الرأس.

وذو القرنين: ملك من ملوك لخم، سمي بذلك لضفيرتين كانتا له.

واختلف في ذي القرنين السيّار الذي بنى سدَّ يأجوج ومأجوج، وذكره الله تعالى في سورة الكهف فقال قوم: هو الاسكندر بن فَيْلبس اليوناني الذي بنى الاسكندرية.

وقال آخرون: ذو القرنين هو الهميسع ابن عمرو بن عريب بن زيد بن كهلان.

وعن علي بن أبي طالب وابن عباس: ذو القرنين هو الصعب بن عبد الله بن مالك بن زيد بن سدد بن حمير الأصغر، قال فيه لبيد:

والصعبُ ذو القرنين أصبح ثاويا *** بالحنو في جدث هناك مقيم

وقال آخرون: ذو القرنين هو تُبَّع الأكبر، وكان ملكا عظيم الملك.

وقال آخرون: ذو القرنين هو تُبَّع الأقرن ملكٌ من ملوك حمير، وُلد وقَرناه أشيبان، فسمي بذلك: الأقرن، وذا القرنين، وكان ملكا مؤمنا عالما عادلًا، قد ملك جميع الأرض وطافها، ومات في شمال بلاد الروم حيث يكون النهار ليلًا إذا انتهت الشمس إلى برج الجدي، وقبره هنالك وهو الذي بَشَّر بالنبي عليه‌ السلام في شعره فقال:

فإن أهلك فقد أثَّلْتُ مُلكا *** لكم يبقى إلى وقت التهامي

سيملك بعدنا منا ملوكٌ *** يدينون الأنام بغير ذام

ويظهر بعدهم رجلٌ عظيم *** نبي لا يرخِّص في الحرام

وأحمد اسمه يا ليت أني *** أؤخَّر بعد مبعثه بعامِ

وهو جَدُّ أسعد تُبَّع بن مَلْكِيْكَرِب بن تبع الأكبر بن تُبَّع الأقرن.

وقد ذكره أسعد تُبَّع في شعره:

قد كان ذو القرنين جدي قد أتى *** طرف البلاد من المكان الأبعدِ

مَلَكَ المشارق والمغارب يبتغي *** أسباب أمرٍ من حكيم مرشد

فأتى مغار الشمس عند غروبها *** في عين ذي حُلُب وثاطٍ حَرْمَدِ

وبنى على يأجوج حين أتاهم *** ردما بناه بالحديد الموصد

ردما بناه إذ بناه مخلَّدا *** سدّا صليبا للزمان السرمد

ودعا بِقِطرٍ قد أذيب فصبَّه *** ما بينه وكذا بناء المحفِد

وهذا أصح الأقوال لموافقة اسم الأقرن لأنه يقال: كبش ذو قرنين، وكبش أقرن، ومعناهما واحد.

ولِعِلْمِ الأقرن وإيمانه وحسن سيرته، وعظم ملكه، ومسيره في البلاد، وشهادة أسعد تُبَّع له بذلك، مع قرب عهده به، قال النعمان بن بشير:

فمن ذا يفاخرنا من الناس معشر *** كرامٌ فذو القرنين منا وحاتِمُ

ونحن بنينا سد يأجوج فاستوى *** بأيماننا هل يهدمُ السدَّ هادمُ

شمس العلوم-نشوان بن سعيد الحميري-توفي: 573هـ/1177م


4-شمس العلوم (الكلال)

الكلمة: الكلال. الجذر: كلل. الوزن: فَعَال.

[الكلال]: الكلالة.

وعبد كلال: ملكٌ من ملوك حمير، كان مؤمنًا على دين عيسى عليه‌السلام، (آمن بالنبي عليه‌السلام قبل مبعثه، من ولده الحارث بن عبد كلال، وهو أحد الملوك الذين وفدوا على رسول الله صَلى الله عَليه وسلم من ملوك حمير، فأفرشهم رداءه وهم: الأبيض بن حَمّال، والحارث بن عبد كلال، وأبرهة بن شرحبيل بن أبرهة بن الصباح، ووائل بن حُجْر الحضرمي؛ ويقال: إِنه أفرش رداءه أيضًا جرير بن عبد الله البَجَلي، وعبد الجَدِّ الحكمي، فهم ستة من أهل اليمن كلهم، لا سابع لهم)، [هؤلاء الجماعة اليمانيون الذين أفرشهم النبي عليه‌السلام رداءه].

شمس العلوم-نشوان بن سعيد الحميري-توفي: 573هـ/1177م


5-المعجم المفصل في علم الصرف (لحوق التاء بالمصدر الميمي)

لحوق التاء بالمصدر الميميّ (من مقررات مجمع اللغة العربية بالقاهرة)

سمع من المصدر الميميّ من الثلاثيّ ألفاظ كثيرة مختومة بالتاء مثل: محمدة، ومذمّة، ومبخلة، ومجبنة ومحزنة، وغيرها كثير. ولهذه الكثرة ترى اللجنة جواز القياس عليها.

وهذه قائمة بمجموعة من المصادر الميميّة لحقت بها التاء، وهي مستخرجة من معاجم اللغة:

مهلكة-مشارة-مسرة

مشقة-مغفرة-محبة

مسألة-مغضبة-مهانة

موجدة-معاذة-معتبة

مقالة-منصبة-منعبة

مرادة-مسعدة-مكرمة مزلة-مرغمة-مقدرة

موعدة-معصية-ميسرة

موعظة-مخافة

معرفة-مرمة

مساءة-مهابة

مخبثة-مبعثة

مفخرة-مخافة

مهمة-مخالة

معرفة-مفسدة

المعجم المفصل في علم الصرف-راجي الأسمر-صدر:1414هـ/1993م


6-موسوعة الفقه الكويتية (خيار)

خِيَارٌ

التَّعْرِيفُ:

1- الْخِيَارُ فِي اللُّغَةِ اسْمُ مَصْدَرٍ مِنَ (الِاخْتِيَارِ) وَهُوَ الِاصْطِفَاءُ وَالِانْتِقَاءُ، وَالْفِعْلُ مِنْهُمَا (اخْتَارَ).وَقَوْلُ الْقَائِلِ: أَنْتَ بِالْخِيَارِ، مَعْنَاهُ: اخْتَرْ مَا شِئْتَ.وَخَيَّرَهُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ مَعْنَاهُ: فَوَّضَ إِلَيْهِ اخْتِيَارَ أَحَدِهِمَا.

وَالْخِيَارُ فِي الِاصْطِلَاحِ لَهُ تَعَارِيفُ كَثِيرَةٌ إِلاَّ أَنَّهَا فِي الْغَالِبِ تَنَاوَلَتْ هَذَا اللَّفْظَ مَقْرُونًا بِلَفْظٍ آخَرَ لِأَنْوَاعِ الْخِيَارَاتِ دُونَ أَنْ يُقْصَدَ بِالتَّعْرِيفِ (الْخِيَارُ) عُمُومًا، عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ اسْتِخْلَاصُ تَعْرِيفٍ لِلْخِيَارِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مِنْ خِلَالِ تَعَارِيفِ أَنْوَاعِ الْخِيَارِ بِأَنْ يُقَالَ: هُوَ حَقُّ الْعَاقِدِ فِي فَسْخِ الْعَقْدِ أَوْ إِمْضَائِهِ، لِظُهُورِ مُسَوِّغٍ شَرْعِيٍّ أَوْ بِمُقْتَضَى اتِّفَاقٍ عَقَدِيٍّ.

الْأَلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ- عَدَمُ اللُّزُومِ:

2- اللُّزُومُ: مَعْنَاهُ عَدَمُ إِمْكَانِ رُجُوعِ الْعَاقِدِ عَنِ الْعَقْدِ بِإِرَادَتِهِ الْمُنْفَرِدَةِ، وَيُسَمَّى الْعَقْدُ الَّذِي هَذَا شَأْنُهُ (الْعَقْدَ اللاَّزِمَ) بِمَعْنَى أَنَّ الْعَاقِدَ لَا يَحِقُّ لَهُ فَسْخُ الْعَقْدِ إِلاَّ بِرِضَا الْعَاقِدِ الْآخَرِ، فَكَمَا لَا يُعْقَدُ الْعَقْدُ إِلاَّ بِالتَّرَاضِي لَا يُفْسَخُ إِلاَّ بِالتَّرَاضِي (وَذَلِكَ بِالْإِقَالَةِ) وَمِنْ هَذَا يَتَّضِحُ تَعْرِيفُ عَدَمِ اللُّزُومِ فَهُوَ: إِمْكَانُ رُجُوعِ الْعَاقِدِ عَنِ الْعَقْدِ وَنَقْضِهِ بِإِرَادَتِهِ الْمُنْفَرِدَةِ دُونَ الْحَاجَةِ إِلَى التَّرَاضِي عَلَى ذَلِكَ النَّقْضِ.

فَهَذَا اللُّزُومُ قَدْ يَتَخَلَّفُ فِي بَعْضِ الْعُقُودِ فَيَسْتَطِيعُ كُلٌّ مِنَ الطَّرَفَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا أَنْ يَتَحَلَّلَ مِنْ رَابِطَةِ الْعَقْدِ وَيَفْسَخَهُ بِمُجَرَّدِ إِرَادَتِهِ دُونَ تَوَقُّفٍ عَلَى رِضَا الْآخَرِ.وَتَخَلُّفُ اللُّزُومِ هُنَا مَبْعَثُهُ أَنَّ طَبِيعَةَ الْعَقْدِ وَغَايَتَهُ تَقْتَضِي عَدَمَ اللُّزُومِ، وَالْعَقْدُ عِنْدَئِذٍ (عَقْدٌ غَيْرُ لَازِمٍ) إِذْ يَكُونُ عَدَمُ اللُّزُومِ صِفَةً مَلْحُوظَةً فِي نَوْعِ الْعَقْدِ.

وَمِنَ السَّهْلِ تَبَيُّنُ الْفَرْقِ بَيْنَ التَّخْيِيرِ وَبَيْنَ طَبِيعَةِ عَدَمِ اللُّزُومِ فِي الْعُقُودِ غَيْرِ اللاَّزِمَةِ، فَالتَّخْيِيرُ حَالَةٌ طَارِئَةٌ عَلَى الْعَقْدِ حَيْثُ إِنَّ الْأَصْلَ فِي الْعَقْدِ اللُّزُومُ، فَالْعَقْدُ الْمُقْتَرِنُ بِخِيَارٍ هُوَ قَيْدٌ أَوِ اسْتِثْنَاءٌ عَلَى ذَلِكَ الْمَبْدَأِ، ثُمَّ هُوَ فِي جَمِيعِ الْخِيَارَاتِ لَيْسَ مِمَّا تَقْتَضِيهِ طَبِيعَةُ الْعُقُودِ، بَلْ هُوَ مِمَّا اعْتُبِرَ قَيْدًا عَلَى تِلْكَ الطَّبِيعَةِ لِأَصَالَةِ اللُّزُومِ.أَمَّا فِي الْعُقُودِ غَيْرِ اللاَّزِمَةِ بِأَنْوَاعِهَا فَإِنَّهُ جُزْءٌ مِنْ طَبِيعَتِهَا تَقْتَضِيهِ غَايَاتُهَا وَلَا يَنْفَصِلُ عَنْهَا إِلاَّ لِسَبَبٍ خَاصٍّ فِيمَا لُزُومُهُ لَيْسَ أَصْلًا.

وَالْعُقُودُ اللاَّزِمَةُ تَحْتَمِلُ الْفَسْخَ فَقَطْ أَمَّا الْإِجَازَةُ فَلَا مَجَالَ لَهَا، لِأَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى الْعَقْدِ وَالِاسْتِمْرَارَ فِيهِ يُغْنِي عَنْهَا، فِي حِينِ أَنَّ الْخِيَارَاتِ تَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ.

وَهُنَاكَ فَارِقٌ آخَرُ بَيْنَ الْعُقُودِ غَيْرِ اللاَّزِمَةِ وَبَيْنَ الْخِيَارَاتِ يَقُومُ عَلَى مُلَاحَظَةِ نَتِيجَةِ (الْفَسْخِ) الَّذِي هُوَ أَمْرٌ مُشْتَرَكٌ، فَحُكْمُ الْفَسْخِ فِي الْعُقُودِ غَيْرِ اللاَّزِمَةِ مُخْتَلِفٌ عَنْهُ فِي الْخِيَارَاتِ، حَيْثُ يَكُونُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى مُقْتَصِرًا (لَيْسَ لَهُ تَأْثِيرٌ رَجْعِيٌّ) لَا يَمَسُّ التَّصَرُّفَاتِ السَّابِقَةَ.أَمَّا فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ (الْخِيَارَاتُ) فَالْفَسْخُ مُسْتَنَدٌ (لَهُ انْعِطَافٌ وَتَأْثِيرٌ رَجْعِيٌّ) يَنْسَحِبُ فِيهِ الِانْفِسَاخُ عَلَى الْمَاضِي فَيَجْعَلُ الْعَقْدَ كَأَنَّهُ لَمْ يَنْعَقِدْ مِنْ أَصْلِهِ.

ب- الْفَسْخُ لِلْفَسَادِ:

3- الْعَقْدُ الْفَاسِدُ.يُشْبِهُ الْخِيَارَ فِي فِكْرَةِ عَدَمِ اللُّزُومِ وَفِي احْتِمَالِهِ الْفَسْخَ، يَقُولُ الْكَاسَانِيُّ: «حُكْمُ الْبَيْعِ نَوْعَانِ، نَوْعٌ يَرْتَفِعُ بِالْفَسْخِ، وَهُوَ الَّذِي يَقُومُ بِرَفْعِهِ أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ، وَهُوَ حُكْمُ كُلِّ بَيْعٍ لَازِمٍ كَالْبَيْعِ الَّذِي فِيهِ أَحَدُ الْخِيَارَاتِ الْأَرْبَعَةِ وَالْبَيْعُ الْفَاسِدُ» كَمَا أَنَّهُ يَتَأَخَّرُ أَثَرُهُ فَلَا يَثْبُتُ إِلاَّ بِالْقَبْضِ، لَكِنَّهُ مُفْتَرِقٌ عَنْ حَالَةِ التَّخْيِيرِ فَكُلٌّ مِنْهُمَا مِنْ نَوْعٍ خَاصٍّ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَقْدِ، فَالْفَاسِدُ مِنْ بَابِ الصِّحَّةِ، أَمَّا التَّخْيِيرُ فَهُوَ مِنْ بَابِ اللُّزُومِ، ثُمَّ لِهَذَا أَثَرُهُ فِي افْتِرَاقِ الْأَحْكَامِ، مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْخِيَارَ (عَدَا خِيَارَ الرُّؤْيَةِ) يَسْقُطُ بِصَرِيحِ الْإِسْقَاطِ، أَمَّا حَقُّ الْفَسْخِ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ فَلَا يَبْطُلُ بِصَرِيحِ الْإِبْطَالِ وَالْإِسْقَاطِ.

وَهُنَاكَ بَعْضُ الْعِبَارَاتِ الْفِقْهِيَّةِ تُوَضِّحُ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الْخِيَارِ وَالْفَسْخِ مِنْهَا تَصْرِيحُ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّ الْخِيَارَ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقٌّ لِأَحَدٍ مُعَيَّنٍ.وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْفَسْخَ لِلْفَسَادِ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الشَّرْعِ.

ج- الْفَسْخُ لِلتَّوَقُّفِ:

4- التَّفْرِقَةُ بَيْنَ التَّخْيِيرِ وَالتَّوَقُّفِ تَكُونُ فِي الْمَنْشَأِ وَالْأَحْكَامِ وَالِانْتِهَاءِ.

فَالْخِيَارُ يَنْشَأُ لِتَعَيُّبِ الْإِرَادَةِ (وَذَلِكَ فِي الْخِيَارِ الْحُكْمِيِّ غَالِبًا) أَوْ لِاتِّجَاهِ إِرَادَةِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لِمَنْعِ لُزُومِ الْعَقْدِ (وَذَلِكَ فِي الْخِيَارَاتِ الْإِرَادِيَّةِ) وَكِلَاهُمَا مَرْحَلَةٌ بَعْدَ انْعِقَادِ الْعَقْدِ وَصُلُوحِهِ لِسَرَيَانِ آثَارِهِ (النَّفَاذُ).أَمَّا الْمَوْقُوفُ فَهُوَ يَنْشَأُ لِنَقْصِ الْأَهْلِيَّةِ فِي الْعَاقِدِ، أَوْ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ.فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا مَجَالٌ مُغَايِرٌ لِلْآخَرِ، لَيْسَ مُغَايَرَةَ اخْتِلَافٍ فِي السَّبَبِ فَقَطْ، بَلْ مَعَ التَّدَاعِي وَالتَّجَانُسِ بَيْنَ أَسْبَابِ كُلٍّ مِنْهُمَا وَمُنَافَرَتِهَا مَا لِلْآخَرِ.

أَمَّا مِنْ حَيْثُ الطَّبِيعَةُ وَالْأَحْكَامُ فَإِنَّ الْعَقْدَ الْمَوْقُوفَ تَكُونُ آثَارُهُ مُعَلَّقَةً بِسَبَبِ الْمَانِعِ الشَّرْعِيِّ مِنْ نَفَاذِهَا، وَهَذَا بِالرَّغْمِ مِنِ انْعِقَادِهِ وَصِحَّتِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَانِعَ مَنَعَ تَمَامَ الْعِلَّةِ.

أَمَّا الْخِيَارُ فَإِنَّ حُكْمَ الْعَقْدِ قَدْ نَفَذَ وَتَرَتَّبَتْ آثَارُهُ وَلَكِنِ امْتَنَعَ ثُبُوتُهَا بِسَبَبِ الْخِيَارِ، فَأَحْيَانًا يَمْتَنِعُ ابْتِدَاءُ الْحُكْمِ بَعْدَ انْعِقَادِ الْعِلَّةِ، وَذَلِكَ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ، وَأَحْيَانًا يَمْتَنِعُ تَمَامُ الْحُكْمِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، كَخِيَارِ الرُّؤْيَةِ، وَأَحْيَانًا يَمْتَنِعُ لُزُومُ الْعَقْدِ بَعْدَ أَنْ سَرَتْ آثَارُهُ، كَخِيَارِ الْعَيْبِ.

وَفِي الِانْقِضَاءِ نَجِدُ أَنَّ الْمَوْقُوفَ لَمَّا كَانَ غَيْرَ تَامِّ الْعِلَّةِ لَمْ تَتِمَّ الصَّفْقَةُ، فَيَكْفِي فِي نَقْضِهِ مَحْضُ إِرَادَةِ مَنْ لَهُ النَّقْضُ، وَهُوَ لِهَذَا الضَّعْفِ فِيهِ لَا يَرِدُ فِيهِ إِسْقَاطُ الْخِيَارِ، وَلَا يَنْتَقِلُ بِالْمِيرَاثِ، بَلْ يَبْطُلُ الْعَقْدُ بِمَوْتِ مَنْ لَهُ حَقُّ إِجَازَتِهِ، فِي حِينِ يَجُوزُ إِسْقَاطُ الْخِيَارِ- فِي الْجُمْلَةِ- وَيَنْتَقِلُ بِالْمِيرَاثِ وَخَاصَّةً مَا كَانَ مِنْهُ مُتَّصِلًا بِالْعَيْنِ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي الْمَذَاهِبِ، وَيَنْقَضِي الْخِيَارُ بِإِرَادَةِ مَنْ هُوَ لَهُ دُونَ حَاجَةٍ إِلَى التَّرَاضِي أَوِ التَّقَاضِي إِلاَّ حَيْثُ تَتِمُّ الصَّفْقَةُ بِحُصُولِ الْقَبْضِ فِي خِيَارِ الْعَيْبِ.

د- الْفَسْخُ فِي الْإِقَالَةِ:

5- تُشْبِهُ الْإِقَالَةُ الْخِيَارَ مِنْ حَيْثُ تَأْدِيَتُهُمَا- فِي حَالٍ مَا- إِلَى فَسْخِ الْعَقْدِ، وَتُشْبِهُهُ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُمَا لَا يَدْخُلَانِ إِلاَّ عُقُودَ الْمُعَاوَضَاتِ الْمَالِيَّةِ اللاَّزِمَةِ الْقَابِلَةِ لِلْفَسْخِ.

وَلَكِنَّ الْإِقَالَةَ تُخَالِفُ الْخِيَارَ فِي أَنَّ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ يُمْكِنُهُ فَسْخُ الْعَقْدِ بِمَحْضِ إِرَادَتِهِ دُونَ تَوَقُّفٍ عَلَى رِضَا صَاحِبِهِ، بِخِلَافِ الْإِقَالَةِ فَلَا بُدَّ مِنِ الْتِقَاءِ الْإِرَادَتَيْنِ عَلَى فَسْخِ الْعَقْدِ.كَمَا أَنَّ هُنَاكَ فَرْقًا آخَرَ هُوَ أَنَّ الْخِيَارَ يَجْعَلُ الْعَقْدَ غَيْرَ لَازِمٍ فِي حَقِّ مَنْ هُوَ لَهُ.وَأَمَّا الْإِقَالَةُ فَلَا تَكُونُ إِلاَّ حَيْثُ يَكُونُ الْعَقْدُ لَازِمًا لِلطَّرَفَيْنِ.

تَقْسِيمَاتُ الْخِيَارِ

أَوَّلًا- التَّقْسِيمُ بِحَسَبِ طَبِيعَةِ الْخِيَارِ:

6- يَنْقَسِمُ الْخِيَارُ بِحَسَبِ طَبِيعَتِهِ إِلَى حُكْمِيٍّ وَإِرَادِيٍّ.

فَالْحُكْمِيُّ مَا ثَبَتَ بِمُجَرَّدِ حُكْمِ الشَّارِعِ فَيَنْشَأُ الْخِيَارُ عِنْدَ وُجُودِ السَّبَبِ الشَّرْعِيِّ وَتَحَقُّقِ الشَّرَائِطِ الْمَطْلُوبَةِ، فَهَذِهِ الْخِيَارَاتُ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى اتِّفَاقٍ أَوِ اشْتِرَاطٍ لِقِيَامِهَا، بَلْ تَنْشَأُ لِمُجَرَّدِ وُقُوعِ سَبَبِهَا الَّذِي رُبِطَ قِيَامُهَا بِهِ.

وَمِثَالُهُ: خِيَارُ الْعَيْبِ.

أَمَّا الْإِرَادِيُّ فَهُوَ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْ إِرَادَةِ الْعَاقِدِ.

وَالْخِيَارَاتُ الْحُكْمِيَّةُ تَسْتَغْرِقُ مُعْظَمَ الْخِيَارَاتِ، بَلْ هِيَ كُلُّهَا مَا عَدَا الْخِيَارَاتِ الْإِرَادِيَّةَ الثَّلَاثَةَ: خِيَارَ الشَّرْطِ، خِيَارَ النَّقْدِ، خِيَارَ التَّعْيِينِ.

فَمَا وَرَاءَ هَذِهِ الْخِيَارَاتِ فَإِنَّهُ حُكْمِيُّ الْمَنْشَأِ أَثْبَتَهُ الشَّارِعُ رِعَايَةً لِمَصْلَحَةِ الْعَاقِدِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ دُونَ أَنْ يَسْعَى الْإِنْسَانُ لِلْحُصُولِ عَلَيْهِ.

ثَانِيًا- التَّقْسِيمُ بِحَسَبِ غَايَةِ الْخِيَارِ:

7- يَقُومُ هَذَا التَّقْسِيمُ لِلْخِيَارَاتِ عَلَى النَّظَرِ إِلَيْهَا مِنْ حَيْثُ الْغَايَةُ، هَلْ هِيَ التَّرَوِّي وَجَلْبُ الْمَصْلَحَةِ لِلْعَاقِدِ، أَوْ تَكْمِلَةُ النَّقْصِ وَدَرْءُ الضَّرَرِ عَنْهُ؟.

يَقُولُ الْغَزَالِيُّ: يَنْقَسِمُ الْخِيَارُ إِلَى خِيَارِ التَّرَوِّي.وَإِلَى خِيَارِ النَّقِيصَةِ.

وَخِيَارُ التَّرَوِّي: مَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى فَوَاتِ وَصْفٍ، وَلَهُ سَبَبَانِ.أَحَدُهُمَا: الْمَجْلِسُ.وَالثَّانِي: الشَّرْطُ.

وَأَمَّا خِيَارُ النَّقِيصَةِ، وَهُوَ: مَا يَثْبُتُ بِفَوَاتِ أَمْرٍ مَظْنُونٍ نَشَأَ الظَّنُّ فِيهِ مِنِ الْتِزَامٍ شَرْعِيٍّ، أَوْ قَضَاءٍ عُرْفِيٍّ، أَوْ تَغْرِيرٍ فِعْلِيٍّ.ثُمَّ فَرَّعَ الْغَزَالِيُّ مِنْ خِيَارِ النَّقِيصَةِ عِدَّةَ خِيَارَاتٍ.

وَنَحْوُهُ لِلْمَالِكِيَّةِ فَقَدْ جَرَى خَلِيلٌ عَلَى الْبَدْءِ بِخِيَارِ التَّرَوِّي ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِخِيَارِ النَّقِيصَةِ.

ثَالِثًا- التَّقْسِيمُ بِحَسَبِ مَوْضُوعِ الْخِيَارِ:

8- أ- خِيَارَاتُ التَّرَوِّي.

1- خِيَارُ الْمَجْلِسِ.

2- خِيَارُ الرُّجُوعِ.

3- خِيَارُ الْقَبُولِ.

4- خِيَارُ الشَّرْطِ.

9- ب- خِيَارَاتُ النَّقِيصَةِ:

1- خِيَارُ الْعَيْبِ.

2- خِيَارُ الِاسْتِحْقَاقِ.

3- خِيَارُ تَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ.

4- خِيَارُ الْهَلَاكِ الْجُزْئِيِّ.

10- ج- خِيَارَاتُ الْجَهَالَةِ:

1- خِيَارُ الرُّؤْيَةِ:

2- خِيَارُ الْكَمِّيَّةِ.

3- خِيَارُ كَشْفِ الْحَالِ.

4- خِيَارُ التَّعْيِينِ.

11- د- خِيَارَاتُ التَّغْرِيرِ:

1- خِيَارُ التَّدْلِيسِ الْفِعْلِيِّ (بِالتَّصْرِيَةِ وَنَحْوِهَا) وَالتَّغْرِيرِ الْقَوْلِيِّ.

2- خِيَارُ النَّجْشِ.

3- خِيَارُ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ.

12- هـ خِيَارَاتُ الْغَبْنِ:

1- خِيَارُ الْمُسْتَرْسِلِ.

2- خِيَارُ غَبْنِ الْقَاصِرِ وَشِبْهِهِ.

13- و- خِيَارَاتُ الْأَمَانَةِ:

1- خِيَارُ الْمُرَابَحَةِ.

2- خِيَارُ التَّوْلِيَةِ.

3- خِيَارُ التَّشْرِيكِ.

4- خِيَارُ الْمُوَاضَعَةِ.

14- ز- خِيَارَاتُ الْخُلْفِ:

1- خِيَارُ فَوَاتِ الْوَصْفِ الْمَرْغُوبِ.

2- خِيَارُ فَوَاتِ الشَّرْطِ.

3- خِيَارُ اخْتِلَافِ الْمِقْدَارِ.

15- ح- خِيَارَاتُ اخْتِلَالِ التَّنْفِيذِ:

1- خِيَارُ التَّأْخِيرِ.

16- ك- خِيَارَاتُ امْتِنَاعِ التَّسْلِيمِ:

1- خِيَارُ النَّقْدِ.

2- خِيَارُ تَعَذُّرِ التَّسْلِيمِ.

3- خِيَارُ تَسَارُعِ الْفَسَادِ.

4- خِيَارُ التَّفْلِيسِ.

حِكْمَةُ تَشْرِيعِ الْخِيَارِ:

17- الْغَرَضُ فِي الْخِيَارَاتِ الْحُكْمِيَّةِ: بِالرَّغْمِ مِنْ تَعَدُّدِ أَسْبَابِهَا هُوَ تَلَافِي النَّقْصِ الْحَاصِلِ بَعْدَ تَخَلُّفٍ شَرِيطَةَ لُزُومِ الْعَقْدِ.وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ تَحَقَّقَتْ شَرَائِطُ الِانْعِقَادِ وَالصِّحَّةِ وَالنَّفَاذِ، أَيْ أَنَّ الْخِيَارَاتِ الْحُكْمِيَّةَ لِتَخْفِيفِ مَغَبَّةِ الْإِخْلَالِ بِالْعَقْدِ فِي الْبِدَايَةِ لِعَدَمِ الْمَعْلُومِيَّةِ التَّامَّةِ، أَوْ لِدُخُولِ اللَّبْسِ وَالْغَبْنِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى الْإِضْرَارِ بِالْعَاقِدِ، أَوْ فِي النِّهَايَةِ كَاخْتِلَالِ التَّنْفِيذِ.

فَالْغَايَةُ مِنَ الْخِيَارَاتِ الْحُكْمِيَّةِ تَمْحِيصُ الْإِرَادَتَيْنِ وَتَنْقِيَةُ عُنْصُرِ التَّرَاضِي مِنَ الشَّوَائِبِ تَوَصُّلًا إِلَى دَفْعِ الضَّرَرِ عَنِ الْعَاقِدِ.وَمِنْ هُنَا قَسَّمَ الْفُقَهَاءُ الْخِيَارَاتِ إِلَى شَطْرَيْنِ: خِيَارَاتِ التَّرَوِّي، وَخِيَارَاتِ النَّقِيصَةِ، وَمُرَادُهُمْ بِخِيَارَاتِ النَّقِيصَةِ الْخِيَارَاتُ الَّتِي تَهْدِفُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنِ الْعَاقِدِ فِي حِينِ تَهْدِفُ خِيَارَاتُ التَّرَوِّي إِلَى جَلْبِ النَّفْعِ لَهُ.

أَمَّا الْغَرَضُ مِنَ الْخِيَارَاتِ الْإِرَادِيَّةِ فَإِنَّهُ يَخْتَلِفُ عَنِ الْغَرَضِ مِنَ الْخِيَارِ فِي صَعِيدِ الْخِيَارَاتِ الْحُكْمِيَّةِ.فَفِي الْخِيَارَاتِ الْإِرَادِيَّةِ يَكَادُ الْبَاعِثُ عَلَيْهَا يَكُونُ أَمْرًا وَاحِدًا هُوَ مَا دَعَاهُ الْفُقَهَاءُ بِالتَّرَوِّي، أَيِ التَّأَمُّلِ فِي صُلُوحِ الشَّيْءِ لَهُ وَسَدِّ حَاجَتِهِ فِي الشِّرَاءِ، وَذَلِكَ لِلتَّرْفِيهِ عَنِ الْمُتَعَاقِدِ لِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ يَحْرِصُ عَلَيْهَا.وَالتَّرَوِّي سَبِيلُهُ أَمْرَانِ: (الْمَشُورَةُ) لِلْوُصُولِ إِلَى الرَّأْيِ الْحَمِيدِ، أَوِ الِاخْتِبَارُ وَهُوَ تَبَيُّنُ خَبَرِ الشَّيْءِ بِالتَّجْرِبَةِ أَوِ الِاطِّلَاعِ التَّامِّ عَلَى كُنْهِهِ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: «وَالْخِيَارُ يَكُونُ لِوَجْهَيْنِ: لِمَشُورَةٍ وَاخْتِبَارِ الْمَبِيعِ، أَوْ لِأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.وَيَقُولُ بَعْدَئِذٍ: الْعِلَّةُ فِي إِجَازَةِ الْبَيْعِ عَلَى الْخِيَارِ وَحَاجَةِ النَّاسِ إِلَى الْمَشُورَةِ فِيهِ، أَوِ الِاخْتِيَارِ».

عَلَى أَنَّ تَعَدُّدَ الْغَرَضِ مُمْكِنٌ بِأَنْ يَقْصِدَ الْمَشُورَةَ وَالِاخْتِبَارَ مَعًا وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْمُشْتَرِي، أَمَّا الْبَائِعُ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِي حَقِّهِ إِلاَّ كَوْنُ الْغَرَضِ الْمَشُورَةَ، لِأَنَّ الْمُبَادَلَةَ مِنْهُ تَهْدِفُ إِلَى الثَّمَنِ، وَالثَّمَنُ لَا مَجَالَ لِاخْتِبَارِهِ غَالِبًا، إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُرَاجِعَ الْبَائِعُ مَنْ يَثِقُ بِهِ فِي كَوْنِ الثَّمَنِ مُتَكَافِئًا مَعَ الْمَبِيعِ فَلَا غَبْنَ وَلَا وَكْسَ.

وَالتَّرَوِّي- كَمَا يَقُولُ الْحَطَّابُ- لَا يَخْتَصُّ بِالْمَبِيعِ فَقَدْ يَكُونُ أَيْضًا فِي الثَّمَنِ، أَوْ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ.

وَثَمَرَةُ ذَلِكَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ يُجْبَرُ الْبَائِعُ عَلَى تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ إِذَا كَانَ الْغَرَضُ مِنَ الْخِيَارِ الِاخْتِبَارَ، فَإِذَا بَيَّنَ الْغَرَضَ مِنَ الْخِيَارِ عُومِلَ حَسْبَ بَيَانِهِ، أَمَّا إِنْ سَكَتَ عَنِ الْبَيَانِ، فَقَدْ قَرَّرَ ابْنُ رُشْدٍ أَنَّ سُكُوتَهُ عَنْ ذِكْرِ الْغَرَضِ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ غَرَضَهُ الْمَشُورَةُ فَهِيَ مُفْتَرَضَةٌ دَائِمًا، إِلاَّ إِذَا صَرَّحَ بِأَنَّ غَرَضَهُ الِاخْتِبَارُ وَاشْتَرَطَ قَبْضَ السِّلْعَةِ.وَنَصُّ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِي هَذَا: «اشْتَرَطَ الْمُشْتَرِي الْخِيَارَ.وَلَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهُ إِنَّمَا يَشْتَرِطُ الْخِيَارَ لِلِاخْتِبَارِ، وَأَرَادَ قَبْضَ السِّلْعَةِ لِيَخْتَبِرَهَا، وَأَبَى الْبَائِعُ مِنْ دَفْعِهَا إِلَيْهِ وَقَالَ: إِنَّمَا لَكَ الْمَشُورَةُ إِذَا لَمْ تَشْتَرِطْ قَبْضَ السِّلْعَةِ فِي أَمَدِ الْخِيَارِ لِلِاخْتِبَارِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ، وَلَا يَلْزَمُهُ دَفْعُهَا إِلَيْهِ إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ عَلَيْهِ».بَلْ ذَكَرَ أَنَّهُ لَيْسَتْ مِنَ الْقَرِينَةِ الْحَالِيَّةِ فِي الْمُشْتَرِي طُولُ مُدَّةِ الْخِيَارِ إِذْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ فَسْخٌ فِي الْأَجَلِ لِلْمَشُورَةِ الدَّقِيقَةِ.

وَهُنَاكَ ثَمَرَةٌ عَمَلِيَّةٌ أُخْرَى لِتَحْدِيدِ الْغَرَضِ مِنَ الْخِيَارِ (دُونَ تَفْرِقَةٍ بَيْنَ اقْتِصَارِهِ عَلَى الْمَشُورَةِ أَوِ الِاخْتِبَارِ، أَوِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا) تِلْكَ هِيَ أَنَّ أَمَدَ الْخِيَارِ- وَهُوَ عَنِ الْمَالِكِيَّةِ مَلْحُوظٌ فِيهِ الْعُرْفُ وَالْعَادَةُ- شَدِيدُ الِارْتِبَاطِ بِالْغَرَضِ مِنَ الْخِيَارِ فَإِذَا كَانَتِ الْعِلَّةُ فِي إِجَازَةِ الْمَبِيعِ عَلَى الْخِيَارِ حَاجَةَ النَّاسِ إِلَى الْمَشُورَةِ فِيهِ، أَوِ الِاخْتِبَارِ، فَحَدُّهُ قَدْرُ مَا يُخْتَبَرُ فِيهِ الْمَبِيعُ، وَيُرْتَأَى فِيهِ وَيُسْتَشَارُ، عَلَى اخْتِلَافِ أَجْنَاسِهِ وَإِسْرَاعِ التَّغَيُّرِ إِلَيْهِ وَإِبْطَائِهِ عَنْهُ..فَأَمَدُ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ إِنَّمَا هُوَ بِقَدْرِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الِاخْتِبَارِ وَالِارْتِيَاءِ مَعَ مُرَاعَاةِ إِسْرَاعِ التَّغَيُّرِ إِلَى الْمَبِيعِ وَإِبْطَائِهِ عَنْهُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ (فِي قَوْلِهِمَا: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ الْخِيَارُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ فَوْقَ ثَلَاثٍ.

الْخِيَارُ سَالِبٌ لِلُّزُومِ:

18- إِنَّ سَلْبَ الْخِيَارَاتِ لُزُومُ الْعَقْدِ مِنْ بَدَائِهِ الْفِقْهَ، حَتَّى أَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ الْمُصَنِّفِينَ الَّذِينَ قَسَّمُوا الْعَقْدَ إِلَى لَازِمٍ وَجَائِزٍ عَبَّرُوا عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: لَازِمٌ، وَمُخَيَّرٌ، أَوْ لَازِمٌ وَفِيهِ خِيَارٌ.

وَمُفَادُ سَلْبِ الْخِيَارِ لُزُومُ الْعَقْدِ أَنْ يُجْعَلَ الْعَقْدُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى خِيَارٍ مُسْتَوِيًا فِي الصِّفَةِ مَعَ الْعُقُودِ غَيْرِ اللاَّزِمَةِ كَالْعَارِيَّةِ الْوَدِيعَةِ وَمَعَ هَذَا لَا يَعْسُرُ التَّمْيِيزُ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّ عَدَمَ اللُّزُومِ فِي تِلْكَ الْعُقُودِ نَاشِئٌ عَنْ طَبِيعَتِهَا الْخَاصَّةِ، أَمَّا فِي الْخِيَارَاتِ فَعَدَمُ اللُّزُومِ طَارِئٌ بِسَبَبِهَا.

وَهُنَاكَ عِبَارَاتٌ فِقْهِيَّةٌ تَدُلُّ عَلَى التَّفَاوُتِ فِي مَنْزِلَةِ الْخِيَارَاتِ مِنْ حَيْثُ سَلْبُ اللُّزُومِ نَظَرًا إِلَى أَثَرِ الْخِيَارِ عَلَى عِلَّةِ الْحُكْمِ، وَالْمُرَادُ بِالْعِلَّةِ هُنَا الْعَقْدُ الَّذِي لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ، كَالْبَيْعِ هُوَ عِلَّةٌ لِحُكْمِهِ مِنْ لُزُومِ تَعَاكُسِ الْمِلْكَيْنِ فِي الْبَدَلَيْنِ، وَفِي الْبَيْعِ بِخِيَارٍ قَدْ تَخَلَّفَ عَنِ الْعِلَّةِ (أَيِ الْبَيْعُ) مُقْتَضَاهَا الَّذِي هُوَ حُكْمُ الْبَيْعِ.

وَبِمَا أَنَّ الْمَوَانِعَ مُتَفَاوِتَةٌ فِي قُوَّةِ الْمَنْعِ، فَمِنْهَا مَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْعِلَّةِ مِنَ الْبِدَايَةِ فَلَا يَدَعُهَا تَمْضِي لِإِحْدَاثِ الْأَثَرِ، وَمِنْهَا مَا يَمْنَعُ تَمَامَ الْعِلَّةِ، أَيْ نَفَاذَ الْعَقْدِ، بِتَخَلُّفِ إِحْدَى شَرِيطَتَيِ النَّفَاذِ (الْمِلْكِ أَوِ الْوِلَايَةِ، وَانْتِفَاءِ تَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ) ثُمَّ يَأْتِي دَوْرُ الْخِيَارَاتِ فِي الْمَنْعِ وَهُوَ مَنْعٌ مُسَلَّطٌ عَلَى (الْحُكْمِ) لَا (الْعِلَّةِ) فَهِيَ قَدْ كُتِبَ لَهَا الِانْعِقَادُ وَالنَّفَاذُ كَسَهْمٍ تَوَفَّرَتْ وَسَائِلُ تَسْدِيدِهِ ثُمَّ انْطَلَقَ دُونَ أَنْ يَحْجِزَهُ شَيْءٌ عَنْ بُلُوغِ الْهَدَفِ «فَخِيَارُ الشَّرْطِ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْحُكْمِ بَعْدَ انْعِقَادِ (وَنَفَاذِ) الْعِلَّةِ» إِذْ يَمْتَنِعُ ثُبُوتُ حُكْمِ الْبَيْعِ وَهُوَ خُرُوجُ الْمَبِيعِ عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ، وَشَبَّهَهُ ابْنُ الْهُمَامِ بِاسْتِتَارِ الْمَرْمِيِّ إِلَيْهِ بِتُرْسٍ يَمْنَعُ مِنْ إِصَابَةِ الْغَرَضِ مِنْهُ.وَيَلِيهِ فِي قُوَّةِ الْمَنْعِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ، لِأَنَّهُ يَمْنَعُ تَمَامَ الْحُكْمِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ (وَهُوَ غَيْرُ تَمَامِ الْعِلَّةِ) وَأَخِيرًا خِيَارُ الْعَيْبِ يَمْنَعُ لُزُومَ الْحُكْمِ.

وَفَضْلًا عَنِ التَّفَاوُتِ فِي أَثَرِ الْخِيَارِ عَلَى الْعَقْدِ اللاَّزِمِ لِسَلْبِ لُزُومِهِ يُلْحَظُ فَارِقٌ، فِي نَظَرِ الْحَنَفِيَّةِ، بَيْنَ خِيَارِ الْعَيْبِ وَبَيْنَ خِيَارَيِ الرُّؤْيَةِ وَالشَّرْطِ فِي وَضْعِهِمَا الشَّرْعِيِّ مِنْ حَيْثُ سَلْبُ اللُّزُومِ بَيْنَ أَنْ يَتَّصِفَ بِالْأَصَالَةِ أَوِ الْخُلْفِيَّةِ، لِهَذَا الْفَرْقِ فِي الْحُكْمِ بِاعْتِبَارِ الْفَسْخِ فِي حَقِّ الْكُلِّ أَوْ فِي حَقِّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَحَسْبُ.

فَخِيَارُ الرُّؤْيَةِ وَالشَّرْطِ، لَمَّا أَنَّ حَقَّ الْفَسْخِ فِيهِمَا «ثَبَتَ أَصْلًا لِأَنَّهُمَا يَسْلُبَانِ اللُّزُومَ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ، فَكَانَ بِالْفَسْخِ مُسْتَوْفِيًا حَقًّا لَهُ، وَوِلَايَةُ اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ تَثْبُتُ عَلَى سَبِيلِ الْعُمُومِ، وَلِذَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَضَاءِ»

أَمَّا خِيَارُ الْعَيْبِ فَإِنَّهُ يُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ الْقَبْضِ وَعَدَمِهِ لِمَا أَنَّ «حَقَّ الْفَسْخِ بِالْعَيْبِ مَا ثَبَتَ (بِاعْتِبَارِهِ) أَصْلًا.لِأَنَّ الصَّفْقَةَ تَمَّتْ بِالْقَبْضِ بَلْ (ثَبَتَ) بِغَيْرِهِ، وَهُوَ اسْتِدْرَاكُ حَقِّهِ فِي صِفَةِ السَّلَامَةِ»

موسوعة الفقه الكويتية-وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت-صدرت بدءًا من: 1404هـ/1984م


7-موسوعة الفقه الكويتية (ركاز)

رِكَاز

التَّعْرِيفُ:

1- الرِّكَازُ لُغَةً بِمَعْنَى الْمَرْكُوزِ وَهُوَ مِنَ الرَّكْزِ أَيِ: الْإِثْبَاتِ، وَهُوَ الْمَدْفُونُ فِي الْأَرْضِ إِذَا خَفِيَ.

يُقَالُ: رَكَزَ الرُّمْحَ إِذَا غَرَزَ أَسْفَلَهُ فِي الْأَرْضِ، وَشَيْءٌ رَاكِزٌ أَيْ: ثَابِتٌ.

وَالرِّكْزُ هُوَ الصَّوْتُ الْخَفِيُّ.قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا}.

وَفِي الِاصْطِلَاحِ: ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّ الرِّكَازَ هُوَ مَا دَفَنَهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ.

وَيُطْلَقُ عَلَى كُلِّ مَا كَانَ مَالًا عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ.إِلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ خَصُّوا إِطْلَاقَهُ عَلَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ دُونَ غَيْرِهِمَا مِنَ الْأَمْوَالِ.

وَأَمَّا الرِّكَازُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَيُطْلَقُ عَلَى أَعَمَّ مِنْ كَوْنِ رَاكِزِهِ الْخَالِقَ أَوِ الْمَخْلُوقَ فَيَشْمَلُ عَلَى هَذَا الْمَعَادِنَ وَالْكُنُوزَ.عَلَى تَفْصِيلٍ سَيَأْتِي.

الْأَلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ- الْمَعْدِنُ:

2- الْمَعْدِنُ لُغَةً: هُوَ بِفَتْحِ الدَّالِ وَكَسْرِهَا اسْمٌ لِلْمَحَلِّ وَلِمَا يَخْرُجُ، مُشْتَقٌّ مِنْ عَدَنَ بِالْمَكَانِ يَعْدِنُ إِذَا أَقَامَ بِهِ، وَمِنْهُ سُمِّيَتْ جَنَّةُ عَدْنٍ لِأَنَّهَا دَارُ إِقَامَةٍ وَخُلُودٍ.وَمِنْهُ الْمَعْدِنُ لِمُسْتَقَرِّ الْجَوَاهِرِ.

وَأَصْلُ الْمَعْدِنِ الْمَكَانُ بِقَيْدِ الِاسْتِقْرَارِ فِيهِ، ثُمَّ اشْتُهِرَ فِي نَفْسِ الْأَجْزَاءِ الْمُسْتَقِرَّةِ الَّتِي رَكَّبَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأَرْضِ يَوْمَ خَلَقَ الْأَرْضَ، حَتَّى صَارَ الِانْتِقَالُ مِنَ اللَّفْظِ إِلَيْهِ ابْتِدَاءً بِلَا قَرِينَةٍ.

وَاصْطِلَاحًا: هُوَ كُلُّ مَا خَرَجَ مِنَ الْأَرْضِ مِمَّا يُخْلَقُ فِيهَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا مِمَّا لَهُ قِيمَةٌ وَيُحْتَاجُ فِي إِخْرَاجِهِ إِلَى اسْتِنْبَاطٍ.

قَالَ أَحْمَدُ: الْمَعَادِنُ هِيَ الَّتِي تُسْتَنْبَطُ، لَيْسَ هُوَ شَيْءٌ دُفِنَ.

وَالْمَعَادِنُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ:

1- جَامِدٌ يَذُوبُ وَيَنْطَبِعُ بِالنَّارِ كَالنَّقْدَيْنِ (الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ)، وَالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ وَالصُّفْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

2- جَامِدٌ لَا يَنْطَبِعُ بِالنَّارِ كَالْجِصِّ وَالنُّورَةِ وَالزِّرْنِيخِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

3- مَا لَيْسَ بِجَامِدٍ كَالْمَاءِ وَالْقِيرِ وَالنَّفْطِ وَالزِّئْبَقِ.

وَقَدْ تَبَيَّنَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ الرِّكَازَ مُبَايِنٌ لِلْمَعْدِنِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.

وَأَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَإِنَّ الرِّكَازَ أَعَمُّ مِنَ الْمَعْدِنِ، حَيْثُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ وَعَلَى الْكَنْزِ.

وَلِلتَّفْصِيلِ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (مَعْدِن)

ب- الْكَنْزُ:

3- الْكَنْزُ لُغَةً: الْمَالُ الْمَجْمُوعُ الْمُدَّخَرُ، يُقَالُ: كَنَزْتُ الْمَالَ كَنْزًا إِذَا جَمَعْتَهُ وَادَّخَرْتَهُ، وَالْكَنْزُ فِي بَابِ الزَّكَاةِ: الْمَالُ الْمَدْفُونُ تَسْمِيَةً بِالْمَصْدَرِ، وَالْجَمْعُ كُنُوزٌ.

وَفِي الِاصْطِلَاحِ: قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: الْكَنْزُ فِي الْأَصْلِ اسْمٌ لِلْمُثْبَتِ فِي الْأَرْضِ بِفِعْلِ إِنْسَانٍ، وَالْإِنْسَانُ يَشْمَلُ الْمُؤْمِنَ أَيْضًا لَكِنْ خَصَّهُ الشَّارِعُ بِالْكَافِرِ لِأَنَّ كَنْزَهُ هُوَ الَّذِي يُخَمَّسُ، وَأَمَّا كَنْزُ الْمُسْلِمِ فَلُقَطَةٌ، وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ سَائِرِ الْفُقَهَاءِ وَفِيهِ خِلَافٌ وَتَفْصِيلٌ يُذْكَرُ فِي مُصْطَلَحِ (كَنْز).

وَالْكَنْزُ أَعَمُّ مِنَ الرِّكَازِ؛ لِأَنَّ الرِّكَازَ دَفِينُ الْجَاهِلِيَّةِ فَقَطْ، وَالْكَنْزُ دَفِينُ الْجَاهِلِيَّةِ وَأَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْأَحْكَامِ.

ج- الدَّفِينُ:

4- الدَّفِينُ فِي اللُّغَةِ: هُوَ مَا أُخْفِيَ تَحْتَ أَطْبَاقِ التُّرَابِ، وَنَحْوِهِ مَدْفُونٌ وَدَفِينٌ.

وَلَا يَخْرُجُ الْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ فَالدَّفِينُ أَعَمُّ مِنَ الرِّكَازِ.

أَحْكَامُ الرِّكَازِ:

5- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الرِّكَازَ فِي قَوْلِهِ- صلى الله عليه وسلم-: «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» يَتَنَاوَلُ دَفِينَ الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ سَوَاءٌ كَانَ مَضْرُوبًا أَوْ غَيْرَهُ.

وَاخْتَلَفُوا فِي غَيْرِ النَّقْدَيْنِ مِنْ دَفِينِ الْجَاهِلِيَّةِ.

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ إِلَى أَنَّ الرِّكَازَ يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَا كَانَ مَالًا مَدْفُونًا عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ، كَالْحَدِيدِ، وَالنُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ، وَالصُّفْرِ، وَالرُّخَامِ وَالْأَعْمِدَةِ، وَالْآنِيَةِ وَالْعُرُوضِ وَالْمِسْكِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

وَاسْتَدَلُّوا بِعُمُومِ حَدِيثِ «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» إِذِ الْحَدِيثُ لَا يَخُصُّ مَدْفُونًا دُونَ غَيْرِهِ، بَلْ هُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ مَا دَفَنَهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ.

إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ خَالَفُوا جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ فَعَمَّمُوا إِطْلَاقَ الرِّكَازِ عَلَى الْمَعَادِنِ الْخِلْقِيَّةِ أَيْضًا لَكِنْ لَيْسَ جَمِيعَهَا، بَلْ قَصَرُوا ذَلِكَ عَلَى كُلِّ مَعْدِنٍ جَامِدٍ يَنْطَبِعُ- أَيْ يَلِينُ- بِالنَّارِ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

وَأَلْحَقُوا بِمَا تَقَدَّمَ الْمَعَادِنَ السَّائِلَةَ الزِّئْبَقَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ لِأَنَّهُ يُسْتَخْرَجُ بِالْعِلَاجِ مِنْ عَيْنِهِ وَطُبِعَ مَعَ غَيْرِهِ فَكَانَ كَالْفِضَّةِ، فَإِنَّ الْفِضَّةَ لَا تَنْطَبِعُ مَا لَمْ يُخَالِطْهَا شَيْءٌ.

قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلًا عَنِ النَّهْرِ: وَالْخِلَافُ- أَيْ: فِي الزِّئْبَقِ- فِي الْمُصَابِ فِي مَعْدِنِهِ، أَمَّا الْمَوْجُودُ فِي خَزَائِنِ الْكُفَّارِ فَفِيهِ الْخُمُسُ اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ مَالٌ.

وَبِنَاءً عَلَى هَذَا فَإِنَّ الرِّكَازَ أَعَمُّ مِنَ الْمَعْدِنِ وَمِنَ الْكَنْزِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَيْ: يُطْلَقُ عَلَيْهِمَا.

وَاسْتَدَلُّوا بِعُمُومِ حَدِيثِ: «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» لِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْمَعْدِنِ وَالْكَنْزِ مَرْكُوزٌ فِي الْأَرْضِ إِنِ اخْتَلَفَ الرَّاكِزُ.

وَظَاهِرُهُ أَنَّ الرِّكَازَ حَقِيقَةً فِيهِمَا مُشْتَرَكٌ اشْتِرَاكًا مَعْنَوِيًّا وَلَيْسَ خَاصًّا بِالدَّفِينِ.

وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَقَدْ قَصَرُوا إِطْلَاقَ الرِّكَازِ عَلَى مَا وُجِدَ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَقَطْ دُونَ غَيْرِهِمَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْمَعَادِنِ؛ لِأَنَّ الرِّكَازَ مَالٌ مُسْتَفَادٌ مِنَ الْأَرْضِ فَاخْتُصَّ بِمَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ قَدْرًا وَنَوْعًا.

دَفِينُ الْجَاهِلِيَّةِ:

6- لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ دَفِينَ الْجَاهِلِيَّةِ رِكَازٌ، وَيُسْتَدَلُّ عَلَى كَوْنِهِ مِنْ دَفِينِ الْجَاهِلِيَّةِ بِوُجُودِهِ فِي قُبُورِهِمْ أَوْ خَزَائِنِهِمْ أَوْ قِلَاعِهِمْ.فَإِنْ وُجِدَ فِي مَوَاتٍ فَيُعْرَفُ بِأَنْ تُرَى عَلَيْهِ عَلَامَاتُهُمْ كَأَسْمَاءِ مُلُوكِهِمْ وَصُوَرِهِمْ وَصُلُبِهِمْ وَصُوَرِ أَصْنَامِهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

فَإِنْ كَانَ عَلَى بَعْضِهِ عَلَامَةُ كُفْرٍ وَبَعْضُهُ لَا عَلَامَةَ فِيهِ فَرِكَازٌ.أَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنْ بِالْكَنْزِ عَلَامَةٌ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى كَوْنِهِ مِنْ دَفِينِ الْجَاهِلِيَّةِ أَوِ الْإِسْلَامِ أَوِ اشْتَبَهَ، فَالْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ) عَلَى أَنَّهُ رِكَازٌ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الدَّفْنِ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ- فِي الْأَصَحِّ- إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِرِكَازٍ بَلْ هُوَ لُقَطَةٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ فَلَا يُسْتَبَاحُ إِلاَّ بِيَقِينٍ.

وَفِي الْمَجْمُوعِ: قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْحُكْمَ مُدَارٌ عَلَى كَوْنِهِ مِنْ دَفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا أَنَّهُ مِنْ ضَرْبِهِمْ، فَقَدْ يَكُونُ مِنْ ضَرْبِهِمْ وَيَدْفِنُهُ مُسْلِمٌ بَعْدَ أَنْ وَجَدَهُ وَأَخَذَهُ وَمَلَكَهُ.وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الرَّافِعِيُّ تَفْرِيعٌ عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ: أَنَّ الْكَنْزَ الَّذِي لَا عَلَامَةَ فِيهِ يَكُونُ لُقَطَةً.فَأَمَّا إِذَا قُلْنَا بِالْقَوْلِ الْآخَرِ أَنَّهُ رِكَازٌ، فَالْحُكْمُ مُدَارٌ عَلَى ضَرْبِ الْجَاهِلِيَّةِ الْمُرَادُ بِالْجَاهِلِيَّةِ:

7- الْمُرَادُ بِالْجَاهِلِيَّةِ: مَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ، أَيْ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- سُمُّوا بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ جَهَالَاتِهِمْ، أَوْ مَنْ كَانَ بَعْدَ مَبْعَثِهِ وَلَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ.

وَعَلَى هَذَا فَلَفْظُ الْجَاهِلِيَّةِ يُطْلَقُ عَلَى مَنْ لَا دِينَ لَهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ أَوْ كَانَ لَهُ دِينٌ كَأَهْلِ الْكِتَابِ.

قَالَ الشِّرْبِينِيُّ: وَيُعْتَبَرُ فِي كَوْنِ الدَّفِينِ الْجَاهِلِيِّ رِكَازًا كَمَا قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ أَنْ لَا يُعْلَمَ أَنَّ مَالِكَهُ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ، فَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ بَلَغَتْهُ وَعَانَدَ وَوُجِدَ فِي بِنَائِهِ أَوْ بَلَدِهِ الَّتِي أَنْشَأَهَا كَنْزٌ فَلَيْسَ بِرِكَازٍ بَلْ فَيْءٌ، حَكَاهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ جَمَاعَةٍ وَأَقَرَّهُ.

وَاخْتَلَفَ الْمَالِكِيَّةُ فِيمَنْ كَانَ لَهُ كِتَابٌ هَلْ يُقَالُ: إِنَّهُ جَاهِلِيٌّ؟

قَالَ الدُّسُوقِيُّ: الْجَاهِلِيَّةُ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ مَا عَدَا الْإِسْلَامَ كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ أَمْ لَا.

وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ: اصْطِلَاحُهُمْ أَنَّ الْجَاهِلِيَّةَ أَهْلُ الْفَتْرَةِ الَّذِينَ لَا كِتَابَ لَهُمْ.وَأَمَّا أَهْلُ الْكِتَابِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَلَا يُقَالُ لَهُمْ: جَاهِلِيَّةٌ.وَعَلَى كُلِّ حَالٍ دَفْنُهُمْ جَمِيعِهِمْ رِكَازٌ.

هَذَا وَأَخْرَجَ الْفُقَهَاءُ مِنَ الرِّكَازِ دَفِينَ أَهْلِ الذِّمَّةِ.

فَفِي الْفَوَاكِهِ الدَّوَانِي: إِنَّمَا كَانَ مَالُ الذِّمِّيِّ كَالْمُسْلِمِ لِأَنَّهُ مُحْتَرَمٌ بِحُرْمَةِ الْإِسْلَامِ لِدُخُولِهِ تَحْتَ حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ.

اشْتِرَاطُ الدَّفْنِ فِي الرِّكَازِ:

8- لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ كُلَّ مَا دَفَنَهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْتَبَرُ رِكَازًا.وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ الدَّفْنِ فِي الرِّكَازِ.

فَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ مَا وُجِدَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ مِنْ أَمْوَالِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْتَبَرُ رِكَازًا أَيْضًا، جَاءَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: مَا وُجِدَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ مَالٍ جَاهِلِيٍّ، أَوْ بِسَاحِلِ الْبَحْرِ مِنْ تَصَاوِيرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَلِوَاجِدِهِ مُخَمَّسًا.قَالَ الصَّاوِيُّ: وَاقْتَصَرَ عَلَى الدَّفْنِ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ، هَذَا إِذَا تَحَقَّقَ أَنَّهُ مَالٌ جَاهِلِيٌّ.وَفِي مُنْتَهَى الْإِرَادَاتِ: وَيَلْحَقُ بِالدَّفْنِ مَا وُجِدَ عَلَى وَجْهِ أَرْضٍ.

وَقَدْ فَصَّلَ الشَّافِعِيَّةُ هُنَا عَلَى قَوْلَيْنِ مَتَى يُعْتَبَرُ كَوْنُهُ رِكَازًا؟ فَقِيلَ: بِدَفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَقِيلَ: بِضَرْبِهِمْ.

قَالَ السُّبْكِيُّ: وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِكَوْنِهِ مِنْ دَفْنِهِمْ فَإِنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُكْتَفَى بِعَلَامَةٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ ضَرْبٍ أَوْ غَيْرِهِ.ا هـ.وَهَذَا أَوْلَى، وَالتَّقْيِيدُ بِدَفْنِ الْجَاهِلِيِّ يَقْتَضِي أَنَّ مَا وُجِدَ فِي الصَّحَارَى مِنْ دَفِينِ الْحَرْبِيِّينَ الَّذِينَ عَاصَرُوا الْإِسْلَامَ لَا يَكُونُ رِكَازًا بَلْ فَيْئًا، وَيُشْتَرَطُ فِي كَوْنِهِ رِكَازًا أَيْضًا أَنْ يَكُونَ مَدْفُونًا، فَإِنْ وَجَدَهُ ظَاهِرًا فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ السَّيْلَ أَظْهَرَهُ فَرِكَازٌ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ ظَاهِرًا فَلُقَطَةٌ، وَإِنْ شَكَّ فَكَمَا لَوْ شَكَّ فِي أَنَّهُ ضَرْبُ الْجَاهِلِيَّةِ أَوِ الْإِسْلَامِ.قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.

وَلَمْ نَرَ لِلْحَنَفِيَّةِ تَصْرِيحًا فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ.

دَفِينُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ:

9- لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ دَفِينَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لُقَطَةٌ.

وَيُعْرَفُ بِأَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْإِسْلَامِ أَوِ اسْمُ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- أَوْ أَحَدُ خُلَفَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ وَالٍ لَهُمْ، أَوْ آيَةٌ مِنْ قُرْآنٍ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ.

وَتَفْصِيلُ حُكْمِ اللُّقَطَةِ فِي مُصْطَلَحِ (لُقَطَة).

قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَإِنْ كَانَ عَلَى بَعْضِهِ عَلَامَةُ الْإِسْلَامِ، وَعَلَى بَعْضِهِ عَلَامَةُ الْكُفْرِ فَكَذَلِكَ (أَيْ: لُقَطَةٌ)، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ صَارَ إِلَى مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُعْلَمْ زَوَالُهُ عَنْ مِلْكِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ عَلَى جَمِيعِهِ عَلَامَةُ الْمُسْلِمِينَ.

وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ قَوْلَ الْحَنَابِلَةِ وَحْدَهُمْ بَلْ هُوَ قَوْلُ بَقِيَّةِ الْفُقَهَاءِ أَيْضًا كَمَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ فِي مَعْرِفَةِ دَفِينِ الْجَاهِلِيَّةِ.

قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلًا عَنْ عَلِيٍّ الْقَارِيِّ: وَأَمَّا مَعَ اخْتِلَاطِ دَرَاهِمِ الْكُفَّارِ مَعَ دَرَاهِمِ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُشَخَّصِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي زَمَانِنَا، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ خِلَافٌ فِي كَوْنِهِ إِسْلَامِيًّا.

الْوَاجِبُ فِي الرِّكَازِ:

10- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم-: «الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ».

قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِلاَّ الْحَسَنَ فَإِنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ مَا يُوجَدُ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ وَأَرْضِ الْعَرَبِ، فَقَالَ: فِيمَا يُوجَدُ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ الْخُمُسُ، وَفِيمَا يُوجَدُ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ الزَّكَاةُ.

قَالَ الْمَالِكِيَّةُ: مَحَلُّ تَخْمِيسِهِ مَا لَمْ يَحْتَجْ لِنَفَقَةٍ كَبِيرَةٍ وَإِلاَّ فَيُزَكَّى.

قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا، وَاَلَّذِي سَمِعْتُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: إِنَّ الرِّكَازَ إِنَّمَا هُوَ دَفْنٌ يُوجَدُ مِنْ دَفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ مَا لَمْ يُطْلَبْ بِمَالٍ.وَأَمَّا مَا طُلِبَ بِمَالٍ كَثِيرٍ فَلَيْسَ بِرِكَازٍ، إِنَّمَا فِيهِ الزَّكَاةُ بَعْدَ وُجُودِ شُرُوطِ الزَّكَاةِ حَيْثُ اسْتَأْجَرَ عَلَى الْعَمَلِ، لَا إِنْ عَمِلَ بِنَفْسِهِ أَوْ عَبِيدِهِ فَلَا يَخْرُجُ عَنِ الرِّكَازِ.

وَأَمَّا أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ فَلِوَاجِدِهِ.وَسَيَأْتِي بَيَانُ مَصْرِفِ الْخُمُسِ الْوَاجِبِ إِخْرَاجُهُ ف 22

مَا يَلْحَقُ بِمَا يُخَمَّسُ:

11- أَلْحَقَ الْمَالِكِيَّةُ بِالرِّكَازِ النَّدْرَةَ: وَهِيَ قِطْعَةُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الْخَالِصَةِ الَّتِي لَا تَحْتَاجُ إِلَى تَصْفِيَةٍ، وَاَلَّتِي تُوجَدُ فِي الْأَرْضِ مِنْ أَصْلِ خِلْقَتِهَا لَا بِوَضْعِ وَاضِعٍ لَهَا فِي الْأَرْضِ.وَفِيهَا الْخُمُسُ عَلَى الْمَشْهُورِ.وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا إِلاَّ الزَّكَاةُ وَإِنَّمَا الْخُمُسُ فِي الرِّكَازِ.

نَبْشُ الْقَبْرِ لِاسْتِخْرَاجِ الْمَالِ:

12- صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ مَا يُوجَدُ فِي قَبْرِ الْجَاهِلِيِّ رِكَازٌ.وَأَمَّا مَا يُوجَدُ فِي قَبْرِ الْمُسْلِمِ فَفِي حُكْمِ اللُّقَطَةِ.

وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (قَبْر، وَلُقَطَة).

النِّصَابُ فِي الرِّكَازِ:

13- ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ) إِلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ النِّصَابُ فِي الرِّكَازِ، بَلْ يَجِبُ الْخُمُسُ فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ.

وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ إِسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَقَالَ: وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَهُوَ أَوْلَى بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ- عَلَى الْمَذْهَبِ- إِلَى اشْتِرَاطِ النِّصَابِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْخُمُسَ الْمَأْخُوذَ مِنَ الرِّكَازِ زَكَاةٌ.

قَالَ النَّوَوِيُّ: اتَّفَقَتْ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّهُ إِذَا وَجَدَ مِنَ الرِّكَازِ مِائَةَ دِرْهَمٍ، ثُمَّ وَجَدَ مِائَةً أُخْرَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْخُمُسُ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، بَلْ يَنْعَقِدُ الْحَوْلُ عَلَيْهِمَا مِنْ حِينِ كَمُلَ النِّصَابُ، فَإِذَا تَمَّ لَزِمَهُ رُبُعُ الْعُشْرِ كَسَائِرِ النُّقُودِ الَّتِي يَمْلِكُهَا، وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَهُوَ اشْتِرَاطُ النِّصَابِ فِي الرِّكَازِ.

ثُمَّ قَالَ: إِذَا وَجَدَ مِنَ الرِّكَازِ دُونَ النِّصَابِ، وَلَهُ دَيْنٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ يَبْلُغُ بِهِ نِصَابًا، وَجَبَ خُمُسُ الرِّكَازِ فِي الْحَالِ.فَإِنْ كَانَ مَالُهُ غَائِبًا أَوْ مَدْفُونًا أَوْ وَدِيعَةً أَوْ دَيْنًا- وَالرِّكَازُ نَاقِصٌ- لَمْ يُخَمِّسْ حَتَّى يَعْلَمَ سَلَامَةَ مَالِهِ، وَحِينَئِذٍ يُخَمِّسُ الرِّكَازَ النَّاقِصَ عَنِ النِّصَابِ سَوَاءٌ أَبَقِيَ الْمَالُ أَمْ تَلِفَ إِذَا عَلِمَ وُجُودَهُ يَوْمَ حُصُولِ الرِّكَازِ.

الْحَوْلُ فِي الرِّكَازِ:

14- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْحَوْلُ فِي الرِّكَازِ؛ لِأَنَّ الْحَوْلَ يُعْتَبَرُ لِتَكَامُلِ النَّمَاءِ وَهَذَا لَا يَتَوَجَّهُ فِي الرِّكَازِ.

قَالَ النَّوَوِيُّ: وَنَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ فِيهِ الْإِجْمَاعَ

مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْخُمُسُ:

15- ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ الْخُمُسُ هُوَ كُلُّ مَنْ وَجَدَ الرِّكَازَ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، عَاقِلٍ أَوْ مَجْنُونٍ.فَإِنْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا فَهُوَ لَهُمَا، وَيُخْرِجُ الْخُمُسَ عَنْهُمَا وَلِيُّهُمَا.وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.

قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ عَلَى الذِّمِّيِّ فِي الرِّكَازِ يَجِدُهُ: الْخُمُسَ، قَالَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَغَيْرُهُمْ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْخُمُسُ إِلاَّ عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، سَوَاءٌ كَانَ رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً، رَشِيدًا أَوْ سَفِيهًا، أَوْ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا.

وَيُمْنَعُ الذِّمِّيُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ أَخْذِ الْمَعْدِنِ وَالرِّكَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ، كَمَا يُمْنَعُ مِنَ الْإِحْيَاءِ بِهَا؛ لِأَنَّ الدَّارَ لِلْمُسْلِمِينَ وَهُوَ دَخِيلٌ فِيهَا.

وَأَمَّا الْحَرْبِيُّ الْمُسْتَأْمَنُ فَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ الدُّرِّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ يُسْتَرَدُّ مِنْهُ مَا أَخَذَ إِلاَّ إِذَا عَمِلَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ عَلَى شَرْطٍ فَلَهُ الْمَشْرُوطُ.

وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ عَمِلَ رَجُلَانِ فِي طَلَبِ الرِّكَازِ فَهُوَ لِلْوَاجِدِ، وَإِنْ كَانَا مُسْتَأْجَرَيْنِ لِطَلَبِهِ فَهُوَ لِلْمُسْتَأْجِرِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِدَ نَائِبُهُ فِيهِ.

وَلِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (حَرْبِيّ، شَرِكَة، إِجَارَة، خُمُس).

مَوْضِعُ الرِّكَازِ:

أَوَّلًا: فِي دَارِ الْإِسْلَامِ:

16- أ- أَنْ يَجِدَهُ فِي مَوَاتٍ أَوْ مَا لَا يُعْلَمُ لَهُ مَالِكٌ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِي عَهْدٍ، كَالْأَبْنِيَةِ الْقَدِيمَةِ، وَالتُّلُولِ، وَجُدْرَانِ الْجَاهِلِيَّةِ وَقُبُورِهِمْ، فَهَذَا فِيهِ الْخُمُسُ بِلَا خِلَافٍ سِوَى مَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ.

وَعِبَارَةُ الْحَنَفِيَّةِ: فِي أَرْضٍ خَرَاجِيَّةٍ أَوْ عُشْرِيَّةٍ، وَهِيَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ مَمْلُوكَةً لِأَحَدٍ أَوْ لَا، صَالِحَةٍ لِلزِّرَاعَةِ أَوْ لَا.فَيَدْخُلُ فِيهِ الْمَفَاوِزُ وَأَرْضُ الْمَوَاتِ، فَإِنَّهَا إِذَا جُعِلَتْ صَالِحَةً لِلزِّرَاعَةِ كَانَتْ عُشْرِيَّةً أَوْ خَرَاجِيَّةً.

وَقَالَ فِي الْمُغْنِي: لَوْ وَجَدَهُ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ فِي طَرِيقٍ غَيْرِ مَسْلُوكٍ، أَوْ قَرْيَةٍ خَرَابٍ فَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْحُكْمِ، لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- عَنِ اللُّقَطَةِ؟ فَقَالَ: مَا كَانَ فِي طَرِيقٍ مَأْتِيٍّ أَوْ قَرْيَةٍ عَامِرَةٍ فَعَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلاَّ فَلَكَ، وَمَا لَمْ يَكُنْ فِي طَرِيقٍ مَأْتِيٍّ وَلَا فِي قَرْيَةٍ عَامِرَةٍ فَفِيهِ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ».

وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: يَخْرُجُ خُمُسُ الرِّكَازِ وَالْبَاقِي لِوَاجِدِهِ حَيْثُ وَجَدَهُ فِي أَرْضٍ لَا مَالِكَ لَهَا، كَمَوَاتِ أَرْضِ الْإِسْلَامِ، أَوْ فَيَافِي الْعَرَبِ الَّتِي لَمْ تُفْتَحْ عَنْوَةً وَلَا أَسْلَمَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا، وَأَمَّا لَوْ وُجِدَ الرِّكَازُ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ فَيَكُونُ مَا فِيهِ لِمَالِكِ الْأَرْضِ.

وَشَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ أَنْ يَجِدَهُ فِي أَرْضٍ لَمْ تَبْلُغْهَا الدَّعْوَةُ.

قَالَ النَّوَوِيُّ: إِذَا بَنَى كَافِرٌ بِنَاءً وَكَنَزَ فِيهِ كَنْزًا وَبَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ وَعَانَدَ فَلَمْ يُسْلِمْ ثُمَّ هَلَكَ وَبَادَ أَهْلُهُ فَوُجِدَ ذَلِكَ الْكَنْزُ كَانَ فَيْئًا لَا رِكَازًا، لِأَنَّ الرِّكَازَ إِنَّمَا هُوَ أَمْوَالُ الْجَاهِلِيَّةِ الْعَادِيَّةُ الَّذِينَ لَا يُعْرَفُ هَلْ بَلَغَتْهُمْ دَعْوَةٌ أَمْ لَا؟ فَأَمَّا مَنْ بَلَغَتْهُمْ فَمَا لَهُمْ فَيْءٌ، فَخُمُسُهُ لِأَهْلِ الْخُمُسِ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لِلْوَاجِدِ

فَإِنْ وُجِدَ الرِّكَازُ فِي شَارِعٍ أَوْ طَرِيقٍ مَسْلُوكٍ فَلُقَطَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ رِكَازٌ.

ب- أَنْ يَجِدَ الرِّكَازَ فِي مِلْكِهِ:

17- الْمِلْكُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَحْيَاهُ أَوِ انْتَقَلَ إِلَيْهِ.

1- أَنْ يَكُونَ مَالِكُهُ هُوَ الَّذِي أَحْيَاهُ، فَإِذَا وَجَدَ فِيهِ رِكَازًا فَهُوَ لَهُ وَعَلَيْهِ أَنْ يُخَمِّسَهُ، وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى الْإِحْيَاءِ الْإِرْثَ، وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ إِقْطَاعَ السُّلْطَانِ.

أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَيَعْنُونَ بِمَالِك الْأَرْضِ أَنْ يَكُونَ قَدْ مَلَكَهَا أَوَّلَ الْفَتْحِ، وَهُوَ مَنْ خَصَّهُ الْإِمَامُ بِتَمْلِيكِ الْأَرْضِ حِينَ فَتْحِ الْبَلَدِ.

2- أَنْ يَجِدَ الرِّكَازَ فِي مِلْكِهِ الْمُنْتَقِلِ إِلَيْهِ:

18- إِذَا انْتَقَلَ الْمِلْكُ عَنْ طَرِيقِ الْإِرْثِ وَوَجَدَ فِيهِ رِكَازًا فَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ لِوَرَثَتِهِ.

أَمَّا لَوِ انْتَقَلَ إِلَيْهِ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ وَوَجَدَ فِيهِ رِكَازًا فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَنْ يَكُونُ لَهُ الرِّكَازُ.

فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ) إِلَى أَنَّهُ لِلْمَالِكِ الْأَوَّلِ أَوْ لِوَارِثِهِ لَوْ كَانَ حَيًّا؛ لِأَنَّهُ كَانَتْ يَدُهُ عَلَى الدَّارِ فَكَانَتْ عَلَى مَا فِيهَا.

قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلًا عَنِ الْبَحْرِ: إِنَّ الْكَنْزَ مُودَعٌ فِي الْأَرْضِ فَلَمَّا مَلَكَهَا الْأَوَّلُ مَلَكَ مَا فِيهَا، وَلَا يَخْرُجُ مَا فِيهَا عَنْ مِلْكِهِ بِبَيْعِهَا كَالسَّمَكَةِ فِي جَوْفِهَا دُرَّةٌ.

وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُعْرَفِ الْمَالِكُ الْأَوَّلُ وَلَا وَرَثَتُهُ فَيُوضَعُ الرِّكَازُ فِي بَيْتِ الْمَالِ عَلَى الْأَوْجَهِ.وَهُوَ قَوْلُ الْمَالِكِيَّةِ.

قَالَ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ: وَهُوَ الظَّاهِرُ بَلِ الْمُتَعَيِّنُ.وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهُ لُقَطَةٌ.وَذَهَبَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ- وَأَبُو يُوسُفَ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ الرِّكَازَ الْبَاقِيَ بَعْدَ الْخُمُسِ لِلْمَالِكِ الْأَخِيرِ، لِأَنَّهُ مَالُ كَافِرٍ مَظْهُورٌ عَلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ، فَكَانَ لِمَنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ كَالْغَنَائِمِ؛ وَلِأَنَّ الرِّكَازَ لَا يُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأَرْضِ لِأَنَّهُ مُودَعٌ فِيهَا، وَإِنَّمَا يُمْلَكُ بِالظُّهُورِ عَلَيْهِ، وَهَذَا قَدْ ظَهَرَ عَلَيْهِ فَوَجَبَ أَنْ يَمْلِكَهُ.

وَقَدْ صَحَّحَ فِي الْمُغْنِي هَذِهِ الرِّوَايَةَ، ثُمَّ قَالَ: لِأَنَّ الرِّكَازَ لَا يُمْلَكُ بِمِلْكِ الدَّارِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَجْزَائِهَا، وَإِنَّمَا هُوَ مُودَعٌ فِيهَا، فَيُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْمُبَاحَاتِ مِنَ الْحَشِيشِ وَالْحَطَبِ وَالصَّيْدِ يَجِدُهُ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ فَيَأْخُذُهُ فَيَكُونُ أَحَقَّ بِهِ.

وَقَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: قَالَ أَبُو يُوسُفَ: الْبَاقِي لِلْوَاجِدِ كَمَا فِي أَرْضٍ غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا اخْتَلَفَ الْوَرَثَةُ فَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ لِمُورِثِهِمْ وَلَمْ يُنْكِرْهُ الْبَاقُونَ، فَحُكْمُ مَنْ أَنْكَرَ فِي نَصِيبِهِ حُكْمُ الْمَالِكِ الَّذِي لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ، وَحُكْمُ الْمُعْتَرِفِينَ حُكْمُ الْمَالِكِ الْمُعْتَرِفِ.

ج- أَنْ يَجِدَ الرِّكَازَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ:

19- ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى أَنَّ الرِّكَازَ الْمَوْجُودَ فِي دَارٍ أَوْ أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ يَكُونُ لِصَاحِبِ الدَّارِ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لِوَاجِدِهِ.

وَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ أَنَّهُ لِوَاجِدِهِ.لِأَنَّهُ قَالَ فِي مَسْأَلَةِ مَنِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا لِيَحْفِرَ لَهُ فِي دَارِهِ فَأَصَابَ فِي الدَّارِ كَنْزًا: فَهُوَ لِلْأَجِيرِ.نَقَلَ ذَلِكَ عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْكَحَّالُ، قَالَ الْقَاضِي: هُوَ الصَّحِيحُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرِّكَازَ لِوَاجِدِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ، وَاسْتَحْسَنَهُ أَبُو يُوسُفَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْكَنْزَ لَا يُمْلَكُ بِمِلْكِ الدَّارِ، فَيَكُونُ لِمَنْ وَجَدَهُ، لَكِنْ إِنِ ادَّعَاهُ الْمَالِكُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَإِنْ لَمْ يَدَّعِهِ فَهُوَ لِوَاجِدِهِ.

ثَانِيًا: أَنْ يُوجَدُ الرِّكَازُ فِي دَارِ الصُّلْحِ:

20- صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ دَفِينَ الْمُصَالَحِينَ لَهُمْ وَلَوْ كَانَ الدَّافِنُ غَيْرَهُمْ، فَمَا وُجِدَ مِنَ الرِّكَازِ مَدْفُونًا فِي أَرْضِ الصُّلْحِ، سَوَاءٌ كَانُوا هُمُ الَّذِينَ دَفَنُوهُ أَوْ دَفَنَهُ غَيْرُهُمْ فَهُوَ لِلَّذِينَ صَالَحُوا عَلَى تِلْكَ الْأَرْضِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُخَمَّسُ، فَإِنْ وَجَدَهُ أَحَدُ الْمُصَالَحِينَ فِي دَارِهِ فَهُوَ لَهُ بِمُفْرَدِهِ سَوَاءٌ وَجَدَهُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الرِّكَازَ الْمَوْجُودَ فِي مَوَاتِ دَارِ أَهْلِ الْعَهْدِ يَمْلِكُهُ وَاجِدُهُ كَمَوَاتِ دَارِ الْإِسْلَامِ.

ثَالِثًا: أَنْ يُوجَدَ الرِّكَازُ فِي دَارِ الْحَرْبِ:

21- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الرِّكَازِ الْمَوْجُودِ فِي دَارِ الْحَرْبِ:

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الرِّكَازَ الْمَوْجُودَ فِي دَارِ الْحَرْبِ إِنْ كَانَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لِغَيْرِ مُسْتَأْمَنٍ فَالْكُلُّ لِلْوَاجِدِ وَإِلاَّ وَجَبَ رَدُّهُ لِلْمَالِكِ، وَأَمَّا الْمَوْجُودُ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ أَصْلًا فَالْكُلُّ لِلْوَاجِدِ بِلَا فَرْقٍ بَيْنَ الْمُسْتَأْمَنِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ مَا فِي صَحْرَائِهِمْ لَيْسَ فِي يَدِ أَحَدٍ عَلَى الْخُصُوصِ فَلَا يُعَدُّ غَدْرًا.

وَفَرَّقَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْأَرْضِ الْمَمْلُوكَةِ بَيْنَ أَنْ يُؤْخَذَ الرِّكَازُ بِقَهْرٍ وَقِتَالٍ فَهُوَ غَنِيمَةٌ، كَأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ وَنُقُودِهِمْ مِنْ بُيُوتِهِمْ فَيَكُونُ خُمُسُهُ لِأَهْلِ خُمُسِ الْغَنِيمَةِ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لِوَاجِدِهِ، وَبَيْنَ أَنْ يُؤْخَذَ بِغَيْرِ قِتَالٍ وَلَا قَهْرٍ فَهُوَ فَيْءٌ وَمُسْتَحِقُّهُ أَهْلُ الْفَيْءِ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُمْ إِنْ لَمْ يَذُبُّوا عَنْهُ فَهُوَ كَمَوَاتِ دَارِ الْإِسْلَامِ- بِلَا خِلَافٍ عِنْدَهُمْ- وَهُوَ رِكَازٌ.

وَهَذَا مَحْمُولٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ عَلَى مَا إِذَا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ بِغَيْرِ أَمَانٍ.أَمَّا إِذَا دَخَلَ بِأَمَانٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الْكَنْزِ لَا بِقِتَالٍ وَلَا بِغَيْرِهِ.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ فَهُوَ لِوَاجِدِهِ، حُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ وَجَدَهُ فِي مَوَاتِ أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يُفَرِّقِ الْحَنَابِلَةُ فِي الْمَوَاتِ بَيْنَ مَا يُذَبُّ عَنْهُ وَبَيْنَ مَا لَا يُذَبُّ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِمَوْضِعِهِ مَالِكٌ مُحْتَرَمٌ أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يُعْرَفْ مَالِكُهُ.

مَصْرِفُ خُمُسِ الرِّكَازِ:

22- ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَبِهِ قَالَ الْمُزَنِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ) إِلَى أَنَّ خُمُسَ الرِّكَازِ يُصْرَفُ مَصَارِفَ الْغَنِيمَةِ وَلَيْسَ زَكَاةً.

وَمِنْ ثَمَّ فَإِنَّهُ حَلَالٌ لِلْأَغْنِيَاءِ وَلَا يَخْتَصُّ بِالْفُقَرَاءِ، وَهُوَ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَخْتَصُّ بِالْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ.

قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: مَصْرِفُهُ مَصْرِفُ الْفَيْءِ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ أَصَحُّ مِمَّا سَيَأْتِي وَأَقْيَسُ عَلَى مَذْهَبِهِ، لِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ أَلْفَ دِينَارٍ مَدْفُونَةً خَارِجًا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَأَتَى بِهَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَأَخَذَ مِنْهَا الْخُمُسَ مِائَتَيْ دِينَارٍ، وَدَفَعَ إِلَى الرَّجُلِ بَقِيَّتَهَا، وَجَعَلَ عُمَرُ يَقْسِمُ الْمِائَتَيْنِ بَيْنَ مَنْ حَضَرَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، إِلَى أَنْ أَفْضَلَ مِنْهَا فَضْلَةً، فَقَالَ: أَيْنَ صَاحِبُ الدَّنَانِيرِ؟ فَقَامَ إِلَيْهِ، فَقَالَ عُمَرُ: خُذْ هَذِهِ الدَّنَانِيرَ فَهِيَ لَكَ.

وَلَوْ كَانَ الْمَأْخُوذُ زَكَاةً لَخَصَّ بِهِ أَهْلَهَا وَلَمْ يَرُدَّهُ عَلَى وَاجِدِهِ؛ وَلِأَنَّهُ مَالٌ مَخْمُوسٌ زَالَتْ عَنْهُ يَدُ الْكَافِرِ، أَشْبَهَ خُمُسَ الْغَنِيمَةِ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ صَرْفُ خُمُسِ الرِّكَازِ مَصْرِفَ الزَّكَاةِ.

قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ.

وَلِتَفْصِيلِ تَوْزِيعِ الْخُمُسِ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (خَمَس، غَنِيمَة، فَيْء).

(

موسوعة الفقه الكويتية-وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت-صدرت بدءًا من: 1404هـ/1984م


8-الدر النقي في شرح ألفاظ الخرقي (يؤرخ)

1688 - قوله: (يُؤَرِّخ)، يقال: أرِّخَ يُؤَرِّخُ تَأْريخًا: إذا ضَبَط وقت شَيْءٍ. والتاريخ: معروفٌ، وفي الحديث: "ما أُرِّخَ من مولد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا مِن مَبْعَثِه، إنَّما أُرِّخَ من مَقْدَمِه المدينة".

قال أهْل اللغة:. العِتْق: الحرية، يقال منه: عَتَق يعْتِقُ عِتْقًا وعَتْقًا - بكسر "العين" وفتحها، عن صاحب "المحكم" وغيره - وعِتاقًا وعَتَاقةً، فهو عَتِيقٌ وعاتِقٌ - حكاهما الجوهري - وهم عُتَقَاءُ وأمةٌ عَتِيقٌ وعَتيقةٌ، وخلَف بالعَتَاق - بفتح "العين": أي بالإِعْتَاق.

قال الأزهري: "هو مُشْتَقٌ من قولهم: عَتَق الفَرسُ: إذا سَبَق ونَجَا، وعتَقَ الفَرْخُ: إذا طَارَ واسْتَقل، لأن العَبْد يتَخلَّص بالعِتْق، ويذهب حيث شَاء".

قال الأزهري وغيره: "إنَّما قيل لمن أعْتَق نَسمةً: أنّه أعْتَق رقبةً، وفَكَّ رقبةً، فَخُصَّت الرَّقَبَة دون سائر الأَعْضَاء، مع أنَّ العِتْق تناول الجمِيع، لأن حُكْم السيِّد عليه، ومِلْكَه لَهُ كحَبْلٍ في رَقَبَتِه، وكالغُلِّ المانِع لَهُ من الخُرُوج، فإذا أُعْتِقَ، فكَأَنَّ رقبَتَه أُطْلِقت من ذلك".

قُلْتُ: إِنما ذلك اوالله أعلم، لِكَوْن الرقبة فيها مُعْظَم الحياة، بل جميعُها فإِذا قُطِعَت زالت حياته بخِلاَف غيرها من اليَدَيْن والرِّجْلَيْن وغير ذلك.

الدر النقي في شرح ألفاظ الخرقي-جمال الدين أبو المحاسن الحنبلي الدمشقي الصالحي المعروف بـ «ابن المبرد»-توفي: 909هـ/1503م


9-تاج العروس (سيب)

[سيب]: السَّيْبُ: العَطَاءُ، والعُرْفُ. والنَّافِلَةُ. وفي حَدِيثِ الاسْتِسْقَاءِ: «واجْعَلْه سَيْبًا نافِعًا» أَي عَطَاءً، ويَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ مَطَرًا سَائِبًا أَي جَارِيًا. ومن المجاز: فَاضَ سَيْبُهُ عَلى النَّاسِ أَي عطاؤه، كَذَا في الأَسَاس.

والسَّيْبُ: مُرْدِيُّ السَّفِينَة.

والسَّيْبُ: شَعَرُ ذَنَبِ الفَرَسِ والسَّيْبُ: مَصْدَرُ سَاب المَاءُ يَسِيبُ سَيْبًا. جَرَى.

وساب يَسِيب: مَشَى مُسْرِعًا. ومن المَجَازِ: سَابَتِ الحيَّة تَنْسَابُ وتَسِيبُ إذَا مَضَت مُسْرِعَةً. أَنشد ثعلب:

أَتَذْهَبُ سَلْمَى في اللِّمَامِ فَلَا تُرَى *** وباللَّيْلِ أَيْمٌ حَيْثَ شَاءَ يَسِيبُ

وكَذلِكَ انْسَابَتْ [تنسابُ]. وسَابَ الأَفْعَى وانْسَابَ إذَا خَرَجَ مِنْ مَكْمَنِه. وفي الحَدِيثِ «أَنَّ رَجُلًا شَرِبَ من سِقَاءٍ فانْسَابَتْ في بَطْنِه حَيَّة، فَنُهِيَ عن الشُّرْبِ مِنْ فَمِ السِّقَاءِ».

أَي دَخَلَتْ وجَرَت مَعَ جَرَيَانِ المَاء. يقال: سَابَ المَاءُ إذا جَرَى. كانْسَابَ.

وانْسَابَ فُلَان نَحْوَكُم: رَجَع. وفي قَوْلِ الحَرِيريّ في الصَّنْعَانِيَّةِ «فَانْسَابَ فِيَها غِرَارة» أَي دخل فيها دخول الحَيَّة في مكمنها. و‌في كِتَابِه صَلَّىَ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمْ لِوَائِلِ بْنِ حُجْرٍ: «وَفِي السُّيُوب الخُمُسُ».

قال أَبو عُبَيْد: هِيَ الرِّكاز وهو مَجَازٌ. قال: ولا أَرَاه أُخِذَ إلَّا مِنَ السَّيْبِ، وَهُوَ العَطِيَّة. وأَنشد:

فما أَنَا مِنْ رَيْبِ المَنُونِ بجُبَّإ *** وَمَا أَنَا من سَيْبِ الإلَه بآيِس

وفي لِسَانِ العَرَبِ: السُّيُوبُ: الرِّكَازُ لأَنَّهَا من سَيْبِ اللهِ وَعَطَائِه. وقَالَ ثَعْلَبٌ: هِيَ المَعَادنُ. وقال أَبُو سَعِيد: السُّيُوبُ: عُرُوقٌ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّة تَسِيبُ في المَعْدِن؛ أَي تَتَكَوَّنَ فِيهِ وتَظْهَر، سُمِّيَتْ سُيُوبًا لانْسيَابِها في الأَرْض.

قال الزَّمَخْشَرِيُّ: السُّيُوبُ [الركاز] جمع سَيْبٍ يُرِيدُ بِهِ المَالَ المَدْفُونَ في الجَاهِليَّة أَوِ المَعْدِن [وهو العطاء]، لأَنَّه مِنْ فَضْلِ اللهِ وَعَطَائِه لمَن أَصَابَه. ويُوجَد هُنَا في بَعْضِ النُّسَخ: السِّيَاب، وهو خَطَأٌ.

وذَاتُ السَّيْب: رَحَبَة لإضم. وفي التكملة: مِنْ رِحَاب إضَم.

والسِّيبُ بالكَسْرِ: مَجْرَى الماءِ جَمْعه سُيُوبٌ.

ونَهْرٌ بخُوارَزْم. ونهر بالبَصْرَة عليه قَرْيَةٌ كَبِيرَةٌ.

وآخَرُ في ذُنَابَةِ الفُرَاتِ بقُرْب الحِلَّة وعليه بَلَدٌ. منه صَبَاحُ بْنُ هَارُونَ، ويَحْيَى بْن أَحْمَدَ المُقْري صاحب الحماميّ، وهِبَةُ الله بنُ عَبْدِ الله مُؤَدِّبُ أَمِير المؤمنين المُقْتَدِر هَكَذَا في النُّسَخ. وفي التَّبْصِير مُؤدِّب المُقْتَدِي، سمع أَبَا الحُسَيْن بْن بشران، وعنه ابْن السَّمْرَقَنْدِيّ. وأَبو البركات أَحمدُ بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ السِّيبِيّ عن الصريفينيّ وهو مُؤَدِّبُ أَمِيرِ المؤمنين المُقْتَفِي لأَمرِ اللهِ العَبَّاسِيّ، وعنه أَخذ، لا أَبُوهُ أَي وَهِم مَنْ جَعَلَ شيخَ المُقْتَفِي عَبْدَ الوَهَاب يَعْنِي بِذَلك أَبَا سَعْد بْن السمعانيّ.

قلت: وأَخُوه عَلِيّ بْنُ عَبْدِ الوَهَاب حَدَّث عَن أَبِي الحَسَن العلَّاف، وأَبُوهُمَا عبد الوَهَّابِ سَمِعَ أَبَاه وعَنْه أَبُو الفَضْلِ الطُّوسِيُّ وحَفِيدُه أَحمَدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ حَدَّثَ، ومحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الوَهَّاب السِّيبيّ حَدَّثَ عَنْ أَبِي الوقت، وإسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ فَارِسِ بْنِ السِّيبِيّ عَنْ أَبِي الفَضْلِ الأَرْمَوِيّ، وابْنُ نَاصِر مات بِدِنِيسر سنة 614 وأَخُوه عُثْمَان سَمِع مَعَهُ وَمَاتَ قَبْلَهُ سنة 610 والمُبَارَكُ بْنُ إبْرَاهيمِ بْنِ مُخْتَارٍ الدَّقَاق بْنِ السِّيبِيّ عَن أَبِي القَاسِم بْن الحُصَينِ، وابنُه عُبيدُ الله بْنُ المُبَارَكِ عَن أَبي الفَتْح بْنِ البَطِّي. قال ابْن نُقْطَةَ: سَمِعْتُ مِنْه، وفِيه مَقَالٌ.

مَاتَ سَنَةَ 619. وابْنُه المُظَفَّر سَمِعَ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ بيان.

وأَبُو مَنْصُور مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ السِّيبِيّ رَوَى عنه نِظَامُ المُلكِ. وأَحمَدُ بْنُ أَحمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عليّ القصْرِيّ السِّيبِيّ، حَدَّثَ عَنِ ابْن ماس وغَيرِه. ذكره الذَهَبِيّ، تُوُفِّي سَنَة 439. وأَبُو القَاسِم عَبد الرَّحْمَن بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حُسينٍ السِّيبِيُّ، سَمِعَ منه أَبو المَيْمُونِ عَبْدُ الوَهابِ بْنُ عتِيق بْنِ وَرْدَان مُقْرِئ مصر، ذكره المُنْذِرِيّ في التَّكْمِلَةِ.

والسِّيب بالكَسْرِ: التُّفَّاحُ فَارِسيُّ. قال أَبُو العَلَاء: وَمِنْه سِيبَوَيْه أَي سِيبُ: تُفَّاحٌ، وَوَيْه: رَائِحَتُه فكأَنه رَائِحَةُ تُفَّاح، قَالَه السِّيرَافِيُّ. وأَصْلُ التَّرْكيب تُفَّاح رَائِحَة، لأَنَّ الفُرْسَ وغَيْرهم عَادَتُهم تَقْدِيمُ المُضَافِ عَلَى المُضَافِ إلَيْه غَالِبًا.

وقال شَيْخُنا: وَفِي طَبَقَاتِ الزُّبيدِيّ. حَدَّثَنِي أَبو عَبْدِ الله مُحَمَّد بن طَاهِرٍ العَسْكَرِيّ قال: سِيبَوَيه: اسمٌ فَارِسِيٌّ، والسِّي: ثَلَاثون، وبوَيْه: رَائِحَة، فكأَنَّه في المَعْنى ثَلاثُونَ رَائِحة أَي الَّذي ضُوعِفَ طِيب رَائِحتِه ثَلاثِين، وكَانَ فِيمَا يُقالُ حَسَنَ الوَجه طَيِّبَ رَائِحة، انْتَهَى. وقال جَمَاعة: سِيبَوَيه بالكَسْرِ، وويه: اسْم صَوتٍ بُنِي عَلَى الكَسْرِ، وكَرِه المحدِّثُون النُّطقَ بِهِ كأَضْرَابِه فَقَالُوا: سِيبُويَه، فضموا المُوَحَّدَة، وسَكَّنوا الوَاوَ، وفَتَحُوا التَّحْتِيَّةَ، وأَبْدَلُوا الهَاءَ فَوْقِيَّة يُوقَفُ عَلَيْها، وهَذَا قَوْلُ الكُوفِيِّينَ. وهو لَقَبُ أَبِي بِشْر عَمْرو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ قَنْبرٍ الشِّيرازِيّ كَانَ مَوْلًى لِبَنِي الحَارِث بْنِ كَعْبٍ، وُلِد بِالبَيْضَاءِ من قُرَى شِيرَاز، ثم قَدِم البَصْرَةَ لِرِوَايَة الحَدِيثِ، ولَازَم الخَلِيلَ بْنَ أَحْمَدَ، وقَضَايَاهُ مَعَ الكِسَائِيّ مَشْهُورَةٌ، وهو إمَامُ النُّحَاة بلا نِزَاعٍ، وكِتَابه الإمَامُ في الفَنِّ، تُوفي بالأَهْوازِ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَمَائَةٍ عَن اثْنَيْن وثَلَاثِين، قَالَه الخَطِيبُ، وقيل غَيْر ذلِكَ. وسِيبَوَيْهِ أَيْضًا: لَقَبُ أَبِي بَكْر مُحَمَّد بْن مُوسَى بْنِ عَبْدِ العَزِيز الكِنْدِيّ الفَقِيهِ المِصْرِيّ عُرِفَ بابْن الحَبَى، سَمِعَ من النّسَائِيّ والمُبَارَكِ بْنِ مُحَمَّدٍ السُّلميّ الجبيّ والطَّحَاوِيِّ. وغيرهم، ذَكَرَهُ الذَّهَبِيّ. مَاتَ في صفر سنة 358 ه‍ ـ.

قُلْتُ: وقد جَمَعَ له ابنُ زولاق ترجمة في مُجَلَّد لَطِيف، وهُوَ أَيْضًا لَقَبُ عَبْد الرَّحْمَن بن مادر المَدَائِنِيّ، ذكره الخَطِيبُ في تَارِيخه. وأَيْضًا لَقَبُ أَبي نَصْر مُحَمَّد بْنِ عَبْدِ العَزِيز بْنِ مُحَمَّد بْن مَحْمُودِ بْنِ سَهْلٍ التَّيميّ الأَصبهانِيّ النَّحْوِيّ، كما في طَبقاتِ النحاةِ للسُّيُوطِيِّ.

ومِنَ المَجَاز: سَابَتِ الدَّابَّة: أُهْمِلَت، وسَيَّبْتُها. وسَيَّبْتُ الشي‌ءَ: تركْتُه يَسِيبُ حَيْث شَاءَ. والسائِبَةُ: المُهْمَلَةُ، ودَوَابُّهم سَوَائِبُ وسُيِّبٌ. وعِنْدَه سَائِبةٌ منَ السَّوائِب.

والسَّائِبَةُ: العَبْدُ يُعْتَقُ على أَن لَا وَلَاءَ له أَي عَلَيْه.

وقال الشَّافِعِيُّ: إذَا أَعْتقَ عَبْدَهُ سَائِبَةً، فماتَ العَبْدُ وخَلَّفَ مَالًا ولم يَدَعْ وَارِثًا غَيْر مَوْلَاهُ الَّذِي أَعْتَقَه، فمِيراثُه لمُعْتِقِه، لأَنَّ النبيَّ صَلَّىَ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمْ جَعَلَ الوَلَاءَ لُحْمَةً كلُحْمَةِ النَّسَبِ [فكما أَن لُحمةَ النّسبِ] لا تَنْقَطِع كَذلِكَ الوَلَاءُ.

وقَال صَلَّىَ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمْ: «الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَق». ورُوي عَنْ عُمَرَ رضي ‌الله‌ عنه أَنَّه قَالَ: «السَّائِبَةُ والصَّدَقَةِ ليَوْمِهما». قال أَبُو عُبَيْدَة أَي يَوْم القيَامة فلا يُرجَعُ إلَى الانتِفَاع بِشَيْ‌ءٍ منهما بعد ذَلِكَ في الدُّنْيَا، وذلِكَ كالرَّجل يُعْتِقُ عبده سَائِبَةً فَيَمُوتُ العَبْد وَيَتْرُكَ مَالًا ولا وَارِثَ لَه، فلا يَنْبَغِي لمُعْتِقَه أَن يَرْزَأَ مِنْ مِيرَاثِه شَيْئًا إلا أَنْ يَجْعَلَه في مِثْله. وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الله: «السَّائِبَة يَضَعُ مَالَه حَيْثُ شَاءَ» أَي العَبْدُ الَّذِي يُعْتَقُ سَائِبَةً ولا يَكُونُ وَلَاؤُه لِمُعْتِقِه ولا وَارِثَ لَهُ فيضَعُ مَالَه حَيْثُ شَاءَ، وهُوَ الذي وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ.

والسّائِبَةُ: البَعِيرُ يُدْرِكُ نِتَاجَ نِتَاجه، فيُسَيَّبُ؛ أَي يُتْرَكُ ولا يُرْكَبُ ولا يُحْمَلُ عَلَيْهِ. والسَّائِبَةُ الَّتِي في القُرآنِ العَزيزِ في قَوْلِهِ تَعَالى: {ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ}.

النَّاقَةُ التي كَانَتْ تُسَيَّبُ في الجَاهِليَّةِ لنَذْرٍ ونَحْوِه كَذَا في الصِّحَاح. أو أَنَّهَا هِيَ أُمُّ البَحِيرَةِ كَانَت النَاقَةُ إذا وَلَدَت عَشَرَةَ أَبْطُن كُلّهُن إنَاثٌ سُيِّبَتْ فلم تُرْكَبْ ولم يَشرب لَبَنَها إلا وَلَدُها أَو الضَّيْفُ حَتَّى تَمُوتَ، فإذا مَاتَت أَكَلَهَا الرِّجَالُ والنِّسَاءُ جَمِيعًا، وبُحِرَت أُذُن بِنْتِهَا الأَخِيرَة فتُسَمَّى البَحِيرَةَ، وَهِي بِمَنْزِلَةِ أُمِّهَا في أَنَّها سَائِبَةٌ، والجَمْعُ سُيَّبٌ مِثْل نَائِمَةٍ ونُوِّمٍ، ونائِحَة ونُوَّحٍ.

أَو السَّائِبَةُ ـ على ما قَالَ ابْنُ الأَثِيرِ: كَانَ الرَّجُلُ إذَا قَدَمَ مِنْ سَفَرٍ بَعِيدٍ أَو بَرِئَ مِنْ عِلَّة، أَوْ نَجَتْ وفي لِسَانِ العَرَب نَجَّتْه دَابَّتُه مِن مَشَقة أو حَرْبٍ قَالَ: هِي أَي نَاقَتي سائِبَةٌ أَي تُسَيَّبُ، فلا يُنْتَفَعُ بِظَهْرِهَا، ولا تُحَلَّاءُ عَنْ مَاءٍ، ولا تُمْنَعُ مِنْ كَلا، ولا تُرْكَب. أَو كان يَنْزَعُ من ظَهْرِها فقَارَة أَو عَظْمًا فتُعْرَفُ بِذَلِكَ وَكَانت لا تُمْنَع عَنْ مَاءٍ ولا كَلٍا ولا تُرْكَب ولا تُحْلَبُ، فأغِير عَلَى رَجُلٍ من العَرَب فلم يَجِدْ دَابَّةً يَرْكَبُهَا فركِبَ سَائِبَةً، فقِيلَ: أَتَرْكَبُ حَرَامًا؟ فَقَال: «يَرْكَبُ الحرامَ مَنْ لا حَلَالَ له» فذَهَبَتْ مَثَلًا. وفي الحَدِيث: «رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ لُحَيِّ يَجُرّ قُصْبَة فِي النَّارِ» وكان أَوَّل مَنْ سَيَّب السَّوَائب. وهي الَّتي نَهَى اللهُ عَنْهَا بقَوْلِه: {ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ}. فالسَّائِبَةُ: بِنْتُ البَحِيرَة.

والسَّائِبَتَان: بَدَنَتَان أَهْدَاهُما النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمْ إلَى البَيْتِ، فأَخَذَهُما وَاحِدٌ من المُشْرِكين فَذَهَب بِهِمَا، سَمَّاهُمَا سَائِبَتَيْن، لأَنَّه سيَّبَهما للهِ تَعَالى.

وقَدْ جَاءَ في الحديث «عُرِضَت عَلَيَّ النَّارُ فَرَأَيتُ صَاحبَ السَائِبَتَيْن يُدْفَعُ بِعَصًا».

* ومما بَقِي عَلَى المُؤلِّف مِنَ المَجَازِ: سَابَ الرَّجُلُ في مَنْطِقِه إذَا ذَهَبَ فِيه بِكُلِّ مَذْهَبٍ. وعِبَارَةُ الأَسَاسِ: أَفَاضَ فيهِ بِغَيْرِ رَوِيَّة، وفي حديث عَبْدِ الرَّحْمَن بْنِ عَوْف «أَنَّ الحيلةَ بِالمَنْطِق أَبْلَغُ منَ السُّيُوبِ في الكَلِم».

السُّيُوبُ: ما سُيِّبَ وخُلِّيَ. [فسابَ؛ أَي ذهب] سَابَ في الكَلام: خَاضَ فِيه بهَذْرٍ. أَي التَّلَطُّفُ والتَّقَلُّلُ منه أَبْلَغُ من الإكْثَار، كَذَا فِي لِسَانِ العَرَب.

والسَّيَابُ كسَحَاب ويُشَدَّدُ مَعَ الفتح. والسُّيَّابُ كَرُمَّان إذا فُتِحَ خُفِّفَ، وإذا شَدَّدْتُه ضَمَمْتَه ـ وَوَهِمَ شَيْخُنَا في الاقْتِصَارِ على الفَتْح ـ البَلَحُ أَو البُسْرُ الأَخْضَرُ، قالَه أَبو حَنِيفة، وَاحِدَتُه سَيَابَة وسَيَّابَة، وبِهَا سُمِّي الرَّجُلُ. قال أُحَيْحَةُ: أَقْسَمْتُ لَا أُعْطِيكَ في كَعْبٍ ومَقْتَلِه سَيَابَهْ.

وقال أَبو زُبيد:

أَيَّامَ تَجْلُو لَنَا عَن بَارِدٍ رَتل *** تَخَال نَكْهَتَهَا باللَّيْلِ سُيَّابا

أراد نَكْهَةَ سُيَّابٍ.

وعن الأصْمَعِيّ: إذَا تَعَقَّد الطَّلْعُ حَتَّى يَصِيرَ بَلَحًا فهو السَّيَابُ مُخَفَّف، وَاحدَته سَيَابَةٌ. وقال شَمِر: هُوَ السَّدَاءُ مَمْدُودٌ بِلُغَةِ أَهْلِ المَدِينَة، وهَيِ السَّيَابَة بلُغةِ وَادِي القُرَى.

وأَنْشَدَ لِلَبِيدٍ:

سَيَابَةٌ مَا بِهَا عَيْبٌ وَلَا أَثَرُ

قال: وسَمِعْتُ البَحْرَانِيِّين تَقُولُ: سُيَّابٌ وسُيَّابَةٌ. وفي حَدِيث أُسَيْدِ بْنِ خُضَيْر: «لو سَأَلْتَنَا سَيَابَةً ما أَعْطَيْنَاكَهَا» هِيَ مُخَفَّفَةٌ وسَيَابَةٌ كَسَحَابَةٍ: الخَمْرُ. وسَيْبَانُ بْنُ الغَوْثِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَوْف بْنِ عَدِيِّ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْد بن شَدد بن زُرْعة، وهو حمْيَرُ الأَصْغَرُ، وهو بالفَتحِ والكَسْرُ قَلِيلٌ: أَبْو قَبِيلَةٍ مِنْ حِمْيَر: منها* أبُو العَجْمَاءِ كذا في النُّسَخ، وصَوَابُه أَبو العَجْفَاءِ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الله الدَّيْلميُّ عن عَوفِ بْنِ مَالِك.

وأَبُو زُرْعَةَ يَحْيَى بْنُ أَبِي عَمْرو. قَال أَبو حَاتمِ: ثِقَةٌ.

وأَيُّوبُ بْنُ سُوَيْد الرَّمْلِيُّ قُلْتُ: ويروي أَبو العَجْفَاءِ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن عُمَر، نَقَله الفَرَضِيّ عن الحَازِمِيّ. وكَتَب الفَرَضِيُّ مِيمًا عَلَى عَبْد الله، وأَجْرَى عَلَى عَمْرو مَكَانَه هُوَ عَمْرو بْنُ عَبْدِ اللهِ المُتَقَدّمُ بِذِكْرِه. وأَبُو عَمْرو وَالدُ يَحيَى حَدَّثَ أَيْضًا، ومات ابْنُه يَحْيَى سنة 148 قَالَه ابن الأَثِير.

وذَكَر الذّهَبِيّ أَنَّ الفرضيّ ضَبَطَ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ اللهِ السِّيبَانِيّ المُتَقَدِّم بِذِكْره «بكسر السين» والمَشْهُور، بفَتحها. وضَبَطَه الرَّضِيّ الشَّاطِبِيّ أَيْضًا «بالكسْر» كالهَمْدَانِيّ النَّسَّابةُ. وهم يَنْتَسِبُون إلى سَيْبَانَ بْنِ أَسْلَمَ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْغَوْث. وأَسْقَطَ ابنُ حَبِيبٍ أَسْلَم وزَيْدًا مِنْ نَسَبه فَقَال: هو سَيْبَانُ بْنُ الغَوْثِ كما تَقَدَّم فاعْرِفْ ذَلِكَ.

وسَيْبَان بالفَتْح وَحْدَه: جَبَل وَرَاءَ وَادِي القُرَى.

ودَيْرُ السَّابانِ والذي ذَكَره ابْنُ العَدِيم: سَابَان بِلَا لَام: موضع بين حَلَب وأَنْطَاكِيَةَ قَرِيبَان من دَيْر عَمَان يُعَدَّان من أَعْمَال حَلَب، وهما خَرِبَان الآن، وفِيهمَا بِنَاءٌ عَجِيبٌ وقُصُورٌ مُشرِفَة. وَبَيْنَهُمَا قَرْيَةُ أَحدِ الديرين مِنْ قِبَلِ القَرْيَة، والآخَرُ من شَمَالِّيَها، وَفِيهما يَقُول حَمْدَان الأَثَارِبِيّ:

دَيْرُ عَمَان ودَيْر سَابَانِ *** هِجْن غَرَامي وزدْنَ أَشْجَائِي

إذَا تذَكَّرتُ فِيهما زَمَنا *** قَضَّيْتُه في عُرام رَيْعَانِي

يا لَهْفَ نَفْسي مِمَّا أُكَابِدُه *** إن لَاح بَرقٌ من دَيْر حَشْيَانِ

وَمَعْنَى دَيْر سَابَان بالسُّريَانِيَّة: دَيْر الجَمَاعَة، ومَعْنَى دير عَمَان دَيْر الشَّيْخ، كذا في تَارِيخ حَلَبَ لابْنِ العَدِيم.

والمَسِيبُ كَمَسِيلٍ: وَادٍ والمُسَيَّبُ كمُعَظَّم: ابنُ عَلَسٍ مُحَرّكَة الشَّاعِر والمُسَيَّبُ بن رَافِع وهو كمُحمَّد بلا خِلَاف. وطيّ ابن المُسَيَّب بن فَضَالَة العَبْدِيِّ مِن رِجَالِ عَبْدِ القَيْس.

وسَيَابَةُ بنُ عَاصِم بْنِ شَيْبان السُّلميّ صَحَابِيُّ فَرْدٌ لَهُ وِفَادَة، رَوَى حَدِيثَه عَمْرُو بْنُ سَعِيد قوله: «أَنَا ابْنُ العَوَاتِك» كذا في المعجم.

وجَعفَر بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيّ بن بيان بْنِ زَيْدِ بْنِ سَيَابَة الغَافِقِيّ المِصْرِيّ مُحَدِّث، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لا يُسَاوِي شَيْئًا.

وسَيَابَةُ: تابِعِيَّةٌ عَنْ عَائِشَة، وعَنْهَا نَافِع، ويُقَال: هِيَ سَائِبَةُ.

والسَائِبُ: اسْمٌ من سَابَ يَسِيب إذَا مَشَى مُسْرِعًا أَو مِنْ سَابَ المَاءُ إذَا جَرَى.

والسَائِبُ: ثَلَاثَةٌ وعِشْرُونَ صَحَابِيًّا، انظر تَفْصِيلهم في الإِصَابة، وفي مُعْجَم الحَافِظ تَقِيِّ الدِّين بْنِ فَهْدٍ الهَاشِميّ.

وأَبو السَّائِب: صَيْفيُّ بْن عَائِذٍ من بَني مَخْزُومٍ، قِيلَ: كَانَ شَرِيكًا للنبيّ صَلَّىَ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمْ قَبْلَ مبْعَثِه.

والسَّائِبُ بن عُبَيْد أَبُو شَافع المُطَّلبِيّ جَدّ الإمَام الشَّافِعِيّ رضي ‌الله‌ عنه، قيلّ لَهُ صُحْبَةٌ.

والسُّوبان: اسم وَادٍ، وقد تَقَدَّمَ في السُّوبَة.

والمُسَيِّبُ بن حَزْن بن أَبِي وَهْب المَخْزُومِيّ كمحَدِّث: وَالِد الإمام التَّابِعِيّ الجَلِيل سَعِيد له صُحْبَةٌ، رَوَى عنهُ ابنُه ويُفْتَح قال بَعْضُ المُحدِّثين: أَهْل العِرَاق يَفْتَحُون، وأَهْل المَدِينَة يَكْسِرُون، ويَحْكُون عَنْه أَنه كَانَ يَقُول: سَيَّب اللهُ مَنُ سَيَّبَ أَبِي، والكَسْر حَكَاهُ عِيَاض وابْن المَدِيني، قاله شيخنا.

ومما بقي عليه المُسَيَّبُ بْنُ أَبِي السَّائِبِ بْنِ عَبْدِ الله المَخْزُومِيّ أَخُو السَّائِبِ، أَسْلَم بَعْدَ خَيْبَر. والمُسَيَّبُ ابنُ عَمْرو أُمِّر عَلَى سَرِيَّة، يُرْوَى ذلِكَ عن مُقاتِل بْنِ سُلَيْمَان، كَذَا قَالَه ابْنُ فَهْد. وسَيَابَةُ أُمُّ يَعْلى بْنِ مُرَّة بْنِ وَهْبٍ الثَّقَفِيّ، وبِهَا يُعْرَفُ ويُكْنَى أَبا المَرَازِم.

تاج العروس-مرتضى الزَّبيدي-توفي: 1205هـ/1791م


10-لسان العرب (سطح)

سطح: سَطَحَ الرجلَ وَغَيْرَهُ يَسطَحه، فَهُوَ مسْطوحٌ وسَطِيح: أَضْجَعَه وَصَرَعَهُ فَبَسَطَهُ عَلَى الأَرض.

وَرَجُلٌ مَسْطُوحٌ وسَطِيحٌ: قَتيلٌ منبَسِطٌ؛ قَالَ اللَّيْثُ: السَّطِيحُ المَسْطُوحُ هُوَ الْقَتِيلُ: وأَنشد:

حَتَّى يَراه وَجْهها سَطِيحا والسَّطِيح: الْمُنْبَسِطُ، وَقِيلَ: الْمُنْبَسِطُ الْبَطِيءُ الْقِيَامُ مِنَ الضَّعْفِ.

والسَّطِيح: الَّذِي يُولَدُ ضَعِيفًا لَا يقدر

عَلَى الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ، فَهُوَ أَبدًا مُنْبَسِطٌ.

والسَّطِيح: الْمُسْتَلْقِي عَلَى قَفَاهُ مِنَ الزِّمَانَةِ.

وسَطِيحٌ: هَذَا الْكَاهِنُ الذِّئْبيُّ، مِنْ بَنِي ذِئْب، كَانَ يَتَكَهَّنُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لأَنه كَانَ إِذا غَضِبَ قَعَدَ مُنْبَسِطًا فِيمَا زَعَمُوا؛ وَقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لأَنه لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيْنَ مَفَاصِلِهِ قَصَبٌ تَعْمِدُه، فَكَانَ أَبدًا مُنْبَسِطًا مُنْسَطِحًا عَلَى الأَرض لَا يَقْدِرُ عَلَى قِيَامٍ وَلَا قُعُودٍ، وَيُقَالُ: كَانَ لَا عَظْمَ فِيهِ سِوَى رأْسه.

رَوَى الأَزهري بإِسناده عَنِ مَخْزُوم بْنِ هانئٍ الْمَخْزُومِيِّ عَنْ أَبيه: وأَتت لَهُ خَمْسُونَ وَمِائَةُ سَنَةٍ؛ قَالَ: لَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةَ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارْتَجَسَ إِيوانُ كِسْرى وَسَقَطَتْ مِنْهُ أَربع عَشْرَةَ شُرْفةً، وخَمِدَتْ نَارُ فارِسَ وَلَمْ تَخْمَدْ قَبْلَ ذَلِكَ مِائَةَ عَامٍ، وَغَاضَتْ بُحَيْرَة ساوَةَ؛ ورأَى المُوبِذانُ إِبلًا صِعابًا تَقُودُ خَيْلًا عِرابًا قَدْ قَطَعَتْ دِجْلَة وَانْتَشَرَتْ فِي بِلَادِهَا، فَلَمَّا أَصبح كِسْرَى أَفزعه مَا رأَى فَلَبِسَ تَاجَهُ وأَخبر مرازِبَتَه بِمَا رأَى، فَوَرَدَ عَلَيْهِ كِتَابٌ بِخُمُودِ النَّارِ؛ فَقَالَ المُوبِذانُ: وأَنا رأَيت فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وقَصَّ عَلَيْهِ رُؤْيَاهُ فِي الإِبل، فَقَالَ لَهُ: وأَيُّ شَيْءٍ يَكُونُ هَذَا؟ قَالَ: حَادَثَ مِنْ نَاحِيَةِ الْعَرَبِ.

فَبَعَثَ كِسْرَى إِلى النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ: أَنِ ابْعَثْ إِليَّ بِرَجُلٍ عَالِمٍ لِيُخْبِرَنِي عَمَّا أَسأَله؛ فَوَجَّه إِليه بِعَبْدِ المَسيح بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيلَة الغسَّانيّ، فأَخبره بِمَا رأَى؛ فَقَالَ: عَلِمَ هَذَا عِنْدَ خَالِيَ سَطِيح، قَالَ: فأْتِه وسَلْه وأْتنِي بِجَوَابِهِ؛ فَقَدِمَ عَلَى سَطِيح وَقَدْ أَشْفى عَلَى الْمَوْتِ، فأَنشأَ يَقُولُ:

أَصَمّ أَم يَسْمَعُ غِطرِيفُ اليَمنْ؟ ***أَم فادَ فازْلَمَّ بِهِ شَأْوُ العَنَنْ؟

يَا فاصِلَ الخُطَّةِ أَعْيَتْ مَنْ ومَنْ ***، أَتاكَ شَيْخُ الحَيِّ مِنْ آلِ سَنَنْ

رسولُ قَيْلِ العُجْمِ يَسْري للوَسَنْ، ***وأُمُّه مِنْ آلِ ذِئْبِ بنِ حَجَنْ

أَبْيضُ فَضْفاضُ الرِّداءِ والبَدَنْ، ***تَجُوبُ بِي الأَرْضَ عَلَنْداةٌ شَزَنْ،

تَرْفَعُنِي وَجْنًا وتَهْوِي بِي وَجَنْ ***، حَتَّى أَتى عارِي الْجَآجِي والقَطَنْ،

لَا يَرْهَبُ الرَّعْدَ وَلَا رَيْبَ الزَّمَنْ، ***تَلُفُّهُ فِي الرِّيحِ بَوْغاءُ الدِّمَنْ

، كأَنما حُثْحِثَ مِنْ حِضْنَيْ ثَكَنْ

قَالَ: فَلَمَّا سَمِعَ سَطِيحٌ شِعْرَهُ رَفَعَ رأْسه، فَقَالَ: عبدُ الْمَسِيحِ، عَلَى جَمَل مُسيح، إِلى سَطيح، وَقَدْ أَوْفى عَلَى الضَّريح، بَعَثَكَ مَلِكُ بَنِي سَاسَانَ، لِارْتِجَاسِ الإِيوان، وخُمُود النِّيرَانِ، ورُؤيا المُوبِذان، رَأَى إِبلًا صِعابًا، تَقُود خَيْلًا عِرابًا، يَا عَبْدَ الْمَسِيحِ إِذا كَثُرَتِ التِّلاوَة، وبُعِثَ صَاحِبُ الهِراوة، وغاضَتْ بُحَيْرَة سَاوَةْ، فَلَيْسَ الشَّامَ لِسَطِيحٍ شَامًا، يَمْلِكُ مِنْهُمْ مُلوكٌ ومَلِكات، عَلَى عددِ الشُّرُفاتِ، وَكُلُّ مَا هُوَ آتٍ آتٍ، ثُمَّ قُبِضَ سطيحٌ مَكَانَهُ، وَنَهَضَ عَبْدُ الْمَسِيحِ إِلى رَاحِلَتِهِ وَهُوَ يَقُولُ:

شَمِّرْ فإِنك، مَا عُمِّرْتَ، شِمِّيرُ ***لَا يُفْزِعَنَّك تَفْريقٌ وتَغْييرُ

إِن يُمْسِ مُلْكُ بَنِي ساسانَ أَفْرَطَهُمْ، ***فإِنَّ ذَا الدَّهْرَ أَطْوارٌ دَهارِيرُ

فَرُبَّما رُبَّما أَضْحَوا بمنزلةٍ، ***تَخافُ صَولَهُمُ أُسْدٌ مَهَاصِيرُ

مِنْهُمْ أَخُو الصَّرْحِ بَهْرام، وإِخْوَتُهُمْ، ***وهُرْمُزانٌ، وسابورٌ، وسَابُورُ

والناسُ أَوْلادُ عَلَّاتٍ، فَمَنْ عَلِمُوا ***أَن قَدْ أَقَلَّ، فمَهْجُورٌ ومَحْقُورُ

وَهُمْ بَنُو الأُمِّ لمَّا أَنْ رَأَوْا نَشَبًا، ***فذاكَ بالغَيْبِ محفوظٌ ومنصورُ

والخيرُ والشَّرُّ مَقْرُونانِ فِي قَرَنٍ، ***فالخَيرُ مُتَّبَعٌ والشَّرُّ مَحْذورُ

فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى كِسْرَى أَخبره بِقَوْلِ سَطِيحٍ؛ فَقَالَ كِسْرَى: إِلى أَن يَمْلِكَ مِنَّا أَربعة عَشَرَ مَلِكًا تَكُونُ أُمور، فَمَلَكَ مِنْهُمْ عَشْرَةٌ فِي أَربع سِنِينَ، وَمَلَكَ الْبَاقُونَ إِلى زَمَنِ عُثْمَانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ قَالَ الأَزهري: وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ ذِكْرُ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ نُبُوَّةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، قَالَ: وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.

وانْسَطَحَ الرجلُ: امتدَّ عَلَى قَفَاهُ وَلَمْ يَتَحَرَّكِ.

والسَّطْحُ: سَطْحُك الشيءَ عَلَى وَجْهِ الأَرض كَمَا تَقُولُ فِي الْحَرْبِ: سَطَحُوهم أَي أَضْجَعُوهم عَلَى الأَرض.

وتَسَطَّحَ الشيءُ وانْسَطَحَ: انْبَسَطَ.

وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ للمرأَة الَّتِي مَعَهَا الصِّبْيَانُ: «أَطْعِمِيهم وأَنا أَسْطَحُ لَكِ»أَي أَبْسُطه حَتَّى يَبْرُدَ.

والسَّطْحُ: ظَهْرُ الْبَيْتِ إِذا كَانَ مُسْتَوِيًا لِانْبِسَاطِهِ؛ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَعلاه، وَالْجَمْعُ سُطوح، وفعلُك التَّسطيحُ.

وسَطَحَ البيتَ يَسْطَحُه سَطْحًا وسَطَّحه سوَّى سَطْحه.

ورأَيت الأَرضَ مَساطِحَ لَا مَرْعَى بِهَا: شُبِّهَتْ بِالْبُيُوتِ الْمَسْطُوحَةِ.

والسُّطَّاحُ مِنَ النَّبْتِ: مَا افْتَرَشَ فَانْبَسَطَ وَلَمْ يَسْمُ؛ عَنْ أَبي حَنِيفَةَ.

وسَطَحَ اللهُ الأَرضَ سَطْحًا: بَسَطَهَا.

وتَسطِيحُ الْقَبْرِ: خِلَافُ تَسْنِيمِه.

وأَنفٌ مُسَطَّحٌ: منبسِط جِدًّا.

والسُّطَّاحُ، بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيدِ: نَبتَةٌ سُهْلِيَّة تَنسَطِح عَلَى الأَرض، وَاحِدَتُهُ سُطَّاحة.

وَقِيلَ: السُّطَّاحة شَجَرَةٌ تَنْبُتُ فِي الدِّيَارِ فِي أَعطان الْمِيَاهِ مُتَسَطِّحَة، وَهِيَ قَلِيلَةٌ، وَلَيْسَتْ فِيهَا مَنْفَعَةٌ؛ قَالَ الأَزهري: والسُّطَّاحة بَقْلَةٌ تَرْعَاهَا الْمَاشِيَةُ ويُغْسَلُ بوَرَقِها الرؤوس.

وسَطَحَ النَّاقَةَ: أَناخها.

والسَّطيحة والسَّطيح: المَزادة الَّتِي مِنْ أَدِيمَيْن قُوبل أَحدُهما بِالْآخَرِ، وَتَكُونُ صَغِيرَةً وَتَكُونُ كَبِيرَةً، وَهِيَ مِنْ أَواني الْمِيَاهِ.

وَفِي الْحَدِيثِ: «أَن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي بَعْضِ أَسفاره فَفَقَدوا الماءَ، فأَرْسَل عَلِيًّا وَفُلَانًا يَبْغِيان الْمَاءَ فإِذا هما بامرأَة بين سَطِيحَتَيْن»؛ قَالَ: السَّطِيحة المَزادة تَكُونُ مِنْ جِلْدَيْنِ أَو المَزادة أَكبر مِنْهَا.

والمِسْطَحُ: الصَّفاة يحاط عليها بالحجارة فيجتمع فِيهَا الْمَاءُ؛ قَالَ الأَزهري: والمِسْطَحُ أَيضًا صَفِيحة عَرِيضَةٌ مِنَ الصَّخْر يُحَوَّط عَلَيْهَا لِمَاءِ السَّمَاءِ؛ قَالَ: وَرُبَّمَا خَلَقَ اللَّهُ عِنْدَ فَمِ الرَّكِيَّة صَفاةً مَلْساء مُسْتَوِيَةً فَيُحَوَّطُ عَلَيْهَا بِالْحِجَارَةِ وتُسْقَى فِيهَا الإِبلُ شِبْهَ الحَوْض؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الطِّرِمَّاح:

فِي جنبي مريٍّ ومِسْطَحِ

والمِسْطَحُ: كُوز ذُو جَنْبٍ وَاحِدٍ، يُتَّخَذُ لِلسَّفَرِ.

والمِسْطَحُ والمِسْطَحَةُ: شِبْهُ مِطْهَرة لَيْسَتْ بمربعة، والمِسْطَحُ [المَسْطَحُ]، تُفْتَحُ مِيمُهُ وَتُكْسَرُ: مَكَانٌ مستوٍ يُبْسَطُ عَلَيْهِ التَّمْرُ وَيُجَفَّفُ ويُسَمَّى الجَرِينَ، يَمَانِيَةٌ.

والمِسْطَحُ: حَصِيرٌ يُسَفُّ مِنْ خُوصِ الدَّوْم؛ وَمِنْهُ قَوْلُ تَمِيمِ بْنِ مُقْبِلٍ:

إِذا الأَمْعَزُ المَحْزُوُّ آضَ كأَنه، ***مِنَ الحَرِّ فِي حَدِّ الظَّهِيرَةِ، مِسْطَحُ

الأَزهري: قَالَ الْفَرَّاءُ هُوَ المِسْطَحُ والمِحْوَرُ والشُّوبَقُ.

والمِسْطَحُ: عمودٌ مِنْ أَعمِدَة الخِباءِ والفُسْطاط؛ وَفِي حَدِيثِالنَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَّ حَمَلَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ لِلنَّبِيِّ»، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُنْتُ بَيْنَ جَارَتَيْنِ لِي فضربتْ إِحداهما الأُخرى بمسْطَح، فأَلقت جَنِينًا مَيِّتًا وَمَاتَتْ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدِيَةِ الْمَقْتُولَةِ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلَةِ؛ وَجَعَلَ فِي الْجَنِينِ غُرَّة؛ وَقَالَ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ النَّضْرِيُّ، وَفِي حَوَاشِي ابْنِ بَرِّيٍّ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ النَّضْرِيِّ:

تَعرَّضَ ضَيطارُو خُزاعَةَ دونَنا، ***وَمَا خَيرُ ضَيطارٍ يُقَلِّبُ مِسْطَحا

يَقُولُ: لَيْسَ لَهُ سِلَاحٌ يُقَاتِلُ بِهِ غَيْرَ مِسْطَح.

والضَّيْطارُ: الضَّخْمُ الَّذِي لَا غَناءَ عِنْدَهِ.

والمِسْطَحُ: الْخَشَبَةُ المُعَرَّضة عَلَى دِعامَتَيِ الكَرْم بالأُطُرِ؛ قَالَ ابْنُ شُمَيْل: إِذا عُرِّشَ الكَرْمُ، عُمِدَ إِلى دَعَائِمَ يَحْفِرُ لَهَا فِي الأَرض، لِكُلِّ دِعامةٍ شُعْبَتان، ثُمَّ تؤْخذ شُعْبَةٌ فتُعَرَّضُ عَلَى الدِّعامَتين، وتسمَّى هَذِهِ الْخَشَبَةُ الْمُعَرَّضَةُ المِسْطَح، وَيُجْعَلُ عَلَى المَساطِح أُطُرٌ مِنْ أَدناها إِلى أَقصاها؛ تُسَمَّى المَساطِحُ بالأُطُر مَساطِحَ.

لسان العرب-ابن منظور الإفريقي-توفي: 711هـ/1311م


11-تهذيب اللغة (سطح)

سطح: قال الليث: السَّطْحُ: سَطْحُك الشيءَ على وجه الأرض، كما تقول في الحرب: سَطَحُوهُم أي أَضْجَعُوهُم على الأَرْضِ، والسَّطِيحُ المسطوح هو القَتِيلُ، وأنشد:

* حتى تَراهُ وَسْطَهَا سَطيحًا*

وسَطِيحٌ الذِّئْبِيُّ كان في الجاهلية يتكَهَّنُ سُمِّي سطيحًا، لأنه لم يكن له بين مَفَاصِلِه قَصَبٌ فكان لا يقدر على قيام ولا قعود، وكان مُنْسَطِحًا على الأرض، وحَدَّثنا بقصته محمدُ ابنُ إسْحَاق السّعْدِيّ قال: حدثنا علي بن حرب المَوْصِليّ، قال: حدثنا أبو أيوب يَعْلَى بن عمْران البَجَلِيّ، قال: حدثني مخزوم بن هانىء المخزومي عن أبيه، وأَتَتْ له خمسون ومائة سنة قال: لما كانت ليلة ولد فيها رسول الله صلى‌ الله‌ عليه‌ وسلم ارْتَجَس إيوانُ كِسْرَى، وسقطت منه أربعَ عشرة شُرْفَةً، وخَمِدَت نارُ فارِس، ولم تَخْمَد قبل ذلك مائة عام، وغاضت بُحَيْرَة سَاوَةَ، ورأى المُوبِذَان إِبِلًا صِعابًا تقود خَيْلًا عِرابًا قد قَطَعَتْ دِجْلَةَ، وانتشرت في بلادها فلمّا أصبح كسرى أفزعه ما رأى، فلَبِس تاجه وأخبر مَرازِبَتَه بما رأى، فورد عليه كتَابٌ بخمود النار، فقال المُوبِذَانُ: وأنا رأيت في هذه الليلة وقَصَّ عليه رؤياه في الإبل، فقال له الملك: وأيُّ شيء يكون هذا؟ قال: حادث من ناحية العرب، فبعث كسرى إلى النعمان بن المنذر أن ابْعَثْ إليّ برجل عَالِمٍ ليخبرني عمَّا أسأله، فوجه إليه بعبد المسيح بن عمرو بن نُفَيْلَة الغَسَّانِي، فأخبره بما رأى، فقال: عِلْم هذا عند خالي سَطِيح، قال: فأته وسَلْه وأتِني بجوابه، فقدم على سَطِيح وقد أَشْفَى على الموت فأنْشَأَ يقول:

أَصَمُّ أم يَسْمَعُ غِطْرِيفُ اليمَن *** أم فَادَ فازْلَمَّ به شَأْوُ العَنَن

يا فَاصِلَ الْخُطَّة أَعْيَتْ مَنْ ومَنْ *** أَتَاكَ شَيْخُ الحَيِّ من آل سَنَنْ

رَسُولُ قَيْل العُجْم يَسْرِي لِلْوَسَن *** وأمّه من آل ذئْب بن حَجَن

أَبْيَضُ فَضْفَاضُ الرِّداء والبَدَنْ *** تَجُوبُ بي الأرضَ عَلَى ذات شَجَن

تَرْفَعُني وَجْنَاءُ تَهْوِي من وَجَن *** حتى أَتَى عاري الجبين والقَطَن

لا يَرْهَبُ الرَّعدَ ولا ريْبَ الزَّمن *** تَلُفُّهُ في الرِّيح بَوْغَاءٌ الدِّمَن

كأَنَّما حُثْحِثَ من حِضْنَي ثَكَن فلما سمع سَطِيح شِعْرَه رفع رأسَه فقال: عبد المسيح على جَمَلٍ مُشيح يهوي إلى سَطيح وقد أوفى على الضَّرِيح، بَعَثَكَ مَلِك من بني سَاسَان لارْتجَاسِ الإيوان وخمود النيران ورُؤْيا المُوبِذان، رأى إبِلًا صِعَابًا تقود خَيْلًا عِرَابًا.

يا عبدَ المسيح، إذا كَثُرَت التِّلاوة، وبُعِثَ صاحبُ الهِرَاوَة، وغاضت بُحَيرةُ سَاوَة، فليس الشأم لِسَطيح شَأمًا، يَمْلكُ منهم ملوك ومَلِكات على عَدَدِ الشُّرُفات، وكلّ ما هو آتٍ آت، ثم قُبِضَ سَطِيحٌ مكانه، ونهض عبد المسيح إلى راحلته وهو يقول:

شَمِّر فإنك ما عُمِّرْتَ شِمِّيرُ *** لا يُفْزِعَنَّكَ تَفْرِيقٌ وتَغْيِيرُ

إن يُمْسِ مُلْكُ بني ساسان أفرطهم *** فإنَّ ذا الدَّهْرِ أَطْوَارٌ دَهَارِيرُ

فرُبَّما رُبَّمَا أَضْحَوْا بِمَنْزِلَةٍ *** تخَافُ صَوْلَهُم أُسْدٌ مَهَاصِير

منهم أخو الصَّرْح بَهْرَامٌ وإخْوَتهُم *** وهْرْمُزَانٌ وسَابُورٌ وسَابُورُ

والناسُ أولاد عَلَّاتٍ فمن عَلِمُوا *** أَنْ قد أقلَّ فَمَهْجُورٌ ومَحْقُورُ

وهُم بَنُو الأُمِّ لَمَّا أن رَأَوْا نَشَبًا *** فذاك بالغَيْبِ مَحْفُوظٌ ومَنْصُورُ

والخيرُ والشَّرُّ مقرونان في قَرَنٍ *** فالخيرُ مُتَّبَعٌ والشَّرُّ مَحْذُورُ

فلمّا قدم على كِسْرى أخبره بقول سطيح فقال كِسْرى: إلى أن يَمْلِكَ مِنَّا أربعةَ عشرَ مَلِكًا تكون أمُورٌ، فملك منهم عَشَرَة في أربع سنين، ومَلَك الباقون إلى زَمَن عُثمان.

قلت: وهذا الخبر فيه ذكر آية من آيات نبوة محمد صلى‌ الله‌ عليه‌ وسلم قبل مبعثه، وهو حديث حسن غريب.

وقال الليث: السَّطحُ: ظَهْرُ البيت إذا كان مُسْتَوِيًا، وفِعْلُكه التَّسْطِيح.

قال: والمِسْطَح والمِسْطَحَةُ: شبه مِطْهَرَة ليست بمُربَّعة، قال: ويُسَمَّى هذا الكوزُ الذي يُتَّخَذُ للسفر ذُو الجَنْبِ الواحِدِ مِسْطَحًا.

وفي حديث النبي صلى‌ الله‌ عليه‌ وسلم أنّ حَمَلَ بن مالك قال للنبي صلى‌ الله‌ عليه‌ وسلم، كنتُ بين جَارَتَين لي فضَرَبَت إحداهما الأخرى بمِسْطح فألقت جَنينًا ميِّتًا وماتت، فقضى رسول الله صلى‌ الله‌ عليه‌ وسلم بدية المقتولة على عاقلة القاتلة، وجعل في الجنين غُرَّة.

قال أبو عُبَيد: المِسْطح: عُودٌ من عِيدان الخِباءِ أو الفُسْطاط.

وأنشد قول عوف بن مالك النَّضْرِيّ:

تَعرَّض ضَيْطَارُو فُعَالة دوننا *** وما خَيْرُ ضَيْطَارٍ يُقَلِّبُ مِسْطَحا

يقول: ليس له سلاح يقاتل به غير مِسْطح.

وفي حديث آخر أن النبي صلى‌ الله‌ عليه‌ وسلم كان في بعض أسفاره، ففقدوا الماء، فأرسل عَلِيًّا وفلانًا يبغيان الماء فإذا هما بامرأة بين سطيحتين.

قال أبو عُبَيد: قال الأصمعي والكِسَائي: السَّطِيحةُ: المزادَةُ تكون من جلدين، والمزادة أكبر منها.

ثعلب عن ابن الأعرابي قال: السَّطِيحة من المزاد: إذا كانت من جلدين قُوبِل أحدهما بالآخر فَسُطح عليه فهي سطيحة.

وقال غيره: المِسْطحُ: حصيرٌ يُسَفُّ من خُوصِ الدَّوْمِ، ومنه قولُ تَمِيم بن مُقبل:

إذا الأمْعَزُ المَحْزُوُّ آضَ كأنه *** من الحَرِّ في حَدِّ الظهيرة مِسطَحُ

والمِسْطَح: أيضًا: صفيحة عريضة من الصخر يُحَوَّط عليه لماء السماء، ورُبما خلق الله عند فم الرَّكِيَّة صفَاةً ملساء مستويةً فيُحَوَّط عليها بالحجارة، ويُسقَى فيها للإبل شبه الحوض، ومنه قول الطّرمّاح:

*.

.

.

في جَنْبَيْ مَدِيِّ ومِسْطَح *

والمِسْطَح أيضًا: مكان مُسْتَوٍ يُجَفَّفُ عليه التمر ويُسَمَّى الجَرِين.

والسُّطَّاحَة: بقلة ترعاها الماشية، ويُغسَل بورقها الرؤوس.

وقال الفرّاء: هو المِسْطح والمِحْورُ والشُّوبق.

قال ابن شميل: إذا عُرِّش الكرْمُ عُمِدَ إلى دعائم يُحْفَر لها في الأرض، لكل دعامة شُعْبَتان، ثم تؤخَذُ خَشَبَةٌ فَتُعَرَّضُ على الدّعامَتَيْن، وتُسَمَّى هذه الخشبة المعروضة المِسْطح، ويجعل على المساطِح أُطُرٌ من أدناها إلى أقصاها تُسمَّى المساطِح بالأُطُر مساطِح.

تهذيب اللغة-أبومنصور الأزهري-توفي: 370هـ/980م


12-القانون (إهمال طائش)

إهمال طائش: يقعد صاحبه عن بذل ما تقتضيه الظروف من تحوط واحتراز، قعودا مبعثه مجرد الطيش أو العناد وعدم الالتفات للعواقب.

المعجم القانوني (الفاروقي)


انتهت النتائج