1-معارف منوعة (العنف ضد النساء في المجتمع العربي)

العنف ضد النساء في المجتمع العربي:

عنف الزوج اتجاه الزوجه موجود في كل التفاوضات وفي جميع الطبقات الاجتماعيه الأقتصاديه وعند جميع الرجال في المستويات الثقافيه المختلفه وفي جميع الأديان وفي جميع المناطق السكنيه القرى والمدن ويوجد عنف ايضا اتجاه الأولاد.

تختلف المجتمعات في فهمها لظاهرة العنف ضد النساء وفي مدى تسامحها مع الرجل العنف ضد النساء وفي مدى تسامحها مع الرجل العنيف وفي كيفية مواجهة المشكله.

في المجتمعات الغربيه الصناعيه المتطورة سن قوانين لمكافحة العنف ضد النساء في العائلة واقيمت اماكن ومراكز وخدمات لمساعدة النساء المضروبات مثل ملاجئ وربرامج لتوعية الجمهور ولكن في دول اخرى تجاهلوا المشكله واعتبروها مشكله شخصية عائليه يجب ان تبقى في اطار العائلة اما في المتطورة قامت حركات نسائيه قويه من اجل دفع مركز المرأه ومقامة العنف ضدها عملت اسرائيل مثل الدول الغربيه الصناعيه فقط سنت قوانين لحماية النساء واقيمت الملاجئ وخدمات الرفاه الأجتماعي ولكن يصعب في اسرائيل تطبيق القانون بسبب وجود جماعات عرقيه واثنيه في المجتمع الأسرائيلي كالعرب واليهود الشرقيين والاثيوبيين الذين لا يرغبون ان يتدخل احد في شؤونهم العائليه فالمرأه اليهوديه الغربيه اذا ذهبت الى الشرطه لتشكي زوجها ينظر اليها المجتمع نظرة تاييد وعطف أو اذا توجهت العربيه الى الشرطه يتعبرها المجتمع سيئه ولا تعرف كيف تافظ على عائلتها وبيتها.

مبنى رمزيات العائلة العربيه وعلاقتها مع مشكله العنف:

بالرغم من التغيرات الأقتصاديه والأجتماعيه والسياسيه التي مر به المجتمع العربي بقية العائلة والمحافظه على سلامتها ومركزها جدا وبالرغم من خروج الأفراد للعمل والأحتفالات ما زالت تؤكد العائلة العربيه على التعاون الأقتصادي بين افرادها وتعتبر هي المسؤوله عن تربية الأولاد وجتمعتهم ومنحهم الدعم والحمايه ويعتبر نجاح او فشل الفرد هو نجاح او فشل العائله كلها ويضحي كل فرد من اجل افراد العائله جميعهم وتقاس سعادة الأم العربيه بنجاح اولادها فالوالدين يهتمان بسعادة العائلة ان مشاكل المرأه في حياتها الزوجيه تنعكس على اهلها فهم يدعمونها اذا ضربت ولكن يعارضونها اذا لم تقم بواجبها اتجاه زوجها واولادها حيث عليها طاعة الزوج والرضوع له والمحافظه لعى شرف العائلة فالمرأه المضروبه تعاني بينها وبين نفسها من اجل اولادها وخوفا من الحرمان الأجتماعي والمقاطعه التي يفرضها المجتمع على المرأه وفي حالات صعبه تلجأ المرأه المضروبه الى خدمات الرفاه الأجتماعي ولكن اهلها واهل زوجها والمجتمع ايضا لا يتفهمون ذلك فيقاطعونها واحيانا يؤدي الى طلاقها. يتوقع من الرجل في المجتمعالعربي القيام بوظائف وسيليه اي انه مسؤول عن الدخل والرزق في العائله حتى لو كانت زوجته عالمه بينما الزوجه تقوم بوظائف تعبيريه اي انه زوجه وربة بي مسؤوله عن العلاقات في العائله وتماسكها والعلاقات مع والدي الزوج اخوته واخواته والأقارب.

المبنى البطريركي (الأبوي) في العائله العربيه يبرر عدم المساواه بين الرجال والنساء بالرغم من التغيير في مكانة المرأه بسبب النمطيه بين الجنسين حيث يتعلم الولد منذ صغره ان يكون مسيطرا وتتعلم البنت ان تكون وضعيفه واذا خاف الرجل على سلطته يلجأ الى استعمال العنف يستعيد رجولته وسيطرته.

الأستطلاع حول نظرة النساء العربيات في ظاهرة العنف ضد النساء:

فحث الأستطلاع الذي قام به محمد حاج يحيى نظرة النساء العربيات الى العنف ضد النساء حسب اربعة ابعاد وهي:

أ‌. تعريف العنف: سألت النساء العربيات سؤالا كيف تعرف العنف ضد النساء وكانت اجابات النساء العربيات حول تعريف العنف مطابقا لتعريفه في المصادر المهنيه فقد تحدثت النساء العربيات عن عنف جسدي وكلامي ونفسي وتحدث النساء العربيات عن بعص الأعمال التي يقوم بها الزوج وتعتبره عنفا مثل شتم المرأه واهانتها امام اولادها وامام الأقارب وامام اخواتها او اخوات زوجها او امه او حتى امام الغرباء كذلك سخرية الزوج من اهل زوجته واجبارها على الأعتذار لحماتها يعتبر عنفا.

ب‌. مدى الوعي من مشكله العنف العنف عرضت امام النساء قصص عن نساء مررن بعنف كلامي ونفسي وجسدي متوسط وصعب وطلب من النساء العربيات ان يذكرن اذا كن يعرفن هذا العنف في المجتمع العربي وظهر ان هناك نسبة كبيره من النساء العربيات تعانين من عنف كلامي ونفسي من زوجها وتعانين من عنف متوسط مثل صفع الزوج او شدها من شعرها او ملابسها ةهناك من تعانين من عنف صعب مثل ضرب الزوجه بشيء صلب مثل عصا كرسي حزام وذكرت النساء العربيات بأن العنف ضد المرأه لا يقوم به لا يقوم به الزوج فقط وأنما احيانا امه او احد اخوته او اخواته.

ج. تبرير العنف اوج شجبه طرح على النساء سؤال هل توافقين بأن الرجل يضرب زوجته؟ اجاب 32 % من النساء بالنفي وفقط 8 % وافقت على ضرب الزوج لزوجته في حالات الخيانه الزوجيه وعدم تلبية طلبات الزوج وعدم احترامه والأستهتار به واذا عرفت بشكل لا يناسب معايير المجتمع مثل اللباس ورفع الصوت في أماكن عامه.

د. مدى الوعي بالمخاطره التي تتعرض اليها المرأه تشير النتائج توازن بين التعريف العلمي وبين وعي النساء لمدى الخطوره التي تتعرض لها المرأه ضحية العنف فكلما كان العنف خطرا وصعبا قالت عنه النساء بأنه خطر على المرأه فقد اعتبرت النساء العنف الكلامي والنفسي خطرا على المرأه وكثر من ذلك العنف الجسدي المتوسط وفوق ذلك العنف الجسدي الصعب وقد اعتبرت النساء اهانة الزوجه وضربها أمام اولادها خطر جدا لأن الأولاد لا يتربون كالرجال وسوف يضربون زوجاتهم في المستقبل وينحرفون الى المخدرات.

ه. ادراك انماط المواجهه طرح على النساء سؤال مفتوح لنفرض ان ابنتك توجهت اليك وأخبرت بأن زوجها يضربها كيف سيكون رد فعلك وماذا تفرضين عليها من اجابات النساء العربيات ظهر ان الغالبية لا تؤيد السكوت والرضوخ وفضلت 92 % من النساء ان تنمو المواجهه بين الزوجين داخل العائله النواتيه وأقل من ذلك فضلن تدخل اقارب من عائلة الزوجين وأوصت 15 % من النساء التوجه الى خدمات الرفاه الأجتماعي والى الشرطه وفقط 6 % أيدن الطلاق وبعد ان استعملت كل الطرق الأخرى.

معارف منوعة


2-جمهرة اللغة (بخر برخ خبر خرب ربخ رخب)

البَخَر: رائحة متغيرة من الفم.

وكل رائحة ساطعة فهي بَخَر، مأخوذ من بُخار القدر وبخار الدخان.

وهذا البَخور الذي يُتبَخّر به من ذلك.

والبَرْخ: الكثير الرخيص، لغة يمانية.

وأحسب أصلها عِبرانيًّا أو سريانيّا، وهو من البَرَكة والنَّماء.

قال العجّاج:

«ولو رآني الشعـراء ديّخـوا*** ولو تقول بَرِّخوا لَبَـرَّخـوا»

«لِمارَ سرْجِيس وقد تدَخْدخوا»

والخَبَر: معروف؛ أخبَرتُ بكذا وكذا وأخبرتُ به، فأنا مُخْبِر ومُخْبر.

وتقول العرب: "هَل من جائبَةِ خَبرٍ"، أي هل من خبر يَجوب البلادَ فيجيء من مكان بعيد.

وأنشد:

«عَهدي بهم كعَسَى وهم بتَنُوفَة*** يتنازعون جَوائبَ الأمثـال»

وهو مثل قولهم: "هل من مغرِّبَةِ خَبَر".

ولي بفلان خِبْرة وخَبْرة وخبْرة، والكسر أعلى، فأنا به خابر وخَبير.

ويقال: فلان حَسَنُ المَخبَر.

والخَبار: الأرض السهلة فيها جحَرة وحفار.

ومن أمثالهم: "من تجنب الخبار أمنَ العثار".

والخَبْراء: الأرض السَّهلة المنخفضة يجتمع فيها ماء السماء وتُنبت السِّحْرَ، وتُجمع خَبْراوات.

ويقال لها أيضًا: الخَبِرة، وتُجمع على خَبِر.

والخابور: نهر، أحسبه.

وتَخبرَ القوم بينهم خُبْرَةً، إذا اشتروا شاة فذبحوها واقتسموا لحمها، والشاة خَبيرة.

والخَبير: الزَّبَد الذي يلقيه البعير مِن فيه، وما أشبهه.

والخَبْر: المَزادة العظيمة، والجمع خُبور.

وبذلك سمِّيت الناقة الغزيرة خَبْرًا.

والخَرَب: ذَكَر الحُبارى، والجمع خِرْبان.

والخُرْبة: عُرْوة المَزادة، وجمع خرْبة خُرَب.

والخُرْبة: خَرْق في الوَرِك في العظم يلبسه اللحم والجلد ينفذ إلى الجوف.

والخُرْبة: الثَّقب في أذن الأخْرَب، والجمع خُرَب.

والأخرَب: المثقوب الأذن، وهو مثل الأخرَم.

وأخْرَب: اسم موضع.

والخَرُّوب: نبت معروف.

والخَرْب: دائرة في أعلى كَشْح الفرس.

والخَراب: ضدّ العَمارة.

ويقال: خَرِبَ المكان خرابًا.

والخِرابة: سَرِقة الإبل خاصةً، كذا قال الأصمعي.

ولا يكادون يسمّون الخاربَ إلا سارقَ الإبل، والفاعل خارِب وخَرّاب، وقال غيره: بل اللِّصّ خارِب.

وأنشد أبو بكر:

«خَلِّ الطريقَ واجتَنِبْ أرْماما*** إنَّ بها أكْتَـلَ أو رِزامـا»

«خُوَيْرِبانِ يَنْقُفان آلهـامـا»

أكْتَل ورِزام: لِصان من بني تميم.

وقد سمَّوا مَخْرَبَة.

وبنو رُبَخَة: بطن من العرب اشتقاقه من الرَّبْخ، وهو الاسترخاء؛ مَشَى حتى تربَّخ، أي استرخى.

فأما تَريخَ، بالياء، فهو الذّل.

يقال: رَيَّخْتُه تَرَيُّخًا، أي ذلَّلتُه.

وأنشد للعجّاج:

«بمثلهم يُرَيخُ المُريَّخُ»

وليس هذا موضعه.

والرَّبُوخ: نعت توصف به المرأة عند النِّكاح، معروف.

وأحسب أن رابخًا اسم موضع بنجد.

ومُرْبِخ: أحد كُثبان الرمل بنجد.

قال الراجز:

«أمنْ حِذار مُرْبِخٍ تَمَطَّـيْنْ*** لا بُدَّ منه فانَحَدِرْنَ وآرْقَيْنْ»

جمهرة اللغة-أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي-توفي: 321هـ/933م


3-جمهرة اللغة (تحل تلح حتل حلت لتح لحت)

لَتَحَه بيده لَتْحًا، إذا ضربه بها.

واللَّتْح من قولهم: فلان أَلْتَحُ شِعرًا من فلان، أي أوقع على المعاني.

وأخبرتُ عن الأصمعي أنه قال: جرير ألتَحُ أصحابه هجاءً.

ويقال: رجل ألْتَحُ، إذا كان حديدَ اللسان حسنَ البيان.

والتَلَح: العُقاب.

جمهرة اللغة-أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي-توفي: 321هـ/933م


4-القاموس المحيط (الخبر)

الخَبَرُ، محركةً: النَّبَأ

ج: أخبارٌ

جج: أخابِيرُ.

ورجُلٌ خابِرٌ وخَبيرٌ وخَبِرٌ، ككَتِفٍ وجُحْرٍ: عالمٌ به.

وأخْبَرَهُ خُبورَهُ: أنبأهُ ما عِندَهُ.

والخِبْرُ والخِبْرَةُ، بكسرهما ويضمانِ،

والمَخْبَرَةُ والمَخْبُرَةُ: العِلْمُ بالشيءِ،

كالاخْتِبارِ والتَّخَبُّرِ. وقد خَبُرَ، كَكَرُمَ.

والخَبْرُ: المَزادَةُ العظيمَةُ،

كالخَبْراءِ، والناقَةُ الغَزيرَةُ اللَّبَنِ، ويكسرُ فيهما

ج: خُبُورٌ،

وة بِشيرازَ، منها الفَضْلُ بنُ حَمَّادٍ صاحبُ المُسْنَدِ،

وة باليَمنِ، والزَّرْعُ، ومَنْقَعُ الماءِ في الجَبَلِ، والسِّدْرُ،

كالخَبِرِ، ككَتِفٍ.

والخَبْراءُ: القاعُ تُنْبِتُهُ،

كالخَبِرَةِ

ج: الخَبارَى والخَبارِي والخَبْرَاوَاتُ والخَبَارُ، ومَنْقَعُ الماءِ في أُصُولِهِ.

والخَبَارُ، كسَحابٍ: ما لاَنَ من الأرضِ واسْتَرْخَى، والجَراثيمُ، وجِحَرَةُ الجُرْذانِ، و"من تَجَنَّبَ الخَبَارَ، أمن العِثارَ": مَثَلٌ.

وخَبِرَتِ الأرضُ، كفَرِحَ: كثُرَ خَبارُها.

وفَيْفَاءُ أو فَيْفُ الخَبَارِ: ع بِنَواحِي عَقيقِ المدينةِ.

والمُخابَرَةُ: أن يَزْرَعَ على النِّصْفِ ونحوِهِ،

كالخِبْرِ، بالكسر، والمُؤَاكَرَةُ.

والخَبِيرُ: الأَكَّارُ، والعالِمُ بالله تعالى، والوَبَرُ، والنَّباتُ والعُشْبُ، وزَبَدُ أفْواهِ الإِبِلِ، ونُسالَةُ الشَّعَرِ، وجَدُّ والِدِ أحمدَ بنِ عمرانَ المحدِّثِ، وبالهاءِ: الطَّائِفَةُ منه، والشَّاةُ تُشْتَرَى بَيْنَ جَماعَةٍ فَتُذْبَحُ،

كالخُبْرَة، بالضم،

وتَخَبَّرُوا: فَعَلُوا ذلك، والصُّوفُ الجَيِّدُ من أولِ الجَزِّ.

والمَخْبَرَةُ: المَخْرَأَةُ، ونَقيضُ المَرْآةِ.

والخُبْرَةُ، بالضم: الثَّريدَةُ الضَّخْمَةُ، والنَّصيبُ تَأْخُذُهُ من لَحْمٍ أو سَمَكٍ، وما تَشْتَرِيهِ لأَهْلِكَ،

كالخُبْرِ، والطَّعامُ، واللَّحْمُ، وما قُدِّمَ من شيءٍ، وطَعامٌ يَحْمِلُهُ المُسافِرُ في سُفْرَتِهِ، وقَصْعَةٌ فيها خُبْزٌ ولَحْمٌ بينَ أربَعَةٍ أو خَمْسَةٍ.

والخابُورُ: نَبْتٌ، ونَهْرٌ بينَ رأسِ عَيْنٍ والفُراتِ، وآخَرُ شَرْقِيَّ دِجْلَةِ المَوْصِلِ، ووادٍ.

وخابُوراءُ: ع.

وخَيْبَرُ: حِصْنٌ م قُرْبَ المدينةِ. وأحمدُ بنُ عبدِ القاهِرِ، ومحمدُ بنُ عبدِ العزيزِ الخَيْبَرِيَّانِ: كأَنَّهُما وُلِدَا به. وعليُّ بنُ محمدِ بنِ خَيْبَرَ: محدِّثٌ.

والخَيْبَرى: الحَيَّةُ السَّوْداءُ.

وخَبَرَهُ خُبْرًا، بالضم، وخِبْرَةً، بالكسر: بَلاهُ،

كاخْتَبَرَهُ،

وـ الطَّعامَ: دَسَّمَهُ.

وخابَرانُ: ناحيةٌ بينَ سَرَخْسَ وأبِيوَرْدَ، وع.

واسْتَخْبَرَهُ: سأَلَهُ الخَبَرَ،

كتَخَبَّرَهُ.

وخَبَّرَهُ تَخْبيرًا: أخْبَرَهُ.

وخَبْرِينُ، كقَزْوينَ: ة بِبُسْتَ.

والمَخْبُورُ: الطَّيِّبُ الإِدامِ. وكصَبُورٍ: الأَسَدُ. وكنَبِقَةٍ: ماءٌ لبني ثَعْلَبَةَ.

وخَبْرَاءُ العِذْقِ: ع بالصَّمَّانِ.

والخَبائِرَةُ: من ولَدِ ذِي جَبَلَةَ بنِ سَوادٍ أبو بَطْنٍ من الكُلاعِ، منهم: أبو علِيٍّ الخَبائِرِيُّ، وسُلَيْمُ بنُ عامِرٍ الخَبائِرِيُّ: تابِعِيٌّ، وعبدُ اللهِ بنُ عبدِ الجَبَّارِ الخَبائِرِيُّ.

ولأَخْبُرَنَّ خُبْرَكَ: لأَعْلَمَنَّ عِلْمَكَ. و"وجَدْتُ الناسَ اخْبُرْ تَقْلَه"، أي: وجَدْتُهُمْ مَقُولًا فيهم هذا، أي: ما من أحَدٍ إلا وهو مَسْخوطُ الفِعْلِ عندَ الخِبْرَةِ.

وأخْبَرْتُ اللِّقْحَةَ:

وجدْتُهُا غَزِيرَةً. ومحمدُ بنُ علِيٍّ الخابِرِيُّ: محدِّثٌ.

القاموس المحيط-مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادي-توفي: 817هـ/1414م


5-معجم البلدان (جابلق)

جابَلْقُ:

الباء الموحدة المفتوحة، وسكون اللام روى أبو روح عن الضحاك عن ابن عباس أن جابلق مدينة بأقصى المغرب، وأهلها من ولد عاد، وأهل جابرس من ولد ثمود، ففي كل واحدة منهما بقايا ولد موسى، عليه السلام، كل واحدة من الأمّتين، ولما بايع الحسن بن علي بن أبي طالب معاوية قال عمرو ابن العاص لمعاوية: قد اجتمع أهل الشام والعراق فلو أمرت الحسن أن يخطب فلعلّه يحصر فيسقط من أعين الناس، فقال: يا ابن أخي لو صعدت وخطبت وأخبرت الناس بالصلح، قال: فصعد المنبر وقال بعد حمد الله والصلاة على رسوله، صلى الله عليه وسلم:

أيها الناس إنكم لو نظرتم ما بين جابرس وجابلق، وفي رواية جابلص، ما وجدتم ابن نبيّ غيري وغير أخي، وإني رأيت أن أصلح بين أمة محمد، صلى الله عليه وسلم، وكنت أحقهم بذلك، ألا إنا بايعنا معاوية، وجعل يقول: وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين، فجعل معاوية يقول: انزل انزل. وجابلق أيضا: رستاق بأصبهان، له ذكر في التواريخ في حرب كانت بين قحطبة وداود بن عمر ابن هبيرة لقتال عبد الله بن معاوية بن عبد الله ابن جعفر بن أبي طالب، وكان قد غلب على فارس فنفاه منها، وغلب على فارس وأصبهان حتى قدم قحطبة بن شبيب في جيش من أهل خراسان فاقتتلوا فقتل عامر بن ضبارة لسبع بقين من رجب سنة 131. وجابلق: من رستاق أصبهان.

معجم البلدان-شهاب الدين أبو عبدالله ياقوت بن عبدالله الرومي الحموي-توفي: 626هـ/1229م


6-معجم البلدان (شيراز)

شِيرازُ:

بالكسر، وآخره زاي: بلد عظيم مشهور معروف مذكور، وهو قصبة بلاد فارس في الإقليم الثالث، طولها ثمان وسبعون درجة ونصف، وعرضها تسع وعشرون درجة ونصف، قال أبو عون: طولها ثمان وسبعون درجة، وعرضها اثنتان وثلاثون درجة، وقيل: سمّيت بشيراز بن طهمورث، وذهب بعض النحويين إلى أن أصله شرّاز وجمعه شراريز، وجعل الياء قبل الراء بدلا من حرف التضعيف وشبهه بديباج ودينار وديوان وقيراط فإن أصله عندهم دبّاج ودنّار ودوّان وقرّاط، ومن جمعه على شواريز فإن أصله عندهم شورز، وهي مما استجدّ عمارتها واختطاطها في الإسلام، قيل: أول من تولى عمارتها محمد بن القاسم بن أبي عقيل ابن عمّ الحجّاج، وقيل: شبهت بجوف الأسد لأنّه لا يحمل منها شيء إلى جهة من الجهات ويحمل إليها ولذلك سمّيت شيراز، وبها جماعة من التابعين مدفونون، وهي في وسط بلاد فارس، بينها وبين نيسابور مائتان وعشرون فرسخا، وقد ذمّها البشّاري بضيق الدروب وتداني الرواشين من الأرض وقذارة البقعة وضيق الرقعة وإفشاء الفساد وقلة احترام أهل العلم والأدب، وزعم أن رسوم المجوس بها ظاهرة ودولة الجور على الرعايا بها قاهرة، الضرائب بها كثيرة ودور الفسق والفساد بها شهيرة، وخروءهم في الطرقات منبوذة، والرمي بالمنجنيق بها غير منكور، وكثرة قذر لا يقدر ذو الدين أن يتحاشى عنه وروائحه عامة تشقّ الدّماغ، ولا أدري ما عذرهم في ترك حفر الحشوش وإعفاء أزقتهم وسطوحهم من تلك

الأقذار إلا أنها مع ذلك عذبة الماء صحيحة الهواء كثيرة الخيرات تجري في وسطها القنوات وقد شيبت بالأقذار، وأصلح مياههم القناة التي تجيء من جويم، وآبارهم قريبة القعر، والجبال منها قريبة، قالوا:

ومن العجائب شجرة تفّاح بشيراز نصفها حلو في غاية الحلاوة ونصفها حامض في غاية الحموضة، وقد بنى سورها وأحكمها الملك ابن كاليجار سلطان الدولة بن بويه في سنة 436، وفرغ منه في سنة 440، فكان طوله اثني عشر ألف ذراع وعرض حائطه ثمانية أذرع، وجعل لها أحد عشر بابا، وقد نسب إلى شيراز جماعة كثيرة من العلماء في كلّ فنّ، منهم: أبو إسحاق إبراهيم بن عليّ بن يوسف بن عبد الله الفيروزآبادي ثم الشيرازي إمام عصره زهدا وعلما وورعا، تفقه على جماعة، منهم القاضي أبو الطيب الطاهر بن عبد الله الطبري وأبو عبد الله محمد بن عبد الله البيضاوي وأبو حاتم القزويني وغيرهم، ودرّس أكثر من ثلاثين سنة، وأفتى قريبا من خمسين سنة، وسمع الحديث من أبي بكر البرقاني وغيره، ومات ببغداد في جمادى الآخرة سنة 476، وصلى عليه المقتدي بأمر الله أمير المؤمنين، ومن المحدّثين الحسن بن عثمان بن حمّاد ابن حسان بن عبد الرحمن بن يزيد القاضي أبو حسان الزيادي الشيرازي، كان فاضلا بارعا ثقة، ولي قضاء الشرقية للمتوكل وصنّف تاريخا، وكان قد سمع محمد بن إدريس الشافعي وإسماعيل بن علية ووكيع ابن الجرّاح، روى عنه جماعة، ومات سنة 272، قاله الطبري، ومن الزهاد أبو عبد الله محمد بن خفيف الشيرازي شيخ الصوفية ببلاد فارس وواحد الطريقة في وقته، كان من أعلم المشايخ بالعلوم الظاهرة، صحب رويما وأبا العباس بن عطاء وطاهرا المقدسي وصار من أكابرهم، توفي بشيراز سنة 371 عن نحو مائة وأربع سنين، وخرج مع جنازته المسلمون واليهود والنصارى، ومن الحفّاظ أحمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن موسى الحافظ الشيرازي أبو بكر، روى عن أبي بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي وأبي سهل بشر بن أحمد الأسفراييني وأبي أحمد محمد بن محمد بن إسحاق الحافظ وغيرهم من مشايخ خراسان والجبل والعراق، وكان مكثرا، روى عنه أبو طاهر بن سلمة وأبو الفضل بن غيلان وأبو بكر الزنجاني وخلق غيرهم، وكان صدوقا ثقة حافظا يحسن علم الحديث جيّدا جدّا، سكن همذان سنين ثم خرج منها إلى شيراز سنة 404 وعاش بها سنين، وأخبرت أنه مات بها سنة 411، وله كتاب في ألقاب الناس، قال ذلك شيرويه، وأحمد بن منصور بن محمد بن عباس الشيرازي الحافظ من الرّحّالين المكثرين، قال الحاكم: كان صوفيّا رحّالا في طلب الحديث من المكثرين من السماع والجمع، ورد علينا نيسابور سنة 338 وأقام عندنا سنين، وكنت أرى معه مصنفات كثيرة في الشيوخ والأبواب، رأيت به الثوري وشعبة في ذلك الوقت، ورحل إلى العراق والشام وانصرف إلى بلده شيراز وصار في القبول عندهم بحيث يضرب به المثل، ومات بها في شعبان سنة 382.

معجم البلدان-شهاب الدين أبو عبدالله ياقوت بن عبدالله الرومي الحموي-توفي: 626هـ/1229م


7-موسوعة الفقه الكويتية (السكنى 1)

السُّكْنَى -1

التَّعْرِيفُ:

1- السُّكْنَى اسْمُ مَصْدَرٍ مِنَ السَّكَنِ، وَهُوَ الْقَرَارُ فِي الْمَكَانِ الْمُعَدِّ لِذَلِكَ، وَالْمَسْكَنُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِهَا، الْمَنْزِلُ أَوِ الْبَيْتُ، وَالْجَمْعُ مَسَاكِنُ.وَالسُّكُونُ ضِدُّ الْحَرَكَةِ، يُقَالُ: سَكَنَ بِمَعْنَى هَدَأَ وَسَكَتَ.

وَاصْطِلَاحًا هِيَ الْمُكْثُ فِي مَكَانٍ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِقْرَارِ وَالدَّوَامِ.

طَبِيعَةُ حَقِّ السُّكْنَى:

2- مِنَ الْمُسَلَّمِ بِهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ السُّكْنَى مَنْفَعَةٌ مِنَ الْمَنَافِعِ، وَأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ عَرَضِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِالْعَيْنِ مُتَعَلِّقَةٌ بِهَا، وَأَنَّ السُّكْنَى لَهَا وُجُودٌ وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَمِرُّ زَمَنًا طَوِيلًا.

وَعَلَى ذَلِكَ فَحَقُّ السُّكْنَى- لِكَوْنِهِ حَقَّ مَنْفَعَةٍ- أَعَمُّ وَأَشْمَلُ مِنْ حَقِّ الِانْتِفَاعِ، وَأَنَّ الْمِلْكَ فِي حَقِّ السُّكْنَى يَنْشَأُ عَنْ عَقْدٍ مُمَلِّكٍ، كَالْوَقْفِ وَالْإِجَارَةِ وَالْإِعَارَةِ وَالْوَصِيَّةِ بِالْمَنَافِعِ، فَهُوَ حَقٌّ يُمَكِّنُ صَاحِبَهُ مِنْ مُبَاشَرَتِهِ وَالِانْتِفَاعِ، بِنَفْسِهِ أَوْ تَمْكِينِ غَيْرِهِ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِعِوَضٍ.بِخِلَافِ حَقِّ الِانْتِفَاعِ، فَإِنَّهُ يَنْشَأُ عَنْ عَقْدٍ، كَهِبَةِ الدَّارِ لِلسُّكْنَى، أَوْ إِذْنٍ وَإِبَاحَةٍ فَقَطْ مِنَ الْمَالِكِ، فَلَا يَصِحُّ لِصَاحِبِهِ أَنْ يُمَكِّنَ أَحَدًا غَيْرَهُ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِهِ.

حَقُّ اللَّهِ وَحَقُّ الْعَبْدِ فِي السُّكْنَى:

3- يَتَمَثَّلُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فِي السُّكْنَى فِي كُلِّ مَا لَا يَكُونُ لِلْعَبْدِ إِسْقَاطُهُ.وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ:

(1) حَقُّ السُّكْنَى لِلْمُطَلَّقَةِ رَجْعِيًّا، لَا يَجُوزُ إِسْقَاطُهُ، فَيَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ إِسْكَانُهَا فِي مَكَانٍ تَقْضِي فِيهِ عِدَّتَهَا، وَهُوَ الْمَكَانُ الَّذِي وَجَبَتِ الْعِدَّةُ فِيهِ.

وَفِي الْمُطَلَّقَاتِ الْبَائِنَاتِ، وَالْمُتَوَفَّى عَنْهُنَّ يَكُونُ حَقُّ السُّكْنَى حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ، أَوْ حَقًّا لِلْعَبْدِ عِنْدَ فَرِيقٍ آخَرَ مِنْهُمْ، لَكِنِ الْجَمِيعُ يَتَّفِقُونَ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْخُرُوجِ مِنَ الْمَسْكَنِ الَّذِي أَلْزَمَتْ نَفْسَهَا بِالْقَرَارِ فِيهِ.

(2) وَفِي الْمُخْتَلِعَاتِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حَقِّ السُّكْنَى، فَيَرَى الْجُمْهُورُ أَنَّهُ لَوْ شَرَطَ الْمُخَالِعُ الْبَرَاءَةَ مِنَ السُّكْنَى لَمْ يَجُزِ الشَّرْطُ؛ إِذِ السُّكْنَى فِي بَيْتِ الزَّوْجِ فِي الْعِدَّةِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ إِسْقَاطُهُ، لَا بِعِوَضٍ وَلَا غَيْرِهِ

وَخَالَفَ الْحَنَابِلَةُ مَذْهَبَ الْجُمْهُورِ وَقَالُوا بِجَوَازِ أَنْ يُخَالِعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ الْحَامِلَ عَلَى سُكْنَاهَا وَنَفَقَتِهَا، وَيَبْرَأَ مِنْهَا.

وَأَمَّا حَقُّ الْعَبْدِ فِي السُّكْنَى فَيَتَمَثَّلُ فِي كُلِّ تَصَرُّفٍ يَكُونُ الْقَصْدُ مِنْهُ مَصْلَحَةَ الْعَبْدِ، كَهِبَةِ السُّكْنَى أَوْ بَيْعِهَا أَوْ إجَارَتِهَا، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ جَرَيَانُ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ مُتَّفِقًا مَعَ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ الْمُنَظِّمَةِ لَهَا؛ لِأَنَّ تَنْظِيمَ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى.

الْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالسُّكْنَى:

أَوَّلًا: السُّكْنَى كَحَقٍّ عَلَى الْغَيْرِ:

سُكْنَى الزَّوْجَةِ:

4- السُّكْنَى لِلزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا وَاجِبَةٌ، وَهَذَا الْحُكْمُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لِلْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ السُّكْنَى عَلَى زَوْجِهَا.قَالَ تَعَالَى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} فَوُجُوبُ السُّكْنَى لِلَّتِي هِيَ فِي صُلْبِ النِّكَاحِ أَوْلَى.وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الْمُعَاشَرَةَ بَيْنَ الْأَزْوَاجِ بِالْمَعْرُوفِ، قَالَ تَعَالَى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} وَمِنَ الْمَعْرُوفِ الْمَأْمُورِ بِهِ أَنْ يُسْكِنَهَا فِي مَسْكَنٍ تَأْمَنُ فِيهِ عَلَى نَفْسِهَا وَمَالِهَا، كَمَا أَنَّ الزَّوْجَةَ لَا تَسْتَغْنِي عَنِ الْمَسْكَنِ؛ لِلِاسْتِتَارِ عَنِ الْعُيُونِ وَالِاسْتِمْتَاعِ وَحِفْظِ الْمَتَاعِ.فَلِذَلِكَ كَانَتِ السُّكْنَى حَقًّا لَهَا عَلَى زَوْجِهَا، وَهُوَ حَقٌّ ثَابِتٌ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ.

الْجَمْعُ بَيْنَ زَوْجَتَيْنِ فِي مَسْكَنٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي دَارٍ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ بَيْتٌ فِيهِ:

5- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ فِي مَسْكَنٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ، وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى الْخُصُومَةِ الَّتِي نَهَى الشَّارِعُ عَنْهَا، وَمَنْعُ الْجَمْعِ بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ فِي مَسْكَنٍ وَاحِدٍ حَقٌّ خَالِصٌ لَهُمَا فَيَسْقُطُ بِرِضَاهُمَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.

وَذَهَبَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ هَذَا الْحَقَّ لَا يَسْقُطُ وَلَوْ رَضِيَتِ الزَّوْجَةُ بِهِ، وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي دَارٍ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الزَّوْجَتَيْنِ بَيْتٌ فِيهَا فَذَهَبَ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الْقَوْلُ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ.وَاشْتَرَطَ الْجُمْهُورُ لِصِحَّةِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ بَيْتٍ مَرَافِقُهُ الْخَاصَّةُ بِهِ، وَغَلْقٌ يُغْلَقُ بِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ رِضَاهُمَا فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا.

وَذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ (وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ فِي مَذْهَبِهِمْ) إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي هَذِهِ الدَّارِ إِلاَّ بِرِضَاهُمَا.فَإِنْ أَبَيْنَ مِنْهُ أَوْ كَرِهَتْهُ إِحْدَاهُمَا فَلَا يَصِحُّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا.

الْجَمْعُ بَيْنَ الزَّوْجَةِ وَأَقَارِبِ الزَّوْجِ فِي مَسْكَنٍ وَاحِدٍ:

6- الْمُرَادُ بِأَقَارِبِ الزَّوْجِ هُنَا الْوَالِدَانِ وَوَلَدُ الزَّوْجِ مِنْ غَيْرِ الزَّوْجَةِ.

فَالْجَمْعُ بَيْنَ الْأَبَوَيْنِ وَالزَّوْجَةِ فِي مَسْكَنٍ وَاحِدٍ لَا يَجُوزُ (وَكَذَا غَيْرُهُمَا مِنَ الْأَقَارِبِ) وَلِذَلِكَ يَكُونُ لِلزَّوْجَةِ الِامْتِنَاعُ عَنِ السُّكْنَى مَعَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الِانْفِرَادَ بِمَسْكَنٍ تَأْمَنُ فِيهِ عَلَى نَفْسِهَا وَمَالِهَا حَقُّهَا، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ جَبْرُهَا عَلَى ذَلِكَ.وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ الزَّوْجَةِ الشَّرِيفَةِ وَالْوَضِيعَةِ، وَقَالُوا بِعَدَمِ جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الزَّوْجَةِ الشَّرِيفَةِ وَالْوَالِدَيْنِ، وَبِجَوَازِ ذَلِكَ مَعَ الزَّوْجَةِ الْوَضِيعَةِ، إِلاَّ إِذَا كَانَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْوَضِيعَةِ وَالْوَالِدَيْنِ ضَرَرٌ عَلَيْهَا.

وَإِذَا اشْتَرَطَ الزَّوْجُ عَلَى زَوْجَتِهِ السُّكْنَى مَعَ الْأَبَوَيْنِ فَسَكَنَتْ، ثُمَّ طَلَبَتْ الِانْفِرَادَ بِمَسْكَنٍ، فَلَيْسَ لَهَا ذَلِكَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، إِلاَّ إِذَا أَثْبَتَتِ الضَّرَرَ مِنَ السَّكَنِ مَعَ الْوَالِدَيْنِ.

وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: إِنْ كَانَ عَاجِزًا لَا يَلْزَمُهُ إِجَابَةُ طَلَبِهَا، وَإِنْ كَانَ قَادِرًا يَلْزَمُهُ.وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ غَيْرُ مَا شَرَطَتْهُ عَلَيْهِ.

وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ الزَّوْجَةِ وَوَلَدِ الزَّوْجِ مِنْ غَيْرِهَا فِي مَسْكَنٍ وَاحِدٍ، فَلَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ إِذَا كَانَ وَلَدُ الزَّوْجِ مِنْ غَيْرِهَا كَبِيرًا يَفْهَمُ الْجِمَاعَ؛ لِأَنَّ السُّكْنَى مَعَهُ فِيهَا إِضْرَارٌ بِالزَّوْجَةِ، وَهَذَا حَقٌّ لِلزَّوْجَةِ فَيَسْقُطُ بِرِضَاهَا.

وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ صَغِيرًا لَا يَفْهَمُ الْجِمَاعَ، فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ إِسْكَانَهُ مَعَهَا جَائِزٌ، وَلَيْسَ لَهَا الْحَقُّ فِي الِامْتِنَاعِ مِنَ السُّكْنَى مَعَهُ.

وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الزَّوْجَةَ لَا يَجُوزُ لَهَا الِامْتِنَاعُ مِنَ السُّكْنَى مَعَ وَلَدِ زَوْجِهَا مِنْ غَيْرِهَا إِذَا كَانَتْ تَعْلَمُ بِهِ حَالَ الْبِنَاءِ.فَإِنْ كَانَتْ لَا تَعْلَمُ بِهِ عِنْدَ الْبِنَاءِ بِهَا وَكَانَ لَهُ حَاضِنَةٌ، فَلِلزَّوْجَةِ الْحَقُّ فِي الِامْتِنَاعِ مِنَ السُّكْنَى مَعَهُ.

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِوَلَدِ زَوْجِهَا مِنْ غَيْرِهَا حَاضِنَةٌ غَيْرُ أَبِيهِ فَلَيْسَ لَهَا الِامْتِنَاعُ عَنِ السُّكْنَى مَعَهُ.

خُلُوُّ الْمَسْكَنِ مِنْ أَهْلِ الزَّوْجَةِ:

7- الْمُرَادُ بِالْأَهْلِ هُنَا الْأَبَوَانِ أَوْ غَيْرُهُمَا مِنْ مَحَارِمِهَا وَوَلَدِهَا مِنْ غَيْرِ الزَّوْجِ.فَإِذَا أَرَادَتِ الزَّوْجَةُ أَنْ تُسْكِنَ أَحَدًا مِنَ الْأَهْلِ غَيْرِ وَلَدِهَا مِنْ غَيْرِ الزَّوْجِ فَلَيْسَ لَهَا ذَلِكَ.وَلِلزَّوْجِ مَنْعُ الزَّوْجَةِ مِنْ إِسْكَانِهَا أَحَدًا مِنْ أَهْلِهَا مَعَهَا؛ لِأَنَّ الْمَنْزِلَ إِمَّا مِلْكُهُ أَوْ لَهُ حَقُّ الِانْتِفَاعِ بِهِ، وَحَقُّ الزَّوْجِ فِي زَوْجَتِهِ مِنْ إِسْكَانِ أَقَارِبِهَا مَعَهَا يَسْقُطُ بِرِضَاهُ، فَإِذَا رَضِيَ الزَّوْجُ بِسُكْنَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِهَا مَعَهَا فَلَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ.

يَقُولُ الزَّيْلَعِيُّ: «وَهَذَا لِأَنَّهُمَا يَتَضَرَّرَانِ بِالسُّكْنَى مَعَ النَّاسِ، فَإِنَّهُمَا لَا يَأْمَنَانِ عَلَى مَتَاعِهِمَا، وَيَمْنَعُهُمَا ذَلِكَ مِنْ كَمَالِ الِاسْتِمْتَاعِ وَالْمُعَاشَرَةِ، إِلاَّ أَنْ يَخْتَارَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، فَلَهُمَا أَنْ يَتَّفِقَا عَلَيْهِ».

وَإِذَا كَانَ الْمَسْكَنُ مِلْكًا لَهُمَا فَلَا يَجُوزُ لِلزَّوْجِ مَنْعُ أَهْلِهَا مِنَ السُّكْنَى مَعَهَا إِذَا أَرَادَتْ ذَلِكَ.

وَإِنْ كَانَتْ تُرِيدُ إِسْكَانَ وَلَدِهَا مِنْ غَيْرِ الزَّوْجِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهَا إِسْكَانُهُ إِلاَّ بِرِضَا الزَّوْجِ، فَإِنْ لَمْ يَرْضَ فَلَا يَجُوزُ لَهَا إِسْكَانُهُ مَعَهُمَا.وَلَمْ يُفَرِّقِ الْجُمْهُورُ بَيْنَ عِلْمِ الزَّوْجِ بِوُجُودِ وَلَدٍ لَهَا وَقْتَ الْبِنَاءِ وَعَدَمِ عِلْمِهِ، أَوْ بَيْنَ وُجُودِ حَاضِنَةٍ لِلْوَلَدِ أَمْ لَا.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلزَّوْجِ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ إِسْكَانِ وَلَدِهَا مِنْ غَيْرِهِ إِنْ كَانَ يَعْلَمُ بِهِ وَقْتَ الْبِنَاءِ، أَوْ كَانَ لَا يَعْلَمُ بِهِ وَلَا حَاضِنَ لَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ بِهِ وَلَهُ حَاضِنٌ فَلَيْسَ لِلزَّوْجَةِ أَنْ تُسْكِنَهُ مَعَهَا عِنْدَهُمْ.

زِيَارَةُ الْأَبَوَيْنِ أَوِ الْمَحَارِمِ لِلزَّوْجَةِ فِي مَسْكَنِهَا:

8- يَجُوزُ لِأَبَوَيِ الزَّوْجَةِ وَوَلَدِهَا الْكَبِيرِ مِنْ غَيْرِ الزَّوْجِ زِيَارَتُهَا فِي مَسْكَنِهَا الَّذِي يُسْكِنُهَا فِيهِ الزَّوْجُ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّةً.وَأَمَّا وَلَدُهَا الصَّغِيرُ فَلَهُ حَقُّ الدُّخُولِ فِي كُلِّ يَوْمٍ لِتَتَفَقَّدَ حَالَهُ، وَأَمَّا غَيْرُ الْأَبَوَيْنِ مِنَ الْمَحَارِمِ فَلَهُمْ حَقُّ زِيَارَتِهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً.وَقِيلَ: فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً، وَهَذَا قَوْلُ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ: لِلزَّوْجِ مَنْعُ أَقَارِبِ الْمَرْأَةِ مِنَ الدُّخُولِ عَلَيْهَا مَعَ الْكَرَاهَةِ.

وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: لَيْسَ لِلزَّوْجِ مَنْعُ أَبَوَيْهَا مِنْ زِيَارَتِهَا؛ لِمَا فِيهِ مِنْ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ، لَكِنْ إِنْ عَرَفَ بِقَرَائِنِ الْحَالِ حُدُوثَ ضَرَرٍ بِزِيَارَتِهِمَا، أَوْ زِيَارَةِ أَحَدِهِمَا فَلَهُ الْمَنْعُ.

وَيُنْظَرُ التَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (زِيَارَة).

الْمَسْكَنُ الشَّرْعِيُّ لِلزَّوْجَةِ:

9- ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْمَسْكَنِ الشَّرْعِيِّ لِلزَّوْجَةِ هُوَ سَعَةُ الزَّوْجِ وَحَالُ الزَّوْجَةِ، قِيَاسًا عَلَى النَّفَقَةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا حَقٌّ مُتَرَتِّبٌ عَلَى عَقْدِ الزَّوَاجِ، وَلَمَّا كَانَ الْمُعْتَبَرُ فِي النَّفَقَةِ هُوَ حَالَ الزَّوْجَيْنِ فَكَذَلِكَ السُّكْنَى وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (نَفَقَة).

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ- غَيْرَ الشِّيرَازِيِّ- إِلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْمَسْكَنِ الشَّرْعِيِّ هُوَ حَالُ الزَّوْجَةِ فَقَطْ.عَلَى خِلَافِ قَوْلِهِمْ فِي النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَةَ مُلْزَمَةٌ بِمُلَازَمَةِ الْمَسْكَنِ، فَلَا يُمْكِنُهَا إِبْدَالُهُ، فَإِذَا لَمْ يُعْتَبَرْ حَالُهَا فَذَلِكَ إِضْرَارٌ بِهَا، وَالضَّرَرُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ شَرْعًا.أَمَّا النَّفَقَةُ فَيُمْكِنُهَا إِبْدَالُهَا.

وَذَهَبَ الشِّيرَازِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي تَقْدِيرِ الْمَسْكَنِ هُوَ سَعَةُ الزَّوْجِ فَقَطْ.لقوله تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} وقوله تعالى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّاآتَاهُ اللَّهُ} وَهَاتَانِ الْآيَتَانِ فِي الْمُطَلَّقَةِ، فَالزَّوْجَةُ أَوْلَى.

قَالَ: إِنَّ النَّفَقَةَ يُفَرَّقُ فِيهَا بَيْنَ الْمُوسِرِ وَالْمُعْسِرِ، وَالْوَاجِبُ يَكُونُ بِقَدْرِ حَالِ الْمُنْفِقِ يُسْرًا وَعُسْرًا وَتَوَسُّطًا، كَمَا جَاءَ فِي الْآيَةِ، كَذَلِكَ السُّكْنَى تَكُونُ عَلَى قَدْرِ يَسَارِهِ وَإِعْسَارِهِ وَتَوَسُّطِهِ.

اخْتِيَارُ مَكَانِ السُّكْنَى:

10- ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ لِلزَّوْجِ السُّكْنَى بِزَوْجَتِهِ حَيْثُ شَاءَ، غَيْرَ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ يَنُصُّونَ عَلَى أَنْ تَكُونَ السُّكْنَى بَيْنَ جِيرَانٍ.

وَقَالَ الْفُقَهَاءُ: وَإِذَا اشْتَكَتِ الزَّوْجَةُ مِنْ إِضْرَارِ الزَّوْجِ بِهَا يُسْكِنُهَا الْحَاكِمُ بَيْنَ قَوْمٍ صَالِحِينَ؛ لِيَعْلَمُوا صِحَّةَ دَعْوَاهَا.

سُكْنَى الْمُؤْنِسَةِ:

11- الْمُؤْنِسَةُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: هِيَ الَّتِي تُؤْنِسُ الزَّوْجَةَ إِذَا خَرَجَ الزَّوْجُ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهَا أَحَدٌ.وَالْمُؤْنِسَةُ وَاجِبَةٌ لِلزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا عِنْدَمَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَى ذَلِكَ، كَخَوْفِ مَكَانِهَا أَوْ خَوْفِهَا عَلَى نَفْسِهَا مِنْ عَدُوٍّ يَتَرَبَّصُ بِهَا.

هَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ وَالْحَنَابِلَةُ.وَيَسْتَدِلُّونَ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ إِلْزَامَ الزَّوْجَةِ بِالْإِقَامَةِ بِمَكَانٍ لَا تَأْمَنُ فِيهِ عَلَى نَفْسِهَا، وَلَا يُوجَدُ مَعَهَا فِيهِ مُؤْنِسٌ مِنَ الْمُضَارَّةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، لقوله تعالى: {وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ} كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ الْمُعَاشَرَةُ بِالْمَعْرُوفِ الْمَأْمُورُ بِهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}.

وَحَمَلَ صَاحِبُ هَذَا الْقَوْلِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ قَوْلَ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ اللُّزُومِ عَلَى مَا إِذَا أَسْكَنَهَا بَيْنَ جِيرَانٍ صَالِحِينَ، وَعَلَى عَدَمِ الِاسْتِيحَاشِ.

قَالَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ: قَالَ فِي النَّهْرِ: لَمْ نَجِدْ مِنْ كَلَامِهِمْ ذِكْرَ الْمُؤْنِسَةِ، إِلاَّ أَنَّهُ يُسْكِنُهَا بَيْنَ قَوْمٍ صَالِحِينَ بِحَيْثُ لَا تَسْتَوْحِشُ.وَهَذَا ظَاهِرٌ مِنْ وُجُوبِهَا فِيمَا إِذَا كَانَ الْبَيْتُ خَالِيًا مِنَ الْجِيرَانِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَتْ تَخْشَى عَلَى عَقْلِهَا مِنْ سَعَتِهِ.

وَالْمُقَرَّرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ، أَنَّ الْمُؤْنِسَةَ لَيْسَتْ بِلَازِمَةٍ عَلَى الزَّوْجِ.

سُكْنَى الْمُعْتَدَّةِ عَنْ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ:

12- الْمُعْتَدَّةُ عَنْ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ تُعْتَبَرُ زَوْجَةً؛ لِأَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ قَائِمٌ، فَكَانَ الْحَالُ بَعْدَ الطَّلَاقِ كَالْحَالِ قَبْلَهُ، وَلِهَذَا اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ جَمِيعًا عَلَى وُجُوبِ السُّكْنَى فِيهَا لقوله تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ}.

سُكْنَى الْمُعْتَدَّةِ عَنْ طَلَاقٍ بَائِنٍ:

13- إِنْ كَانَتِ الْمُعْتَدَّةُ عَنْ طَلَاقٍ بَائِنٍ حَامِلًا فَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي وُجُوبِ السُّكْنَى لَهَا.وَذَكَرَ ابْنُ قُدَامَةَ وَغَيْرُهُ أَنَّ هُنَاكَ إِجْمَاعًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى وُجُوبِ السُّكْنَى لَهَا، لقوله تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ}

قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: أَطْلَقَ اللَّهُ تَعَالَى السُّكْنَى لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ، فَكَانَتْ حَقًّا لَهُنَّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ غَيْرَ ذَلِكَ لَقَيَّدَ كَمَا فَعَلَ فِي النَّفَقَةِ إِذْ قَيَّدَهَا بِالْحَمْلِ فِي قوله تعالى: {وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفَقُوا عَلَيْهِنَّ} وَإِذَا كَانَتِ الْمُعْتَدَّةُ عَنْ طَلَاقٍ بَائِنٍ غَيْرَ حَامِلٍ فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وُجُوبَ السُّكْنَى لَهَا، وَهُوَ رَأْيُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، - رضي الله عنهم- وَعَائِشَةَ - رضي الله عنها- وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالْقَاسِمِ، وَسَالِمٍ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَخَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ.

وَالْآيَةُ السَّابِقَةُ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ الْمُطَلَّقَاتِ، لِأَنَّهَا ذُكِرَتْ بَعْدَ قوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} وَهَذِهِ انْتَظَمَتِ الرَّجْعِيَّةَ وَالْبَائِنَ.بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ بَقِيَ مِنْ طَلَاقِهَا وَاحِدَةٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يُطَلِّقَهَا لِلْعِدَّةِ إِذَا أَرَادَ طَلَاقَهَا بِالْآيَةِ.

وَكَذَلِكَ «قَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم- لِعُمَرِ بْنِ الْخَطَّابِ- لَمَّا أَخْبَرَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ طَلَّقَ زَوْجَهُ وَهِيَ حَائِضٌ: لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا» وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ التَّطْلِيقَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ، فَإِذَنْ يَكُونُ قوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} قَدْ تَضَمَّنَ الْبَائِنَ وَالرَّجْعِيَّ.

وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ مِنْ حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، وَفِيهِ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم-: «لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ.وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ»، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ إِسْقَاطَ السُّكْنَى، فَبَقِيَ عَلَى عُمُومِهِ فِي قوله تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ}.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى إِلَى أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ عَنْ طَلَاقٍ بَائِنٍ غَيْرَ حَامِلٍ، لَا سُكْنَى لَهَا.وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٌ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوسٌ، وَالْحَسَنُ وَعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدُ، لَكِنْ إِنْ أَرَادَ الْمُطَلِّقُ إِسْكَانَ الْبَائِنِ فِي مَنْزِلِهِ، أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا يَصْلُحُ لَهَا تَحْصِينًا لِفِرَاشِهِ وَلَا مَحْذُورَ فِيهِ، لَزِمَهَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ فِيهِ.وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنْ «فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّهَا قَالَتْ: إِنَّهُ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم- وَكَانَ أَنْفَقَ عَلَيْهَا نَفَقَةَ دُونٍ، فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ قَالَتْ: وَاَللَّهِ لأَُعْلِمَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- فَإِنْ كَانَ لِي نَفَقَةٌ أَخَذْتُ الَّذِي يُصْلِحُنِي، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لِي نَفَقَةٌ لَمْ آخُذْ مِنْهُ شَيْئًا.قَالَتْ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: لَا نَفَقَةَ لَكِ وَلَا سُكْنَى».

سُكْنَى الْمُعْتَدَّةِ عَنْ وَفَاةٍ:

14- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ السُّكْنَى فِي مَالِ الْمُتَوَفَّى أَيَّامَ عِدَّتِهَا.

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ- وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ خِلَافُ الْأَظْهَرِ- إِلَى أَنَّهُ لَا سُكْنَى لَهَا عَلَى الْمُتَوَفَّى مِنْ مَالِهِ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَأُمِّ سَلَمَةَ.وَاسْتَدَلُّوا بِمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «إِنَّمَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى لِلْمَرْأَةِ إِذَا كَانَ لِزَوْجِهَا عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ».وَيَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما- فِي قوله تعالى: {وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} نُسِخَ ذَلِكَ بِآيَةِ الْمِيرَاثِ، بِمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُنَّ مِنَ الرُّبُعِ وَالثُّمُنِ، وَنُسِخَ أَجَلُ الْحَوْلِ بِأَنْ جَعَلَ أَجَلَهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا.وَقَالُوا: إِنَّ الْمَنْزِلَ الَّذِي تَرَكَهُ الْمَيِّتُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مِلْكًا لِلْمَيِّتِ، أَوْ مِلْكًا لِغَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ مِلْكًا لِغَيْرِهِ لِكَوْنِهِ مُسْتَأْجَرًا أَوْ مُعَارًا فَقَدْ بَطَلَ الْعَقْدُ بِمَوْتِهِ فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ سُكْنَاهُ، إِلاَّ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ وَطِيبِ نَفْسِهِ لِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ».وَإِنْ كَانَ مِلْكًا لِلْمَيِّتِ فَقَدْ صَارَ لِلْغُرَمَاءِ، أَوْ لِلْوَرَثَةِ، أَوْ لِلْوَصِيَّةِ، وَلَا يَحِلُّ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا مَالُ الْغُرَمَاءِ وَالْوَرَثَةِ وَالْمُوصَى لَهُمْ، لِلْحَدِيثِ الَّذِي تَقَدَّمَ.وَعَلَى ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهَا إِلاَّ مِقْدَارُ مِيرَاثِهَا إِنْ كَانَتْ وَارِثَةً فَقَطْ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى الْأَظْهَرِ أَنَّ لَهَا السُّكْنَى وَكَذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ بِشَرْطَيْنِ: الشَّرْطُ الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ قَدْ دَخَلَ بِهَا، الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَسْكَنُ لِلْمَيِّتِ إِمَّا بِمِلْكٍ أَوْ بِمَنْفَعَةٍ مُؤَقَّتَةٍ، أَوْ بِإِجَارَةٍ وَقَدْ نَقَدَ كِرَاءَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ.فَإِنْ كَانَ نَقَدَ الْبَعْضَ فَلَهَا السُّكْنَى بِقَدْرِ مَا نَقَدَ فَقَطْ.

وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ مِنْهُمْ: إِنْ كَانَ أَكْرَاهَا سَنَةً مُعَيَّنَةً فَهِيَ أَحَقُّ بِالسُّكْنَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَقَدَ.

وَقَدْ حَكَى هَذَا الْقَوْلَ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ لقوله تعالى: {وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}.وَلِحَدِيثِ «الْفُرَيْعَةِ بِنْتِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَمَّا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَأَخْبَرَتْ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- وَأَرَادَتِ التَّحَوُّلَ إِلَى أَهْلِهَا وَإِخْوَتِهَا قَالَ لَهَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم-: امْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ».

وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: لَا سُكْنَى لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إِنْ كَانَتْ حَائِلًا رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ.

سُكْنَى الْمُعْتَدَّةِ عَنْ فَسْخٍ:

15- وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ- عَلَى الرَّاجِحِ فِي مَذْهَبِهِمْ- إِلَى أَنَّ لِلْمُعْتَدَّةِ عَنْ فَسْخٍ مِنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ السُّكْنَى.وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ الْفَسْخُ بِسَبَبِهَا أَوْ بِسَبَبِهِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ السَّبَبُ الَّذِي تَرَتَّبَ الْفَسْخُ عَلَيْهِ مَعْصِيَةً مِنْهَا أَمْ غَيْرَ مَعْصِيَةٍ؛ لِأَنَّ الْقَرَارَ مِنَ الْبَيْتِ مُسْتَحَقٌّ لَهَا، وَلِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ عَنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ بِفُرْقَةٍ فِي الْحَيَاةِ، فَأَشْبَهَتِ الْمُطَلَّقَةَ تَحْصِينًا لِلْمَاءِ.

أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْمُعْتَدَّةُ عَنْ فَسْخٍ مِنْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ فَلَا سُكْنَى لَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا سُكْنَى فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ، فَحَالُ الْعَقْدِ كَحَالِ النِّكَاحِ، فَلَا سُكْنَى لَهَا عَلَى الْوَاطِئِ أَوِ الزَّوْجِ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ عَنْ فَسْخٍ لَهَا السُّكْنَى فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ وَالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ، وَسَوَاءٌ اطَّلَعَ عَلَى مُوجِبِ الْفَسْخِ فِي حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ مَمَاتِهِ، فَمَتَى كَانَتِ الْمَرْأَةُ مَحْبُوسَةً عَنِ النِّكَاحِ بِسَبَبِهِ فَلَهَا السُّكْنَى.

وَقَالُوا: إِنَّ الْمَوْطُوءَةَ بِشُبْهَةٍ لَهَا السُّكْنَى فِي صُورَتَيْنِ: إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ، أَوْ كَانَ لَهَا زَوْجٌ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا.وَلَهَا السُّكْنَى عَلَى الزَّوْجِ إِذَا دَخَلَ بِهَا، سَوَاءٌ حَمَلَتْ مِنَ الْغَالِطِ أَمْ لَمْ تَحْمِلْ، إِلاَّ إِذَا نَفَى الزَّوْجُ حَمْلَهَا بِلِعَانٍ وَالْتَحَقَ الْحَمْلُ بِالْغَالِطِ، فَإِنَّ السُّكْنَى تَكُونُ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ لِلْمُعْتَدَّةِ عَنْ فَسْخٍ السُّكْنَى إِذَا كَانَتْ حَامِلًا.أَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنْ حَامِلًا فَلَا سُكْنَى لَهَا.وَلَوْ وُطِئَتِ الرَّجْعِيَّةُ بِشُبْهَةٍ، أَوْ بِنِكَاحٍ فَاسِدٍ، ثُمَّ بَانَ بِهَا حَمْلٌ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الزَّوْجِ أَوْ مِنَ الْوَاطِئِ فَعَلَيْهِمَا الْأُجْرَةُ حَتَّى تَضَعَ، وَالنَّفَقَةُ بَعْدَ الْوَضْعِ حَتَّى يَنْكَشِفَ الْأَبُ مِنْهُمَا، فَيَرْجِعَ مَنْ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ عَلَى الْآخَرِ بِمَا أَنْفَعَهُ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى عَنْهُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ.

السُّكْنَى مَعَ الْمُعْتَدَّةِ:

16- يَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ الْمُطَلِّقِ مُسَاكَنَةُ الْمُعْتَدَّةِ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا فِي ذَلِكَ بَيْنَ الرَّجْعِيَّةِ وَالْبَائِنِ، إِلاَّ إِذَا كَانَتِ الدَّارُ لَهُمَا وَمَعَهُمَا مَحْرَمٌ، يُشْتَرَطُ فِيهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنْ يَكُونَ مُمَيِّزًا بَصِيرًا، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى.

فَإِنْ كَانَ الَّذِي مَعَهُمَا مَحْرَمًا لَهُ، فَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ أُنْثَى، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَعَهُمَا مَحْرَمٌ لَهُ إِنْ كَانَ ذَكَرًا.

وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ الدُّخُولُ عَلَى مُطَلَّقَتِهِ الرَّجْعِيَّةِ وَلَوْ كَانَ مَعَهَا مَنْ يَحْفَظُهَا، وَلَا يُبَاحُ لَهُ السَّكَنُ مَعَهَا فِي دَارٍ جَامِعَةٍ لَهَا وَلِلنَّاسِ.وَحُجَّتُهُمْ فِي تَحْرِيمِ الِاخْتِلَاءِ بِهَا أَنَّ الطَّلَاقَ مُضَادٌّ لِلنِّكَاحِ الَّذِي قَدْ سَبَّبَ الْإِبَاحَةَ وَالْإِبْقَاءَ لِلضِّدِّ مَعَ وُجُودِ ضِدِّهِ.

وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ إِذَا وَجَبَ الِاعْتِدَادُ فِي مَنْزِلِ الزَّوْجِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَسْكُنَا فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ إِذَا كَانَ الْمُطَلِّقُ عَدْلًا، سَوَاءٌ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا أَوْ ثَلَاثًا.وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُحَالَ بَيْنَهُمَا فِي الْبَيْنُونَةِ بِسِتْرٍ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ فَاسِقًا فَيُحَالُ بَيْنَهُمَا بِامْرَأَةٍ ثِقَةٍ تَقْدِرُ عَلَى الْحَيْلُولَةِ بَيْنَهُمَا.وَإِنْ تَعَذَّرَ فَلْتَخْرُجْ هِيَ وَتَعْتَدَّ فِي مَنْزِلٍ آخَرَ.وَكَذَا لَوْ ضَاقَ الْبَيْتُ.وَإِنْ خَرَجَ هُوَ كَانَ أَوْلَى، وَلَهُمَا أَنْ يَسْكُنَا بَعْدَ الثَّلَاثِ، إِذَا لَمْ يَلْتَقِيَا الْتِقَاءَ الْأَزْوَاجِ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ خَوْفُ فِتْنَةٍ.

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ كَمَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ لِلْمُطَلِّقِ السُّكْنَى مَعَ الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ، كَمَا أَنَّ لَهَا أَنْ تَتَزَيَّنَ لَهُ، وَلَا تَحْصُلُ الرَّجْعَةُ بِمُبَاشَرَتِهَا مِنَ الْقُبْلَةِ وَنَحْوِهَا، لَكِنْ تَحْصُلُ بِالْوَطْءِ، وَأَمَّا الْبَائِنُ فَلَا سُكْنَى لَهَا، وَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ.فَلَوْ كَانَتْ دَارُ الْمُطَلِّقِ مُتَّسَعَةً لَهُمَا، وَأَمْكَنَهَا السُّكْنَى فِي غُرْفَةٍ مُنْفَرِدَةٍ، وَبَيْنَهُمَا بَابٌ مُغْلَقٌ (أَيْ بِمَرَافِقِهَا) وَسَكَنَ الزَّوْجُ فِي الْبَاقِي جَازَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا بَابٌ مُغْلَقٌ وَوُجِدَ مَعَهَا مَحْرَمٌ تَتَحَفَّظُ بِهِ جَازَ، وَإِلاَّ لَمْ يَجُزْ.

سَكَنُ الْحَاضِنَةِ:

17- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي سُكْنَى الْحَاضِنَةِ، إِذَا لَمْ تَكُنْ هِيَ الْأُمَّ فِي حَالِ كَوْنِهَا فِي عِصْمَةِ الْأَبِ.

فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ تَجِبُ لَهَا السُّكْنَى فِي مَالِ الْمَحْضُونِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَإِلاَّ فَعَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ.وَقَالَ آخَرُونَ: لَا سُكْنَى لَهَا عَلَى مَنْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ، وَلَيْسَ لَهَا إِلاَّ أُجْرَةُ الْحَضَانَةِ.

وَانْظُرِ التَّفْصِيلَ فِي مُصْطَلَحِ: (حَضَانَة).

سُكْنَى الْقَرِيبِ:

18- تَجِبُ سُكْنَى الْقَرِيبِ الْمُعْسِرِ الْعَاجِزِ عَنِ الْكَسْبِ حَيْثُ تَجِبُ نَفَقَتُهُ بِشُرُوطٍ.

وَتَفْصِيلُهُ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (نَفَقَة).

السُّكْنَى بِاعْتِبَارِهَا مُتَرَتِّبَةً عَلَى تَصَرُّفٍ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ:

19- (1) إجَارَةُ السُّكْنَى.

(2) بَيَانُ مَحِلِّ السُّكْنَى.

السُّكْنَى مَنْفَعَةٌ مِنَ الْمَنَافِعِ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ مَحَلٍّ تُسْتَوْفَى مِنْهُ.وَهَذَا الْمَحَلُّ هُوَ الدُّورُ، وَبَيَانُ الْمَحَلِّ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الْإِجَارَةِ.

وَيَتَحَقَّقُ بَيَانُهُ بِبَيَانِ الْعَيْنِ الَّتِي وَقَعَتِ الْإِجَارَةُ عَلَى مَنْفَعَتِهَا، كَمَا إِذَا قَالَ: اسْتَأْجَرْتُ هَذِهِ الدَّارَ لِلسُّكْنَى، أَوْ يَقُولُ الْمُؤَجِّرُ: أَجَّرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ.فَلَوْ قَالَ: أَجَّرْتُكَ إِحْدَى هَاتَيْنِ الدَّارَيْنِ لِلسُّكْنَى، لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ؛ لِجَهَالَةِ مَحَلِّ الْعَقْدِ جَهَالَةً مُفْضِيَةً لِلنِّزَاعِ.

وَلَا يُشْتَرَطُ بَيَانُ مَنْ يَسْكُنُهَا، وَلَا مَا سَيَعْمَلُ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ كَافٍ فِي ذَلِكَ.وَلِأَنَّ مَنَافِعَ السُّكْنَى غَيْرُ مُتَفَاوِتَةٍ، وَالتَّفَاوُتُ فِيهَا مُتَسَامَحٌ فِيهِ عُرْفًا.

يَقُولُ الْكَاسَانِيُّ: وَلَمْ يُشْتَرَطْ بَيَانُ مَا يُعْمَلُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ شُرِعَتْ لِلِانْتِفَاعِ، وَالدُّورُ وَالْمَنَازِلُ وَالْبُيُوتُ وَنَحْوُهَا مُعَدَّةٌ لِلِانْتِفَاعِ بِهَا لِلسُّكْنَى، وَمَنَافِعُ الْعَقَارِ الْمُعَدِّ لِلسُّكْنَى مُتَقَارِبَةٌ؛ لِأَنَّ النَّاسَ لَا يَتَفَاوَتُونَ فِي السُّكْنَى، فَكَانَتْ مَعْلُومَةً مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةٍ، وَكَذَا الْمَنْفَعَةُ لَا تَتَفَاوَتُ بِكَثْرَةِ السُّكَّانِ وَقِلَّتِهِمْ إِلاَّ تَفَاوُتًا يَسِيرًا، وَإِنَّهُ مُلْحَقٌ بِالْعَدَمِ، وَكَذَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُسْكِنَ نَفْسَهُ وَأَنْ يُسْكِنَ غَيْرَهُ.

وَتُرَاعَى فِي ذَلِكَ أَحْكَامُ الْإِجَارَةِ، انْظُرْ (إِجَارَة).

الْوَصِيَّةُ بِالسُّكْنَى:

20- الْوَصِيَّةُ بِالسُّكْنَى نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْوَصِيَّةِ، وَهِيَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مُطْلَقَةً عَنِ الْوَقْتِ أَوْ مُقَيَّدَةً بِوَقْتٍ، وَفِي كُلٍّ إِمَّا أَنْ تَكُونَ لِمُعَيَّنٍ كَزَيْدٍ، أَوْ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ كَفُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ.فَإِذَا كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بِالسُّكْنَى مُطْلَقَةً وَهِيَ لِمُعَيَّنٍ، فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ لِلْمُوصَى لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِسُكْنَى الدَّارِ مَا عَاشَ، فَإِذَا مَاتَ انْتَقَلَتِ السُّكْنَى إِلَى مِلْكِ صَاحِبِ الْعَيْنِ- وَهُمْ وَرَثَةُ الْمُوصِي- لِبُطْلَانِهَا بِمَوْتِ الْمُوصَى لَهُ.

وَيُشْتَرَطُ لِانْتِفَاعِ الْمُوصَى لَهُ بِالسُّكْنَى أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ الْمُوصَى بِسُكْنَاهَا تَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِ مَالِ الْمُوصِي، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سِوَى هَذِهِ الدَّارِ الْمُوصَى بِسُكْنَاهَا، فَإِنَّ الْمُوصَى لَهُ يَسْكُنُ ثُلُثَهَا وَوَرَثَةُ الْمُوصِي يَسْكُنُونَ ثُلُثَيْهَا، مَا دَامَ الْمُوصَى لَهُ حَيًّا، فَإِنْ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ تُرَدُّ إِلَيْهِمِ الْمَنْفَعَةُ كَامِلَةً.وَإِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بِالسُّكْنَى مُطْلَقَةً وَلِغَيْرِ مُعَيَّنٍ فَفِي جَوَازِهَا خِلَافٌ فِي الْمَذْهَبِ الْحَنَفِيِّ، فَأَبُو حَنِيفَةَ يَرَى عَدَمَ جَوَازِ هَذِهِ الْوَصِيَّةِ، وَيَرَى صَاحِبَاهُ جَوَازَهَا.

أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بِالسُّكْنَى مُؤَقَّتَةً بِمُدَّةٍ مُحَدَّدَةٍ كَسَنَةٍ مَثَلًا، فَيُنْظَرُ: هَلْ لِلْمُوصِي مَالٌ آخَرُ غَيْرُ هَذِهِ الدَّارِ الَّتِي أَوْصَى بِسُكْنَاهَا سَنَةً مُعَيَّنَةً؟ فَإِنْ أَجَازَ الْوَرَثَةُ هَذِهِ الْوَصِيَّةَ سُلِّمَتِ الدَّارُ إِلَى الْمُوصَى لَهُ لِيَسْكُنَهَا السَّنَةَ الْمَذْكُورَةَ، وَإِنْ لَمْ يُجِزْهَا الْوَرَثَةُ قُسِمَتْ سُكْنَى الدَّارِ بَيْنَ الْمُوصَى لَهُ وَالْوَرَثَةِ أَثْلَاثًا، ثُلُثُهَا لِلْمُوصَى لَهُ، وَثُلُثَاهَا لِوَرَثَةِ الْمُوصَى.وَإِنْ أَوْصَى بِسُكْنَاهَا سَنَةً غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ فَإِنَّ الدَّارَ تُسَلَّمُ لِلْمُوصَى لَهُ لِيَسْكُنَهَا إِذَا أَجَازَ ذَلِكَ الْوَرَثَةُ، فَإِنْ لَمْ يُجِيزُوهَا قُسِمَتِ الدَّارُ أَثْلَاثًا يَسْكُنُ الْمُوصَى لَهُ ثُلُثَهَا لِمُدَّةِ ثَلَاثِ سَنَوَاتٍ.

فَإِذَا انْتَهَتِ الْمُدَّةُ الْمَذْكُورَةُ رَدَّ الثَّلَاثَ إِلَى الْوَرَثَةِ، وَتَكُونُ بِذَلِكَ الدَّارُ جَمِيعُهَا لِلْوَرَثَةِ.

أَمَّا إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهَا، فَإِنْ كَانَ الثُّلُثُ يَسَعُ هَذِهِ الْوَصِيَّةَ سُلِّمَتِ الدَّارُ إِلَى الْمُوصَى لَهُ لِيَسْكُنَهَا السَّنَةَ الْمُحَدَّدَةَ، وَإِنْ كَانَ الثُّلُثُ لَا يَسَعُ هَذِهِ الْوَصِيَّةَ فَإِنْ أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ سُلِّمَتِ الدَّارُ لِلْمُوصَى لَهُ لِيَسْكُنَهَا السَّنَةَ الْمُحَدَّدَةَ وَإِنْ لَمْ يُجِيزُوهَا فَإِنَّهُ يَسْكُنُ بِمِقْدَارِ الثُّلُثِ حَسَبَ التَّفْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ.

وَإِنْ عَيَّنَ الْمُوصِي السَّنَةَ الَّتِي أَوْصَى بِسُكْنَاهَا فَمَضَتْ تِلْكَ السَّنَةُ قَبْلَ وَفَاةِ الْمُوصِي، فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ تَبْطُلُ بِفَوَاتِهَا؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَا تُنْتِجُ أَثَرَهَا إِلاَّ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي.وَإِذَا مَاتَ فِي أَثْنَاءِ تِلْكَ السَّنَةِ الْمُعَيَّنَةِ فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ تَبْطُلُ فِيمَا مَضَى قَبْلَ وَفَاتِهِ.أَمَّا مَا يَبْقَى مِنَ السَّنَةِ بَعْدَ وَفَاةِ الْمُوصِي فَيَكُونُ لِلْمُوصَى لَهُ الْحَقُّ فِي سُكْنَى هَذِهِ الْعَيْنِ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالسُّكْنَى لِدَارٍ مُعَيَّنَةٍ إِنْ كَانَتْ مُطْلَقَةً فَإِنَّ الْمُوصَى لَهُ يَسْتَحِقُّ الثُّلُثَ، وَأَمَّا إِذَا كَانَتِ الْوَصِيَّةُ مُؤَقَّتَةً فَيُنْظَرُ إِنْ كَانَ يَحْمِلُ الثُّلُثُ قِيمَتَهَا فَيَتَعَيَّنُ تَسْلِيمُ الْمُوصَى بِهِ إِلَى الْمُوصَى لَهُ لِيَسْكُنَهُ.وَإِنْ لَمْ يَحْمِلِ الثُّلُثُ قِيمَةَ الْعَيْنِ الْمُوصَى بِسُكْنَاهَا خُيِّرَ الْوَارِثُ بَيْنَ أَنْ يُجِيزَ الْوَصِيَّةَ أَوْ يَخْلَعَ ثُلُثَ جَمِيعِ التَّرِكَةِ مِنَ الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ عِوَضًا أَوْ عَيْنًا أَوْ غَيْرَهُمَا، وَيُعْطِيَهُ لِلْمُوصَى لَهُ، وَبِهَذَا يَكُونُ لِلْمُوصَى لَهُ ثُلُثُ جَمِيعِ مَا تَرَكَهُ الْمُوصِي.

وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ إِذَا كَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِلسُّكْنَى مُطْلَقَةً عَنِ التَّأْقِيتِ بِزَمَنٍ مُعَيَّنٍ، فَإِنَّ الْمُوصَى لَهُ يَمْلِكُ سَكَنَ الدَّارِ، وَلَهُ حَقُّ تَأْجِيرِهَا وَإِعَارَتِهَا لِغَيْرِهِ وَالْإِيصَاءِ بِمَنْفَعَتِهَا وَتُورَثُ عَنْهُ مَنْفَعَتُهَا بَعْدَ مَوْتِهِ.وَإِذَا كَانَتْ مُؤَقَّتَةً بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ، كَسَنَةٍ أَوْ كَحَيَاةِ الْمُوصَى لَهُ، فَإِنَّ الْمُوصَى لَهُ يَنْتَفِعُ بِالسُّكْنَى بِنَفْسِهِ الْمُدَّةَ الْمُعَيَّنَةَ أَوْ مُدَّةَ حَيَاتِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَاجِرَ أَوْ أَنْ يُعِيرَ، وَلَا تُورَثُ عَنْهُ إِذَا مَاتَ، لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالسُّكْنَى هُنَا مِنْ قَبِيلِ الْإِبَاحَةِ وَلَيْسَتْ تَمْلِيكًا.

وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُوصَى لَهُ تَأْجِيرُ الْمُوصَى بِهِ إِذَا كَانَتِ الْوَصِيَّةُ مُقَيَّدَةً بِالِاسْتِعْمَالِ كَالسُّكْنَى؛ هُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا؛ وَعِلَّةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمِلْكَ هُنَا بِالْمَجَّانِ وَالتَّمْلِيكُ بِالْإِجَارَةِ تَمْلِيكٌ بِعِوَضٍ، وَهَذَا أَقْوَى مِنَ التَّمْلِيكِ مَجَّانًا، وَمَنْ مَلَكَ الْأَضْعَفَ لَا يَمْلِكُ الْأَقْوَى.

وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَيَقُولُونَ: إِنَّ الْمُوصَى لَهُ بِسُكْنَى الدَّارِ تُسَلَّمُ لَهُ الدَّارُ لِيَسْكُنَهَا، وَذَلِكَ إِذَا كَانَتِ الْوَصِيَّةُ يَسَعُهَا الثُّلُثُ، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الْوَصِيَّةُ مُطْلَقَةً أَمْ كَانَتْ مُؤَقَّتَةً بِمُدَّةٍ مُحَدَّدَةٍ، أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْوَصِيَّةُ لَا يَسَعُهَا الثُّلُثُ فَإِنَّ الَّذِي يَجُوزُ مِنْهَا هُوَ مَا يَخْرُجُ مِنَ الثُّلُثِ فَقَطْ.

وَأَجَازَ الْحَنَابِلَةُ لِلْمُوصَى لَهُ بِسُكْنَى الدَّارِ أَنْ يُؤَجِّرَ مَا لَهُ حَقُّ السُّكْنَى فِيهِ.

موسوعة الفقه الكويتية-وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت-صدرت بدءًا من: 1404هـ/1984م


8-موسوعة الفقه الكويتية (قسم بين الزوجات 2)

قَسْمٌ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ -2

الْخُرُوجُ فِي نَوْبَةِ زَوْجَةٍ وَالدُّخُولُ عَلَى غَيْرِهَا:

20- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ زَوْجَةٍ عَلَيْهِ أَنْ يُوفِيَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ قَسْمَهَا دُونَ نَقْصٍ أَوْ تَأْخِيرٍ، لِأَنَّ هَذَا مِنَ الْعَدْلِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ فِي الْقَسْمِ بَيْنَهُنَّ، وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي خُرُوجِ الزَّوْجِ فِي نَوْبَةِ إِحْدَى زَوْجَاتِهِ- لَيْلًا أَوْ نَهَارًا- وَدُخُولِهِ عَلَى غَيْرِهَا كَذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

قَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنْ خَرَجَ الزَّوْجُ الَّذِي عِمَادُ قَسْمِهِ اللَّيْلُ مِنْ عِنْدِ بَعْضِ نِسَائِهِ فِي زَمَانِهَا، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي النَّهَارِ أَوْ أَوَّلِ اللَّيْلِ أَوْ آخِرِهِ مِمَّا جَرَتِ الْعَادَةُ بِالِانْتِشَارِ فِيهِ وَالْخُرُوجِ إِلَى الصَّلَاةِ جَازَ، وَإِنْ خَرَجَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ اللَّيْلِ وَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ عَادَ لَمْ يَقْضِ لِمَنْ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا هَذَا الْوَقْتَ لِلْمُسَامَحَةِ بِهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي قَضَائِهِ لِقِصَرِهِ، وَإِنْ طَالَ زَمَنُ خُرُوجِهِ قَضَاهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ لِعُذْرٍ أَمْ لِغَيْرِ عُذْرٍ؛ لِأَنَّهُ مَعَ طُولِ الزَّمَنِ لَا يُسْمَحُ بِهِ عَادَةً، فَيَكُونُ حَقُّهَا قَدْ فَاتَ بِغَيْبَتِهِ عَنْهَا، وَحَقُّ الْآدَمِيِّ لَا يَسْقُطُ وَلَوْ بِعُذْرٍ إِلاَّ بِإِسْقَاطِ صَاحِبِهِ..فَوَجَبَ الْقَضَاءُ.

وَلَيْسَ لِهَذَا الزَّوْجِ دُخُولٌ فِي نَوْبَةِ زَوْجَةٍ عَلَى غَيْرِهَا لَيْلًا، لِمَا فِيهِ مِنْ إِبْطَالِ حَقِّ صَاحِبَةِ النَّوْبَةِ، إِلاَّ لِضَرُورَةٍ كَمَرَضِهَا الْمَخُوفِ وَشِدَّةِ الطَّلْقِ وَخَوْفِ النَّهْبِ وَالْحَرْقِ، وَحِينَئِذٍ إِنْ طَالَ مُكْثُهُ عُرْفًا قَضَى لِصَاحِبَةِ النَّوْبَةِ مِنْ نَوْبَةِ الْمَدْخُولِ عَلَيْهَا مِثْلَ مُكْثِهِ، وَإِنْ لَمْ يَطُلْ مُكْثُهُ فَلَا يَقْضِي، وَإِذَا تَعَدَّى بِالدُّخُولِ قَضَى إِنْ طَالَ مُكْثُهُ وَإِلاَّ فَلَا قَضَاءَ، وَأَثِمَ.

وَإِنْ دَخَلَ الزَّوْجُ فِي نَوْبَةِ إِحْدَى زَوْجَاتِهِ عَلَى غَيْرِهَا نَهَارًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِحَاجَةٍ؛ لِأَنَّهُ يُتَسَامَحُ فِيهِ مَا لَا يُتَسَامَحُ فِي اللَّيْلِ، فَيَدْخُلُ لِوَضْعِ مَتَاعٍ وَنَحْوِهِ كَتَسْلِيمِ نَفَقَةٍ وَتَعَرُّفِ خَبَرٍ وَعِيَادَةٍ.لِحَدِيثِ عَائِشَةَ- رضي الله عنها-: «وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- قَلَّ يَوْمٌ إِلاَّ وَهُوَ يَطُوفُ عَلَيْنَا جَمِيعًا، فَيَدْنُو مِنْ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْ غَيْرِ مَسِيسٍ، حَتَّى يَبْلُغَ إِلَى الَّتِي هُوَ يَوْمُهَا فَيَبِيتُ عِنْدَهَا» فَإِذَا دَخَلَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَطُلْ مُكْثُهُ عَنْ قَدْرِ الْحَاجَةِ وَلَمْ يُجَامِعْ.

قَالَ الشَّافِعِيَّةُ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَطُولَ مُكْثُهُ، أَيْ يَجُوزُ لَهُ تَطْوِيلُ الْمُكْثِ لَكِنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى وُجُوبِ عَدَمِ تَطْوِيلِ الْمُكْثِ لِأَنَّ الزَّائِدَ عَلَى الْحَاجَةِ كَابْتِدَاءِ دُخُولٍ لِغَيْرِهَا وَهُوَ حَرَامٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَقْضِي إِذَا دَخَلَ لِحَاجَةٍ وَإِنْ طَالَ الزَّمَنُ؛ لِأَنَّ النَّهَارَ تَابِعٌ مَعَ وُجُودِ الْحَاجَةِ.

وَفِي مُقَابِلِ الصَّحِيحِ يَجِبُ قَضَاءُ الْمُدَّةِ- إِنْ طَالَتْ- دُونَ الْجِمَاعِ، وَوَفَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا إِذَا طَالَتْ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، وَالثَّانِي عَلَى مَا إِذَا طَالَتْ فَوْقَ الْحَاجَةِ.

وَالصَّحِيحُ- عِنْدَهُمْ- أَيْضًا أَنَّ لَهُ مَا سِوَى الْوَطْءِ مِنِ اسْتِمْتَاعٍ.لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ؛ وَلِأَنَّ النَّهَارَ تَابِعٌ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ، أَمَّا الْوَطْءُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ صَاحِبَةِ النَّوْبَةِ، سَوَاءٌ أَكَانَ لَيْلًا أَمْ نَهَارًا.

وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: إِنْ أَطَالَ الْمَقَامَ عِنْدَ غَيْرِ صَاحِبَةِ النَّوْبَةِ قَضَاهُ، وَإِنِ اسْتَمْتَعَ بِهَا بِمَا دُونَ الْفَرْجِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا يَجُوزُ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ- رضي الله عنها-، وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ لَهَا بِهِ السَّكَنُ، وَإِنْ دَخَلَ عَلَيْهَا فَجَامَعَهَا فِي الزَّمَنِ الْيَسِيرِ- لَيْلًا أَوْ نَهَارًا- فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا لَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ، لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يُسْتَحَقُّ فِي الْقَسْمِ، وَالزَّمَنُ الْيَسِيرُ لَا يُقْضَى.وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ أَنْ يَقْضِيَهُ وَهُوَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى الْمَظْلُومَةِ فِي لَيْلَةِ الْمُجَامَعَةِ فَيُجَامِعَهَا فَيَعْدِلَ بَيْنَهُمَا.وَلِأَنَّ الْيَسِيرَ مَعَ الْجِمَاعِ يَحْصُلُ بِهِ السَّكَنُ فَأَشْبَهَ الْكَثِيرَ.

وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: يَلْزَمُ الزَّوْجَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ زَوْجَاتِهِ فِي اللَّيْلِ، حَتَّى لَوْ جَاءَ لِلْأُولَى بَعْدَ الْغُرُوبِ وَلِلثَّانِيَةِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فَقَدْ تَرَكَ الْقَسْمَ، وَلَا يُجَامِعُهَا فِي غَيْرِ نَوْبَتِهَا، وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا إِلاَّ لِعِيَادَتِهَا، وَلَوِ اشْتَدَّ مَرَضُهَا- فَفِي الْجَوْهَرَةِ- لَا بَأْسَ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهَا حَتَّى تُشْفَى أَوْ تَمُوتَ، يَعْنِي إِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهَا مَنْ يُؤْنِسُهَا.

وَالنَّوْبَةُ لَا تَمْنَعُ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى الْأُخْرَى لِيَنْظُرَ فِي حَاجَتِهَا وَيُمَهِّدَ أُمُورَهَا، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُنَّ كُنَّ يَجْتَمِعْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي بَيْتِ الَّتِي يَأْتِيهَا وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ هَذَا جَائِزٌ بِرِضَاءِ صَاحِبَةِ النَّوْبَةِ إِذْ قَدْ تَتَضِيقُ لِذَلِكَ.

وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: لَا يَدْخُلُ الزَّوْجُ فِي يَوْمِ إِحْدَى زَوْجَاتِهِ عَلَى ضَرَّتِهَا، أَيْ يُمْنَعُ، إِلاَّ لِحَاجَةٍ غَيْرِ الِاسْتِمْتَاعِ كَمُنَاوَلَةِ ثَوْبٍ وَنَحْوِهِ فَيَجُوزُ لَهُ وَلَوْ أَمْكَنَهُ الِاسْتِنَابَةُ فِيهَا عَلَى الْأَشْبَهِ بِالْمَذْهَبِ.وَلِمَالِكٍ لَا بُدَّ مِنْ عُسْرِ الِاسْتِنَابَةِ فِيهَا، وَعَمَّمَ ابْنُ نَاجِي دُخُولَهُ لِحَاجَةٍ فِي النَّهَارِ وَاللَّيْلِ مُخَالِفًا لِشَيْخِهِ فِي تَخْصِيصِ الْجَوَازِ بِالنَّهَارِ، وَلِلزَّوْجِ وَضْعُ ثِيَابِهِ عِنْدَ وَاحِدَةٍ دُونَ الْأُخْرَى لِغَيْرِ مَيْلٍ وَلَا إِضْرَارٍ، وَلَا يُقِيمُ عِنْدَ مَنْ دَخَلَ عِنْدَهَا إِلاَّ لِعُذْرٍ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَجَازَ فِي يَوْمِهَا وَطْءُ ضَرَّتِهَا بِإِذْنِهَا، وَيَجُوزُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ السَّلَامُ بِالْبَابِ مِنْ خَارِجِهِ فِي غَيْرِ يَوْمِهَا، وَتَفَقُّدُ شَأْنِهَا مِنْ غَيْرِ دُخُولٍ إِلَيْهَا وَلَا جُلُوسٍ عِنْدَهَا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ مَا بَعَثَتْ إِلَيْهِ بِالْبَابِ لَا فِي بَيْتِ الْأُخْرَى لِمَا فِيهِ مِنْ أَذِيَّتِهَا.

ذَهَابُ الزَّوْجِ إِلَى زَوْجَاتِهِ وَدَعْوَتُهُنَّ إِلَيْهِ:

21- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ- فِي الْجُمْلَةِ- عَلَى أَنَّ الْأَوْلَى فِي حَالَةِ تَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ أَنْ يَكُونَ لِكُلٍّ مِنْهُنَّ مَسْكَنٌ يَأْتِيهَا الزَّوْجُ فِيهِ اقْتِدَاءً بِفِعْلِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- حَيْثُ كَانَ يَقْسِمُ لِنِسَائِهِ فِي بُيُوتِهِنَّ؛ وَلِأَنَّهُ أَصْوَنُ وَأَسْتَرُ حَتَّى لَا تَخْرُجَ النِّسَاءُ مِنْ بُيُوتِهِنَّ، وَيَجُوزُ لِلزَّوْجِ- إِنِ انْفَرَدَ بِمَسْكَنٍ- أَنْ يَدْعُوَ إِلَيْهِ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ زَوْجَاتِهِ فِي لَيْلَتِهَا لِيُوفِيَهَا حَقَّهَا مِنَ الْقَسْمِ.

لَكِنَّ لِلْفُقَهَاءِ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ تَفْصِيلًا يَحْسُنُ عَرْضُهُ:

قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ مَرِضَ الزَّوْجُ فِي بَيْتِهِ دَعَا كُلَّ وَاحِدَةٍ فِي نَوْبَتِهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ صَحِيحًا وَأَرَادَ ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ.

وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: جَازَ لِلزَّوْجِ بِرِضَاءِ زَوْجَاتِهِ طَلَبُهُ مِنْهُنَّ الْإِتْيَانَ لِلْبَيَاتِ مَعَهُ بِمَحَلِّهِ الْمُخْتَصِّ بِهِ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ هَذَا إِذِ السُّنَّةُ دَوَرَانُهُ هُوَ عَلَيْهِنَّ فِي بُيُوتِهِنَّ لِفِعْلِهِ- صلى الله عليه وسلم-، فَإِنْ رَضِيَ بَعْضُهُنَّ لَمْ يَلْزَمْ بَاقِيَهُنَّ، بَلْ نَصَّ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ يُقْضَى عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يَدُورَ عَلَيْهِنَّ فِي بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَأْتِينَهُ إِلاَّ أَنْ يَرْضَيْنَ.

وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ لَمْ يَنْفَرِدِ الزَّوْجُ بِمَسْكَنٍ وَأَرَادَ الْقَسْمَ دَارَ عَلَيْهِنَّ فِي بُيُوتِهِنَّ تَوْفِيَةً لِحَقِّهِنَّ، وَإِنِ انْفَرَدَ بِمَسْكَنٍ فَالْأَفْضَلُ الْمُضِيُّ إِلَيْهِنَّ صَوْنًا لَهُنَّ، وَلَهُ دُعَاؤُهُنَّ بِمَسْكَنِهِ، وَعَلَيْهِنَّ الْإِجَابَةُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَقُّهُ، فَمَنِ امْتَنَعَتْ وَقَدْ لَاقَ مَسْكَنُهُ بِهَا فِيمَا يَظْهَرُ فَهِيَ نَاشِزَةٌ إِلاَّ ذَاتُ خَفَرٍ- قَالَ الشَّبْرَامِلْسِيُّ: أَيْ شَرَفٍ- لَمْ تَعْتَدِ الْبُرُوزَ فَيَذْهَبُ لَهَا كَمَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَاسْتَحْسَنَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ، وَإِلاَّ نَحْوُ مَعْذُورَةٍ بِمَرَضٍ فَيَذْهَبُ أَوْ يُرْسِلُ لَهَا مَرْكَبًا إِنْ أَطَاقَتْ مَعَ مَا يَقِيهَا مِنْ نَحْوِ مَطَرٍ.

وَالْأَصَحُّ تَحْرِيمُ ذَهَابِهِ إِلَى بَعْضِهِنَّ وَدُعَاءُ غَيْرِهِنَّ إِلَى مَسْكَنِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِيحَاشِ، وَلِمَا فِي تَفْضِيلِ بَعْضِهِنَّ عَلَى بَعْضٍ، مِنْ تَرْكِ الْعَدْلِ، إِلاَّ لِغَرَضٍ كَقُرْبِ مَسْكَنِ مَنْ مَضَى إِلَيْهَا، أَوْ خَوْفٍ عَلَيْهَا لِنَحْوِ شَبَابٍ دُونَ غَيْرِهَا فَلَا يَحْرُمُ.وَالضَّابِطُ أَنْ لَا يَظْهَرَ مِنْهُ التَّفْضِيلُ وَالتَّخْصِيصُ، وَيَحْرُمُ أَنْ يُقِيمَ بِمَسْكَنِ وَاحِدَةٍ وَيَدْعُوَ الْبَاقِيَاتِ إِلَيْهِ بِغَيْرِ رِضَاهُنَّ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ هِيَ فِيهِ حَالَ دُعَائِهِنَّ، فَإِنْ أَجَبْنَ فَلَهَا الْمَنْعُ، وَإِنْ كَانَ الْبَيْتُ مِلْكَ الزَّوْجِ لِأَنَّ حَقَّ السُّكْنَى فِيهِ لَهَا.

وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: إِنِ اتَّخَذَ الزَّوْجُ لِنَفْسِهِ مَسْكَنًا غَيْرَ مَسَاكِنِ زَوْجَاتِهِ يَدْعُو إِلَيْهِ كُلَّ وَاحِدَةٍ فِي لَيْلَتِهَا وَيَوْمِهَا وَيُخْلِيهِ مِنْ ضَرَّتِهَا جَازَ لَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّ لَهُ نَقْلَ زَوْجَتِهِ حَيْثُ شَاءَ بِمَسْكَنٍ يَلِيقُ بِهَا، وَلَهُ دُعَاءُ بَعْضِ الزَّوْجَاتِ إِلَى مَسْكَنِهِ وَالذَّهَابُ إِلَى مَسْكَنِ غَيْرِهِنَّ مِنَ الزَّوْجَاتِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُسْكِنَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ حَيْثُ شَاءَ، وَإِنِ امْتَنَعَتْ مَنْ دَعَاهَا عَنْ إِجَابَتِهِ وَكَانَ مَا دَعَاهَا إِلَيْهِ مَسْكَنَ مِثْلِهَا سَقَطَ حَقُّهَا مِنَ الْقَسْمِ لِنُشُوزِهَا، وَإِنْ أَقَامَ عِنْدَ وَاحِدَةٍ وَدَعَا الْبَاقِيَاتِ إِلَى بَيْتِهَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِنَّ الْإِجَابَةُ لِمَا بَيْنَهُنَّ مِنْ غَيْرَةٍ وَالِاجْتِمَاعُ يُزِيدُهَا.

الْقُرْعَةُ لِلسَّفَرِ:

22- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الرَّجُلِ يُرِيدُ السَّفَرَ بِإِحْدَى زَوْجَاتِهِ هَلْ لَهُ ذَلِكَ، أَمْ لَا بُدَّ مِنْ رِضَا سَائِرِ الزَّوْجَاتِ أَوِ الْقُرْعَةِ؟ فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى أَنَّ لِلزَّوْجِ السَّفَرَ بِمَنْ شَاءَ مِنْ زَوْجَاتِهِ دُونَ قُرْعَةٍ أَوْ رِضَا سَائِرِ الزَّوْجَاتِ، لَكِنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمْ تَفْصِيلًا: فَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: لَا حَقَّ لِلزَّوْجَاتِ فِي الْقَسْمِ حَالَةَ السَّفَرِ، فَيُسَافِرُ الزَّوْجُ بِمَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ.

وَالْأَوْلَى أَنْ يُقْرِعَ بَيْنَهُنَّ فَيُسَافِرَ بِمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهَا، تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِنَّ؛ وَلِأَنَّهُ قَدْ يَثِقُ بِإِحْدَى الزَّوْجَاتِ فِي السَّفَرِ وَبِالْأُخْرَى فِي الْحَضَرِ وَالْقَرَارُ فِي الْمَنْزِلِ لِحِفْظِ الْأَمْتِعَةِ أَوْ لِخَوْفِ الْفِتْنَةِ، وَقَدْ يَمْنَعُ مِنْ سَفَرِ إِحْدَاهُنَّ كَثْرَةُ سِمَنِهَا مَثَلًا، فَتَعْيِينُ مَنْ يَخَافُ صُحْبَتَهَا فِي السَّفَرِ لِلسَّفَرِ لِخُرُوجِ قُرْعَتِهَا إِلْزَامٌ لِلضَّرَرِ الشَّدِيدِ وَهُوَ مُنْدَفِعٌ بِالنَّافِي لِلْحَرَجِ.

وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ أَرَادَ الزَّوْجُ أَنْ يُسَافِرَ بِإِحْدَى زَوْجَتَيْهِ أَوْ زَوْجَاتِهِ اخْتَارَ مَنْ تَصْلُحُ لِإِطَاقَتِهَا السَّفَرَ أَوْ لِخِفَّةِ جِسْمِهَا أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ لَا لِمَيْلِهِ إِلَيْهَا، إِلاَّ فِي سَفَرِ الْحَجِّ وَالْغَزْوِ فَيُقْرِعُ بَيْنَهُمَا أَوْ بَيْنَهُنَّ لِأَنَّ الْمُشَاحَّةَ تَعْظُمُ فِي سَفَرِ الْقُرُبَاتِ، وَشَرْطُ الْإِقْرَاعِ صَلَاحُ جَمِيعِهِنَّ لِلسَّفَرِ، وَمَنِ اخْتَارَ سَفَرَهَا أَوْ تَعَيَّنَ بِالْقُرْعَةِ أُجْبِرَتْ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهَا أَوْ يَكُونُ سَفَرُهَا مَعَرَّةً عَلَيْهَا، وَمَنْ أَبَتْ لِغَيْرِ عُذْرٍ سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا.

وَاتَّفَقَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِبَعْضِ زَوْجَاتِهِ- وَاحِدَةً أَوْ أَكْثَرَ- إِلاَّ بِرِضَاءِ سَائِرِهِنَّ أَوْ بِالْقُرْعَةِ، وَذَلِكَ فِي الْأَسْفَارِ الطَّوِيلَةِ الْمُبِيحَةِ لِقَصْرِ الصَّلَاةِ، وَكَذَا فِي الْأَسْفَارِ الْقَصِيرَةِ فِي الْأَصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ قَالُوا: لَا فَرْقَ بَيْنَ السَّفَرِ الطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ لِعُمُومِ الْخَبَرِ وَالْمَعْنَى، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ لَيْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَسْتَصْحِبَ بَعْضَ زَوْجَاتِهِ بِالْقُرْعَةِ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْإِقَامَةِ، وَلَيْسَ لِلْمُقِيمِ تَخْصِيصُ بَعْضِهِنَّ بِالْقُرْعَةِ، فَإِنْ فَعَلَ قَضَى لِلْبَوَاقِي.

وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى وُجُوبِ الْقُرْعَةِ لِتَعْيِينِ إِحْدَى الزَّوْجَاتِ لِلسَّفَرِ مَعَ الزَّوْجِ بِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ- رضي الله عنها-: «أَنَّ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- كَانَ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، وَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ»، كَمَا اسْتَدَلُّوا عَلَى الْقُرْعَةِ لِتَعْيِينِ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ لِلسَّفَرِ مَعَ الزَّوْجِ إِنْ أَرَادَ ذَلِكَ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ- رضي الله عنها- «أَنَّ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- كَانَ إِذَا خَرَجَ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَصَارَتِ الْقُرْعَةُ لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ» وَقَالُوا: إِنَّ الْمُسَافَرَةَ بِبَعْضِ الزَّوْجَاتِ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ تَفْضِيلٌ لِمَنْ سَافَرَ بِهَا فَلَمْ يَجُزْ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ.

وَقَالُوا: إِذَا سَافَرَ بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ سَوَّى بَيْنَهُنَّ فِي الْقَسْمِ فِي السَّفَرِ كَمَا يُسَوِّي بَيْنَهُنَّ فِي الْحَضَرِ.

وَاتَّفَقَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا خَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لِإِحْدَى الزَّوْجَاتِ لَمْ يَجِبْ عَلَى الزَّوْجِ السَّفَرُ بِهَا، وَلَهُ تَرْكُهَا وَالسَّفَرُ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ الْقُرْعَةَ لَا تُوجِبُ وَإِنَّمَا تُعَيِّنُ مَنْ تَسْتَحِقُّ التَّقْدِيمَ، وَإِنْ أَرَادَ السَّفَرَ بِغَيْرِهَا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهَا تَعَيَّنَتْ بِالْقُرْعَةِ فَلَمْ يَجُزِ الْعُدُولُ عَنْهَا إِلَى غَيْرِهَا، وَإِنِ امْتَنَعَتْ مِنَ السَّفَرِ مَعَ الزَّوْجِ سَقَطَ حَقُّهَا إِذَا رَضِيَ الزَّوْجُ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ الزَّوْجُ بِامْتِنَاعِهَا فَلَهُ إِكْرَاهُهَا عَلَى السَّفَرِ مَعَهُ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا إِجَابَتُهُ، فَإِنْ رَضِيَ بِامْتِنَاعِهَا اسْتَأْنَفَ الْقُرْعَةَ بَيْنَ الْبَوَاقِي لِتَعْيِينِ مَنْ تُسَافِرُ مَعَهُ.

وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ مَنْ خَرَجَتْ لَهَا الْقُرْعَةُ إِنْ وَهَبَتْ حَقَّهَا مِنْ ذَلِكَ لِغَيْرِهَا مِنَ الزَّوْجَاتِ جَازَ إِنْ رَضِيَ الزَّوْجُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا فَصَحَّتْ هِبَتُهَا لَهُ كَمَا لَوْ وَهَبَتْ لَيْلَتَهَا فِي الْحَضَرِ، وَلَا يَجُوزُ بِغَيْرِ رِضَا الزَّوْجِ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا لَا يَسْقُطُ إِلاَّ بِرِضَاهُ، وَإِنْ وَهَبَتْهُ لِلزَّوْجِ أَوْ لِسَائِرِ الزَّوْجَاتِ جَازَ.

وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنْ رَضِيَتِ الزَّوْجَاتُ كُلُّهُنَّ بِسَفَرِ وَاحِدَةٍ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُنَّ إِلاَّ أَنْ لَا يَرْضَى الزَّوْجُ بِهَا فَيُصَارُ إِلَى الْقُرْعَةِ، وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَاتِ إِنْ رَضِينَ بِوَاحِدَةٍ فَلَهُنَّ الرُّجُوعُ قَبْلَ سَفَرِهَا، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَكَذَا بَعْدَهُ مَا لَمْ يُجَاوِزْ مَسَافَةَ الْقَصْرِ، أَيْ يَصِلُ إِلَيْهَا.

وَقَالُوا: لَوْ أَقْرَعَ الزَّوْجُ بَيْنَ نِسَائِهِ عَلَى سَفَرٍ فَخَرَجَ سَهْمُ وَاحِدَةٍ فَخَرَجَ بِهَا، ثُمَّ أَرَادَ سَفَرًا آخَرَ قَبْلَ رُجُوعِهِ مِنْ ذَلِكَ السَّفَرِ كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ كَالسَّفَرِ الْوَاحِدِ، مَا لَمْ يَرْجِعْ، فَإِذَا رَجَعَ فَأَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ.

وَقَالُوا: لَوْ سَافَرَ بِوَاحِدَةٍ مِنْ نِسَائِهِ أَوْ أَكْثَرَ بِقُرْعَةٍ أَوْ بِرِضَاهُنَّ لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ لِلْحَاضِرَاتِ، سَوَاءٌ طَالَ سَفَرُهُ أَوْ قَصُرَ؛ لِأَنَّ الَّتِي سَافَرَ بِهَا يَلْحَقُهَا مِنْ مَشَقَّةِ السَّفَرِ بِإِزَاءِ مَا حَصَلَ لَهَا مِنَ السَّكَنِ، وَلَا يَحْصُلُ لَهَا مِنَ السَّكَنِ مِثْلُ مَا يَحْصُلُ لِمَنْ فِي الْحَضَرِ، أَيْ أَنَّ الْمُقِيمَةَ فِي الْحَضَرِ الَّتِي لَمْ تُسَافِرْ مَعَ زَوْجِهَا وَإِنْ فَاتَهَا حَظُّهَا مِنْ زَوْجِهَا أَثْنَاءَ سَفَرِهِ مَعَ غَيْرِهَا مِنَ الزَّوْجَاتِ، فَقَدْ تَرَفَّهَتْ بِالدَّعَةِ وَالْإِقَامَةِ فَتَقَابَلَ الْأَمْرَانِ فَاسْتَوَيَا، وَلَوْ سَافَرَ الزَّوْجُ بِوَاحِدَةٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ زَوْجَاتِهِ دُونَ رِضَاهُنَّ أَوِ الْقُرْعَةِ أَثِمَ، وَقَضَى لِلْأُخْرَيَاتِ مُدَّةَ السَّفَرِ.

وَقَالُوا: إِنْ خَرَجَ بِإِحْدَاهُنَّ بِقُرْعَةٍ ثُمَّ أَقَامَ قَضَى مُدَّةَ الْإِقَامَةِ لِخُرُوجِهَا عَنْ حُكْمِ السَّفَرِ، وَذَلِكَ إِذَا سَاكَنَ الْمَصْحُوبَةَ، أَمَّا إِذَا اعْتَزَلَهَا مُدَّةَ الْإِقَامَةِ فَلَا يَقْضِي.

وَقَالُوا: مَنْ سَافَرَ لِنُقْلَةٍ حَرُمَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَصْحِبَ بَعْضَهُنَّ دُونَ بَعْضٍ وَلَوْ بِقُرْعَةٍ، بَلْ يَنْقُلَهُنَّ أَوْ يُطَلِّقَهُنَّ، وَإِنْ أَرَادَ الِانْتِقَالَ بِنِسَائِهِ فَأَمْكَنَهُ اسْتِصْحَابُهُنَّ كُلُّهُنَّ فِي سَفَرِهِ فَعَلَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إِفْرَادُ إِحْدَاهُنَّ بِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا السَّفَرَ لَا يَخْتَصُّ بِوَاحِدَةٍ بَلْ يَحْتَاجُ إِلَى نَقْلِ جَمِيعِهِنَّ، فَإِنْ خَصَّ إِحْدَاهُنَّ بِالسَّفَرِ مَعَهُ قَضَى لِلْبَاقِيَاتِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ صُحْبَةُ جَمِيعِهِنَّ أَوْ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَبَعَثَ بِهِنَّ جَمِيعًا مَعَ غَيْرِهِ مِمَّنْ هُوَ مَحْرَمٌ لَهُنَّ جَازَ، وَلَا يَقْضِي لِأَحَدٍ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى قُرْعَةٍ لِأَنَّهُ سَوَّى بَيْنَهُنَّ، وَإِنْ أَرَادَ إِفْرَادَ بَعْضِهِنَّ بِالسَّفَرِ مَعَهُ لَمْ يَجُزْ إِلاَّ بِقُرْعَةٍ، فَإِذَا وَصَلَ إِلَى الْبَلَدِ الَّذِي انْتَقَلَ إِلَيْهِ فَأَقَامَتْ مَعَهُ فِيهِ قَضَى لِلْبَاقِيَاتِ.

وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ السَّفَرَ الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ هَذِهِ الْأَحْكَامُ هُوَ السَّفَرُ الْمُبَاحُ، أَمَّا غَيْرُهُ فَلَيْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَسْتَصْحِبَ فِيهِ بَعْضَهُنَّ بِقُرْعَةٍ وَلَا بِغَيْرِهَا، فَإِنْ فَعَلَ عَصَى وَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ لِلزَّوْجَاتِ الْبَاقِيَاتِ.

قَضَاءُ مَا فَاتَ مِنَ الْقَسْمِ:

23- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْعَدْلَ فِي الْقَسْمِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ وَاجِبٌ عَلَى الزَّوْجِ، فَإِنْ جَارَ الزَّوْجُ وَفَوَّتَ عَلَى إِحْدَاهُنَّ قَسْمَهَا فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي قَضَاءِ مَا فَاتَ مِنَ الْقَسْمِ: فَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: لَا يَقْضِي الزَّوْجُ الْمَبِيتَ الَّذِي كَانَ مُسْتَحَقًّا لِإِحْدَى زَوْجَاتِهِ وَلَمْ يُوفِهِ لَهَا؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنَ الْمَبِيتِ دَفْعُ الضَّرَرِ وَتَحْصِينُ الْمَرْأَةِ وَإِذْهَابُ الْوَحْشَةِ، وَهَذَا يَفُوتُ بِفَوَاتِ زَمَنِهِ، فَلَا يُجْعَلُ لِمَنْ فَاتَتْ لَيْلَتُهَا لَيْلَةً عِوَضًا عَنْهَا لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَظْلِمُ صَاحِبَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ الَّتِي جَعَلَهَا عِوَضًا؛ وَلِأَنَّ الْمَبِيتَ لَا يَزِيدُ عَلَى النَّفَقَةِ وَهِيَ تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.

وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يَقْضِيَ مَا فَاتَ مِنَ الْقَسْمِ لِلزَّوْجَةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِسَبَبٍ مِنْ جَانِبِهَا كَنُشُوزِهَا أَوْ إِغْلَاقِهَا بَابَهَا دُونَهُ وَمَنْعِهَا إِيَّاهُ مِنَ الدُّخُولِ عَلَيْهَا فِي نَوْبَتِهَا.

وَأَسْبَابُ فَوَاتِ الْقَسْمِ مُتَعَدِّدَةٌ: فَقَدْ يُسَافِرُ الزَّوْجُ بِإِحْدَى الزَّوْجَاتِ فَيَفُوتُ الْقَسْمُ لِسَائِرِهِنَّ.وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ حُكْمِ الْقَضَاءِ لَهُنَّ تَفْصِيلًا.

وَقَدْ يَتَزَوَّجُ الرَّجُلُ أَثْنَاءَ دَوْرَةِ الْقَسْمِ لِزَوْجَاتِهِ وَقَبْلَ أَنْ يُوفِيَ نَوْبَاتِ الْقَسْمِ الْمُسْتَحَقَّةِ لَهُنَّ، فَيَقْطَعَ الدَّوْرَةَ لِيَخْتَصَّ الزَّوْجَةَ الْجَدِيدَةَ بِقَسْمِ النِّكَاحِ، مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فَوَاتُ نَوْبَةِ مَنْ لَمْ يَأْتِ دَوْرُهَا فَيَجِبُ الْقَضَاءُ لَهَا.وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ ذَلِكَ.

وَقَدْ يَفُوتُ قَسْمُ إِحْدَى الزَّوْجَاتِ بِسَفَرِهَا، وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: قَالُوا: إِنْ سَافَرَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لِحَاجَتِهَا أَوْ حَاجَتِهِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا قَسْمَ لَهَا؛ لِأَنَّ الْقَسْمَ لِلْأُنْسِ وَقَدِ امْتَنَعَ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهَا فَسَقَطَ، وَإِنْ سَافَرَتْ بِإِذْنِهِ لِغَرَضِهِ أَوْ حَاجَتِهِ فَإِنَّهُ يَقْضِي لَهَا مَا فَاتَهَا بِحَسَبِ مَا أَقَامَ عِنْدَ ضَرَّتِهَا لِأَنَّهَا سَافَرَتْ بِإِذْنِهِ وَلِغَرَضِهِ، فَهِيَ كَمَنْ عِنْدَهُ وَفِي قَبْضَتِهِ وَهُوَ الْمَانِعُ نَفْسَهُ بِإِرْسَالِهَا، وَإِنْ سَافَرَتْ بِإِذْنِهِ لِغَرَضِهَا أَوْ حَاجَتِهَا لَا يَقْضِي لَهَا (عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَفِي الْجَدِيدِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ) لِأَنَّهَا فَوَّتَتْ حَقَّهُ فِي الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا وَلَمْ تَكُنْ فِي قَبْضَتِهِ، وَإِذْنُهُ لَهَا بِالسَّفَرِ رَافِعٌ لِلْإِثْمِ خَاصَّةً.

وَأَضَافَ الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ سَافَرَتْ لِحَاجَةِ ثَالِثٍ- غَيْرِهَا وَغَيْرِ الزَّوْجِ- قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: فَيَظْهَرُ أَنَّهُ كَحَاجَةِ نَفْسِهَا، وَهُوَ- كَمَا قَالَ غَيْرُهُ- ظَاهِرٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ خُرُوجُهَا بِسُؤَالِ الزَّوْجِ لَهَا فِيهِ، وَإِلاَّ فَيُلْحَقُ بِخُرُوجِهَا لِحَاجَتِهِ بِإِذْنِهِ، وَلَوْ سَافَرَتْ وَحْدَهَا بِإِذْنِهِ لِحَاجَتِهِمَا مَعًا لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهَا كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ بِالنِّسْبَةِ لِلنَّفَقَةِ وَمِثْلُهَا الْقَسْمُ، خِلَافًا لِمَا بَحَثَهُ ابْنُ الْعِمَادِ مِنَ السُّقُوطِ

وَقَدْ يَفُوتُ قَسْمُ إِحْدَى الزَّوْجَاتِ بِتَخَلُّفِ الزَّوْجِ عَنِ الْمَبِيتِ عِنْدَهَا فِي نَوْبَتِهَا أَوْ بِخُرُوجِهِ أَثْنَاءَ نَوْبَتِهَا، فَإِنْ كَانَ الْفَوَاتُ لِلنَّوْبَةِ بِكَامِلِهَا وَجَبَ قَضَاؤُهَا كَامِلَةً، وَإِنْ كَانَ الْفَوَاتُ لِبَعْضِ النَّوْبَةِ كَأَنْ خَرَجَ لَيْلًا- فِيمَنْ عِمَادُ قَسْمِهِ اللَّيْلُ- وَطَالَ زَمَنُ خُرُوجِهِ وَلَوْ لِغَيْرِ بَيْتِ الضَّرَّةِ.فَإِنَّهُ يَجِبُ الْقَضَاءُ وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى الْخُرُوجِ.

تَنَازُلُ الزَّوْجَةِ عَنْ قَسْمِهَا:

24- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِإِحْدَى زَوْجَاتِ الرَّجُلِ أَنْ تَتَنَازَلَ عَنْ قَسْمِهَا، أَوْ تَهَبَ حَقَّهَا مِنَ الْقَسْمِ لِزَوْجِهَا أَوْ لِبَعْضِ ضَرَائِرِهَا أَوْ لَهُنَّ جَمِيعًا، وَذَلِكَ بِرِضَا الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا لَا يَسْقُطُ إِلاَّ بِرِضَاهُ لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ إِسْقَاطَ حَقِّهِ فِي الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا، فَإِذَا رَضِيَتْ هِيَ وَالزَّوْجُ جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي ذَلِكَ لَهُمَا لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا، فَإِنْ أَبَتِ الْمَوْهُوبَةُ قَبُولَ الْهِبَةِ لَمْ يَكُنْ لَهَا ذَلِكَ لِأَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ فِي الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ ثَابِتٌ وَإِنَّمَا مَنَعَتْهُ الْمُزَاحَمَةُ بِحَقِّ صَاحِبَتِهَا، فَإِنْ زَالَتِ الْمُزَاحَمَةُ بِهِبَتِهَا ثَبَتَ حَقُّهُ فِي الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا وَإِنْ كَرِهَتْ كَمَا لَوْ كَانَتْ مُنْفَرِدَةً وَقَدْ ثَبَتَ «أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ- رضي الله عنها- وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ- رضي الله عنها-، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ بِيَوْمِهَا وَيَوْمِ سَوْدَةَ».

وَيُعَلِّقُ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى هَذِهِ الْهِبَةِ بِقَوْلِهِمْ: هَذِهِ الْهِبَةُ لَيْسَتْ عَلَى قَوَاعِدِ الْهِبَاتِ، وَلِهَذَا لَا يُشْتَرَطُ قَبُولُ الْمَوْهُوبِ لَهَا أَوْ رِضَاهَا، بَلْ يَكْفِي رِضَا الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْوَاهِبَةِ وَبَيْنِهِ، إِذْ لَيْسَ لَنَا هِبَةٌ يُقْبَلُ فِيهَا غَيْرُ الْمَوْهُوبِ لَهُ مَعَ تَأَهُّلِهِ لِلْقَبُولِ إِلاَّ هَذِهِ.

وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنْ وَهَبَتْ لَيْلَتَهَا لِجَمِيعِ ضَرَائِرِهَا، وَوَافَقَ الزَّوْجُ، صَارَ الْقَسْمُ بَيْنَهُنَّ، كَمَا لَوْ طَلَّقَ الْوَاهِبَةَ، وَإِنْ وَهَبَتْهَا لِلزَّوْجِ فَلَهُ جَعْلُهَا لِمَنْ شَاءَ: إِنْ أَرَادَ جَعْلَهَا لِلْجَمِيعِ، أَوْ خَصَّ بِهَا وَاحِدَةً مِنْهُنَّ، أَوْ جَعَلَ لِبَعْضِهِنَّ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ بَعْضٍ.

وَقِيلَ- عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ- لَيْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَجْعَلَ اللَّيْلَةَ الْمَوْهُوبَةَ لَهُ حَيْثُ شَاءَ مِنْ بَقِيَّةِ الزَّوْجَاتِ، بَلْ يُسَوِّيَ بَيْنَهُنَّ وَلَا يُخَصِّصُ؛ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ يُورِثُ الْوَحْشَةَ وَالْحِقْدَ، فَتُجْعَلُ الْوَاهِبَةُ كَالْمَعْدُومَةِ.

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ كَذَلِكَ أَنَّ إِحْدَى الزَّوْجَاتِ لَوْ وَهَبَتْ لَيْلَتَهَا لِلزَّوْجِ وَلِبَعْضِ الزَّوْجَاتِ، أَوْ لَهُ وَلِلْجَمِيعِ، فَإِنَّ حَقَّهَا يُقْسَمُ عَلَى الرُّءُوسِ، كَمَا لَوْ وَهَبَ شَخْصٌ عَيْنًا لِجَمَاعَةٍ.

وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنْ وَهَبَتْ إِحْدَى الزَّوْجَاتِ لَيْلَتَهَا لِوَاحِدَةٍ جَازَ، ثُمَّ إِنْ كَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ تَلِي لَيْلَةَ الْمَوْهُوبَةِ وَالَى بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَلِيهَا لَمْ يَجُزِ الْمُوَالَاةُ بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِرِضَاءِ الْبَاقِيَاتِ، وَيَجْعَلُهَا لَهَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ لِلْوَاهِبَةِ؛ لِأَنَّ الْمَوْهُوبَةَ قَامَتْ مَقَامَ الْوَاهِبَةِ فِي لَيْلَتِهَا فَلَمْ يَجُزْ تَغْيِيرُهَا كَمَا لَوْ كَانَتْ بَاقِيَةً لِلْوَاهِبَةِ؛ وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَأْخِيرَ حَقِّ غَيْرِهَا وَتَغْيِيرًا لِلَيْلَتِهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا فَلَمْ يَجُزْ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إِذَا وَهَبَتْهَا لِلزَّوْجِ فَآثَرَ بِهَا امْرَأَةً مِنْهُنَّ بِعَيْنِهَا.

وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَوَجْهٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلزَّوْجِ أَنْ يُوَالِيَ بَيْنَ اللَّيْلَتَيْنِ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي التَّفْرِيقِ.

وَلِلزَّوْجَةِ الْوَاهِبَةِ الرُّجُوعُ مَتَى شَاءَتْ فَإِذَا رَجَعَتِ انْصَرَفَ الرُّجُوعُ مِنْ حِينِهِ إِلَى الْمُسْتَقْبَلِ؛ لِأَنَّهَا هِبَةٌ لَمْ تُقْبَضْ فَلَهَا الرُّجُوعُ فِيهَا، وَلَيْسَ لَهَا الرُّجُوعُ فِيمَا مَضَى لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَقْبُوضِ، وَلَوْ رَجَعَتْ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ كَانَ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يَنْتَقِلَ إِلَيْهَا، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى أَتَمَّ اللَّيْلَةَ لَمْ يَقْضِ لَهَا شَيْئًا لِأَنَّ التَّفْرِيطَ مِنْهَا.

وَنَصَّ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى مَا يُوَافِقُ الشَّافِعِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ فِي الْمَسَائِلِ السَّابِقَةِ.

الْعِوَضُ لِلتَّنَازُلِ عَنِ الْقَسْمِ:

25- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَخْذِ الزَّوْجَةِ الْمُتَنَازِلَةِ عَنْ قَسْمِهَا عِوَضًا عَلَى ذَلِكَ.

فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهَا ذَلِكَ، لَا مِنَ الزَّوْجِ وَلَا مِنَ الضَّرَائِرِ، فَإِنْ أَخَذَتْ لَزِمَهَا رَدُّهُ وَاسْتَحَقَّتِ الْقَضَاءَ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ لَمْ يُسَلَّمْ لَهَا، وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْ قَسْمِهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَيْنٍ وَلَا مَنْفَعَةٍ؛ وَلِأَنَّ مَقَامَ الزَّوْجِ عِنْدَهَا لَيْسَ بِمَنْفَعَةٍ مَلَكَتْهَا.

وَأَضَافَ الْحَنَابِلَةُ: إِنْ كَانَ الْعِوَضُ غَيْرَ الْمَالِ مِثْلَ إِرْضَاءِ زَوْجِهَا وَغَيْرِهِ عَنْهَا جَازَ فَإِنَّ عَائِشَةَ- رضي الله عنها- أَرْضَتْ رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- عَنْ صَفِيَّةَ- رضي الله عنها- وَأَخَذَتْ يَوْمَهَا، وَأَخْبَرَتْ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- فَلَمْ يُنْكِرْهُ.

قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ جَوَازُ أَخْذِ الْعِوَضِ عَنْ سَائِرِ حُقُوقِهَا مِنَ الْقَسْمِ وَغَيْرِهِ وَوَقَعَ فِي كَلَامِ الْقَاضِي مَا يَقْتَضِي جَوَازَهُ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ أَخْذَ الْعِوَضِ عَلَى ذَلِكَ جَائِزٌ، فَقَالُوا: جَازَ لِلزَّوْجِ إِيثَارُ إِحْدَى الضَّرَّتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى بِرِضَاهَا، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ تَأْخُذُهُ مِنْهُ أَوْ مِنْ ضَرَّتِهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا، أَوْ لَا، بَلْ رَضِيَتْ مَجَّانًا، وَجَازَ لِلزَّوْجِ أَوِ الضَّرَّةِ شِرَاءُ يَوْمِهَا مِنْهَا بِعِوَضٍ، وَتَخْتَصُّ الضَّرَّةُ بِمَا اشْتَرَتْ، وَيَخُصُّ الزَّوْجُ مَنْ شَاءَ بِمَا اشْتَرَى، وَعَقَّبَ الدُّسُوقِيُّ بِقَوْلِهِ: وَتَسْمِيَةُ هَذَا شِرَاءً مُسَامَحَةٌ، بَلْ هَذَا إِسْقَاطُ حَقٍّ لِأَنَّ الْمَبِيعَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُتَمَوَّلًا.

مَا يَسْقُطُ بِهِ الْقَسْمُ:

26- يَسْقُطُ حَقُّ الزَّوْجَةِ فِي الْقَسْمِ بِإِسْقَاطِهَا وَيَسْقُطُ بِالنُّشُوزِ كَمَا تَسْقُطُ بِهِ النَّفَقَةُ.وَذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَمِنَ النُّشُوزِ أَنْ تَخْرُجَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ أَوْ تَمْنَعَهُ مِنَ التَّمَتُّعِ بِهَا.قَالَ الشَّافِعِيَّةُ: وَلَوْ بِنَحْوِ قُبْلَةٍ وَإِنْ مَكَّنَتْهُ مِنَ الْجِمَاعِ حَيْثُ لَا عُذْرَ فِي امْتِنَاعِهَا مِنْهُ، فَإِنْ عُذِرَتْ كَأَنْ كَانَ بِهِ صُنَانٌ مُسْتَحْكِمٌ- مَثَلًا- وَتَأَذَّتْ بِهِ تَأَذِّيًا لَا يُحْتَمَلُ عَادَةً لَمْ تُعَدَّ نَاشِزَةً، وَتُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ إِنْ لَمْ تَدُلَّ قَرِينَةٌ قَوِيَّةٌ عَلَى كَذِبِهَا.وَسُقُوطُ حَقِّ النَّاشِزَةِ فِي الْقَسْمِ لِأَنَّهَا بِخُرُوجِهَا عَلَى طَاعَةِ زَوْجِهَا وَامْتِنَاعِهَا مِنْهُ رَضِيَتْ بِإِسْقَاطِ حَقِّهَا فِي الْقَسْمِ.

وَلَا تَسْتَحِقُّ الْقَسْمَ زَوْجَةٌ صَغِيرَةٌ لَا تُطِيقُ الْوَطْءَ، وَكَذَا الْمَجْنُونَةُ غَيْرُ الْمَأْمُونَةِ، وَالْمَحْبُوسَةُ؛ لِأَنَّ فِي إِلْزَامِ زَوْجِهَا بِالْقَسْمِ لَهَا إِضْرَارًا بِهِ حَيْثُ يَدْخُلُ الْحَبْسَ مَعَهَا لِيُوفِيَهَا قَسْمَهَا، وَالزَّوْجَةُ الْمُسَافِرَةُ لِحَاجَتِهَا وَحْدَهَا بِإِذْنِ زَوْجِهَا.

موسوعة الفقه الكويتية-وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت-صدرت بدءًا من: 1404هـ/1984م


9-المغرب في ترتيب المعرب (‏فتت)

‏ (‏فتت‏) ‏‏

(‏فِي كَرَاهِيَةِ الْوَاقِعَات‏) ‏ ‏ (‏الْفَتِيتَةُ‏) ‏ تَأْكُلُهَا الْمَرْأَةُ لِتَسْمَنَ هِيَ أَخَصُّ مِنْ الْفَتِيت وَهُوَ الْخُبْزُ الْمَفْتُوتُ كَالسَّوِيقِ وَمِثْلُهُ‏) ‏ الْفَتُوتُ وَأُخْبِرْتُ أَنَّ الْخُبْزَ إذَا فُتَّ فِي الْمَاءِ الْبَارِدِ يُورِثُ سِمَنًا‏.

المغرب في ترتيب المعرب-ناصر بن عبدالسيد أبى المكارم ابن على، أبو الفتح، برهان الدين الخوارزمي المُطَرِّزِىّ-توفي: 610هـ/1213م


10-المعجم الغني (بَثَّ)

بَثَّ- [بثث]، (فعل: ثلاثي. متعدٍّ)، بَثَثْتُ، أبُثُّ، بُثَّ، المصدر: بَثٌّ.

1- "هَذَا الخَبَرُ بَثَّتْهُ الإذاعَةُ": أذاعَتْهُ وَأَخْبَرَتْ بِهِ.

2- "بَثَّ الجَيْشُ ألْغَامًا عَلَى الحُدُودِ": وَضَعَهَا، زَرَعَهَا.

3- "يَبُثُّ الفَوْضَى فِي كُلِّ مكانٍ": يَنْشُرُها.

4- "وَقَفَتْ تَبُثُّ العُيُونَ": تَنْظُرُ إلَى مَا حَوْلَهَا.

5- "جَاءَ يَبُثُّهُ أحْزَانَهُ": يَكْشِفُ لَهُ عَنْ أحْزَانِهِ.

6- "بَثَّهُ سِرًّا مِنْ أسْرَارِهِ": باحَ بِهِ، جَلَاهُ وَكَشَفَهُ.

الغني-عبدالغني أبوالعزم-صدر: 1421هـ/2001م


11-تاج العروس (خبث)

[خبث]: الخَبِيثُ: ضِدُّ الطَّيِّبِ من الرّزْقِ والوَلَدِ والنّاسِ، والجَمْعُ خُبْثَاءُ وخِبَاثٌ، وخَبَثَةٌ، عن كُرَاع، قال: وليس في الكلام فَعِيلٌ يُجْمَع على فَعَلَةٍ غيره، قال: وعندي أَنَّهُمْ تَوَهَّمُوا فيه فاعِلًا ولذلك كَسَّرُوه على فَعَلَة، وحكَى أَبو زيد في جَمْعِه خُبُوثٌ، وهو نادرٌ أَيضًا.

والأُنثى خَبِيثَةٌ، وفي التنزيل العزيز: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ}.

ثم إِنّ شيخَنا ضبطَ الجمعَ الثّانِيَ بزيادةِ الأَلِفِ، ونَظَّره باسرافٍ، والذِي في سائر أُمّهات اللُّغَةِ خِبَاثٌ، بالكَسْر من غير، أَلف ونَظَّرَ الجمعَ الثَالِثَ بضَعِيفٍ وضَعَفَة، وقال: لا ثالثَ لهما؛ أَي في الصّحِيح، وإِلّا مطْلَقًا فيَرِدُ عليه مثل سَرِيّ وسَرَاة. قلت: وقد عرفتَ ما فيه قَرِيبًا.

وقد خَبُثَ ككَرُمَ يَخْبُثُ خُبْثًا، بالضَّمّ، وخَبَاثَةً، ككَرَامَة، وخَبَاثِيَةً، ككَرَاهِيَةٍ ـ الأَخِيرُ عن ابنِ دُرَيْد ـ: صار خَبِيثًا.

وَخَبُثَ الرجُلُ، فهو خَبِيثٌ، وهو الرَّدِي‌ءُ الخَبُّ أَي الماكرُ الخادِعُ من الرّجالِ، وهو مجازٌ كالخَابِثِ وهو الرَّدِي‌ءُ من كُلّ شيْ‌ءٍ.

وقد خَبثَ الشَّيْ‌ءُ خُبْثًا.

والخَبِيثُ والخَابِثُ: الذِي يَتَّخِذُ أَصْحَابًا أَو أَهْلًا، أَو أَعْوَانًا خُبَثَاءَ، كالمُخْبِثِ كمُحْسِنٍ، والمَخْبَثَانِ.

وفي اللّسان ـ: أَخْبَثَ الرَّجُلُ؛ أَي اتَّخَذَ أَصْحَابًا خُبَثَاءَ، فهو خَبِيثٌ مُخْبِثٌ ومَخْبَثانٌ، يقال: يا مَخْبَثان: والأُنْثَى مَخْبَثَانَةٌ، ويقال للرَّجُلِ والمرأَةِ معًا: يَا مَخْبَثَانُ، وفي حديثِ سعيدٍ «كَذَبَ مَخْبَثَانٌ» هو الخَبِيثُ، وكأَنّه يَدُلّ على المُبَالَغَةِ أَو مَخْبَثَانُ مَعْرِفَةٌ كما عَرفْتَ وقالَ بعضُهُم: لا يُسْتَعْمَلُ إِلّا خَاصّةً في النِّدَاءِ.

وقد أَخْبَثَ الرَّجُلُ: صارَ ذا خُبْث.

واتَّخَذَ أَعْوانًا خُبْثَاءَ، فهو خَبِيثٌ مُخْبِثٌ.

ويقال للذَّكَرِ: يا خُبَثُ، كلُكَعٍ؛ أَي يا خَبِيثُ.

ويقال للمرأَة: يا خَبِيثَةُ، ويا خَبَاثِ، كقَطَامِ معدولٌ من الخُبْثِ.

ورُوِيَ عن الحَسَنِ أَنَّه قال ـ يخاطِب الدُّنْيَا ـ: «خَبَاثِ.

قَدْ مَضَضْنَا عيدَانَكِ، فوَجَدْنا عَاقِبَتَهُ مُرًّا» وقول المصنّف «يا خَبِيثَةُ»، هكذا في النّسخ التي عِنْدَنَا كُلِّهَا، ولم أَجِدْه في ديوانٍ، وإِنما ذَكَرُوا خُبَثَ وخَبَاثِ، نعم أَوردَ في اللّسَان حديثَ الحَجّاجِ أَنه قالَ لأَنَسٍ: يا خِبْثَة، بكسر فسكون، يريد يا خَبِيث، ثم قَالَ: ويقال للأَخْلاقِ الخَبِيثَةِ: يا خِبْثَةُ، فهذا صَحِيحٌ لَكِنّه يُخَالِفُه قولُه: وللمَرْأَةِ، إِلا أَنْ يكُونا في الإِطْلاقِ سواءٌ، كمَخْبَثَان، وعلى كُلِّ حالٍ فيَنْبَغِي النَّظَرُ فيه، وقد أَغْفَلَه شيْخُنا على عادَتِه في كثيرٍ من الأَلفاظِ المُبْهَمَة.

وفي الحَدِيث: «لا يُصَلِّي الرَّجُلُ وهو يُدَافِعُ الأَخْبَثَيْنِ» الأَخْبَثَانِ عَنَى بهما البَوْل والغَائِط كذا في الصّحاح، وفي الأَساس: الرَّجِيعُ والبَوْلُ.

أَو البَخَر والسَّهَر وبه فسّر الصّاغَانِيّ قولَهُم: نَزَلَ بهِ الأَخْبَثانِ.

أَو السَّهَر والضَّجَر.

وعن الفرّاءِ: الأَخْبَثَانِ: القَيْ‌ءُ والسُّلَاحُ، هكذا وجَدْتُ كلَّ ذلك قد وَرَدَ.

ومن المجاز: الخُبْثُ بالضَّمّ: الزِّنا.

وقد خَبُثَ بها، ككَرُمَ أَي فَجَرَ، وفي الحديث: «إِذا كَثُرَ الخُبْثُ كَانَ كَذا وكَذَا» أَرادَ الفِسْقَ والفُجُورَ، ومنه‌حديثُ سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ «أَنّهُ أُتِيَ النَّبِيُّ صلى ‌الله‌ عليه‌ وسلم بِرَجُلٍ مُخْدَجٍ سَقِيمٍ وُجِدَ مَعَ أَمَةٍ يَخْبُثُ بِهَا» أَي يَزْنِي.

والخَابثَةُ: الخَبَاثَةُ.

والخِبْثَةُ، بالكَسْرِ: في عُهْدَةِ الرَّقِيقِ وهو قولُهُم: لا داءَ ولا خِبْثَةَ ولا غَائِلَةَ. فالدَّاءُ: ما دُلِّسَ به [للمشتري] من عَيْبٍ مَخْفِيٍّ أَو عِلَّةٍ [باطِنَة] لا تُرَى، والخِبْثَةُ أَنْ لا يَكُونَ طِيبَةً بكسر الطّاءِ وفتح التحتيّة المخفّفة؛ أَي لأَنّه سُبِيَ من قَوْمٍ لا يَحِلُّ اسْتِرْقَاقُهُم، لعهدٍ تَقَدَّمَ لهم، أَو حُرِّيّةٍ في الأصلِ ثَبَتَتْ لهم، والغَائِلَةُ: أَن يسْتَحِقَّهُ مُسْتَحِقُّ بِمِلْكٍ صَحّ له، فيجبُ على بائِعه رَدُّ الثمنِ إِلى المُشْتَرِيّ.

وكُلُّ مَنْ أَهلَكَ شيئًا فقد غَالَه واغْتَالَهُ، فكأَنّ استِحْقَاقَ المَالِكِ [إِيّاه] صارَ سَببًا لهلاكِ الثَّمَنِ الذي أَدّاه المُشْتَرِي إِلى البائِعِ.

والخِبِّيثُ، كَسِكِّيتٍ: الرَّجُلُ الكَثِيرُ الخُبْثِ، وهذا هو المَعْرُوفُ من صِيَغِ المُبَالَغَةِ، غير أَنّه عبّر في اللِّسَانِ بالخَبِيثِ من غير زيادةِ الكَثْرةِ، وقال الجمع: خِبِّيثُونَ.

والخِبِّيثَى بكسر وتشديد الموحّدة: اسمُ الخُبْث، من أَخْبَثَ، إِذا كان أَهْلُه خُبَثَاءَ.

ويقال: وقَعَ فلانٌ في وَادِي تُخُبِّثَ بضم الأَول والثّاني وتشديد الموحدة المكسورة والمفتوحة معًا ممنوعًا، عن الكسائيّ؛ أَي الباطل كوادِي تُخُيِّبَ بالموحّدة وليس بتَصْحِيف له، كما نَبَّه عليه الصاغانيّ.

وفي حديث أَنس: «أَنّ النَّبِيَّ صلى ‌الله‌ عليه‌ وسلم كان إِذا أَرادَ الخَلَاءَ قال: أَعُوذُ باللهِ من الخُبْثِ والخَبَائِثِ» وَرَوَاه الزُّهْرِيّ بسنَدِه عن زيدِ بنِ أَرْقَمَ. قال: قال رسول الله صلى ‌الله‌ عليه‌ وسلم: «إِنّ هذه الحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ، فإِذا دَخَلَ أَحدُكُم فَلْيَقُلْ: اللهُمَّ إِنّي أَعوذُ بِكَ من الخُبْثِ والخَبَائِثِ» قال أَبو منصور: أرادَ بقولِه: مُحْتَضَرَة؛ أَي تَحْضُرُهَا الشَّيَاطِينُ ذُكُورُهَا وإِناثُها، والحُشُوشُ: مواضِعُ الغَائِطِ، وقال أَبو بكر: الخُبْثُ: الكُفْرُ، والخَبائِثُ: الشَّيَاطِينُ.

وفي حديث آخَرَ: «اللهُمَّ إِنّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الرِّجْسِ النَّجِسِ الخَبِيثُ المُخْبِثِ» قال أَبو عُبَيْد: الخَبِيثُ: ذُو الخُبْثِ في نَفْسِهِ، قال: والمُخْبِثُ: الذي أَصْحَابُه وأَعْوَانُه خُبَثَاءُ، وهو مثلُ قَوْلهم: فلانٌ ضَعِيفٌ مُضْعِفٌ، [و] قَوِيٌّ مُقْوٍ، فالقَوِيّ في بَدَنِه والمُقَوِي: الذي تَكُون دَابَّتُهُ قَوِيَّةً، يُرِيدُ: هو الذي يُعَلِّمُهُم الخُبْثَ، ويُوقِعُهم فِيهِ.

وفي حديثِ قَتْلَى بَدْرٍ: «فأُلْقُوا في قَلِيبٍ خَبِيثٍ مُخْبِثٍ» أَي فاسِدٍ مُفْسِدٍ لِمَا يَقَعُ فيهِ. قال: وأَمّا قولُه في الحَدِيثِ «من الخُبْثِ والخَبَائِثِ» فإِنَّهُ أَرادَ بالخُبْثِ الشَّرَّ، وبالخَبَائِثِ الشَّيَاطِينَ.

قال أَبو عُبَيْد: وأُخْبِرْتُ عن أَبي الهَيْثَم أَنّه كان يَرْوِيه «من الخُبُث» بضمّ الباءِ، [وهو جمع الخَبيث] وهو الشّيطانُ الذَّكَرُ، ويَجْعَلُ الخَبَائِثَ جَمْعًا للخَبِيثِ من الشّيَاطِينِ، قال أَبو منصور: وهذا عندي أَشْبَهُ بالصَّوابِ.

وقال ابن الأَثير ـ في تفسير الحديث ـ: الخُبُثُ بضم الباءِ: جَمْعُ الخَبِيثِ، والخَبَائِثُ: جمعُ الخَبِيثَة أَي من ذُكورِ الشَّيَاطِينِ وإِناثِها.

وقيل: هو الخُبْثُ بسكون الباءِ، وهو خِلافُ طَيِّبِ الفِعْلِ من فُجُورٍ وغيرِهِ، والخَبَائِثُ يُرِيدُ بها الأَفْعالَ المَذْمُومَةَ والخِصَالَ الرَّدِيئةَ، وقال الخَطَّابِيّ: تسكين باءِ الخُبثِ من غَلَطَ المُحَدِّثين، وردَّه النَّوَوِيّ في شرْحِ مُسْلِم.

وفي المِصْباحِ: أَعُوذ بِكَ من الخُبُثِ والخَبَائِثِ، بضم الباءِ والإِسْكَانُ جائزٌ على لغَةِ تَميم، قيل: من ذُكْرانِ الشّيَاطِينِ وإِناثِهِم، وقيل: من الكُفْرِ والمَعَاصِي.

وقوله عزّ وجلّ: {وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ} الشجَرةُ الخَبِيثَةُ قيل: إِنَّها الحَنْظَلُ، أَوٌ إِنها الكُشُوث، وهي عُرُوقٌ صُفْر تَلْصَق بالشَّجَرِ.

والمَخْبَثَةُ؛ المَفْسَدَة، جَمْعُه مَخابِثُ. قال عَنترةُ:

نُبِّئْتُ عَمْرًا غيْرَ شاكِرِ نِعْمةٍ *** والكُفْرُ مَخْبَثَةٌ لِنَفْسِ المُنْعِمِ

أَي مَفْسدَةٌ.

* وَمِمَّا يُسْتَدْرَكُ عَلَيْهِ:

المُخْبِثُ: الذي يُعَلِّمُ الناسَ الخُبْثَ، وأَجاز بعضُهم أَن يُقال للذي يَنْسُبُ النّاسَ إِلى الخُبْثِ: مُخْبِثٌ. قال الكُمَيْتُ:

فطَائِفَةٌ أَكْفَرُونِي بِحُبِّكُمْ

أَي نَسَبُوني إِلى الكُفْر.

وتَخَابَثَ: أَظْهَرَ الخُبْثَ.

وأَخْبَثَهُ غيرُه: عَلَّمَهُ الخُبْثَ، وأَفْسَدَهُ.

وهو يَتَخَبَّثُ، ويَتَخَابَثُ.

وهو من الأَخَابِثِ: جمْع الأَخْبَثِ، يقال: هم أَخَابِثُ النّاسِ.

والخَبِيثُ: نَعْتُ كلِّ شَيْ‌ءٍ فاسِد. يقال هو خَبيثُ الطَّعْمِ، خَبِيثُ اللَّوْنِ، خَبِيثُ الفِعْلِ.

والحَرَامُ السُّحْتُ يُسَمَّى خَبِيثًا مثل: الزِّنا، والمالِ الحَرامِ، والدَّمِ وما أَشْبَهَها مما حَرّمه الله تَعَالى.

يقال في الشَّيْ‌ءِ الكَرِيهِ الطَّعْمِ والرّائِحَةِ: خَبِيثٌ، مثل: الثُّومِ والبَصَلِ والكُرَّاثِ؛ ولذلك قال سيِّدُنا رسولُ الله صلى ‌الله‌ عليه‌ وسلم: «من أَكَلَ من هذِه الشَّجَرَةِ الخَبِيثَةِ فلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا».

والخَبَائِثُ: ما كَانَت العَرَبُ تَسْتَقْذِرُه ولا تَأْكُلُه، مثل: الأَفَاعِي والعَقَارِبِ والبِرَصَة والخَنَافِسِ والوِرْلانِ والفَأْرِ.

وقال ابنُ الأَعْرَابِيّ: أَصلُ الخُبْثِ في كَلَامِ العَرَبِ: المَكْرُوهُ، فإِن كانَ من الكلامِ فهو الشَّتْمُ، وإِن كانَ من المِلَلِ فهو الكُفْرُ، وإِن كَانَ من الطَّعَامِ فهو الحَرَامُ، وإِن كان من الشَّرَابِ فهو الضَّارّ، ومنه قيل ـ لما يُرْمَى من مَنْفِيِّ الحَدِيدِ ـ: الخَبَثُ، ومنه‌الحديث: «إِنَّ الحُمَّى تَنْفِي الذُّنُوبَ كما يَنْفِي الكِيرُ الخَبَثَ».

وخَبَثُ الحَدِيدِ والفِضّة، مُحَرّكة: ما نَفَاه الكِيرُ إِذا أُذِيبَا، وهو ما لا خَيْرَ فيهِ، ويُكْنَى به عن ذِي البَطْنِ.

وفي الحديث: «نَهَى عن كُلِّ دواءٍ خَبِيثٍ» قال ابنُ الأَثِيرِ: هو من جِهَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: النَّجَاسَةُ وهو الحَرَامُ كالخَمْرِ والأَرْواثِ والأَبْوالِ، كُلّها نَجِسَةٌ خَبِيثَة، وتَناوُلُها حرامٌ إِلا ما خَصَّتْه السُّنّة من أَبوالِ الإِبِل، عند بعضهم، وروثُ ما يُؤكَلُ لحمُه عند آخَرِين، والجهة الأُخْرَى: من طَرِيقِ الطَّعْمِ والمَذَاقِ قال: ولا يُنْكَرُ أَن يكون كَرِهَ ذلك لما فيه من المَشَقَّةِ على الطِّبَاع، وكَرَاهِيَةِ النُّفُوسِ لها، ومنه‌قوله عليه الصّلاةُ والسّلام: «من أَكَلَ [من هذه] الشَّجَرَةِ الخَبِيثَةِ لا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا» يريدُ الثُّومَ والبَصَلَ والكُرّاتَ، وخُبْثُها من جِهَةِ كَرَاهَةِ طَعْمِها ورائِحَتِها؛ لأَنّها طاهرةٌ.

وفي الحديث: «مَهْرُ البَغِيِّ خَبِيثٌ، وثَمَنُ الكَلْبِ خَبِيثٌ، وكَسْبُ الحَجَّامِ خَبِيثٌ» قال الخَطّابِيّ: قد يَجْمَع الكلامُ بينَ القَرائِنِ في اللَّفْظِ، ويُفْرَقُ بينَهَا في المَعْنَى، ويُعْرَفُ ذلك من الأَغْرَاضِ والمَقَاصِدِ، فأَمّا مَهْرُ البَغِيِّ وثَمَنُ الكَلْبِ، فيريد بالخَبِيثِ فيهما الحَرامَ؛ لأَنَّ الكلبَ نَجِسٌ والزّنا حرامٌ، وبذْلُ العِوَضِ عليهِ، وأَخْذُه حرامٌ، وأَما كَسْبُ الحَجّامِ فيُريدُ بالخَبِيثِ فيهِ الكَرَاهِيَةَ؛ لأَنّ الحجَامَةَ مُبَاحَةٌ، وقد يكون الكَلامُ في الفَصْلِ الواحِدِ بَعْضُه على الوُجُوبِ، وبعْضُه على النَّدْبِ، وبعضُه على الحَقِيقَةِ، وبعضُه على المَجَازِ، ويُفْرَقُ بينها بدَلائِلِ الأُصُولِ، واعتبارِ معانِيها.

وفي الحديثِ «إِذا بَلَغَ الماءُ قُلَّتَيْنِ لم يَحْمِلْ خَبَثًا» الخَبَثُ بفتحتين: النَّجَسُ.

ومن المجاز ـ في حَدِيثِ هِرَقْل ـ: «فَأَصْبَحَ يَوْمًا وهو خَبِيثُ النَّفْسِ» أَي ثَقِيلُها كَرِيهُ الحَالِ.

ومن المجَاز أَيضًا في الحَدِيث: «لا يَقُولَنَّ أَحَدُكُم خَبُثَتْ نَفْسِي؛ أَي ثَقُلَتْ وغَثَتْ، كأَنَّه كَرِهَ اسمَ الخُبْثِ.

وطَعَامٌ مَخْبَثَةٌ: تَخْبُثُ عنه النَّفْسُ، وقيل: هو الّذِي من غَيْرِ حِلِّه.

ومن المجاز: هذا مما يُخْبِثُ النَّفْسَ.

وليْسَ الإِبْرِيزُ كالخَبَثِ، [أَي ليس الجيّد كالرَّدي‌ءِ].

وخَبُثَتْ رائِحَتُه، وخَبُثَ طَعْمُه.

وكلَامٌ خَبِيثٌ. وهي أَخْبَثُ اللُّغَتَيْنِ، يراد الرَّداءَةُ والفَسادُ. وأَنا اسْتَخْبَثْتُ» هذه اللُّغَةَ. وكُلُّ ذلك من المَجَازِ، كذا في الأَساس.

ومن المجاز أَيضًا يقال: وُلِد فلانٌ لِخِبْثَةٍ؛ أَي وُلِدَ لغَيْرِ رِشْدَةٍ، كذا في اللسان.

وأَبُو الطَّيّبِ الخَبِيثُ بنُ رَبِيعَةَ بنِ عَبْسِ بنِ شحارة، بَطْن من العَرَبِ يقالُ لِوَلَدِه الخُبَثاءُ، وهم سَكَنَةُ الوادِيَيْنِ باليَمن، ومن ولده الخَبِيثُ ابن محق بن لبيدةَ بن عبيْدة بن الخَبِيث، ذَكرهم النَّاشِرِيُّ نَسّابَةُ اليَمَنِ.

وقال الفَرّاءُ: تقولُ العربُ: لعنَ الله أَخْبَثِي وأَخْبَثَكَ؛ أَي الأَخْبَثَ منّا، نقلَه الصّاغَانيّ.

والأَخَابِثُ: كأَنَّه جَمْعُ أَخْبَث، كانَتْ بَنُو عَكِّ بن عدنان قد ارْتَدَّتْ بعدَ وفاةِ النَّبِيّ، صلى ‌الله‌ عليه‌ وسلم، بالأَعْلابِ من أَرْضِهِمْ، بين الطَّائِفِ والسّاحِلِ، فخَرَجَ إِليهم الطَّاهِرُ بنُ أَبي هَالَةَ بأَمْرِ الصِّدِّيق، رضي ‌الله‌ عنه، فوافَقَهم بالأَعْلابِ، فقَتَلَهُمْ شَرَّ قِتْلة، فسُمِّيَتْ تلك الجِمَاعُ من عَكّ، ومن تَأَشَّبَ إِليهَا: الأَخَابِثَ إِلى اليَوْمِ، وسُمِّيت تلك الطّرِيقُ إِلى اليوم طرِيقَ الأَخَابِثِ، وفيه يقولُ الطَّاهِرُ بن أَبي هَالَةَ:

فلم تَرَ عَيْنِي مثلَ جَمْعٍ رَأَيْتُه. *** بِجَنْبِ مَجَازٍ في جُموعِ الأَخَابِثِ

تاج العروس-مرتضى الزَّبيدي-توفي: 1205هـ/1791م


12-تاج العروس (خبر)

[خبر]: الخَبَرُ، مُحرَّكَةً: النَّبَأُ، هكذا في المُحْكَم. وفي التَّهْذِيب: الخَبَر: ما أَتَاكَ مِن نَبَإِ عَمَّن تَسْتَخْبِرُ. قال شَيْخُنَا: ظاهِرُه بل صَرِيحُه أَنَّهُما مُتَرادِفَان، وقد سَبق الفَرْقُ بَيْنَهُمَا، وأَنَّ النَّبَأَ خَبَرٌ مُقَيَّدٌ بكَوْنِه عن أَمْر عَظيم كما قَيَّد به الرَّاغِب وغيرُه من أَئِمَّة الاشْتِقَاقِ والنَّظَرِ في أُصولِ العَرَبِيَّة. ثم إِنَّ أَعلامَ اللُّغَةِ والاصْطِلاح قَالوا: الخَبَر عُرْفًا ولُغَة: ما يُنْقَل عن الغَيْر، وزادَ فيه أَهْلُ ما يُنْقَل عن الغَيْر، وزادَ فيه أَهْلُ العَرَبِيَّة: واحْتَمَلَ الصِّدْقَ والكَذِبَ لِذَاتِه.

والمُحَدِّثُون استَعْمَلُوه بمَعْنَى الحَدِيث. أَو الحَدِيثُ: ما عَن النَّبِيّ صلى ‌الله‌ عليه‌ وسلم، والخَبَر: ما عَنْ غَيْرِه.

وقال جَماعَة من أَهْلِ الاصْطِلاح: الخَبَر أَعَمُّ، والأَثَرُ هو الذي يُعَبَّرُ به عن غَيْر الحَدِيث كما لِفُقَهاءِ خُراسَانَ. وقد مَرَّ إِيماءٌ إِليه في «أَثر» وبَسْطه في عُلُوم اصْطِلاح الحَدِيث. الجمع: أَخْبارٌ. وجج؛ أَي جَمْع الجَمْع أَخابِيرُ.

ويقال: رَجُلٌ خَابِرٌ وخَبِيرٌ: عالِمٌ بالخَبَر. والخَبِيرُ: المُخْبِر.

[وخَبِرٌ] * قال أَبُو حَنِيفَة في وَصْف شَجَر: أَخْبَرَني بذلِك الخَبِرُ. فجاءَ به ككَتِف. قال ابنُ سِيده: وهذا لا يَكَادُ يُعْرَف إِلّا أَنْ يُكونَ على النَّسَب. ويُقَالُ: رَجُلٌ خُبْرٌ، مثل جُحْر؛ أَي عَالِمٌ بِهِ؛ أَي بالخَبَر، على المُبَالَغَة، كزيد عَدْل.

وأَخْبَره خُبُورَه، بالضّمّ؛ أَي أَنْبَأَه ما عِنْدَه. والخُبْرُ والخُبْرَة، بكَسْرِهِما ويُضَمَّان، والمَخْبَرةُ، بفَتْح المُوَحَّدة، والمَخْبُرَة بضَمِّها: العِلْمُ بالشَّيْ‌ءِ، تقول: لي به خُبْرٌ وخُبْرة، كالاخْتِبار والتَّخَبُّرِ. وقد اخْتَبَرَه وتَخَبَّرَه. يقال: مِنْ أَيْنَ خَبَرْتَ هذا الأَمرَ؟ أَي من أَيْن عَلِمْت. ويقال: «صَدَّقَ الخَبَرَ الخُبْرُ». وقال بَعضُهم: الخُبْر، بالضَّمّ: العِلْمُ بالباطِن الخَفِيِّ، لاحْتِياج العِلْم به للاخْتبار. والخِبْرَةُ: العِلْم بالظَّاهر والباطنِ، وقيلَ: بالخَفَايَا البَاطِنَةِ ويَلْزَمُها مَعْرِفَةُ الأُمورِ الظَّاهِرة. وقد خَبُرَ الرَّجُلُ، ككَرُمَ، خُبُورًا، فهو خَبيرٌ.

والخَبْرُ، بفَتْح فَسُكُون: المَزَادَةُ العَظِيمَة، كالخَبْرَاءِ، مَمْدُودًا، الأَخِير عن كُرَاع.

ومِنَ المَجَازِ: الخَبْرُ: النَّاقَةُ الغَزِيرَةُ اللَّبنِ، شُبِّهت بالمَزَادة العَظِيمة في غُزْرِها، وقد خَبَرَتْ خُبُورًا عن اللِّحْيَانِيّ، ويُكْسرُ، فِيهِمَا، وأَنْكَر أَبو الهَيْثم الكَسْرَ في المَزادَة، وقال غيرُه: الفَتْحُ أَجْودُ.

ج؛ أَي جمْعهما، خُبُورٌ.

والخَبْرُ: قرية: بِشِيرازَ، بها قَبْرُ سَعِيدٍ أَخِي الحَسَن البَصْرِيّ. مِنْهَا أَبُو عَبْدِ الله الفَضْلُ بنُ حَمَّادٍ الخَبْرِيّ الحافظ صاحِبُ المُسْنَد، وكان يُعَدُّ من الأَبدَال، ثِقَةٌ ثَبتٌ، يَرْوِي عن سَعِيد بن أَبي مَرْيَمَ وسَعِيدِ بنِ عُفَير، وعَنْه أَبُو بَكْر بْنُ عَبدانَ الشِّيرازِيّ، وأَبو بَكْر عبد الله بن أَبي داوود السِّجِسْتَانيّ، وتُوفِّيَ سنة 264، والخَبْرُ: قرية باليَمَن، نَقَلَه الصَّاغانِيُّ.

والخَبْرُ: الزَّرْعُ.

والخَبْرُ: مَنْقَعُ الماءِ في الجَبَل، وهو ما خَبِرَ المسِيلُ في الرُّءُوس، فتَخُوضُ فيه.

والخَبْرُ: السِّدْرُ والأَرَاكُ وما حَوْلَهُمَا من العُشْب. قال الشاعر:

فجادَتْكَ أَنواءُ الرَّبِيعِ وهَلَّلَتْ *** عليكَ رِيَاضٌ من سَلَامٍ ومِن خَبْرِ

كالخَبِر، ككَتِفٍ، عن اللَّيث واحِدَتُهما خَبْرة وخَبِرَةٌ.

والخَبْرَاءُ: القاعُ تُنْبِتُه؛ أَي السِّدْرَ، كالخَبِرَة، بفَتْح فكَسْر، وجمْعُه خَبِرٌ. وقال اللّيث: الخَبْراءُ شَجْراءُ في بَطْنِ رَوْضَةٍ يَبْقَى فِيها المَاءُ إِلى القَيْظ، وفيها يَنْبُت الخَبْرُ وهو شَجَر السِّدْرِ والأَراكِ وحَوالَيْهَا عُشْبٌ كَثِيرٌ، وتُسَمَّى الخَبِرةَ، الجمع: الخَبَارى، بفتح الرّاءِ، والخَبَارِي، بكَسْرِهَا مثل الصَّحَارَى والصَّحَارِي. والخَبْراواتُ والخبَارُ، بالكَسْرِ.

وفي التَّهْذِيب في «نَقْع»: النَّقَائع: خَبَارَى في بِلادِ تَميم.

والخَبْرَاءُ: منْقَعُ المَاءِ. وخَصَّ بَعْضُهم به مَنْقَعَ المَاءِ في أُصُولِهِ؛ أَي السِّدرِ. وفي التَّهْذِيب الخَبْرَاءُ: قَاعٌ مُسْتَدِيرٌ يَجْتَمِع فيه المَاءُ.

والخَبَارُ كسَحَاب: مَالانَ مِنَ الأَرْضِ واسْتَرْخَى وكانَت فِيهَا جِحَرَةٌ، زاد ابْنُ الأَعْرَابِيّ: وتَحَفَّر. وقال غيره: هو ما تَهوَّرَ وساخَتْ فيه القَوَائِمُ. وفي الحَدِيث «فدَفَعْنَا في خَبَارٍ من الأَرض»؛ أَي سَهْلَةٍ لَيِّنة. وقال بَعضُهم: الخَبَارُ: أَرضٌ رِخْوَة تَتعْتَع فيها الدَّوابُّ، وأَنشد:

تَتَعْتع في الخَبَارِ إِذَا عَلَاه *** وتَعْثُرُ في الطَّرِيق المُسْتَقِيمِ

والخَبَارُ: الجرَاثِيمُ، جَمْعُ جُرْثُومٍ؛ وَهُوَ التُّرابُ المُجْتَمِع بأُصولِ الشَّجرِ. والخَبَارُ: حِجَرَةُ الجُرْذانِ، واحدَتُه خَبَارَةٌ. و«مَنْ تَجَنَّبَ الخَبَارَ أَمِنَ العِثَارَ» مَثَلٌ ذَكَرَه المَيْدَانِيّ في مَجْمَعِه والزَّمَخْشَريّ في المُسْتَقْصَى والأَساس.

وخَبِرَتِ الأَرْضُ خَبَرًا، كفَرِح كَثُر خَبَارُهَا. وخَبِر المَوْضِعُ، كفَرِحَ، فَهُو خَبِرٌ: كَثُرَ به الخَبْرُ، وهو السِّدْر.

وأَرضٌ خَبِرَةٌ، وهذا قَدْ أَغفلَهَ المُصنِّفُ.

وفَيْفَاءُ أَو فَيْفُ الخَبَارِ: موضع بِنَواحِي عَقِيقِ المَدِينَةِ، كانَ عَلَيْه طَرِيقُ رَسُول اللهِ صلى ‌الله‌ عليه‌ وسلم حِينَ خَرَجَ يُرِيدُ قُرَيشًا قبل وَقْعَة بَدْرٍ، ثم انْتَهَى منه إِلى يَلْيَلَ.

والمُخَابَرَةُ: المُزَارَعَةُ*، عَمَّ بها اللِّحْيَانيّ. وقال غَيْره: على النِّصْفِ ونَحْوِه؛ أَي الثُّلُث. وقال ابنُ الأَثير:

المُخَابَرةُ: المُزارَعَة على نَصِيبٍ مُعَيَّن، كالثُّلُث والرُّبع وغَيْرِهما.

وقال غَيرُه: هو المُزارَعَة ببَعْض ما يَخْرُج من الأَرض، كالخِبْرِ، بالكَسْر. وفي الحَدِيث: «كُنَّا نُخَابِرُ ولا نَرى بِذلك بَأْسًا حتّى أَخْبَرَ رافِعٌ أَنَّ رَسولَ الله صلى ‌الله‌ عليه‌ وسلم نَهَى عَنْهَا» قيل: هو من خَبِرَتِ الأَرْضُ خَبَرًا: كَثُر خَبَارُهَا. وقيل: أَصْلُ المُخَابَرة من خَيْبَر، لأَنَّ النَّبِيَّ صلى ‌الله‌ عليه‌ وسلم أَقَرَّها في أَيْدِي أَهْلِهَا على النِّصف من مَحْصُولِها، فقيل: خَابَرَهُم؛ أَي عامَلَهُم في خَيْبر.

والمُخَابَرَة أَيْضًا المُؤَاكَرَةُ: والخَبِيرُ: الأَكَّارُ، قال:

تَجُزُّ رُءُوس الأَوْسِ من كُلِّ جانِبٍ *** كجَزِّ عَقَاقِيلِ الكُرُومِ خَبِيرُها

رفع خَبِيرُهَا على تَكْرِيرِ الفِعْل. أَراد جَزَّه خَبِيرُها؛ أَي أَكَّارُها.

والخَبِيرُ: العالِمُ بالله تَعَالَى، بمَعْرِفَة أَسمائِه وصِفَاتِه، والمُتَمكِّن من الإِخْبار بما عَلِمَه والذي يَخْبُرُ الشَّيْ‌ءَ بعِلْمه.

والخَبِير: الوَبَرُ يَطْلُع على الإِبِل، واستعاره أَبو النّجم لحمِير وَحْشٍ فقال:

حَتَّى إِذا ما طَارَ من خَبِيرِهَا

ومن المَجَاز في حَدِيثِ طَهْفَة: «نَسْتَخْلِبُ الخَبِيرَ»؛ أَي نَقْطَع النَّبَات والعُشْب ونأْكلُه. شُبِّه بخَبِير الإِبِل وهو وَبَرُهَا، لأَنَّه يَنْبُت كما يَنْبُت الوَبَر؛ واستِخْلابُه: احتِشاشُه بالمِخْلَبِ وهو المِنْجلُ.

والخَبِيرُ: الزَّبَدُ، وقيل: زَبَدُ أَفْوَاهِ الإِبِلِ. وأَنْشَدَ الهُذَلِيّ:

تَغَذَّمْنَ في جَانِبَيْه الخَبِي *** ر لَمَّا وهَي مُزْنهُ واستُبِيحَا

تَغَدَّمْنَ يَعْنِي الفُحُول؛ أَي مَضَغْن الزَّبَدَ وعَمَيْنَه.

والخَبِيرُ: نُسَالَةُ الشَّعرِ. قال المُتَنَخِّلُ الهُذَلِيّ:

فآبُوا بالرِّماح وهُنَّ عُوجٌ *** بِهِنّ خَبَائِرُ الشَّعَرِ السِّقَاطِ

وخَبِير: جَدُّ والدِ أَحْمَدَ بْنِ عِمْرانَ بنِ مُوسَى بنِ خَبِير الغَوَيْدِينِيّ المُحَدِّثِ النَّسَفِيّ، عن مُحَمّد بنِ عَبْدِ الرحمن الشّاميّ وغَيْرِه.

والخَبِيرَةُ، بالهاءِ، اسمُ الطَّائِفَة مِنْه؛ أَي من نُسَالَةِ الشعر.

والخَبِيرَةُ: الشَّاةُ تُشْتَرَى بَيْن جماعةٍ بأَثْمانِ مُخْتَلفة، فتُذْبَحُ ثم يقْتَسِمُونها، فيُسْهِمُون، كُلُّ واحد على قَدْر ما نَقَد، كالخُبْرة، بالضَّمِّ، وتَخَبَّروا خُبْرةً فَعَلُوا ذلِك أَي اشتَرُوا شاةَ فذَبَحُوها واقْتَسَمُوها. وشاةٌ خَبِيرَةٌ: مُقْتَسَمَةٌ. قال ابنُ سِيدَه: أُرَاهُ على طَرْحِ الزَّائد.

والخُبْرة: الصُّوفُ الجَيِّد من أَوَّل الجَزِّ، نقله الصّاغانِيّ.

والمَخْبَرَةُ، بفتح المُوَحّدة: المَخْرأَةُ، موضع الخِراءَة، نقلَه الصَّاغانِيّ.

والمَخْبَرةُ: نَقِيضُ المَرْآةِ، وضَبَطه ابنُ سِيدَه بضَمِّ المُوَحَّدَة. وفي الأَساس: ومن المَجاز: تُخْبِرُ عن مَجْهُولِه مَرْآتُه.

والخُبْرَة، بالضَّمِّ: الثَّرِيدَةُ الضَّخْمَةُ الدَّسِمة.

والخُبْرَة: النَّصِيبُ تَأْخذُه من لَحْمٍ أَو سَمَكٍ، وأَنْشَد:

باتَ الرَّبِيعِيُّ والخامِيزُ خُبْرَتُه *** وطَاحَ طَيْ مِن بَنِي عَمْرِو بْنِ يَرْبُوعِ

والخُبْرَة: ما تَشْتَرِيه لأَهْلِك، وخَصَّه بعضُهم باللَّحْم، كالخُبْرِ بغير هَاءٍ، يقال للرّجال ما اخْتَبَرْتَ لأَهْلك؟

والخُبْرَة: الطَّعامُ من اللَّحْم وغَيْرِه. وقيل: هو اللَّحْمُ يَشْتَرِيه لأَهْلِه، والخُبْرة: مَا قُدِّمَ مِنْ شَيْ‌ءٍ، وحَكَى اللِّحْيَانيّ أَنَّه سمِع العرب تقول: اجْتَمعوا على خُبْرَته، يَعْنُون ذلك، وقيل: الخُبْرَة: طَعَامٌ يَحْمِلُه المُسَافِرُ في سُفْرَتِه يَتَزوَّدُ به، والخُبْرَة: قَصْعَةٌ فِيهَا خُبْزٌ ولَحْمٌ بينَ أَرْبَعَةٍ أَو خَمْسَةٍ.

والخَابُورُ: نَبْتٌ أَو شَجَر له زَهْرٌ زَاهِي المَنْظَرِ أَصفرُ جَيِّدُ الرائِحَةِ، تُزيَّنُ به الحَدائِقُ، قال شيخُنا: ما إِخَالُه يُوجَد بالمَشْرِق. قال:

أَيَا شجَر الخَابُورِ مَا لَك مُورِقًا *** كأَنَّكَ لم تَجْزَعْ عَلَى ابْنِ طَرِيفِ

والخَابُورُ: نَهرٌ بَيْنَ رَأْسِ عَيْنٍ والفُراتِ مَشْهُور.

والخَابُورُ: نَهْرٌ آخَرُ شَرقِيَّ دِجْلَةِ المَوْصِلِ، بينه وبين الرَّقَّة، عليه قُرًى كَثِيرةٌ وبُلَيْدَاتٌ. ومنها عَرَابَان منها أَبُو الرّيّان سريح بن رَيّان بن سريح الخَابُورِيّ، كَتَبَ عنه السَّمْعَانيّ.

والخَابُورُ: وَادٍ بالجَزِيرة وقيل بسِنْجَار، منه هِشام القَرْقسائيّ الخَابُورِيّ القَصّار، عن مَالِك، وعنه عُبَيْد بن عَمرٍو الرَّقِّيّ. وقال الجوهريّ: مَوْضِع بناحية الشَّام؛ وقيل بَنواحِي ديِاربَكْرٍ، كما قاله السّيد والسّعد في شَرْحَيِ الْمِفْتَاح والمُطَوَّل، كما نَقَله شيخُنَا. ومُرادُه في شَرْحِ بَيْت التَّلْخِيص والمِفْتَاح:

أَيَا شَجَرَ الخَابُورِ مَا لَك مُورِقًا

المُتَقَدّم ذِكْرُه.

وخَابُورَاءُ: موضع. ويضاف إِلى عَاشُورَاءَ وما مَعَه.

وخَيْبَرُ، كصَيْقَل: حِصْنٌ م؛ أَي معروف، قُرْبَ المَدِينَةِ المُشَرَّفَة، على ثَمَانِيةِ بُرُدٍ منها إِلى الشّام، سُمِّيَ باسم رَجُل من العَمَالِيقِ، نزَل بها، وهُو خَيْبَرُ بن قَانِيَة بن عَبِيل بن مهلان بن إِرَم بن عَبِيل، وهو أَخُو عَاد. وقال قوْم: الخَيْبَر بلسَان اليَهُودِ: الحِصْن، ولذا سُمِّيَت خَبائِرَ، أَيْضًا، وخَيْبَرُ مَعْرُوفٌ، غَزَاه النّبِيُّ صلى ‌الله‌ عليه‌ وسلم، وله ذِكْرٌ في الصَّحِيح وغيره، وهو اسْمٌ للوِلَايَة، وكانت به سَبْعَةُ حُصُونٍ، حَوْلَها مَزارِعُ ونَخْلٌ، وصادفت قوله صلى ‌الله‌ عليه‌ وسلم: «الله أَكْبَر، خَرِبَت خَيْبَر». وهذه الحُصُونُ السَّبْعَة أَسماؤُهَا: شِقّ ووَطِيح ونَطَاة وقَمُوص وسُلَالِم وكَتِيبة ونَاعِم.

وأَحمَدُ بْنُ عَبْدِ القَاهِر اللَّخْمِيّ الدِّمَشْقِيّ، يَرْوِي عن مُنَبِّه بنِ سُلَيْمَان. قلت: وهو شَيْخٌ للطَّبَرَانِيّ. ومُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيز أَبو مَنْصُور الأَصْبهانيّ، سَمِع من أَبي مُحَمّد بن فارِس، الخَيْبَرِيَّانِ، كأَنَّهُمَا وُلِدَا بِهِ، وإِلّا فلَم يخرُجْ منه مَنْ يُشارُ إِليه بالفَضْل.

وعَلِيُّ بنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَيْبَرَ، مُحَدِّثٌ، وَهُو شَيْخٌ لأَبِي إِسْحَاق المُسْتَمْلِي.

والخَيْبَرَى، بفتحِ الرَّاءِ وأَلِفٍ مَقْصُورَة، ومِثْلُه في التَّكْمِلَة، وفي بعضِ النُّسَخ بكَسْرِها ويَاءِ النِّسْبَة: الحَيَّةُ السَّوْدَاءُ. يُقَال: بَلَاه الله بالخَيْبَرَى، يَعْنُون به تِلْك، وكَأَنَّه لَمَّا خَرِبَ صار مَأْوَى الحَيَّاتِ القَتّالة.

وخَبَرَه خُبْرًا، بالضَّمّ، وخِبرَةً، بالكَسْرِ: بَلَاهُ وجَرَّبَه، كاخْتَبَرَه: امْتَحَنَه.

وخَبَرَ الطَّعَامَ يَخْبُره خَبْرًا: دَسَّمَه. ويقال: اخْبُر طَعَامَك؛ أَي دَسِّمْه. ومنه الخُبْرَةُ: الإِدام. يقال: أَتَانَا بخُبْزَة، ولم يأْتِنَا بخُبْرة. ومنه تَسْمِيَة الكَرج المُلاصِقِ أَرضهم بعِراق العَجَم التمرَ خُبْرَةً، هذا أَصْل لُغَتِهم، ومِنْهم من يَقْلِب الرَّاءَ لامًا.

وخابَرَانُ، بفتح المُوحَّدة: نَاحِيَةٌ بَيْنَ سَرَخْسَ وأَبيوَرْد، ومن قُراها مِيهَنَةُ. ومِمَّن نُسِب إِلى خَابَرَانَ أَبُو الفَتْحِ فَضْلُ الله بنُ عَبْد الرَّحْمن بْنِ طَاهِرٍ الخَابَرانِيّ المُحَدِّث. وخَابَرَانُ موضع آخَرُ.

واسْتَخْبَرَه: سأَلَه عن الخَبَر وطلَب أَن يُخْبِرَه، كتَخَبَّرَه.

يقال: تَخَبَّرْتُ الخَبَرَ واستَخْبرْتُه، ومِثْله تَضَعَّفْت الرَّجلَ واستَضْعَفْته. وفي حدِيث الحُدَيْبِيَة: «أَنَّه بَعَث عَيْنًا من خُزَاعَةَ يَتَخَبَّر له خَبَرَ قُرَيْشٍ» أَي يَتَعَرَّف ويَتَتَبَّع. يقال: تَخَبَّر الخَبَرَ واستَخْبَرَ، إِذا سَأَل عن الأَخبار ليَعْرِفَها. وخَبَّره تَخْبِيرًا: أَخْبَرَه. يقال: اسْتَخْبَرْتُه فأَخْبَرَنِي وخَبَّرَني.

وخَبْرِينُ، كقَزْوِينَ: قرية بِبُسْتَ. ومنها أَبُو عَليّ الحُسَيْن بْنُ اللَّيْث بن فُدَيْك الخَبْرِينِيّ البُسْتِيّ، من تاريخ شِيرَازَ.

والمخْبُورُ: الطَّيِّب الإِدَامِ، عن ابْنِ الأَعْرابِيّ؛ أَي الكَثِيرُ الخُبْرَةِ؛ أَي الدَّسم.

وخَبُورٌ، كصبُورٍ: الأَسَدُ.

وخَبِرَةُ، كنَبِقَة: ماءٌ لِبَنِي ثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْدٍ في حِمَى الرَّبذَةِ، وعنده قَلِيبٌ لأَشْجَعَ.

وخَبْرَاءُ العِذْقِ: موضع بالصَّمَّانِ، في أَرْضِ تَمِيم لِبَنِي يَرْبُوع.

والخَبَائِرَةُ مِن وَلَد ذِي جَبَلَة بْنِ سَواءٍ، أَبُو بَطْن من الكُلَاع، وهو خَبَائِرُ بْنُ سَوَاد بنِ عَمْرِو بْنِ الكلاع بن شَرَحْبِيل. مِنْهُم أَبُو عَلِيّ يُونُس بْن ياسِر بن إِيَادٍ الخَبَائِرِيّ، روى عنه سَعِيدُ بْنُ كثير بن عُفَيْر، في الأَخبار. وسُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ أَبو يَحْيَى الخَبَائِرِيّ، تَابِعيٌّ مِنْ ذِي الكَلَاعِ، عن أَبَي أُمَامَةَ، وعنه مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، وعَبْدُ الله بْنُ عَبدِ الجَبَّارِ الخَبَائِرِيُّ الحِمْصيّ، لَقَبُه زُرَيْق، عن إِسْمَاعِيل بنِ عَيّاش، وعنه مُحَمَّد بنُ عَبْد الرحمن بن يُونُس السّرّاج، وأَبُو الأَحْوَص، وجَعْفَرٌ الفِرْيَابيّ، قالَه الدَّارَقُطْنِيّ.

وقَوْلُهم: لأَخْبُرَنَّ خَبَرَكَ، هكذا هو مَضْبُوطٌ عِنْدَنَا محرّكةً: وفي بعْضِ الأُصول الجَيِّدة بضَمٍّ فَسُكُون؛ أَي لأَعْلَمَنَّ عِلْمَك. والخُبْرُ والخَبَرُ: العِلْم بالشَّيْ‌ءِ، والحَدِيثُ الّذِي رَوَاه ابُو الدَّرْدَاءِ وأَخْرَجَه الطَّبَرانِيّ في الكَبِير، وأَبُو يَعْلَى في المُسْنَد «وَجَدْتُ النَّاسَ اخْبُرْ تَقْلَهِ» أَي وَجَدْتُهُم مَقُولًا فِيهِم هَذا القَوْلُ. أَي مَا مِنْ أَحَد إِلَّا وهو مَسْخُوطُ الفِعْلِ عِنْدَ الخِبْرَة والامْتِحانِ، هكذَا في التَّكْمِلة، وفي اللِّسَانِ والأَساسِ وتَبِعَهُم المُصَنِّفُ في البَصَائِر: يُرِيدُ أَنَّك إِذَا خَبَرْتَهُم قَلَيْتَهُم؛ أَي أَبْغَضْتَهم، فأَخْرَجَ الكلامَ علَى لَفْظِ الأَمْرِ، وَمَعْنَاه الخَبَر.

وأَخْبَرْتُ اللِّقْحَةَ: وَجدْتُهَا مَخْبُورَةً؛ أَي غَزِيرَةً، نقله الصَّاغانِيّ كأَحْمَدْته: وَجَدْتُه مَحْمُودًا.

ومُحَمَّدُ بْنُ عَليٍّ الخَابِرِيُّ، مُحَدِّثٌ، عن أَبي يَعْلَى عَبْدِ المُؤْمن بْنِ خَلَف النَّسَفِيّ، وعنه عَبْدُ الرَّحِيم بنُ أَحمدَ البُخَارِيّ.

* ومما يُسْتَدْرَك عليه:

الخَبِير مِن أَسْمَاءِ الله عَزَّ وجَلَّ: العالِمُ بِما كَانَ وبِمَا يَكُون. وفي شَرْح التِّرْمَذِيّ: هو العَلِيم ببَواطِنِ الأَشْيَاءِ.

والخَابِرُ: المُخْتَبِرُ المُجَرِّب.

والخَبِيرُ: المُخْبِر.

ورجلٌ مَخْبَرانِيٌّ: ذو مَخْبَرٍ، كما قالوا: مَنْظَرَانِيّ: ذُو مَنْظَرٍ.

والخَبْرَاءُ: المُجَرَّبَة بالغُزْرِ.

والخَبِيرُ: الزَّرْعُ.

والخَبِيرُ: الفَقِيه، والرَّئِيسُ.

والخَبِير: الإِدَام، والخَبِيرُ: المَأْدُومُ: ومنه‌حَدِيثُ أَبي هُرَيْرَة: «حينَ لا آكُل الخَبيرَ». وجَمَلٌ مُخْتَبِرٌ: كَثيرُ اللَّحْمِ. ويقال: عليه الدَّبَرَى وحُمَّى خَيْبَرى. وحُمَّى خَيْبَرَ، مُتَنَاذَرَةٌ، قال الأَخْنَس بْنُ شِهَاب:

كَمَا اعْتَادَ مَحْمُومًا بخَيْبَرَ صالِبُ

والأَخْبَارِيّ المُؤَرّخ، نُسِب للفْظ الأَخْبَار، كالأَنْصَارِي والأَنْماطي وشِبْههما. واشْتَهَر بها الهَيْثَم بنُ عَديّ الطَّائيّ.

والخَبَائرَةُ: بَطْنٌ من العَرَب، ومَساكنُهُم في جِيزةِ مِصْر.

ومن أَمْثَالهم: «لا هُلْكَ بوَادِي خبرٍ» بالضَّمّ.

والخَبِيرَة: الدَّعْوَةُ على عَقِيقَة الغُلام، قاله الحَسَنُ بنُ عَبْد الله العَسْكَرِيّ في كتاب «الأَسْمَاء والصِّفات».

والخَيَابِرُ: سَبْعَةُ حُصُونٍ، تقدَّم ذِكرُهُم.

وخَيْبَرِيّ بن أَفْلَت بن سِلْسِلَة بن غَنْم بن ثَوْب بن مَعْن، قبيلة في طَيِّئ، منهم إِياسُ بنُ مَالِك بنِ عَبْدِ الله بن خَيْبَرِيّ الشاعر، وله وِفَادَة، قاله ابنُ الكَلْبيّ. وخَيْبَرُ بنُ أُوَام بن حَجْوَر بن أَسْلم بن عَلْيَانَ: بَطْن من هَمْدَان.

وخَيْبَر بنُ الوَلِيد، عن أَبيه عن جَدِّه عن أَبي موسى، ومُدْلِجُ بنُ سُوَيْد بن مَرْثَد بن خَيْبَرِيّ الطَّائيّ، لقَبُه مُجِيرُ الجَرادِ. والخَيْبرِيّ بنُ النُّعمان الطائِيّ: صحابيّ. وسِمَاكٌ الإِسرائِيلِيُّ الخَيْبَرِيُّ، ذَكَره الرُّشاطِيّ في الصَّحَابَة.

وإِبْراهِيمُ بنُ عبدِ الله بْنِ عُمَر بن أَبي الخَيْبَرِيّ القَصَّار العَبْسِيّ الكُوفِيّ، عن وَكِيع وغيرِه. وجَمِيل بن مَعْمَر بنِ خَيْبَرِيّ العُذْرِيّ الشَّاعِرُ المَشْهُور.

تاج العروس-مرتضى الزَّبيدي-توفي: 1205هـ/1791م


13-تاج العروس (قبرس)

[قبرس]: القُبْرُس، بالضَّمِّ، أَهْمَلَه الجَوْهَريُّ، وقال اللَّيْثُ: هو أَجْوَد النُّحَاسِ، هكذا في التَّكْملَة وفي بَعْض نُسَخ التَّهْذيب، وفي أُخْرَى منها: والقُبْرُسيُّ من النُّحَاس: أَجْوَدُه، وأُراه مَنْسوبًا إِلى قُبْرُسَ هذه، يَعنِي من ثُغُورِ الشّام.

وقُبْرسُ: مَوْضِعٌ، قال ابنُ دُرَيْدٍ: ولا أَحسَبه عَرَبيًّا، وقال غيره: جَزيرَةٌ عَظيمَةٌ للرُّوم، وفي التَّهْذيب: هو من ثُغُور الشّام، وفي التكملة: ثَغْرٌ من الثُّغُور بساحلِ بَحْر الرُّوم، يُنْسَب إِليه الزَّاجُ، بها تُوُفِّيَتْ أُمُّ حَرَامٍ بنْتُ مِلْحَانَ بن خالد بن زَيْد بن حَرَام الأَنْصَاريَّةُ، خالةُ أَنَسٍ، وزَوْجَةُ عُبَادَةَ رضيَ الله تعالَى عنهم. قلتُ: ولها مَقَامٌ عَظيمٌ بظاهر الجَزيرةِ، اجْتَزْتُ بها في البَحْر عنْدَ تَوَجُّهي إِلى بَيْت المَقْدس، وأُخْبرْتُ أَنَّ علَى مَقَامِها أَوْقَافًا هائلَةً وخَدَمًا، ويَنْقُلُون لها كَرَاماتٍ، وقِصَّةُ شَهادَتِهَا مَذْكورةٌ في كُتُب السِّيَر، رضيَ الله عنها.

تاج العروس-مرتضى الزَّبيدي-توفي: 1205هـ/1791م


14-تاج العروس (كلو)

[كلو]: وكِلَا، بالكسْرِ: موضوعةٌ للدَّلالةِ على اثْنَيْنِ ككِلْتا.

قالَ شيْخُنا: ظاهِرُه أَنَّهما بمعْنًى مُطْلقًا، وقد تقرَّرَ أَن كِلَا للمُذَكَّرَيْن وكِلْتا للمُؤَنَّثَتَيْنِ، فما هذا التَّشْبيهِ، انتَهَى.

وقد رَدَّ عليه صاحِبُنا الفاضِلُ العلَّامةُ الشَّهاب أحمدُ ابنُ الشَّيْخِ العلَّامة أَحمدَ السجاعي الشافَعِيّ، حَفِظَهُمَا اللهُ تعالى، فقالَ: الإنْصافُ أنَّ مِثْلَ هذا لا يعدُّ مِن سَقَطاتِ المصنِّفِ إذ المُشَبَّه لا يُعْطَى حُكْم المُشَبَّه به مِن كلِّ وَجْه على التَّنزلِ وإرْخاءِ العَنانِ، وإلَّا فالظاهِرُ أنَّ مرادَهُ أَنَّ كِلا ككِلْتا في اسْتِعْمالِه للمُثَنَّى كما لا يَخُفى، انتَهَى.

وقد بَسَّطَ فيه الجَوْهرِي وابنُ سِيدَه والأزْهرِي غايَةَ البسطِ فقالَ الجَوْهرِي: كِلا في تَأْكِيدِ الاثْنَيْن نَظِير كُلِّ في المَجْمُوعِ، وهو اسْمٌ مُفْردٌ غَيْر مُثَنَّى؛ فإذا ولي اسْمًا ظاهِرًا كانَ في الرفْعِ والنَّصْبِ والخَفْضِ على حالةٍ واحِدَةٍ بالألفِ، تقولُ: رَأَيْتُ كِلا الرَّجُلَيْن، وجاءَنِي كِلا الرَّجُلين، ومَرَرْتُ بكِلا الرَّجُلَين، فإذا اتَّصَل بمُضْمر قَلَبْت الألفَ ياءً في موضِعِ الجَرِّ والنَّصْبِ، فقُلْتُ: رَأَيْت كِلَيْهِما، ومَرَرْت بكِلَيْهما، كما تقولُ عليهما وَلَدَيْهما، وتَبْقى في الرفْع على حالِها.

وقال الفرَّاء: هو مُثَنًّى وهو مَأْخُوذ مِن كلِّ فخفِّفَتِ اللامُ وزِيدَتِ الألِفُ للتَّثْنِيَةِ، وكذلكَ كِلْتا للمُؤَنَّث ولا يكونانِ إلَّا مُضافَيْن.

وفي المُحْكم: لا يَنْفَصِلانِ عن الإضافَةِ.

قال الجَوْهرِي: قالَ الفرَّاء: ولا يُتَكَلَّم منهما بواحِدٍ ولو تكلِّم به لقيلَ كِلٌّ وكِلْتٌ، واحْتَجَّ بقولِ الراجزِ يصفُ نَعامَةً:

في كِلْتِ رِجْلَيْها سُلامى واحِدَة *** كِلْتاهما مقْرُونَةٌ بزائِدَهْ

أَرادَ في إحْدَى رِجْلَيْهَا فأَفْرَدَ، قالَ: وهذا القولُ ضَعيفٌ عنْدَ أَهْلِ البَصْرةِ، لأنَّه لو كانَ مُثنَّى لوجَبَ أَنْ تَنْقلبَ أَلفُه في النصْبِ والجرِّ ياءً مع الاسْم الظاهِر، ولأنَّ معْنى كِلَا مخالفٌ لمعْنَى كلِّ، لأن كُلًّا للإحاطَةِ وكِلا يدلُّ على شي‌ءٍ مَخْصوصٍ، وأمَّا هذا الرَّاجزُ فإنَّما حذَفَ الألفَ للضَّرورَةِ وقدَّرَ أنَّهَا زائِدَةٌ، وما يكونُ ضَرُورَةً لا يجوزُ أَنْ يُجْعَل حُجَّة، فثَبَتَ أنَّه اسْمٌ مفردٌ كمِعًى إلَّا أنّه وُضِعَ ليدلَّ على التَّثْنِية، كما أنَّ قولهم نحنُ اسْمٌ مفردٌ وُضِعَ ليدلُّ على الاثْنَيْن فما فَوْقَهما؛ يدلُّ على ذلكَ قولُ جريرٍ:

كِلا يَومَيْ أُمامَةَ يَوْمُ صَدٍّ *** وإنْ لم نَأْتِها إلَّا لِمَاما

أَنْشَدَنِيه أَبو عليٍّ فإنْ قالَ قائِلٌ فلِمَ صَارَ كِلا بالياءِ في الجرِّ والنّصْبِ مع المُضْمر ولزِمَتِ الألفُ مع المظهرِ كما لزمَتْ في الرَّفْع مع المُضْمر؟ قيلَ له: قد كانَ مِن حقِّها أنْ تكونَ بالألفِ على كلِّ حالٍ مثْلُ عَصًا ومِعًى، إلَّا أنَّها لما كانت لا تَنْفكّ عن الإضافَةِ شُبِّهَت بعَلَى وإلى ولَدَى، فجعلَتْ بالياءِ مع المُضْمرِ في النَّصْب والجرِّ لأنَّ على لا تَقَعُ إلَّا مَنْصوبة أَوْ مَجْرورةً ولا تُسْتَعْملُ مَرْفوعةً، فبَقِيَت كِلا في الرَّفْع على أَصْلِها في المُضْمِرِ، لأنّها لم تُشَبَّه بعَلَى في هذه الحالِ، وأمَّا كِلْتا التي للتَّأْنِيثِ فإنَّ سِيبويه يقولُ أَلِفُها للتَّأْنِيثِ والتاءُ بدلٌ من لامِ الفِعْلِ، وهي واو، والأصْل كِلْوا، وإنَّما أُبْدِلَتْ تاء لأنَّ في التاءِ علم التَّأْنِيثِ، والألِفُ في كِلْتا قد تَصِير ياءً مع المُضْمَر فيخرجُ عن علم التَّأْنيثِ فصارَ في إبْدالِ الياءِ تاء تأْكِيد للتّأْنِيثِ. وقالَ أَبو عُمر الجَرْمي: التاءُ مُلْحقةٌ، والألفُ لامُ الفِعْل، وتَقْديرُها عنْدَه فِعْتَلٌ، ولو كانَ الأمْرُ كما زَعَمَ في النِّسْبَةِ إليه كِلْتَويٌّ، ولما قالوا كِلَويٌّ وأسْقَطُوا التاءَ دلَّ أَنَّهم أَجْرُوها مُجْرَى التاءِ التي في أُخْتِ التي إذا نَسَبْتَ إليها قُلْت أَخَوِيٌّ، انتَهَى نَصّ الجَوْهرِي.

قالَ ابنُ برِّي في هذا المَوْضِع: كِلَويٌّ قياسٌ مِن النَّحْوِيِّين إذا سَمِّيْتَ بها رجُلًا، وليسَ ذلكَ مَسْموعًا فيحتجُّ به على الجَرْمِي، انتَهَى.

وقال ابنُ سِيدَه في المُحْكم: كِلا كلمةٌ مَصُوغةٌ للدَّلالةِ على اثْنَيْن كما أنَّ كُلًّا مَصُوغةٌ للدَّلالةِ على جميعٍ، وليسَتْ كِلا مِن لَفْظ كلٍّ، كلٌّ صَحِيحَةٌ وكِلا مُعْتلةٌ، ويقالُ للاثْنَتَيْن كِلْتا، وبهذه التاء حُكم على أنَّ ألِفَ كِلا مُنْقلبةٌ عن واوٍ لأنَّ بدل التاءِ من الواوِ أَكْثَر مِن بدلِها من الياءِ؛ وقولُ سِيْبَوَيْه: جَعَلُوا كِلا كمِعًى، لم يرد أنَّ ألفَ كِلا مُنْقلبةٌ عن ياءٍ كأَلِفِ مِعًى بدَلِيلِ قوْلِهم مِعْي، وإنَّما أرادَ أنَّ أَلِفَها كأَلِفِها في اللّفظِ، لا أنَّ ما انْقَلَبَتْ عنه أَلِفَاهُما واحِد، فافْهَمْ. ولا دَلِيل لكَ في إمالَتِها على أنَّها من الياءِ لأنَّهم قد يُمِيلُون بناتَ الواوِ.

قالَ ابنُ جنِّي: أمَّا كِلْتا فذهَبَ سيبويه إلى أنَّها فِعْلَى بمنْزِلَةِ الذِّكْرى والحِفْرَى، وأصْلُها كِلْوى، فأُبْدِلَتِ الواوُ تاءً كما أُبْدِلَتْ في أُخْت وبنت، والذي يدلُّ على أنَّ لامَ كِلْتا مُعْتلةٌ قوْلُهم في مذكّرِها كِلا، وكِلا فِعْلٌ ولامُه مُعْتَلة بمنْزِلةِ لامِ حِجًا ورِضًا، وهُما من الواوِ، ولذا مثَّلها سيبويه بما اعْتلَّت لامه فقالَ: هي بمنْزلةِ شَرْوَى، وأمَّا أبو عُمر الجَرْمي فذَهَب إلى أنَّها فِعْتَلٌ، وخالَفَ سيبويه، ويشهدُ لفَسادِ هذا القوْلِ أنَّ التاءَ لا تكونُ عَلامَةَ تَأْنِيثِ الواحِدِ إلّا وقَبْلها فَتْحة كطَلْحة وحَمْزة وقَائِمَة وقاعِدَة، أَوْ أَنْ يكونَ قَبْلها أَلفٌ كسِعْلاة وعِزْهاة، ولام كِلْتا ساكِنَةٌ كما تَرى، فهذا وَجْه؛ وآخَرُ عَلامَةَ التَّأْنِيثِ لا تكونُ أَبَدًا وسَطًا إنَّما تكونُ آخِرًا بلا مَحالَة؛ وكِلْتا اسْمٌ مُفْردٌ يفيدُ مَعْنى التَّثْنِيةِ بإجْماعِ البَصْرِيِّين، فلا يجوزُ أن يكونَ علامَةَ تَأْنِيثِهِ التاءُ وما قَبْلها ساكِنٌ، وأَيْضًا فإنَّ فِعْتَلًا مِثالٌ لا يوجدُ في الكَلام، أَصْلًا فيُحْمَل هذا عليه؛ وإن سَمَّيت بكِلْتا رجُلًا لم تَصْرِفْه في قولِ سيبويه مَعْرفةً ونَكِرَةً، لأنَّ أَلِفَها للتَّأْنِيثِ بمنزِلتِها في ذِكْرَى، وتَصْرفُه نَكِرةً في قولِ أَبي عُمرَ لأنَّ أَقْصَى أَحْوالِهِ عنْدَهُ أنْ يكونَ كقائمةٍ وقاعِدَةٍ وعَزَّة وحَمْزة؛ هذا نَصُّ ابنِ سِيدَه في المُحْكم، وقد أَنْعَم في كتابِه المُخصَّص شَرْحه بأبْسطِ من هذا.

وقال الأزْهرِي: العَرَبُ إذا أَضافَتْ كُلًّا إلى اثْنَيْن لَيَّنَتْ لَامَها وجَعَلَتْ مَعها أَلِفَ التثْنِيَةِ، ثم سَوَّت بَيْنَها في الرفْعِ والنصْبِ والخَفْض، فجعلَتْ إعْرابَها بالألِفِ وأَضافَتْها إلى اثْنَيْن وأَخْبَرَتْ عن واحِدٍ، فقالت: كِلا أَخَوَيْك كان قائِمًا، لا كانا، وكِلا عَمَّيْك كانَ فقيهًا، وكِلْتا المَرْأَتَين كانتْ جميلةً، لا كانَتَا جَمِيلَتَيْن: {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها}. ولم يَقُلْ آتَتَا؛ ومَرَرْتُ بكِلا الرَّجُلَيْن، وجاءَنِي كُلا الرَّجُلَيْن، يَسْتوي فيها إذا أَضَفْتها إلى ظاهِر الرَّفْع والنصْبُ والخَفْضُ، فإذا كنوا عن مَخْفوضِها أَجْروها بما يُصيبُها مِن الإعْرابِ. فقالوا: أَخَوَاك مَرَرْت بكِلَيْهِما، يَجْعلُونَ نَصْبَها وخَفْضَهَا بالياءِ، وأَخَواي جاءَني كِلاهُما جَعَلُوا رَفْع الاثْنَيْن بالألِفِ؛ قالَ الأعْشَى في موْضِعِ الرَّفْعِ:

كِلا أَبَوَيْكُمْ كانَ فَرْدًا دِعامةً

أَي كلّ واحدٍ منهما؛ وكذا قالَ لبيدٌ:

وغَدَتْ كِلا الفَرْجَيْنِ تَحْسَبُ أَنَّه *** مَوْلى المَخافَةِ خَلْفَها وأَمامَها

يَعْني: بَقَرَةً وَحْشِيَّةً، وأَرادَ كِلا فَرْجَيْها، فأَقَامَ الألِفَ واللامَ مُقام الكِنايَةِ، ثم قالَ: تَحْسَبُ؛ أَي البَقَرة؛ أَنَّه، ولم يَقُل أَنَّهما، مَوْلى المَخافَةِ؛ أَي وليُّ مَخافَتِها، ثم تَرْجَم عن كِلا الفَرْجَيْن فقالَ: خَلْفَها وأَمامَها؛ وكذا تقولُ: كِلا الرَّجُلَيْن قائِمٌ وكِلْتا المرْأَتَيْنِ قائِمةٌ؛ قالَ:

كِلا الرَّجُلَيْنِ أَفَّاكٌ أَثِيم

انتَهَى.

وكِلْوَةٌ، بالكسْر: بلد بالزَّنْجِ.

* وَمِمَّا يُسْتَدْرَكُ عَلَيْهِ:

كَلا، بالفَتْح: قرْيةٌ بمِصْرَ من الغربيةِ وتُعدُّ مِن أَعْمال جزيرة قويسنا، وتُعْرَف بكَلَا الباب ومنها الإمام أبو عبد الله الكلائي صاحب المجموع في الفرائض من القرن التاسع وكَلَا أيضًا قرية أخرى من أعمال الدنجاوية.

وكَلا الدَّيْن وغيرُه كَلْو: تَأَخَّرَ؛ عن ابن القطَّاع.

تاج العروس-مرتضى الزَّبيدي-توفي: 1205هـ/1791م


15-لسان العرب (خبث)

خبث: الخَبِيثُ: ضِدُّ الطَّيِّبِ مِنَ الرِّزْق والولدِ والناسِ؛ وَقَوْلُهُ:

أَرْسِلْ إِلى زَرْع الخَبِيِّ الوالِجِ

قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: إِنما أَراد إِلى زَرْع الخَبِيثِ، فأَبدل الثَّاءَ يَاءً، ثُمَّ أَدغم، والجمعُ: خُبَثاء، وخِبَاثٌ، وخَبَثَة، عَنْ كُرَاعٍ؛ قَالَ: وَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ فَعيل يُجْمَعُ عَلَى فَعَلَة غَيْرُهُ؛ قَالَ: وَعِنْدِي أَنهم تَوَهَّمُوا فِيهِ فَاعِلًا، وَلِذَلِكَ كَسَّروه عَلَى فَعَلة.

وحَكى أَبو زَيْدٍ فِي جَمْعِهِ: خُبُوثٌ، وَهُوَ نَادِرٌ أَيضًا، والأُنثى: خَبِيثةٌ.

وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ}.

وخَبُثَ الرجلُ خُبْثًا، فَهُوَ خَبيثٌ أَي خَبٌّ رَدِيءٌ.

اللَّيْثُ: خَبُثَ الشيءُ يَخْبُثُ خَباثَةً وخُبْثًا، فَهُوَ خَبيثٌ، وَبِهِ خُبْثٌ وخَباثَةٌ؛ وأَخْبَثَ، فَهُوَ مُخْبِثٌ إِذا صَارَ ذَا خُبْثٍ وشَرٍّ.

والمُخْبِثُ: الَّذِي يُعَلِّمُ الناسَ الخُبْثَ.

وأَجاز بعضُهم أَن يُقَالَ لِلَّذِي يَنْسُبُ الناسَ إِلى الخُبْثِ: مُخْبِثٌ؛ قَالَ الكُمَيْتُ:

فطائفةٌ قَدْ أَكْفَرُوني بِحُبِّكُمْ، ***وطائِفَةٌ قَالُوا: مُسِيءٌ ومُذْنِبُ

أَي نَسَبُوني إِلى الكُفْر.

وَفِي حَدِيثِ أَنس: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذا أَراد الخَلاءَ، قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الخُبْثِ والخَبائِثِ»؛ وَرَوَاهُ الأَزهري بِسَنَدِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ هَذِهِ الحُشُوشَ مُحْتَضَرَة، فإِذا دَخَلَ أَحدُكم فلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِني أَعوذ بِكَ مِنَ الخُبْثِ والخَبائِثِ؛ قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: أَراد بِقَوْلِهِ مُحْتَضَرة؛ أي يَحْتَضِرُها الشياطينُ، ذُكورُها وإِناثُها.

والحُشُوشُ: مواضعُ الْغَائِطِ.

وَقَالَ أَبو بَكْرٍ: الخُبْثُ الكُفْرُ؛ والخَبائِثُ: الشَّيَاطِينُ.

وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ:

اللَّهُمَّ إِني أَعوذ بِكَ مِنْ الرِّجْسِ النَّجِسِ الخَبيثِ المُخْبِثِ؛ قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: الخَبِيثُ ذُو الخُبْثِ فِي نَفْسه؛ قَالَ: والمُخْبِثُ الَّذِي أَصحابُه وأَعوانه خُبَثاء، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: فلانٌ ضَعِيف مُضْعِفٌ، وقَوِيٌّ مُقْوٍ، فالقويُّ فِي بَدَنِهِ، والمُقْوِي الَّذِي تَكُونُ دابتُه قَويَّةً؛ يُرِيدُ: هُوَ الَّذِي يُعَلِّمُهُمُ الخُبْثَ، ويُوقعهم فِيهِ.

وَفِي حَدِيثِ قَتْلَى بَدْرٍ: «فأُلْقُوا فِي قَلِيبٍ خَبِيثٍ مُخْبِثٍ»»؛ أي فاسدٍ مُفْسِدٍ لِمَا يَقَع فِيهِ؛ قَالَ: وأَما قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: «مِنَ الخُبْثِ والخَبائِثِ؛ فإِنه أَراد بالخُبْثِ الشَّرَّ، وبالخَبائِثِ الشَّيَاطِينَ؛ قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: وأُخْبِرْتُ عَنْ أَبي الْهَيْثَمِ أَنه كَانَ يَرْويه مِنَ الخُبُث، بِضَمِّ الْبَاءِ، وَهُوَ جمعُ الخَبيث، وَهُوَ الشَّيْطَانُ الذَّكر، ويَجْعَلُ الخَبائِثَ جَمْعًا للخَبيثة مِن الشَّيَاطِينِ.

قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وَهَذَا عِنْدِي أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ.

ابْنُ الأَثير فِي تَفْسِيرِ الْحَدِيثِ: «الخُبُثُ، بِضَمِّ الْبَاءِ: جَمْعُ الخَبِيثِ، والخَبائثُ: جَمْعُ الخَبيثة»؛ يُريد ذكورَ الشَّيَاطِينِ وإِناثَهم؛ وَقِيلَ: هُوَ الخُبْثُ، بِسُكُونِ الْبَاءِ، وَهُوَ خلافُ طَيِّبِ الفِعْل مِنْ فُجُور وَغَيْرِهِ، والخَبائِثُ، يُريد بِهَا الأَفعالَ الْمَذْمُومَةَ والخِصالَ الرَّديئةَ.

وأَخْبَثَ الرجلُ أَي اتَّخَذَ أَصحابًا خُبَثاء، فَهُوَ خَبِيثٌ مُخْبِثٌ، ومَخْبَثانٌ؛ يُقَالُ: يَا مَخْبَثانُ وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ}، وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ؛ قَالَ الزجَّاج: مَعْنَاهُ الكلماتُ الخَبيثاتُ للخَبيثينَ مِنَ الرجالِ والنساءِ؛ والرجالُ الخبيثونَ للكلماتِ الخَبيثاتِ؛ أَي لَا يَتَكَلَّم بالخَبيثاتِ إِلَّا الخَبيثُ مِنَ الرجالِ وَالنِّسَاءِ؛ وَقِيلَ: الْمَعْنَى الكلماتُ الخبيثاتُ إِنما تَلْصَقُ بالخَبيثِ مِنَ الرجالِ وَالنِّسَاءِ، فأَما الطاهرونَ والطاهراتُ، فَلَا يَلْصَقُ بِهِمُ السَّبُّ؛ وَقِيلَ: الخبيثاتُ مِنَ النساءِ للخَبيثين مِنَ الرجالِ، وَكَذَلِكَ الطَّيِّباتُ للطَّيِّبينَ.

وَقَدْ خَبُثَ خُبْثًا وخَباثَةً وخَبَاثِيَةً: صَارَ خَبِيثًا.

وأَخْبَثَ: صَارَ ذَا خُبْثٍ.

وأَخْبَثَ: إِذا كَانَ أَصحابه وأَهلُه خُبَثاء، وَلِهَذَا قَالُوا: خَبِيثٌ مُخْبِثٌ، وَالِاسْمُ: الخِبِّيثى.

وتَخابَثَ: أَظْهَر الخُبْثَ؛ وأَخْبَثَه غَيْرُهُ: عَلَّمه الخُبْثَ وأَفْسَده.

وَيُقَالُ فِي النِّدَاءِ: يَا خُبَثُ كَمَا يُقَالُ يَا لُكَعُ تُريدُ: يَا خَبِيثُ.

وسَبْيٌ خِبْثَةٌ: خَبِيثٌ، وَهُوَ سَبْيُ مَنْ كَانَ لَهُ عهدٌ مِنْ أَهل الْكُفْرِ، لَا يَجُوزُ سَبْيُه، وَلَا مِلْكُ عبدٍ وَلَا أَمةٍ مِنْهُ.

وَفِي الْحَدِيثِ: «أَنه كَتَب للعَدَّاء بْنِ خَالِدٍ أَنه اشْتَرَى مِنْهُ عَبْدًا أَو أَمة، لَا دَاءَ وَلَا خِبْثةَ وَلَا غائلةَ».

أَراد بالخِبْثة: الْحَرَامَ، كَمَا عَبَّرَ عَنِ الْحَلَالِ بالطَّيِّب، والخِبْثَةُ نوعٌ مِنْ أَنواع الخَبيثِ؛ أَراد أَنه عبدٌ رقيقٌ، لَا أَنه مِنْ قَوْمٍ لَا يَحِلُّ سَبْيُهم كَمَنْ أُعْطِيَ عَهْدًا وأَمانًا، وَهُوَ حُرٌّ فِي الأَصل.

وَفِي حَدِيثِ الْحَجَّاجِ أَنه قَالَ لأَنس: «يَا خِبْثة»؛ يُريد: يَا خَبِيثُ ويقال الأَخلاق الخَبيثة: يَا خِبْثَةُ.

ويُكتَبُ فِي عُهْدةِ الرَّقِيقِ: لَا داءَ، وَلَا خِبْثَةَ، وَلَا غائِلَةَ؛ فالداءُ: مَا دُلِّسَ فِيهِ مِنْ عَيْبٍ يَخْفى أَو علةٍ باطِنةٍ لَا تُرَى، والخِبْثَةُ: أَن لَا يَكُونَ طِيَبَةً، لِأَنه سُبِيَ مِنْ قَوْمٍ لَا يَحِلُّ اسْترقاقُهم، لعهدٍ تَقَدَّم لَهُمْ، أَو حُرِّيَّة فِي الأَصل ثَبَتَتْ لَهُمْ، والغائلةُ: أَن يَسْتَحِقَّه مُسْتَحِقٌّ بِمِلْكٍ صَحَّ لَهُ، فَيَجِبُ عَلَى بَائِعِهِ ردُّ الثمَن إِلى الْمُشْتَرِي.

وكلُّ مَنْ أَهْلك شَيْئًا فَقَدْ غالَه وَاغْتَالَهُ، فكأَن استحقاقَ المالكِ إِياه، صَارَ سَبَبًا لِهَلَاكِ الثمَن الَّذِي أَدَّاه الْمُشْتَرِي إِلى الْبَائِعِ.

ومَخْبَثَان: اسْمُ مَعْرِفَةٍ، والأُنْثَى: مَخْبَثَانةٌ.

وَفِي حَدِيثِ سَعِيدٍ: «كَذَبَ مَخْبَثَانٌ»، هُوَ الخَبيثُ؛ وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ والمرأَة جَمِيعًا، وكأَنه يدلُّ عَلَى الْمُبَالَغَةِ؛ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُسْتَعْمَلُ مَخْبَثانٌ إِلَّا فِي النِّدَاءِ خَاصَّةً.

وَيُقَالُ لِلذَّكَرِ: يَا خُبَثُ وللأُنْثَى: يَا خَباثِ مِثْلَ يَا لَكَاعِ، بُنِيَ عَلَى الْكَسْرِ، وَهَذَا مُطَّرِدٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ.

وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنه قَالَ يُخاطِبُ الدُّنْيَا: خَباثِ كلَّ عِيدانِكِ مَضَضْنا [مَضِضْنا]، فوَجَدْنا عاقبتَهُ مُرًّا يَعْنِي الدُّنْيَا.

وخَباثِ بِوَزْنِ قَطامِ: مَعْدُولٌ مِنَ الخُبْثِ، وَحَرْفُ النِّدَاءِ مَحْذُوفٌ، أَي يَا خَباثِ.

والمَضُّ: مثلُ المَصّ؛ يُرِيدُ: إِنَّا جَرَّبْناكِ وخَبَرْناكِ، فوَجَدْنا عاقِبَتَكِ مُرَّةً.

والأَخابِثُ: جمعُ الأَخْبَثِ؛ يُقَالُ: هُمْ أَخابِثُ النَّاسِ.

وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ والمرأَة: يَا مَخْبَثانُ، بِغَيْرِ هاءٍ للأُنْثَى.

والخِبِّيثُ: الخَبِيثُ، وَالْجَمْعُ خِبِّيثُونَ.

والخابِثُ: الرَّديء مِنْ كُلِّ شَيْءٍ فاسدٍ.

يُقَالُ: هُوَ خَبِيثُ الطَّعْم، وخَبِيثُ اللَّوْنِ، وخَبِيثُ الفِعْل.

والحَرامُ البَحْتُ يُسَمَّى: خَبِيثًا، مِثْلَ الزِّنَا، وَالْمَالِ الْحَرَامِ، وَالدَّمِ، وَمَا أَشْبهها مِمَّا حَرَّمه اللَّهُ تَعَالَى، يُقَالُ فِي الشَّيْءِ الْكَرِيهِ الطَعْمِ وَالرَّائِحَةِ: خَبيثٌ، مِثْلَ الثُّوم والبَصَلِ والكَرّاثِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَكل مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الخَبيثة، فَلَا يَقْرَبَنَّ مسجدَنا.

وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي نَعْتِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ؛ فالطَّيِّباتُ: مَا كَانَتِ العربُ تَسْتَطِيبُه مِنَ الْمَآكِلِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، مِمَّا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ تَحْرِيمٌ، مِثْلَ الأَزْواج الثَّمَانِيَةِ، ولُحوم الوحْش مِنَ الظِّباء وَغَيْرِهَا، وَمِثْلَ الْجَرَادِ والوَبْروالأَرْنبِ واليَرْبُوع والضَّبِّ؛ والخَبائثُ: مَا كَانَتْ تَسْتَقْذِرُه وَلَا تأْكله، مِثْلَ الأَفاعي والعَقاربِ والبَرِصَةِ والخَنافِسِ والوُرْلانِ والفَأْر، فأَحَلَّ اللَّهُ، تَعَالَى وَتَقَدَّسَ، مَا كَانُوا يَسْتَطِيبون أَكلَه، وحَرَّم مَا كَانُوا يَسْتَخْبثونه، إِلّا مَا نَصَّ عَلَى تَحْرِيمِهِ فِي الْكِتَابِ، مِنْ مِثْلِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ عِنْدَ الذبْحِ، أَو بَيَّنَ تَحْريمه عَلَى لِسَانِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلُ نَهْيِه عَنْ لُحُوم الحُمُر الأَهلية، وأَكْلِ كلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباع، وَكُلِّ ذِي مِخْلبٍ مِنَ الطَّير.

ودَلَّت الأَلف وَاللَّامُ اللَّتَانِ دَخَلَتَا لِلتَّعْرِيفِ فِي الطَّيِّبات والخَبائث، عَلَى أَن الْمُرَادَ بِهَا أَشياءُ معهودةٌ عِنْدَ المخاطَبين بِهَا، وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

وقولُه عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ}؛ قِيلَ: إِنها الحَنْظَلُ؛ وَقِيلَ: إِنَّهَا الكَشُوثُ.

ابْنُ الأَعرابي: أَصلُ الخُبْثِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الْمَكْرُوهُ؛ فإِن كَانَ مِنَ الْكَلَامِ، فَهُوَ الشَّتْم، وَإِنْ كَانَ مِنَ المِلَل، فَهُوَ الكُفْر، وإِن كَانَ مِنَ الطَّعَامِ، فَهُوَ الْحَرَامُ، وإِن كَانَ مِنَ الشَّراب، فَهُوَ الضَّارُّ؛ وَمِنْهُ قِيلَ لِمَا يُرْمَى مِنْ مَنْفِيِّ الْحَدِيدِ: الخَبَث؛ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: «إِن الحُمَّى تَنْفِي الذُّنوب، كَمَا يَنْفِي الكِيرُ الخَبَث».

وخَبَثُ الحديدِ والفضَّة، بِفَتْحِ الْخَاءِ وَالْبَاءِ: مَا نَفاه الكِيرُ إِذا أُذِيبا، وَهُوَ مَا لَا خَيْرَ فِيهِ، ويُكْنى بِهِ عَنْ ذِي البَطْنِ.

وَفِي الْحَدِيثِ: «نَهَى عَنْ كلِّ دواءٍ خَبيث»؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: هُوَ مِنْ جِهَتَيْنِ: إِحداهما النَّجَاسَةُ، وَهُوَ الْحَرَامُ كَالْخَمْرِ والأَرواث والأَبوال، كُلُّهَا نَجِسَةٌ خَبِيثَةٌ، وتناوُلها حَرَامٌ، إِلَّا مَا خَصَّتْهُ السُّنَّة مِنْ أَبوال الإِبل، عِنْدَ بَعْضِهِمْ، ورَوْثِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ عِنْدَ آخَرِينَ؛ والجهةُ الأُخْرى مِنْ طَريق الطَّعْم والمَذاق؛ قَالَ: وَلَا يُنْكَرُ أَن يَكُونَ كُرْهُ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ عَلَى الطِّبَاعِ، وَكَرَاهِيَةِ النُّفُوسِ لَهَا؛ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: «مَنْ أَكل مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْخَبِيثَةِ لَا يَقْرَبَنَّ مسجدَنا»؛ يُريد الثُّوم وَالْبَصَلَ والكَرّاثَ، وخُبْثُها مِنْ جِهَةِ كَرَاهَةِ طَعْمِهَا وَرَائِحَتِهَا، لأَنها طَاهِرَةٌ، وَلَيْسَ أَكلها مِنَ الأَعذار الْمَذْكُورَةِ فِي الِانْقِطَاعِ عَنِ الْمَسَاجِدِ، وإِنما أَمَرَهم بِالِاعْتِزَالِ عُقُوبَةً وَنَكَالًا، لأَنه كَانَ يتأَذى بِرِيحِهَا وَفِي الْحَدِيثِ: «مَهْرُ البَغِيِّ خَبِيثٌ»، وثمنُ الْكَلْبِ خبيثٌ، وكَسْبُ الحجَّامِ خبيثٌ.

قَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَدْ يَجْمَع الكلامُ بَيْنَ القَرائن فِي اللَّفْظِ ويُفْرَقُ بَيْنَهَا فِي الْمَعْنَى، ويُعْرَفُ ذَلِكَ مِنَ الأَغراض وَالْمَقَاصِدِ؛ فأَما مَهْرُ البَغِيِّ وثمنُ الْكَلْبِ، فَيُرِيدُ بالخَبيث فِيهِمَا الحرامَ، لأَن الْكَلْبَ نَجِسٌ، وَالزِّنَا حَرَامٌ، وبَذْلُ العِوَضِ عَلَيْهِ وأَخذُه حرامٌ؛ وأَما كسبُ الحجَّام، فَيُرِيدُ بالخَبيث فِيهِ الكراهيةَ، لأَن الْحِجَامَةَ مُبَاحَةٌ، وَقَدْ يَكُونُ الكلامُ فِي الْفَصْلِ الْوَاحِدِ، بعضُه عَلَى الْوُجُوبِ، وبعضُه عَلَى النَّدْبِ، وبعضُه عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَبَعْضُهُ عَلَى الْمَجَازِ، ويُفْرَقُ بَيْنَهُمَا بِدَلَائِلِ الأُصول، وَاعْتِبَارِ مَعَانِيهَا.

والأَخْبَثانِ: الرَّجِيعُ وَالْبَوْلُ، وَهُمَا أَيضًا السَّهَرُ والضَّجَرُ، وَيُقَالُ: نَزَل بِهِ الأَخْبَثانِ أَي البَخَر والسَّهَرُ.

وَفِي الْحَدِيثِ: «لَا يُصَلِّي الرجلُ، وَهُوَ يُدافعُ الأَخْبَثَيْنِ»؛ عَنى بِهِمَا الْغَائِطَ والبولَ.

الْفَرَّاءُ: الأَخْبَثانِ القَيءُ والسُّلاح؛ وَفِي الصِّحَاحِ: البولُ وَالْغَائِطُ.

وَفِي الْحَدِيثِ: «إِذا بَلَغَ الماءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِل خَبَثًا».

الخَبَثُ، بِفَتْحَتَيْنِ: النَّجَسُ.

وَفِي حَدِيثِ هِرَقْلَ: «فأَصْبحَ يَوْمًا وَهُوَ خَبِيثُ النَّفْسِ»أَي ثَقِيلُها كرِيهُ الْحَالِ؛ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: «لَا يَقُولَنَ أَحَدُكم: خَبُثَتْ نَفْسي»أَي ثَقُلَتْ وغَثَتْ، كأَنَّه كَرِهَ اسمَ الخُبْثِ.

وَطَعَامٌ مَخْبَثَةٌ: تَخْبُثُ عَنْهُ النَّفْسُ؛ وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي مِنْ غَيْرِ حَلِّهِ؛ وقولُ عَنْترة:

نُبِّئْتُ عَمْرًا غيرَ شاكِرِ نِعْمةٍ، ***والكُفْرُ مَخْبَثَةٌ لنَفْسِ المُنْعِم

أَي مَفْسدة.

والخِبْثة: الزِّنْية؛ وَهُوَ ابْنُ خِبْثة، لِابْنِ الزِّنْية، يُقَالُ: وُلِدَ فلانٌ لخِبْثةٍ أَي وُلِدَ لِغَيْرِ رِشْدةٍ.

وَفِي الْحَدِيثِ؛

إِذا كَثُر الخُبْثُ كَانَ كَذَا وَكَذَا؛ أَراد الفِسْقَ والفُجور؛ وَمِنْهُ حَدِيثُ سعدِ بْنُ عُبادة: أَنه أُتِي النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ برَجُلٍ مُخْدَجٍ سَقِيمٍ، وُجِدَ مَعَ أَمَةٍ يَخْبُثُ بِهَا أَي يَزْني.

لسان العرب-ابن منظور الإفريقي-توفي: 711هـ/1311م


16-لسان العرب (زيد)

زيد: الزِّيادة: النُّموّ، وَكَذَلِكَ الزُّوادَةُ.

وَالزِّيَادَةُ: خِلَافُ النُّقْصَانِ.

زَاد الشيءُ يزيدُ زَيْدًا وزِيدًا وَزِيَادَةً وَزِيَادًا ومَزِيدًا ومَزادًا أَي ازدَاد.

والزَّيْدُ والزِّيدُ: الزِّيَادَةُ.

وَهُمْ زِيدٌ عَلَى مِائَةٍ وزَيْدٌ، قَالَ ذُو الأُصبع الْعَدْوَانِيُّ:

وأَنْتُمُ مَعْشَرٌ زَيْدٌ عَلَى مِائَةٍ، ***فأَجْمِعُوا أَمرَكم طُرًّا، فكيدونِي

يُرْوَى بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ.

وَزِدْتُهُ أَنا أَزيده زِيَادَةً: جَعَلْتُ فِيهِ الزِّيَادَةَ.

وَاسْتَزَدْتُهُ: طَلَبْتُ مِنْهُ الزِّيَادَةَ.

وَاسْتَزَادَهُ أَي استَقْصَرَه.

وَاسْتَزَادَ فُلَانٌ فُلَانًا إِذا عَتَبَ عَلَيْهِ فِي أَمر لَمْ يَرْضَهُ، وإِذا أَعطى رَجُلًا شَيْئًا فَطَلَبَ زِيَادَةً عَلَى مَا أَعطاه قِيلَ: قَدِ اسْتَزَادَهُ.

يُقَالُ لِلرَّجُلِ يُعْطَى شَيْئًا: هَلْ تزدادُ؟ الْمَعْنَى هَلْ تَطْلُبُ زِيَادَةً عَلَى مَا أَعطيتك؟ وَتَزَايَدَ أَهل السُّوقِ عَلَى السِّلْعَةِ إِذا بِيعَتْ فِيمَنْ يَزِيدُ، وَزَادَهُ اللَّه خيرًا وزاد فِيمَا عِنْدَهُ.

والْمَزِيدُ: الزِّيَادَةُ، وَتَقُولُ: افْعَلْ ذَلِكَ زِيادةً، وَالْعَامَّةُ تَقُولُ: زَائِدَةٌ.

وتَزَيَّدَ السِّعْرُ: غَلَا.

وَفِي حَدِيثِ الْقِيَامَةِ: «عَشْرُ أَمثالها وأَزِيدُ»، هَكَذَا يُرْوَى بِكَسْرِ الزَّايِ عَلَى أَنه فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ، وَلَوْ رُوِيَ بِسُكُونِ الزَّايِ وَفَتْحِ الْيَاءِ عَلَى أَنه اسْمٌ بِمَعْنَى أَكثر لَجَازَ.

وتَزَيَّدَ فِي كَلَامِهِ وفِعْله وَتَزَايَدَ: تَكَلَّفَ الزِّيَادَةَ فِيهِ.

وَإِنْسَانٌ يَتَزيَّدُ فِي حَدِيثِهِ وَكَلَامِهِ إِذا تَكَلَّفَ مُجَاوَزَةَ مَا يَنْبَغِي، وأَنشد:

إِذا أَنتَ فاكهتَ الرجالَ فَلَا تَلَعْ، ***وَقُلْ مِثْلَ مَا قَالُوا، وَلَا تَتَزَيَّدِ

وَيُرْوَى وَلَا تَتَزَنَّدِ، بِالنُّونِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ.

والتَّزَيُّد فِي الْحَدِيثِ: «الكذبُ».

وتَزَيَّدت الإِبلُ فِي سَيْرِهَا: تَكَلَّفَتْ فَوْقَ طَوْقِهَا.

وَالنَّاقَةُ تَتَزَيَّدُ فِي سَيْرِهَا إِذا تَكَلَّفَتْ فَوْقَ قَدْرِهَا.

والتَّزَيُّد فِي السَّيْرِ: فَوْقَ العَنَقِ.

وَالتَّزَيُّدُ: أَن يَرْتَفِعَ الفرسُ أَو الْبَعِيرُ عَنِ العَنَقِ قَلِيلًا، وَهُوَ مِنْ ذَلِكَ.

وَإِنَّهَا لَكَثِيرَةُ الزَّيايد أَي كَثِيرَةُ الزِّيَادَاتِ، قَالَ:

بِهَجْمَةٍ تَمْلأُ عَيْنَ الحاسدِ، ***ذاتِ سُروحٍ جَمَّة الزَّيايدِ

وَمَنْ قَالَ الزَّوَائِدُ فإِنما هِيَ جَمَاعَةُ الزَّائِدَةِ، وَإِنَّمَا قَالُوا الزَّوَائِدُ فِي قَوَائِمِ الدَّابَّةِ.

والأَسد ذُو زَوَائِدَ: يَعْنِي بِهِ أَظفاره وأَنيابه وَزَئِيرَهُ وَصَوْلَتَهُ.

والمَزادة: الرَّاوِيَةُ، قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: لَا تَكُونُ إِلا مِنَ جِلْدَيْنِ تُفْأَمُ بِجِلْدٍ ثَالِثٍ بَيْنَهُمَا لِتَتَّسِعَ، وَكَذَلِكَ السَّطِيحَةُ والشَّعيب، وَالْجَمْعُ الْمَزَادُ وَالْمُزَايِدُ.

ابْنُ سِيدَهْ: وَالْمَزَادَةُ الَّتِي يُحْمَلُ فِيهَا الْمَاءُ وَهِيَ مَا فُئم بِجِلْدٍ ثَالِثٍ بَيْنِ الْجِلْدَيْنِ لِيَتَّسِعَ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِمَكَانِ الزِّيَادَةِ، وَقِيلَ: هِيَ الْمَشْعُوبَةُ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ فَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ وَجْهَيْنِ فَهِيَ شَعيبٌ، وَقَالُوا: الْبَعِيرُ يحمل الزادَ والمَزادَ أَي الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ.

وَالْمَزَادَةُ: بِمَنْزِلَةِ رَاوِيَةٍ لَا عزْلاءَ لَهَا.

قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: المَزادُ، بِغَيْرِ هَاءٍ، هِيَ الفَرْدَةُ الَّتِي يَحْتَقِبُهَا الرَّاكِبُ بِرَحْلِهِ وَلَا عَزْلاءَ لَهَا، وأَما الرَّاوِيَةُ فإِنها تَجْمَعُ المزادتين يعكمان عَلَى جَنْبَيِ الْبَعِيرِ ويُرَوَّى عَلَيْهِمَا بالرِّواءِ، وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَزَادَةٌ، وَالْجَمْعُ المَزايد وَرُبَّمَا حَذَفُوا الْهَاءَ فَقَالُوا مَزَادٌ، قَالَ: وأَنشدني أَعرابي: تَمِيميٌّ رفِيقٌ بالمَزادِ قَالَ ابْنُ شُمَيْلٍ: السَّطيحة جِلْدَانِ مُقَابِلَانِ.

قَالَ: والمَزادَة تَكُونُ مِنْ جِلْدَيْنِ وَنَصِفٍ وَثَلَاثَةِ جُلُودٍ، سُمِّيَتْ مَزَادَةً لأَنها تَزِيدُ عَلَى السَّطِيحَتَيْنِ وَهُمَا الْمَزَادَتَانِ، وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ الْمَزَادَةِ غَيْرَ مَرَّةٍ فِي الْحَدِيثِ، وَهِيَ الظَّرْفُ الَّذِي يُحْمَلُ فِيهِ الْمَاءُ كَالرَّاوِيَةِ وَالْقِرْبَةِ وَالسَّطِيحَةِ، قَالَ: وَالْجَمْعُ الْمَزَاوِدُ، وَالْمِيمُ زَائِدَةٌ، وَالْمَزَادَةُ مَفْعَلَة مِنَ الزِّيَادَةِ، وَالْجَمْعُ الْمَزَايِدُ، قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: الْمَزَادَةُ مَفْعَلَة مِنَ الزَّادِ يتزوَّد فِيهَا الْمَاءُ.

ابْنُ سِيدَهْ: وَيُقَالُ للأَسد إِنه ذُو زَوَائِدَ لِتَزَيُّدِهِ فِي هَدِيرِهِ وَزَئِيرِهِ وَصَوْتِهِ، قَالَ:

أَو ذِي زَوَائِدَ لَا يُطافُ بأَرضه، ***يَغْشَى المُهَجْهِجَ كالذَّنُوب المُرْسَلِ

وَالزَّوَائِدُ: الزَّمَعات اللَّوَاتِي فِي مُؤَخَّرِ الرَّحْلِ لِزِيَادَتِهَا.

وَزِيَادَةُ الْكَبِدِ: هَنَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ مِنْهَا لأَنها تَزِيدُ عَلَى سَطْحِهَا، وَجَمْعُهَا زَيَائِدُ، وَهِيَ الزَّائِدَةُ وَجَمْعُهَا زَوَائِدُ.

فِي التَّهْذِيبِ: زَائِدَةُ الْكَبِدِ جَمْعُهَا زَيَائِدُ.

غَيْرُهُ: وَزَائِدَةُ

الْكَبِدِ هُنَيَّة مِنْهَا صَغِيرَةٌ إِلى جَنْبِهَا مُتَنَحِّيَةٌ عَنْهَا.

وَزَائِدَةُ السَّاقِ: شَظيَّتُها.

قَالَ الأَزهري: وَسَمِعْتُ الْعَرَبَ تَقُولُ لِلرَّجُلِ يُخْبِرُ عَنْ أَمر أَو يُسْتَفْهَمُ فَيُحَقِّقُ الْمُخْبِرَ خَبَرَهُ وَاسْتِفْهَامَهُ قَالَ لَهُ: وَزَادَ وَزَادَ، كأَنه يَقُولُ وَزَادَ الأَمر عَلَى مَا وَصَفْتُ وأَخبرت.

وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ يُلَقَّبُ بِالزَّوَائِدِيِّ لأَنه كَانَ لَهُ ثَلَاثُ بَيْضَاتٍ، زَعَمُوا.

وَحُرُوفُ الزَّوَائِدِ عَشَرَةٌ وَهِيَ: الْهَمْزَةُ والأَلف وَالْيَاءُ وَالْوَاوُ وَالْمِيمُ وَالنُّونُ وَالسِّينُ وَالْيَاءُ وَالتَّاءُ وَاللَّامُ وَالْهَاءُ، وَيَجْمَعُهَا قَوْلُكَ فِي اللَّفْظِ" الْيَوْمَ تَنْسَاهُ" وَإِنْ شِئْتَ" هَوِيتُ السِّمَانُ" وأَخرج أَبو الْعَبَّاسِ الْهَاءُ مِنْ حُرُوفِ الزِّيَادَةِ وَقَالَ: إِنما تأْتي مُنْفَصِلَةً لِبَيَانِ الْحَرَكَةِ والتأْنيث، وإِن أَخرجت مِنْ هَذِهِ الْحُرُوفِ السِّينَ وَاللَّامَ وَضَمَمْتَ إِليها الطَّاءَ وَالثَّاءَ وَالْجِيمَ صَارَتْ أَحد عَشَرَ حَرْفًا تُسَمَّى حُرُوفَ الْبَدَلِ.

وزَيْدٌ ويَزِيدُ: اسْمَانِ سَمَّوْهُ بِالْفِعْلِ الْمُسْتَقْبَلِ مُخَلًّى مِنَ الضَّمِيرِ كَيَشْكُرُ وَيَعْصُرُ، وأَما قَوْلُ ابْنِ مَيَّادَةَ:

وَجَدْنَا الْوَلِيدَ بْنَ الْيَزِيدِ مُبَارَكًا، ***شَدِيدًا بأَحْناء الْخِلَافَةِ كاهِلُه

فإِنه زَادَ اللَّامَ فِي يَزِيدَ بَعْدَ خَلْعِ التَّعْرِيفِ عَنْهُ كَقَوْلِهِ: وَلَقَدْ نَهَيْتُك عَنْ بَنَاتِ الأَوبر أَراد عَنْ بَنَاتِ أَوبر، قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَمِمَّا يُؤَكِّدُ عِلْمَكَ بِجَوَازِ خَلْعِ التَّعْرِيفِ عَنِ الِاسْمِ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

عَلَا زيدُنا يومَ النَّقا رأْسَ زَيْدِكُمْ، ***بأَبيضَ مِنْ ماءِ الْحَدِيدِ يَمَانِي

فأَضافه لِلِاسْمِ عَلَى أَنه قَدْ كَانَ خُلِعَ عَنْهُ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ تَعَرُّفِهِ وَكَسَاهُ التَّعْرِيفَ بإِضافته إِياه إِلى الضَّمِيرِ، فَجَرَى تَعْرِيفُهُ مَجْرَى أَخيك وَصَاحِبِكَ وَلَيْسَ بِمَنْزِلَةِ زَيْدٍ إِذا أَردت الْعَلَمَ، فأَما قَوْلُهُ:

نُبِّئْتُ أَخوالي بَنِي يَزيدُ، ***بَغْيًا عَلَيْنَا، لَهُمْ فَدِيدُ

قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: فَعَلَى أَنه ضَمَّنَ الْفِعْلَ الضَّمِيرَ فَصَارَ جُمْلَةً فَاسْتَوْجَبَتِ الْحِكَايَةَ، لأَن الْجُمَلَ إِذا سُمِّيَ بِهَا فَحُكْمُهَا أَن تُحْكَى، فَافْهَمْ، وَنَظَرَهُ ثَعْلَبٌ بِقَوْلِهِ:

بَنُو يَدُرُّ إِذا مَشَى، ***وَبَنُو يَهِرُّ عَلَى العَشا

وَقَوْلِهِ:

لَا ذَعَرتُ السَّوامَ فِي فلق الصبح ***مُغَيَّرًا، وَلَا دُعِيتُ: يَزِيدُ

أَي لَا دُعيتُ الفاضلَ، الْمَعْنَى هَذَا يَزِيدُ وَلَيْسَ يَتَمَدَّحُ بأَن اسْمَهُ يَزِيدُ لأَن يَزِيدَ لَيْسَ مَوْضُوعًا بَعْدَ النَّقْلِ لَهُ عَنِ الْفِعْلِيَّةِ إِلا لِلْعَلَمِيَّةِ.

وزَيْدَلٌ: اسْمٌ كَزَيْدٍ، اللَّامُ فِيهِ زَائِدَةٌ كَزِيَادَتِهَا فِي عَبْدَلٍ لِلْفِعْلِيَّةِ، قَالَ الْفَارِسِيُّ: وَصَحَّحُوهُ لأَن الْعَلَمَ يَجُوزُ فِيهِ مَا لَا يَجُوزُ فِي غَيْرِهِ، أَلا تَرَى أَنهم قَالُوا مَرْيَمُ ومَكْوَزَةٌ، وَقَالُوا فِي الْحِكَايَةِ مَنْ زَيْدًا؟ وَزَيْدَوَيْهِ: اسْمٌ مُرَكَّبٌ كَقَوْلِهِمْ عَمْرَوَيْهِ وسيأْتي ذِكْرُهُ.

وَالزِّيَادَةُ: فَرَسٌ لأَبي ثَعْلَبَةَ.

وتزيدُ: أَبو قَبِيلَةٍ وَهُوَ تَزِيدُ بْنُ حُلْوَانَ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ وإِليه تُنْسَبُ الْبُرُودُ التَّزِيدِيَّةُ، قَالَ عَلْقَمَةُ:

رَدَّ القِيانُ جِمال الحَيِّ فاحتَملوا، ***فَكُلُّهَا بالتَّزِيدِيَّات مَعْكُومُ

وَهِيَ بُرُودٌ فِيهَا خُطُوطٌ تُشَبَّهُ بِهَا طَرَائِقُ الدَّمِ، قَالَ أَبو ذُؤَيْبٍ:

يَعْثُرْنَ فِي حدِّ الظُّبات، كأَنما ***كُسِيَتْ بُرُودَ بَنِي تَزيدَ الأَذْرُعُ

لسان العرب-ابن منظور الإفريقي-توفي: 711هـ/1311م


17-لسان العرب (هجن)

هجن: الهُجْنة مِنَ الْكَلَامِ: مَا يَعِيبُك.

والهَجِينُ: الْعَرَبِيُّ ابنُ الأَمة لأَنه مَعِيبٌ، وَقِيلَ: هُوَ ابْنُ الأَمة الرَّاعِيةِ مَا لَمْ تُحَصَّنْ، فإِذا حُصِّنَتْ فَلَيْسَ الْوَلَدُ بهَجينٍ، وَالْجَمْعُ هُجُنٌ وهُجَناء وهُجْنانٌ ومَهاجِينُ ومَهاجِنَةٌ؛ قَالَ حَسَّانُ:

مَهاجِنةٌ، إِذا نُسِبوا، عَبيدٌ ***عَضَارِيطٌ مَغالِثةُ الزِّنادِ

أَي مُؤْتَشِبُو الزِّنَادِ، وَقِيلَ: رِخْوُو الزِّنَادِ.

قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وإِنما قُلْتُ فِي مَهاجِن ومَهاجنة إِنهما جَمْعُ هَجِين مُسامحةً، وَحَقِيقَتُهُ أَنه مِنْ بَابِ مَحاسِنَ ومَلامح، والأُنثى هَجينة مِنْ نِسْوَةٍ هُجْن وهَجائنَ وهِجانٍ، وَقَدْ هَجُنا هُجْنة وهَجانة وهِجانة وهُجُونة.

أَبو الْعَبَّاسِ أَحمد بْنُ يَحْيَى قَالَ: الهَجِين الَّذِي أَبوه خَيْرٌ مِنْ أُمه؛ قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ.

قَالَ الْمُبَرِّدُ: قِيلَ لِوَلَدِ الْعَرَبِيِّ مِنْ غَيْرِ العَربية هَجين لأَن الْغَالِبَ عَلَى أَلوان الْعَرَبِ الأُدْمة، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تُسَمِّي العجمَ الحمراءَ ورقابَ المَزاوِد لِغَلَبَةِ الْبَيَاضِ عَلَى أَلوانهم، وَيَقُولُونَ لِمَنْ عَلَا لونَه البياضُ أَحمرُ؛ وَلِذَلِكَ" قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَةَ: يَا حُمَيراء، لِغَلَبَةِ الْبَيَاضِ عَلَى لَوْنِهَا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا.

وَقَالَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بُعِثْتُ إِلى الأَحمر والأَسود "، فأَسودهم الْعَرَبُ وأَحمرهم الْعَجَمُ.

وَقَالَتِ الْعَرَبُ لأَولادها مِنَ الْعَجَمِيَّاتِ اللَّاتِي يَغْلِبُ عَلَى أَلوانهن الْبَيَاضُ: هُجْنٌ وهُجَناء، لِغَلَبَةِ الْبَيَاضِ عَلَى أَلوانهم وإِشباههم أُمهاتهم.

وَفَرَسٌ هَجِين بَيّنُ الهُجْنة إِذا لَمْ يَكُنْ عَتِيقًا.

وبِرْذَوْنَة هَجِين، بِغَيْرِ هَاءٍ.

الأَزهري: الْهَجِينُ مِنَ الْخَيْلِ الَّذِي وَلَدَتْهُ بِرْذَوْنة مِنْ حِصَانٍ عَرَبِيٍّ، وَخَيْلٌ هُجْنٌ.

والهِجانُ مِنَ الإِبل: البيضُ الْكِرَامُ؛ قَالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثوم:

ذِرَاعَيْ عَيْطَلٍ أَدْماءَ بِكْرٍ، ***هِجانِ اللَّوْنِ لَمْ تَقْرأْ جَنينا

قَالَ: وَيَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ وَالْجَمْعُ.

يُقَالُ: بَعِيرٌ هِجانٌ وَنَاقَةٌ هِجانٌ وَرُبَّمَا قَالُوا هَجائِنُ؛ قَالَ ابْنُ أَحمر:

كأَنَّ عَلَى الجِمالِ أَوانَ خَفَّتْ ***هَجائِنَ مِنْ نِعاجِ أُوارَعِينا

ابْنُ سِيدَهْ: والهِجانُ مِنَ الإِبل البيضاءُ الخالصةُ اللونِ والعِتْقِ مَنْ نُوقٍ هُجُنٍ وهَجائن وهِجانٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ مِنْ بَابِ جُنُب ورِضًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ تَكْسِيرًا، وَهُوَ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وَذَلِكَ أَن الأَلف فِي هِجانٍ الْوَاحِدُ بِمَنْزِلَةِ أَلِفِ ناقةٍ كِنَازٍ ومرأَةٍ ضِنَاك، والأَلفُ فِي هِجانٍ فِي الْجَمْعِ بِمَنْزِلَةِ أَلِفِ ظِرافٍ وشِرافٍ، وَذَلِكَ لأَن الْعَرَبَ كَسَّرَتْ فِعَالًا عَلَى فِعَالٍ كَمَا كَسَّرَتْ فَعِيلًا عَلَى فِعَالٍ، وعُذْرُها فِي "ذَلِكَ أَن فَعِيلًا أُخت فِعَالٍ، أَلا تَرَى أَن كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلَاثِيُّ الأَصل وَثَالِثُهُ حَرْفُ لَيِّنٍ؟ وَقَدِ اعْتَقَبا أَيضًا عَلَى الْمَعْنَى الْوَاحِدِ نَحْوُ كَلِيبٍ وكِلابٍ وعَبِيدٍ وعِبادٍ، فَلَمَّا كَانَا كَذَلِكَ وإِنما بَيْنُهُمَا اختلافٌ فِي حَرْفِ اللِّينِ لَا غَيْرَ، قَالَ: وَمَعْلُومٌ مَعَ ذَلِكَ قربُ الْيَاءِ مِنَ الأَلف، وأَنها إِلى الْيَاءِ أَقرب مِنْهَا إِلى الْوَاوِ، كُسِّرَ أَحدهما عَلَى مَا كُسِّرَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ فَقِيلَ نَاقَةٌ هِجانٌ وأَيْنُقٌ هِجانٌ، كَمَا قِيلَ ظَرِيفٌ وظِراف وَشَرِيفٌ وشِرَاف؛ فأَما قَوْلُهُ:

هِجانُ المُحَيَّا عَوْهَجُ الخَلْقِ، سُرْبِلَتْ ***مِنَ الحُسْنِ سِرْبالًا عَتِيقَ البَنائِق

فَقَدْ تكونُ النَّقِيَّةَ، وَقَدْ تَكُونُ الْبَيْضَاءَ.

وأَهْجَنَ الرجلُ إِذا كَثُرَ هِجانُ إِبله، وَهِيَ كِرامها؛ وَقَالَ فِي قَوْلِ كَعْبٍ:

حَرْفٌ أَخوها أَبوها مِنْ مُهَجَّنةٍ، ***وعَمُّها خالُها قَوْداءُ شِمْليلُ

قَالَ: أَراد بمُهَجَّنة أَنها مَمْنُوعَةٌ مِنْ فُحُولِ النَّاسِ إِلا مِنْ فُحُولِ بِلَادِهَا لعِتْقِها وَكَرَمِهَا، وَقِيلَ: حُمِلَ عَلَيْهَا فِي صِغَرها، وَقِيلَ: أَراد بالمُهَجَّنةِ أَنها مِنْ إِبل كِرَامٍ.

يُقَالُ: امرأَة هِجانٌ وَنَاقَةٌ هِجانٌ أَي كَرِيمَةٌ.

وَقَالَ الأَزهري: هَذِهِ نَاقَةٌ ضَرَبَهَا أَبوها لَيْسَ أَخوها فجاءَت بِذَكَرٍ، ثُمَّ ضَرَبَهَا ثَانِيَةً فَجَاءَتْ بِذَكَرٍ آخَرَ، فَالْوَلَدَانِ ابْنَاهَا لأَنهما وُلِدَا مِنْهَا، وَهُمَا أَخواها أَيضًا لأَبيها لأَنهما وَلَدَا أَبيها، ثُمَّ ضَرَبَ أَحدُ الأَخوين الأُمَّ فَجَاءَتِ الأُم بِهَذِهِ النَّاقَةِ وَهِيَ الْحَرْفُ، فأَبوها أَخوها لأُمها لأَنه وُلِدَ مِنْ أُمها، والأَخ الْآخَرُ الَّذِي لَمْ يَضْرِب عمُّها لأَنه أَخو أَبيها، وَهُوَ خَالُهَا لأَنه أَخو أُمها لأَبيها لأَنه مِنْ أَبيها وأَبوه نَزَا عَلَى أُمه.

وَقَالَ ثَعْلَبٌ: أَنشدني أَبو نَصْرٍ عَنِ الأَصمعي بَيْتَ كَعْبٍ وَقَالَ فِي تَفْسِيرِهِ: إِنها نَاقَةٌ كَرِيمَةٌ مُداخَلة النَّسَبِ لِشَرَفِهَا.

قَالَ ثَعْلَبٌ: عَرَضْتُ هَذَا الْقَوْلَ عَلَى ابْنِ الأَعرابي، فخطَّأَ الأَصمعي وَقَالَ: تداخُل النَّسَبِ يُضْوِي الولدَ؛ قَالَ: وَقَالَ الْمُفَضَّلُ هَذَا جَمَلٌ نَزَا عَلَى أُمه، وَلَهَا ابْنٌ آخَرُ هُوَ أَخو هَذَا الْجَمَلِ، فَوَضَعَتْ نَاقَةً فَهَذِهِ النَّاقَةُ الثَّانِيَةُ هِيَ الْمَوْصُوفَةُ، فَصَارَ أَحدهما أَباها لأَنه وَطِئَ أُمها، وَصَارَ هُوَ أَخاها لأَن أُمها وَضَعَتْهُ، وَصَارَ الْآخَرُ عمها لأَنه أَخو أَبيها، وَصَارَ هُوَ خَالَهَا لأَنه أَخو أُمها؛ وَقَالَ ثَعْلَبٌ: وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ.

والهِجانُ: الْخِيَارُ.

وامرأَة هِجَانٌ: كَرِيمَةٌ مِنْ نِسْوَةٍ هَجائنَ، وَهِيَ الْكَرِيمَةُ الحَسَبِ الَّتِي لَمْ تُعَرِّق فِيهَا الإِماء تَعْرِيقًا.

أَبو زَيْدٍ: رَجُلٌ هَجِينٌ بَيّنُ الهُجُونة مِنْ قَوْمٍ هُجَناءَ وهُجْنٍ، وامرأَة هِجان أَي كَرِيمَةٌ، وَتَكُونُ الْبَيْضَاءَ مِنْ نِسْوَةٍ هُجْنٍ بَيِّنات الْهِجَانَةِ.

وَرَجُلٌ هِجانٌ: كريمُ الحَسَبِ نَقِيُّه.

وَبَعِيرٌ هِجانٌ: كَرِيمٌ.

وَقَالَ الأَصمعي فِي قَوْلِ" عَلِيٍّ، كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: هَذَا جَنايَ وهِجانُه فِيهْ إِذ كُلُّ جانٍ يَدُه إِلى فِيهِ "، يَعْنِي خِيَارَهُ وَخَالِصَهُ.

اليزيديُّ: هُوَ هِجانٌ بَيِّنُ الهِجَانة، وَرَجُلٌ هَجِين بَيِّنُ الهُجْنةِ، والهُجْنةُ فِي النَّاسِ وَالْخَيْلُ إِنما تَكُونُ مِنْ قِبَلِ الأُم، فإِذا كَانَ الأَب عَتِيقًا والأُم لَيْسَتْ كَذَلِكَ كَانَ الْوَلَدُ هَجِينًا؛ قَالَ الرَّاجِزُ:

العبدُ والهَجِينُ والفَلَنْقَسُ ***ثلاثةٌ، فأَيَّهُم تَلَمَّسُ

والإِقْرافُ: مِنْ قِبَلِ الأَب؛ الأَزهري: رَوَى الرواةُ أَن رَوْح بْنَ زِنْباع كَانَ تزوَّج هندَ بِنْتَ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِير فقالت وكانت شاعرة:

وَهَلْ هِنْدُ إِلَّا مُهْرَةٌ عربيةٌ، ***سَلِيلةُ أَفراسٍ تَجَلَّلَها بغْلُ

فَإِنْ نُتِجَتْ مُهْرًا كَرِيمًا فبالحَرَى، ***وإِن يَكُ إقرافٌ فَمِنْ قِبَلِ الفَحْلِ

قَالَ: والإِقْرافُ مُداناةُ الهُجْنة مِنْ قِبَلِ الأَب.

قَالَ ابْنُ حَمْزَةَ: الهَجِينْ مأْخوذ مِنَ الهُجْنَة، وَهِيَ الغِلَظُ، والهِجانُ الْكَرِيمُ مأْخوذ مِنَ الهِجَانِ، وَهُوَ الأَبيض.

والهِجان: البِيضُ، وَهُوَ أَحسنُ الْبَيَاضِ وأَعتقه فِي الإِبل وَالرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَيُقَالُ: خِيارُ كلِّ شَيْءٍ هِجانُه.

قَالَ: وإِنما أُخذ ذَلِكَ مِنَ الإِبل.

وأَصلُ الهِجانِ البِيضُ، وكلُّ هِجان أَبيضُ.

والهِجانُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ: الخالصُ؛ وأَنشد:

وَإِذَا قِيلَ: مَنْ هِجانُ قُرَيْشٍ؟ ***كنتَ أَنتَ الفَتى، وأَنتَ الهِجانُ

والعربُ تَعُدُّ البياضَ مِنَ الأَلوان هِجانًا وكَرَمًا.

وَفِي الْمَثَلِ: جَلَّتِ الهاجِنُ عَنِ الوَلد أَي صَغُرَتْ؛ يُضْرَبُ مَثَلًا لِلصَّغِيرِ يَتَزَيَّنُ بِزِينَةِ الْكَبِيرِ.

وجَلَّتِ الهاجِنُ عَنِ الرِّفْدِ، وَهُوَ القَدَح الضَّخْمُ.

وَقَالَ ابْنُ الأَعرابي: جَلَّتِ العُلْبَة عَنِ الْهَاجِنِ أَي كَبُرَتْ؛ قَالَ: وَهِيَ بنتُ اللَّبُونِ يُحْمَلُ عَلَيْهَا فتَلْقَحُ، ثُمَّ تُنْتَجُ وَهِيَ حِقَّة، قَالَ: وَلَا تَصْلُحُ أَن يَفْعَلَ بِهَا ذَلِكَ.

ابْنُ شُمَيْلٍ: الهاجِنُ القَلُوصُ يَضْرِبُ بِهَا الجَمَلُ، وَهِيَ ابْنَةُ لَبُونٍ، فتَلْقَحُ وتُنْتَجُ، وَهِيَ حِقَّةٌ، وَلَا تَفْعَلُ ذَلِكَ إِلَّا فِي سَنَةٍ مُخْصِبَةٍ فَتِلْكَ الهاجنُ، وَقَدْ هَجَنَتْ تَهْجُنُ هِجانًا، وَقَدْ أَهْجَنَها الجملُ إِذَا ضَرَبَهَا فأَلقحها؛ وأَنشد:

ابْنُوا عَلَى ذِي صِهْركم وأَحْسِنُوا، ***أَلم تَرَوْا صُغْرَى اللِّقاحِ تَهْجُنُ؟

قَالَهُ رَجُلٌ لأَهل امرأَته، واعْتَلُّوا عَلَيْهِ بِصِغَرِهَا عَنِ الْوَطْءِ؛ وَقَالَ: " هَجَنَتْ بأَكبرهم ولَمَّا تُقْطَبِ "يُقَالُ: قُطِبَتِ الْجَارِيَةُ أَي خُفِضَت.

ابْنُ بُزُرْج: غِلْمَةٌ أُهَيْجنة، وَذَلِكَ أَن أَهلهم أَهْجَنُوهم أَي زَوَّجُوهم صِغَارًا، يُزَوَّجُ الغلامُ الصَّغِيرُ الجاريةَ الصَّغِيرَةَ فَيُقَالُ أَهْجَنَهم أَهْلُهم، قَالَ: والهاجِنُ عَلَى مَيْسُورها ابْنَةُ الحِقَّة، والهاجِنُ عَلَى مَعْسُورها ابْنَةُ اللَّبُون.

وَنَاقَةٌ مُهَجَّنة: وَهِيَ المُعْتَسَرَة.

وَيُقَالُ لِلْقَوْمِ الْكِرَامِ: إِنهم لَمِنْ سَرَاةِ الهِجَانِ؛ وَقَالَ الشَّمَّاخُ:

ومِثْل سَرَاةِ قَوْمِك لَمْ يُجارَوْا ***إِلَى الرُّبُعِ الهِجانِ، وَلَا الثَّمينِ

الأَزهري: وأُخْبرْتُ عَنْ أَبي الْهَيْثَمِ أَنه قَالَ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ فِي هَذَا الْبَيْتِ: إِلَى رُبُعِ الرِّهانِ وَلَا الثَّمِينِ "يَقُولُ: لَمْ يُجارَوْا إِلَى رُبُع رِهانِهم وَلَا ثُمُنِه، قَالَ: والرِّهانُ الْغَايَةُ الَّتِي يُسْتَبَقُ إِلَيْهَا، يَقُولُ: مثلُ سَراةِ قَوْمِكَ لَمْ يُجارَوْا إِلَى رُبُع غَايَتِهِمُ الَّتِي بَلَغُوهَا وَنَالُوهَا مِنَ الْمَجْدِ وَالشَّرَفِ وَلَا إِلَى ثُمُنها؛ وَقَوْلُ الشَّاعِرِ:

مِنْ سَراةِ الهِجانِ صَلَّبَها العُضُّ ***وَرَعْيُ الحِمَى وطُولُ الحِيالِ

قَالَ: الهِجانُ الخِيارُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.

والهِجانُ مِنَ الإِبل: النَّاقَةُ الأَدْماء، وَهِيَ الخالصة اللون والعِتْقِ من نُوق هِجانٍ وهُجُن.

والهِجَانةُ: البياضُ؛ وَمِنْهُ قِيلَ إِبِلٌ هِجانٌ أَي بِيضٌ، وَهِيَ أَكرم الإِبل، وَقَالَ لَبِيدٍ:

كأَنَّ هِجانَها مُتَأَبِّضاتٍ، ***وَفِي الأَقْرانِ أَصْوِرَةُ الرَّغامِ

مُتأَبِّضاتٍ: معقولاتٍ بالإِباضِ، وَهُوَ العِقالُ.

وفي الْحَدِيثِ فِي ذِكْرِ الدَّجَّالِ: أَزْهَرُ هِجانٌ "؛ الهجانُ: الأَبيض.

وَيُقَالُ: هَجَّنه أَي جَعْلَهُ هَجِينًا.

والمُهَجَّنة: النَّاقَةُ أَوَّلَ مَا تَحْمِلُ؛ وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ لأَوس:

حَرْفٌ أَخوها أَبوها مِنْ مُهَجَّنةٍ، ***وعَمُّها خالُها وَجْناءُ مِئْشِيرُ

وَفِي حَدِيثِ الهُجرة: « مَرَّا بِعَبْدٍ يَرْعَى غَنَمًا فَاسْتَسْقَيَاهُ مِنَ اللَّبَنِ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا لِي شاةٌ تحْلَبُ غَيْرَ عَناق حَمَلَتْ أَوَّل الشِّتَاءِ فَمَا بِهَا لبنٌ وَقَدِ اهْتُجِنَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ائْتِنَا بِهَا »؛ اهْتُجِنَتْ؛ أي تَبَيَّنَ حملُها.

والهاجنُ: الَّتِي حَمَلَتْ قَبْلَ وَقْتِ حَمْلِهَا.

والهُجْنة فِي الْكَلَامِ: مَا يَلْزَمُك مِنْهُ العيبُ.

تَقُولُ: لَا تَفْعَلْ كَذَا فَيَكُونُ عَلَيْكَ هُجْنةً.

وَقَالُوا: إِنَّ لِلْعِلْمِ نَكَدًا وَآفَةً وهُجنة؛ يعنون بالهُجْنَة هاهنا الإِضاعة؛ وَقَوْلُ الأَعلم:

ولَعَمْرُ مَحْبِلك الهَجينِ عَلَى ***رَحْبِ المَباءَةِ مُنْتِنِ الجِرْمِ

عَنَى بالهَجِين هُنَا اللَّئِيمَ: والهاجِنُ: الزَّنْدُ الَّذِي لَا يُورِي بقَدحةٍ وَاحِدَةٍ.

يُقَالُ: هَجَنَتْ زَنْدَةُ فُلَانٍ، وإنَّ لَهَا لهُجْنَةً شَدِيدَةً؛ وَقَالَ بِشْرٌ:

لعَمْرُك لَوْ كانتْ زِنادُكَ هُجْنةً، ***لأَوْرَيْتَ إِذْ خَدِّي لخَدِّكَ ضارِعُ

وَقَالَ آخَرُ: مَهاجِنة مَغالثة الزِّنادِ "وتَهْجينُ الأَمر: تقبيحُه.

وأَرض هِجانٌ: بَيْضَاءُ لَيِّنَةُ التُّرْبِ مِرَبٌّ؛ قَالَ:

بأَرْضٍ هِجانِ اللَّوْنِ وَسْمِيَّةِ الثَّرَى ***عَذَاةٍ، نأَتْ عَنْهَا المُؤُوجةُ والبَحْرُ

وَيُرْوَى المُلُوحة.

والهاجِنُ: العَناق الَّتِي تَحْمِلُ قَبْلَ أَن تَبْلُغَ أَوانَ السِّفَادِ، وَالْجَمْعُ الهِواجِنُ؛ قَالَ: وَلَمْ أَسمع لَهُ فِعْلًا، وَعَمَّ بَعْضُهُمْ بِهِ إناثَ نَوْعَيِ الْغَنَمِ.

وَقَالَ ثَعْلَبٌ: الْهَاجِنُ الَّتِي حُمل عَلَيْهَا قَبْلَ أَن تَبْلُغَ، فَلَمْ يَخُصَّ بِهَا شَيْئًا مِنْ شَيْءٍ.

والهاجِنَةُ والمُهْتَجِنَةُ مِنَ النَّخْلِ: الَّتِي تَحْمِلُ صَغِيرَةً؛ قَالَ شَمِرٌ: وَكَذَلِكَ الهاجنُ.

وَيُقَالُ لِلْجَارِيَةِ الصَّغِيرَةِ: هَاجِنٌ، وَقَدِ اهتُجِنَت الْجَارِيَةُ إِذَا افتُرِعَتْ قَبْلَ أَوانها.

واهْتُجِنَتِ الْجَارِيَةُ إِذَا وُطِئت وَهِيَ صَغِيرَةٌ.

والمُهْتَجِنة: النَّخْلَةُ أَوَّل مَا تُلْقَح.

ابْنُ سِيدَهْ: الهاجِنُ.

والمُهْتَجِنة الصَّبِيَّةُ؛ وَفِي الْمُحْكَمِ: المرأَة الَّتِي تَتَزَوَّجُ قَبْلَ أَن تَبْلُغَ وَكَذَلِكَ الصَّغِيرَةُ مِنَ الْبَهَائِمِ؛ فأَما قَوْلُ الْعَرَبِ: جَلَّتِ الهاجِنُ عَنِ الولد، فعلى التفاؤل.

لسان العرب-ابن منظور الإفريقي-توفي: 711هـ/1311م


18-لسان العرب (كلا)

كلا: ابْنُ سِيدَهْ: كِلا كَلِمَةٌ مَصُوغة لِلدَّلَالَةِ عَلَى اثْنَيْنِ، كَمَا أَنَّ كُلًّا مَصُوغَةٌ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْجَمْعِ؛ قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَلَيْسَتْ كِلا مِنْ لَفْظِ كلٍّ، كلٌّ صَحِيحَةٌ وكِلا مُعْتَلَّةٌ.

وَيُقَالُ للأُنثيين كِلْتا، وَبِهَذِهِ التَّاءِ حُكم عَلَى أَن أَلف كِلا مُنْقَلِبَةٌ عَنْ وَاوٍ، لأَن بَدَلَ التَّاءِ مِنَ الْوَاوِ أَكثر مِنْ بَدَلِهَا مِنَ الْيَاءِ، قَالَ: وأَما قَوْلُ سِيبَوَيْهِ جَعَلُوا كِلا كَمِعًى، فإِنه لَمْ يُرِدْ أَن أَلف كِلا مُنْقَلِبَةٌ عَنْ يَاءٍ كَمَا أَنَّ أَلف مِعًى مُنْقَلِبَةٌ عَنْ يَاءٍ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ مِعَيَانِ، وإِنما أَراد سِيبَوَيْهِ أَن أَلف كِلَا كأَلف مِعًى فِي اللَّفْظِ، لَا أَن الَّذِي انْقَلَبَتْ عَلَيْهِ أَلفاهما وَاحِدٌ، فَافْهَمْ، وَمَا تَوْفِيقُنَا إِلا بِاللَّهِ، وَلَيْسَ لَكَ فِي إِمالتها دَلِيلٌ عَلَى أَنها مِنَ الْيَاءِ، لأَنهم قَدْ يُمِيلون بَنَاتِ الْوَاوِ أَيضًا، وإِن كَانَ أَوَّله مَفْتُوحًا كالمَكا والعَشا، فإِذا كَانَ ذَلِكَ مَعَ الْفَتْحَةِ كَمَا تَرَى فإِمالَتُها مَعَ الْكَسْرَةِ فِي كِلا أَولى، قَالَ: وأَما تَمْثِيلُ صَاحِبِ الْكِتَابِ لَهَا بِشَرْوَى، وَهِيَ مِنْ شَرَيْتُ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنها عِنْدَهُ مِنَ الْيَاءِ دُونَ الْوَاوِ، وَلَا مِنَ الْوَاوِ دُونَ الْيَاءِ، لأَنه إِنما أَراد الْبَدَلَ حَسْبُ فَمَثَّلَ بِمَا لَامُهُ مِنَ الأَسماء مِنْ ذَوَاتِ الْيَاءِ، مُبْدَلَةً أَبدًا نَحْوَ الشَّرْوَى والفَتْوَى.

قَالَ ابْنُ جِنِّي: أَما كِلْتَا فَذَهَبَ سِيبَوَيْهِ إِلى أَنها فِعْلَى بِمَنْزِلَةِ الذِّكْرَى والحِفْرَى، قَالَ: وأَصلها كِلْوا، فأُبدلت الْوَاوُ تَاءً كَمَا أُبدلت فِي أُخت وَبِنْتٍ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَامَ كِلْتَا مُعْتَلَّةٌ قَوْلُهُمْ فِي مُذَكَّرِهَا كِلا، وكِلا فِعْلٌ وَلَامُهُ مُعْتَلَّةٌ بِمَنْزِلَةِ لَامِ حِجًا ورِضًا، وَهُمَا مِنَ الْوَاوِ لِقَوْلِهِمْ حَجا يَحْجُو والرِّضْوان، " وَلِذَلِكَ مَثَّلَهَا سِيبَوَيْهِ بِمَا اعتلَّت لَامُهُ فَقَالَ هِيَ بِمَنْزِلَةِ شَرْوَى، وأَما أَبو عُمر الجَرْمِي فَذَهَبَ إِلى أَنها فِعْتَلٌ، وأَن التَّاءَ فِيهَا عَلَمُ تأْنِيثها وَخَالَفَ سِيبَوَيْهِ، وَيَشْهَدُ بِفَسَادِ هَذَا الْقَوْلِ أَن التَّاءَ لَا تَكُونُ عَلَامَةَ تأْنيث الْوَاحِدِ إِلا وَقَبْلَهَا فَتْحَةٌ نَحْوَ طَلحة وحَمْزَة وَقَائِمَةَ وقاعِدة، أَو أَن يَكُونَ قَبْلَهَا أَلف نَحْوَ سِعْلاة وعِزْهاة، وَاللَّامُ فِي كِلتا سَاكِنَةٌ كَمَا تَرَى، فَهَذَا وَجْهٌ، وَوَجْهٌ آخَرُ أَن عَلَامَةَ التأْنيث لَا تَكُونُ أَبدًا وَسَطًا، إِنما تَكُونُ آخِرًا لَا مَحَالَةَ، قَالَ: وكِلْتَا اسْمٌ مُفْرَدٌ يُفِيدُ مَعْنَى التَّثْنِيَةِ بإِجماع مِنَ الْبَصْرِيِّينَ، فَلَا يَجُوزُ أَن يَكُونَ عَلَامَةُ تأْنيثه التَّاءَ وَمَا قَبْلَهَا سَاكِنٌ، وأَيضًا فإِن فِعتَلًا مِثَالٌ لَا يُوجَدُ فِي الْكَلَامِ أَصلًا فيُحْمَل هَذَا عَلَيْهِ، قَالَ: وإِن سَمَّيْتَ بكِلْتا رَجُلًا لَمْ تَصْرِفْهُ فِي قَوْلِ سِيبَوَيْهِ مَعْرِفَةً وَلَا نَكِرَةً، لأَن أَلفها للتأْنيث بِمَنْزِلَتِهَا فِي ذكْرى، وَتَصَرُّفُهُ نَكِرَةً فِي قَوْلِ أَبي عُمَرَ لأَن أَقصى أَحواله عِنْدَهُ أَن يَكُونَ كَقَائِمَةٍ وَقَاعِدَةٍ وعَزَّة وَحَمْزَةَ، وَلَا تَنْفَصِلُ كِلا وَلَا كِلتا مِنَ الإِضافة.

وَقَالَ ابْنُ الأَنباري: مَنْ الْعَرَبِ مَنْ يُمِيلُ أَلف كِلْتَا وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُمِيلُهَا، فَمَنْ أَبطل إِمَالَتَهَا قَالَ أَلفها أَلف تَثْنِيَةٍ كأَلف غُلَامًا وَذَوَا، وَوَاحِدُ كِلْتَا كِلت، وأَلف التَّثْنِيَةِ لاتمال، وَمَنْ وَقَفَ عَلَى كِلْتَا بالإِمالة فَقَالَ كِلْتَا اسْمُ وَاحِدٍ عَبَّرَ عَنِ التَّثْنِيَةِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ شِعْرَى وذِكْرَى.

وَرَوَى الأَزهري عَنِ الْمُنْذِرِيُّ عَنْ أَبي الْهَيْثَمِ أَنه قَالَ: الْعَرَبُ إِذا أَضافت كُلًّا إِلى اثْنَيْنِ لَيَّنَتْ لَامَهَا وَجَعَلَتْ مَعَهَا أَلف التَّثْنِيَةِ، ثُمَّ سَوَّتْ بَيْنَهُمَا فِي الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ وَالْخَفْضِ فَجَعَلَتْ إِعرابها بالأَلف وأَضافتها إِلى اثْنَيْنِ وأَخبرت عَنْ وَاحِدٍ، فَقَالَتْ: كِلا أَخَوَيْك كَانَ قَائِمًا وَلَمْ يَقُولُوا كَانَا قَائِمَيْنِ، وكِلا عَمَّيْك كَانَ فَقِيهًا، وكِلْتَا المرأَتين كَانَتْ جَمِيلَةً، وَلَا يَقُولُونَ كَانَتَا جَمِيلَتَيْنِ،.

قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها}، وَلَمْ يَقُلْ آتَتا.

وَيُقَالُ: مَرَرْتُ بكِلا الرَّجُلَيْنِ، وَجَاءَنِي كِلا الرَّجُلَيْنِ، فَاسْتَوَى فِي كِلا إِذا أَضفتها إِلى ظَاهِرَيْنِ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ وَالْخَفْضُ، فإِذا كَنَّوْا عَنْ مَخْفُوضِهَا أَجروها بِمَا يُصِيبُهَا مِنَ الإِعراب فَقَالُوا أَخواك مَرَرْتُ بِكِلَيْهِمَا، فَجَعَلُوا نَصْبَهَا وَخَفْضَهَا بِالْيَاءِ، وَقَالُوا أَخواي جَاءَانِي كِلَاهما فَجَعَلُوا رَفْعَ الِاثْنَيْنِ بالأَلف، وَقَالَ الأَعشى فِي مَوْضِعِ الرَّفْعِ: كِلا أَبَوَيْكُمْ كانَ فَرْعًا دِعامةً "يُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَانَ فَرْعًا؛ وَكَذَلِكَ قَالَ لَبِيدٌ:

فَغَدَتْ، كِلا الفَرْجَيْنِ تَحْسَبُ أَنَّه ***مَوْلى المَخافةِ: خَلْفَها وأَمامها

غَدَتْ: يَعْنِي بَقَرَةً وَحْشِيَّةً، كِلَا الْفَرْجَيْنِ: أَراد كِلَا فَرْجَيْهَا، فأَقام الأَلف وَاللَّامَ مُقام الكِناية، ثُمَّ قَالَ تَحَسَبُ، يَعْنِي الْبَقَرَةَ، أَنه وَلَمْ يَقُلْ أَنهما مَوْلَى الْمَخَافَةِ أَي وليُّ مَخافتها، ثُمَّ تَرْجَم عَنْ كِلا الفَرْجين فَقَالَ خَلْفَهَا وأَمامها، وَكَذَلِكَ تَقُولُ: كِلا الرَّجُلَيْنِ قائمٌ وكِلْتا المرأَتين قَائِمَةٌ؛ وأَنشد: " كِلا الرَّجُلَيْن أَفَّاكٌ أَثِيم "وَقَدْ ذَكَرْنَا تَفْسِيرَ كلٍّ فِي مَوْضِعِهِ.

الْجَوْهَرِيُّ: كِلا فِي تأْكيد الِاثْنَيْنِ نَظِيرُ كلٍّ فِي الْمَجْمُوعِ، وَهُوَ اسْمٌ مُفْرَدٌ غَيْرُ مُثَنّى، فإِذا وَلِيَ اسْمًا ظَاهِرًا كَانَ فِي الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ وَالْخَفْضِ عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ بالأَلف، تَقُولُ: رأَيت كِلا الرَّجُلَيْنِ، وَجَاءَنِي كِلا الرَّجُلَيْنِ، وَمَرَرْتُ بِكِلَا الرَّجُلَيْنِ، فإِذا اتَّصَلَ بِمُضْمَرٍ قلَبْت الأَلف يَاءً فِي مَوْضِعِ الْجَرِّ وَالنَّصْبِ، فَقُلْتَ: رأَيت كِلَيْهِمَا وَمَرَرْتُ بِكِلَيْهِمَا، كَمَا تَقُولُ عَلَيْهِمَا، وَتَبْقَى فِي الرَّفْعِ عَلَى حَالِهَا؛ وَقَالَ الْفَرَّاءُ: هُوَ مُثَنَّى مأْخوذ مِنْ كُلٍّ فَخُفِّفَتِ اللَّامُ وَزِيدَتِ الأَلف لِلتَّثْنِيَةِ، وَكَذَلِكَ كِلْتَالِلْمُؤَنَّثِ، وَلَا يَكُونَانِ إِلا مُضَافَيْنِ وَلَا يُتَكَلَّمُ مِنْهُمَا بِوَاحِدٍ، وَلَوْ تُكُلِّمَ بِهِ لَقِيلَ كِلٌ وكِلْتٌ وكِلانِ وكِلْتانِ؛ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:

فِي كِلْتِ رِجْلَيْها سُلامى واحدهْ، ***كِلتاهما مقْرُونةٌ بزائدهْ

أَراد: فِي إِحدى رِجْلَيْهَا، فأَفْرد، قَالَ: وَهَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهل الْبَصْرَةِ، لأَنه لَوْ كَانَ مُثَنًّى لَوَجَبَ أَن تَنْقَلِبَ أَلفه فِي النَّصْبِ وَالْجَرِّ يَاءً مَعَ الِاسْمِ الظَّاهِرِ، ولأَن مَعْنَى كِلا مُخَالِفٌ لِمَعْنَى كُلٍّ، لأَن كُلًّا للإِحاطة وكِلا يَدُلُّ عَلَى شيءٍ مَخْصُوصٍ، وأَما هَذَا الشَّاعِرُ فإِنما حَذَفَ الأَلف لِلضَّرُورَةِ وَقَدَّرَ أَنها زَائِدَةٌ، وَمَا يَكُونُ ضَرُورَةً لَا يَجُوزُ أَن يُجْعَلَ حُجَّةً، فَثَبَتَ أَنه اسْمٌ مُفْرَدٌ كَمِعى إِلا أَنه وُضِعَ لِيَدُلَّ عَلَى التَّثْنِيَةِ، كَمَا أَن قَوْلَهُمْ نَحْنُ اسْمٌ مُفْرَدٌ يَدُلُّ عَلَى الِاثْنَيْنِ فَمَا فَوْقَهُمَا؛ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ جَرِيرٍ:

كِلا يَومَيْ أُمامةَ يوْمُ صَدٍّ، ***وإِنْ لَمْ نَأْتِها إِلَّا لِماما

قَالَ: أَنشدنيه أَبو عَلِيٍّ، قَالَ: فإِن قَالَ قَائِلٌ فَلِمَ صَارَ كِلا بِالْيَاءِ فِي النَّصْبِ وَالْجَرِّ مَعَ الْمُضْمَرِ وَلَزِمَتِ الأَلف مَعَ الْمُظْهَرِ كَمَا لَزِمَتْ فِي الرَّفْعِ مَعَ الْمُضْمَرِ؟ قِيلَ لَهُ: مِنْ حَقِّهَا أَن تَكُونَ بالأَلف عَلَى كُلِّ حَالٍ مِثْلَ عَصًا وَمِعًى، إِلا أَنها لَمَّا كَانَتْ لَا تَنْفَكُّ مِنَ الإِضافة شُبِّهَتْ بِعَلَى وَلَدَى، فَجُعِلَتْ بِالْيَاءِ مَعَ الْمُضْمَرِ فِي النَّصْبِ وَالْجَرِّ، لأَن عَلَى لَا تَقَعُ إِلا مَنْصُوبَةً أَو مَجْرُورَةً وَلَا تُسْتَعْمَلُ مَرْفُوعَةً، فَبَقِيَتْ كِلا فِي الرَّفْعِ عَلَى أَصلها مَعَ الْمُضْمَرِ، لأَنها لَمْ تُشَبَّه بِعَلَى فِي هَذِهِ الْحَالِ، قَالَ: وأَما كِلْتَا الَّتِي للتأْنيث فإِن سِيبَوَيْهِ يَقُولُ أَلفها للتأْنيث وَالتَّاءُ بَدَلٌ مِنْ لَامِ الْفِعْلِ، وَهِيَ وَاوٌ والأَصل كِلْوا، وإِنما أُبدلت تَاءً لأَن فِي التَّاءِ عَلَمَ التأْنيث، والأَلف فِي كِلْتَا قَدْ تَصِيرُ يَاءً مَعَ الْمُضْمَرِ فَتَخْرُجُ عَنْ عَلَمِ التأْنيث، فَصَارَ فِي إِبدال الْوَاوِ تَاءُ تأْكيد للتأْنيث.

قَالَ: وَقَالَ أَبو عُمر الجَرْمي التَّاءُ مُلْحَقَةٌ والأَلف لَامُ الْفِعْلِ، وَتَقْدِيرُهَا عِنْدَهُ فِعْتَلٌ، وَلَوْ كَانَ الأَمر كَمَا زَعَمَ لَقَالُوا فِي النِّسْبَةِ إِليها كِلْتَويٌّ، فَلَمَّا قَالُوا كِلَويٌّ وأَسقطوا التَّاءَ دَلَّ أَنهم أَجْروها مُجْرى التَّاءِ الَّتِي فِي أُخت الَّتِي إِذا نَسَبت إِليها قُلْتَ أَخَوِيٌّ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: كِلَويٌّ قِيَاسٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إِذا سَمَّيْتَ بِهَا رَجُلًا، وَلَيْسَ ذَلِكَ مَسْمُوعًا فَيُحْتَجُّ بِهِ عَلَى الْجَرْمِيِّ.

الأَزهري فِي تَرْجَمَةِ كلأَ عِنْدَ قَوْلِهِ تعالى: {قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ}؛ قَالَ الْفَرَّاءُ: هِيَ مَهْمُوزَةٌ وَلَوْ تَركتَ هَمْزَةَ مِثْلِهِ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ قلت يَكْلَوْكم، بواو ساكنة، ويَكْلاكم، بأَلف سَاكِنَةٍ، مِثْلَ يَخْشَاكُمْ، وَمَنْ جَعَلَهَا وَاوًا سَاكِنَةً قَالَ كَلات، بأَلف، يَتْرُكُ النَّبْرة مِنْهَا، وَمَنْ قال يَكلاكم قال كَلَيْتُ مِثْلَ قَضَيْت، وَهِيَ مِنْ لُغَةِ قُرَيْشٍ، وكلٌّ حَسَنٌ، إِلا أَنهم يَقُولُونَ فِي الوجهين مَكْلُوَّة ومَكْلُوّ أَكثر مِمَّا يَقُولُونَ مَكْلِيٌّ، قَالَ: وَلَوْ قِيلَ مَكْلِيّ فِي الَّذِينَ يَقُولُونَ كَلَيْتُ كَانَ صَوَابًا؛ قَالَ: وَسَمِعْتُ بَعْضَ الْعَرَبِ يَنْشُدُ:

مَا خاصَمَ الأَقوامَ مِنْ ذِي خُصُومةٍ ***كَوَرْهاء مَشْنِيٍّ، إِليها، حَلِيلُها

فَبَنَى عَلَى شَنَيْتُ بِتَرْكِ النَّبْرَةِ.

أَبو نَصْرٍ: كَلَّى فلانٌ يُكَلِّي تَكْلِيَة، وَهُوَ أَن يأْتي مَكَانًا فِيهِ مُسْتَتَر، جَاءَ بِهِ غَيْرَ مَهْمُوزٍ.

والكُلْوَةُ: لُغَةٌ فِي الكُلْيَة لأَهل الْيَمَنِ؛ قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: وَلَا تَقُلْ كِلوة، بِكَسْرِ الْكَافِ.

الكُلْيَتان مِنَ الإِنسان وَغَيْرِهِ مِنَ الْحَيَوَانِ: لحمَتانمُنْتَبِرَتان حَمْراوان لَازِقَتَانِ بِعَظْمِ الصُّلْبِ عِنْدَ الْخَاصِرَتَيْنِ فِي كُظْرَين مِنَ الشَّحْمِ، وَهُمَا مَنْبِتُ بَيْتِ الزَّرْعِ، هَكَذَا يُسَمَّيَانِ فِي الطِّبِّ، يُرَادُ بِهِ زَرْعُ الْوَلَدِ.

سِيبَوَيْهِ: كُلْيَةٌ وكُلًى، كَرِهُوا أَن يَجْمَعُوا بِالتَّاءِ فَيُحَرِّكُوا الْعَيْنَ بِالضَّمَّةِ فَتَجِيءُ هَذِهِ الْيَاءُ بَعْدَ ضَمَّةٍ، فَلَمَّا ثَقُلَ ذلك عليهم تركوه واجتزؤوا بِبِنَاءِ الأَكثر، وَمَنْ خَفَّفَ قَالَ كُلْيات.

وكَلاه كَلْيًا: أَصاب كُلْيته.

ابْنُ السِّكِّيتِ: كَلَيْتُ فَلُانًا فاكْتَلَى، وَهُوَ مَكْلِيٌّ، أَصبت كُلْيَته؛ قَالَ حُمَيْدٌ الأَرقط: " مِنْ عَلَقِ المَكْليِّ والمَوْتونِ "وإِذا أَصبت كَبِدَه فَهُوَ مَكْبُود.

وكَلا الرجلُ واكْتَلَى: تأَلَّمَ لِذَلِكَ؛ قَالَ الْعَجَّاجُ:

لَهُنَّ فِي شَباتِه صَئِيُّ، ***إِذا اكْتَلَى واقْتَحَمَ المَكْلِيُ

وَيُرْوَى: كَلا؛ يَقُولُ: إِذا طَعن الثورُ الكلبَ فِي كُلْيَته وَسَقَطَ الكلبُ المَكْلِيُّ الَّذِي أُصيبت كُلْيَتُه.

وَجَاءَ فُلَانٌ بِغَنَمِهِ حُمْرَ الكُلَى أَي مَهَازِيلَ؛ وَقَوْلُهُ أَنشده ابْنُ الأَعرابي:

إِذا الشَّوِيُّ كَثُرتْ ثَوائِجُهْ، ***وكانَ مِن عندِ الكُلَى مَناتِجُهْ

كَثُرَتْ ثَوائجُه مِنَ الجَدْب لَا تَجِدُ شَيْئًا تَرْعَاهُ.

وَقَوْلُهُ: مِن عِنْدِ الكُلَى مَناتِجُه، يَعْنِي سَقَطَتْ مِنَ الهُزال فَصاحِبها يَبْقُر بُطُونَهَا مِنْ خَواصِرها فِي مَوْضِعِ كُلاها فيَستخرج أَولادها مِنْهَا.

وكُلْيَةُ المَزادة وَالرَّاوِيَةِ: جُلَيْدة مُسْتَدِيرَةٌ مَشْدُودَةُ العُروة قَدْ خُرِزَتْ مَعَ الأَديم تَحْتَ عُروة المَزادة.

وكُلْية الإِداوَةِ: الرُّقعة الَّتِي تَحْتَ عُرْوَتها، وَجَمْعُهَا الكُلَى؛ وأَنشد: " كأَنَّه مِنْ كُلَى مَفْرِيّةٍ سَرَب "الْجَوْهَرِيُّ: وَالْجَمْعُ كُلْيَاتٌ وكُلًى، قَالَ: وَبَنَاتُ الْيَاءِ إِذا جُمِعَتْ بِالتَّاءِ لَمْ يُحَرَّكْ مَوْضِعُ الْعَيْنِ مِنْهَا بِالضَّمِّ.

وكُلْيَةُ السَّحَابَةِ: أَسفلُها، وَالْجَمْعُ كُلًى.

يُقَالُ: انْبَعَجَت كُلاه؛ قَالَ:

يُسِيلُ الرُّبى واهِي الكُلَى عارِضُ الذُّرى، ***أَهِلَّة نَضَّاخِ النَّدى سابِغُ القَطْرِ

وَقِيلَ: إِنما سُمِّيَتْ بكُلْية الإِداوة؛ وَقَوْلُ أَبي حَيَّةَ:

حَتَّى إِذا سَرِبَت عَلَيْهِ، وبَعَّجَتْ ***وَطْفاء سارِبةٌ كُلِيّ مَزادِ

يَحْتَمِلُ أَن يَكُونَ جَمَع كُلْية عَلَى كُلِيّ، كَمَا جَاءَ حِلْيَة وحُلِيّ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِتُقَارِبِ الْبِنَاءَيْنِ، وَيَحْتَمِلُ أَن يَكُونَ جَمْعُهُ عَلَى اعْتِقَادِ حَذْفِ الْهَاءِ كبُرْد وبُرُود.

والكُلْيَةُ مِنَ القَوس: أَسفل مِنَ الكَبِد، وَقِيلَ: هِيَ كَبِدُها، وَقِيلَ: مَعْقِد حَمالتها، وَهُمَا كُلْيَتان، وَقِيلَ: كُلْيَتها مِقدار ثَلَاثَةِ أَشبار مِنْ مَقْبِضها.

والكُلْية مِنَ الْقَوْسِ: مَا بَيْنَ الأَبهر وَالْكَبِدِ، وَهُمَا كُلْيَتان.

وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: كُليتا الْقَوْسِ مَثْبَت مُعَلَّق حَمالتها.

وَالْكُلْيَتَانِ: مَا عَنْ يَمِينِ النَّصل وشِماله.

والكُلَى: الرِّيشَاتُ الأَربع الَّتِي فِي آخِرِ الجَناح يَلِينَ جَنْبه.

والكُلَيَّةُ: اسْمُ مَوْضِعٍ؛ قَالَ الْفَرَزْدَقِ:

هَلْ تَعْلَمونَ غَداةَ يُطْرَدُ سَبْيُكُمْ، ***بالسَّفْح بينَ كُلَيَّةٍ وطِحال؟

والكُلَيَّان: اسْمُ مَوْضِعٌ؛ قَالَ الْقَتَّالُ الْكِلَابِيُّ:

لِظَبْيَةَ رَبْعٌ بالكُلَيَّيْنِ دارِسُ، ***فَبَرْق نِعاجٍ، غَيَّرَتْه الرَّوامِسُ

قَالَ الأَزهري فِي الْمُعْتَلِّ مَا صُورَتُهُ: تَفْسِيرُ كَلَّا الْفَرَّاءُ قَالَ: قَالَ الْكِسَائِيُّ لَا تَنْفِي حَسْبُ وكلَّا تَنْفِي شَيْئًا وَتُوجِبُ شَيْئًا غَيْرَهُ، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُكَ لِلرَّجُلِ قَالَ لَكَ أَكلت شَيْئًا فَقُلْتَ لَا، وَيَقُولُ الْآخَرُ أَكلت تَمْرًا فَتَقُولُ أَنت كَلَّا، أَردت أَي أَكلت عَسَلًا لَا تَمْرًا، قَالَ: وتأْتي كلَّا بِمَعْنَى قَوْلِهِمْ حَقًّا، قَالَ: رَوى ذَلِكَ أَبو الْعَبَّاسِ أَحمد بْنُ يحيى.

وَقَالَ ابْنُ الأَنباري فِي تفسير كَلَّا: هِيَ عِنْدَ الْفَرَّاءِ تَكُونُ صِلَةً لَا يُوقَفُ عَلَيْهَا، وَتَكُونُ حَرْفَ رَدٍّ بِمَنْزِلَةِ نَعَمْ وَلَا فِي الاكْتفاء، فإِذا جَعَلْتَهَا صِلَةً لِمَا بَعْدَهَا لَمْ تَقِف عَلَيْهَا كَقَوْلِكَ كَلَّا ورَبّ الْكَعْبَةِ، لَا تَقِف عَلَى كَلَّا لأَنها بِمَنْزِلَةِ إِي واللهِ، قَالَ اللهُ سُبحانه وَتعالى: {كَلَّا وَالْقَمَرِ}؛ الْوَقْفُ عَلَى كَلَّا قَبِيحٌ لأَنها صِلَةٌ لِلْيَمِينِ.

قَالَ: وَقَالَ الأَخفش مَعْنَى كَلَّا الرَّدْع والزَّجر؛ قَالَ الأَزهري: وَهَذَا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ وإِليه ذَهَبَ الزَّجَّاجُ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ.

وَقَالَ أَبو بَكْرِ بْنُ الأَنباري: قَالَ الْمُفَسِّرُونَ مَعْنَى كَلَّا حَقًّا، قَالَ: وَقَالَ أَبو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ جَاءَتْ كلَّا فِي الْقُرْآنِ عَلَى وَجْهَيْنِ: فَهِيَ فِي مَوْضِعٍ بِمَعْنَى لَا، وَهُوَ رَدٌّ للأَوَّل كَمَا قَالَ الْعَجَّاجُ:

قَدْ طَلَبَتْ شَيْبانُ أَن تُصاكِمُوا ***كَلَّا، ولَمَّا تَصْطَفِقْ مآتِمُ

قَالَ: وَتَجِيءُ كَلَّا بِمَعْنَى أَلا الَّتِي لِلتَّنْبِيهِ كَقَوْلِهِ تعالى: {أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ}؛ وَهِيَ زَائِدَةٌ لَوْ لَمْ تأْتِ كَانَ الْكَلَامُ تَامًّا مَفْهُومًا، قَالَ: وَمِنْهُ الْمَثَلُ كلَّا زَعَمْتَ العِيرُ لَا تُقاتلُ؛ وَقَالَ الأَعشى:

كَلَّا زَعَمْتُمْ بأَنَّا لَا نُقاتِلُكُمْ، ***إِنَّا لأَمْثالِكُمْ، يَا قَوْمَنا، قُتُلُ

قَالَ أَبو بَكْرٍ: وَهَذَا غَلَطٌ مَعْنَى كَلَّا فِي الْبَيْتِ.

وَفِي الْمَثَلِ: لَا، لَيْسَ الأَمر عَلَى مَا تَقُولُونَ.

قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبا الْعَبَّاسِ يَقُولُ لَا يُوقَفُ عَلَى كلَّا فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ لأَنها جَوَابٌ، والفائدةُ تَقَعُ فِيمَا بَعْدَهَا، قَالَ: وَاحْتَجَّ السِّجِسْتَانِيُّ فِي أَنَّ كَلَّا بِمَعْنَى أَلا بِقَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى "، فَمعْناه أَلا؛ قَالَ أَبو بَكْرٍ: وَيَجُوزُ أَن يَكُونَ بِمَعْنَى حَقًّا إِن الإِنسان لَيَطْغَى، وَيَجُوزَ أَن يَكُونَ رَدًّا كأَنه قَالَ: لَا، لَيْسَ الأَمر كَمَا تَظُنُّونَ.

أَبو دَاوُدَ عَنِ النَّضْرِ: قَالَ الْخَلِيلُ قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ مَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ كلَّا فَهُوَ رَدٌّ إِلا مَوْضِعَيْنِ، فَقَالَ الْخَلِيلُ: أَنا أَقول كُلُّهُ رَدٌّ.

وَرَوَى ابْنُ شُمَيْلٍ عَنِ الْخَلِيلِ أَنه قَالَ: كلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ كلَّا رَدٌّ يَرُدُّ شَيْئًا وَيُثْبِتُ آخَرَ.

وَقَالَ أَبو زَيْدٍ: سَمِعْتُ الْعَرَبَ تَقُولُ كلَّاكَ واللهِ وبَلاكَ واللهِ، فِي مَعْنَى كَلَّا واللهِ، وبَلَى واللهِ.

وَفِي الْحَدِيثِ: « تَقع فِتَنٌ كأَنَّها الظُّلَلُ، فَقَالَ أَعرابي: كَلَّا يَا رسولَ اللهِ »؛ قَالَ: كَلَّا رَدْع فِي الْكَلَامِ وَتَنْبِيهٌ وزَجْر، ومعناها انْتهِ لا تَفْعَل، إِلا أَنها آكَدُ فِي النَّفْيِ والرَّدْع مِنْ لَا لِزِيَادَةِ الْكَافِ، وَقَدْ ترِد بِمَعْنَى حَقًّا كَقَوْلِهِ تعالى: {كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ}.

والظُّلَلُ: السَّحَابُ، وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.

لسان العرب-ابن منظور الإفريقي-توفي: 711هـ/1311م


19-أساس البلاغة (سكك)

سكك

إذن سكاء بيّنة السكك وهو قصرها وصغرها، وقيل: صغر قوفها وضيق صماخها، وآذان سك. ورجل أسك. ويقال لما لا أذن له أصلًا: أسك. وكل الطير سك: مصلمة الآذان، وسكه يسكه إذا اصطلم أذنيه. وضرب هذا الدرهم في سكة فلان. وشق الأرض بالسكة. وله سكة من نخل. وهو يسكن سكة بني فلان وهي الزقاق الواسع. ودرع مشدودة السك وهو مسمارها. ودخلت العقرب في سكها: في جحرها. وحلق النسر في السكاك: في الجو.

ومن المجاز: استكت مسامعه: صمت. قال النابغة:

وأخبرت خير الناس أنك لمتني *** وتلك التي تستك منها المسامع

واستك البيت: استد خصاصه. واستكّت الرياض: التفت واستد خصاصها التفافًا. قال الطرماح يصف ظليمًا:

صنتع الحاجبين خرطه البق *** ل بديًا قبل استكاك الرياض

ودرع سكاء: ضيقة الحلق. ويقال: خذ في هذه السكة أي الطريقة، وأنت على سكة واضحة. قال الشماخ:

حنت على سكة الساري تجاوبها *** حمامة من حمام ذات أطواق

والساري: موضع. وفلان صعب السكة إذا لم يقر لنزاقة فيه.

أساس البلاغة-أبوالقاسم الزمخشري-توفي: 538هـ/1143م


20-مجمل اللغة (شقر)

شقر: الشقرة من الألوان: حمرة تعلو بياضا في الإنسان.

والشقرة في الخيل: حمرة صافية يحمر معها السبيب والناصية والمعرفة.

والشقر: شقائق النعمان.

والشقرة: نبز قبيلة، والنسبة إليهم شقري.

وأخبرت فلانا بشقوري، أي: بحالي وأمري.

وجاء بالشقر والبقر، إذا جاء بالكذب.

والمشقر: حصن بالبحرين قديم.

والأشاقر: حي من اليمن.

والشقارى: [نبت].

والمشاقر، الواحد مشقر: رمل متصوب في الأرض.

والشقراق: طائر.

مجمل اللغة-أحمد بن فارس-توفي: 395هـ/1005م


21-تهذيب اللغة (هجن)

هجن: قال الليث: الهاجنُ: العَناق التي تَحمِل قبل أن تَبلُغ وقتَ السِّفاد، والجميع الهَواجِن، ولم أسمع له فِعْلًا.

وقال ابن شميل: الهاجِن: القَلُوص يَضرِبها الجَمَل وهي ابنةُ لَبون فَتَلْقَح وتنتج وهي حِقَّة، ولا تفعل ذلك إلّا في سَنة مُخصِبة، فتلك الهاجِن، وقد هَجَنَتْ تَهْجُن هِجانًا، وقد أهجَنَها الجَمَل: إذا ضَرَبها، وأنشد:

ابنُوا على ذِي صِهْرِكُم وأحسِنُوا *** أَلَم تَرَوا صُغْرَى القِلاصِ تهجُنُ؟

قاله رجلٌ لأهل امرأته واعتلّوا عليه بصِغَرها عن الوَطْء، وقال:

هَجَنَتْ بأكبَرِهم ولمّا تُقْطَبِ*

يقال: قُطِبت الجاريةُ: أي خُفِضت.

أبو عُبَيْد عن الأصمعيّ: إذا حَمَلت النخلةُ وهي صغيرةٌ فهي المهْجِنَة.

قال شمر: وكذلك الهاجن، ومِثله مَثلٌ للعَرَب: «جَلَتِ الهاجِنُ عن الوَلَد»، أي صَغُرت، يُضرَب مَثَلا للصّغير يتزيّن بزينة الكبير.

ويقال للجارية الصغيرة: هاجن،

وقد اهتُجِنَتْ الجاريةُ، إذا افْتُرِعَت قبلَ أوانها.

وقال الليث: الهِجَان من الإبل: البِيضُ الكِرامُ، ناقةٌ هِجان وبعيرٌ هِجان، ويُجمَع على الهَجائن.

قال: وأرضٌ هِجَان، إذا كانت تُرْبَتُها بَيضاءَ، وأنشد:

بأرض هِجانِ التّرْبِ وَسْمِيَّةِ الثّرى *** عَذَاةٍ نأتْ عنها المُؤُوجَةُ والبَحْرُ

ويقال للقوم الكِرام: إنهم لَمِن سَراة الهِجَان، وقال الشمّاخ:

ومِثْلُ سَراةِ قومك لم يُجارَوْا *** إلى الرُّبَع الهِجَانِ ولا الثَّمِين

وأُخبرتُ عن أبي الهيثم، أنه قال: الروايةُ الصحيحة في هذا البيتِ:

إلى رُبُع الرِّهان ولا الثَّمين*

يقول: لم يُجارَوْا إلى رُبْع رِهانهم ولا ثُمُنه.

قال: والرِّهان: الغايةُ التي يُستَبق إليها.

يقول: مِثل سَراةِ قومِك لم يُجارَوْا إلى رُبُع غايتِهم التي بلغوها ونالُوها من المَجْد والشرف، ولا إلى ثُمُنها.

ابن بُزُرج: غِلْمةٌ أُهَيْجِنة، وذلك أنّ أَهلَهم أَهجَنوا: أي زَوَّجوهم صِغارًا، يزوَّج الغلامُ الصغيرُ الجاريةَ الصغيرة، فيقال:

أَهجَنَهُمْ أَهْلُهُم، وأهجَنَ الرجلُ: إذا كَثُر هِجانُ إبلِه، وهي كرامها، وقال في قوله:

حَرْفٌ أخُوها أَبُوها من مُهَجَّنةٍ*

قال: أراد بمهجَّنة أنها ممنوعةٌ من فُحول الناس إلَّا من فحولِ تلادِها لعِتْقِها وكرمها قال: والهاجِنُ على مَيْسورها ابنةُ الحِقَّة، والهاجن على مَعْسورها: ابنة اللّبُون، وناقةٌ مُهَجَّنة: وهي المعتَسِرة.

وقال أبو زيد: امرأة هِجَان، من نِسوة هِجائن: وهي الكريمةُ الحَسَب التي لم يُعرق فيها الإماء تعريقًا.

والهِجان من الإبل: الناقة الأدْماء: وهي الخالصة اللّون والعِتْق، من نوق هِجان وهُجْن.

وقال أبو الهَيْثَم في قوله:

هذا جَناي وهِجانُه فيه*

قال: الهجانُ: البيض، وهو أحسنُ البياض وأعتَقُه في الإبل والرجال والنساء، ويقال: خيار كل شيء هِجانُه، وإنما أُخذ ذلك من الإبل، وأصل الهِجان البيض، وكلّ هجان أبيض وأنشد:

وإذا قيلَ: مَن هِجانُ قُريش؟ *** كنت أنتَ الفَتَى وَأنتَ الهِجانُ

قال: والعَرَبَ تَعُدُّ البياضَ من الألوان هِجانًا وكَرَمًا: وأمّا الهَجِين فإنّ اللّيث قال: الهَجِين: ابن العربيّ من الأَمَة الراعية التي لا تُحَصَّن، فإذا حُصِّنت فليس الولدُ بهَجِين، والجميع الهُجَناء والمهَاجِنَة، والفعلُ هَجُنَ يَهجُن هَجانةً وهُجْنة.

قال: والهُجْنة في الكلام ما يَلزَمُك منه العيبُ، تقول: لا تفعلْ كذا فيكون عليك هُجْنَة.

وقال أبو زيد: رجُلٌ هَجِين بيِّن الهُجونة من قوم هُجَناء وهُجْن، وامرأةٌ هِجانٌ: أي كريمةٌ وتكون البيضاءَ من نِسْوةٍ هُجْن بيِّنات الهَجانة.

أبو عُبَيد عن الأمويّ، الهَجين: الذي ولدتْه أمَةٌ.

وقال أبو الهَيْثم: الهَجين الذي أبوه عربيّ وأُمّه أَمَة، والهَجِينُ من الخيل: الذي ولدتْه بِرْذَوْنة من حِصَان عربيّ، وخيلٌ هُجْن.

وأخبرَني المنذريّ عن أبي العباس أنه قال: الهَجِينُ: الذي أبوه خيْرٌ من أمّه.

قلت: وهذا هو الصحيح.

وَرَوَى الرواة أن رَوْح بن زِنباع كان تزوج هندَ بنت النعمان بن بشير، فقالت وكانت شاعرة:

وهلْ هِنْدُ إلّا مُهْرَةٌ عرَبِيّةٌ *** سَليلةُ أفراسٍ تَجلَّلهَا بَغْلُ

فإِنْ نُتِجَتْ مُهْرًا نَجِيبًا فبالْحَرَى *** وإن يكُ إقْرافٌ فَمِن قِبَلِ الفَحْلِ

والإقرافُ: مُدَاناةُ الهُجْنه من قِبل الأب.

وقال المبرِّد: قيل لوَلَد العربيّ من غير العربيّة: هَجِين؛ لأنَّ الغالب على ألوان العرب الأُدْمة، وكانت العربُ تُسمِّي العَجَم: الحمراء ورقابَ المَزاوِد؛ لِغلبة البياض على ألوانهم، ويقولون لمن علا لونَه البياضُ أحمَر، ولذلك قال النبي صلى‌ الله‌ عليه‌ وسلم لعائشة: يا حُميراء؛ لغَلَبة البياض على لَوْنها.

وقال عليه‌السلام: «بُعثْتُ إلى الأسْود والأحْمَر»، فاسوَدهم: العرب، وأحمرهم: العجم، وقالت العرب لأولادها من العجميات اللائي يغلب ألوانَهن البياض: هُجْنٌ وهُجَناء؛ لغلبة البياض على ألوانهم، وإشباههم أمّهاتهم.

والهجانة: البياض، ومنه قيل: إبل هجان: أي بيض، وهي أكرمُ الإبل، وقال لبيد:

كأنّ هِجانَها مُتأبِّضات *** وفي الأقران أَصوِرةُ الرّغامِ

متأبِّضات: معقولات بالإباض، وهو العِقال.

وقال غيره: الهاجِن: الزّند الذي لا يُورِي بقَدْحةٍ واحدة، يقال: هَجَنَتْ زندةُ فلان وإنّ لها لَهُجْنة شديدة، وقال بشر:

لَعَمْرُك لو كانت زِنادُك هُجْنةً *** لأوْرَيتَ إذْ خَدّي لِخَدِّكَ ضارعُ

وقال آخر:

مُهاجِنةٌ مُغالِثةُ الزِّناد*

وقال أبو الهيثم في قول كعب بن زهير:

حَرْفٌ أخوها أبُوها من مُهجَّنَةٍ *** وعَمُّها خالُها قَوْدَاءُ شِمْليلُ

هذه ناقةٌ ضربَها أبوها ليس أخوها، فجاءت بذَكَر، ثمّ ضربها ثانيةً فجاءت بذكَر آخر، فالوَلدان ابناها لأنهما وُلِدا منها وهما أخواها أيضًا لأبيها لأنهما وَلدا أبِيها، ثمّ ضَرَب أحدُ الأخَوَين الأم فجاءت الأم بهذه الناقة وهي الحَرْف فأَبُوها أخُوها لأبيها لأنه وُلِد من أمِّها والأخ الآخر الذي لم يَضرِب عمُّها لأنهُ أخو أبيها، وهو خالُها لأنه أخو أمِّها لأبيها لأنّه من أبيها، وأبوه نزَا على أمه.

وقال ثعلب: أنشَدَني أبو نصر عن الأصمعي بيتَ كعب، وقال في تفسيره: إنها ناقة كريمة مداخلة النَّسب لشَرَفها.

قال ثعلب: عرضتُ هذا القول على ابن الأعرابيّ فخطّأ الأصمعيَّ وقال: تداخُلُ النسب يُضوِي الوَلَد.

قال: وقال المُفَضَّل: هذا جَمَل نَزَا على أمِّه ولها ابن آخرَ هو أخو هذا الجَمَل، فوضعتْ ناقةً، فهذه الناقة الثانية هي الموصوفة، فصار أحدُهما أباها لأنه وطىء أمَّها، وصار هو أخاها لأن أمّها وضعتْه، وصار الآخرُ عمَّها لأنّه أخو أبيها وصار هو خالَها لأنّه أخو أمّها.

قال ثعلب: وهذا هو القول.

تهذيب اللغة-أبومنصور الأزهري-توفي: 370هـ/980م


22-تهذيب اللغة (كلو)

وأخبرني المنذريُّ عن أبي الهيثم أنه قال: العربُ إذا أَضافَتْ (كُلَّا) إلى اثنين ليَّنَتْ لامَهَا، وجعلَتْ معها ألف التَّثنيةِ، ثم سوتْ بينها في الرفعِ والنصبِ والخفضِ فجعلت إعرابها بالأَلف، وأضافتَها إلى اثنين، وأَخْبرَتْ عن واحدٍ، فقالت: كِلَا أخَوَيْكَ كان قائمًا، ولم يقولوا: كانَا قائِميْنِ، وكلا عمَّيْكَ كان فَقِيهًا، وكلْتَا المَرْأتين كانت جميلة، لا يقولون: كانَتَا جَمِيلَتَيْنِ.

قال الله جل وعز: {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها} [الكهف: 33] ولم يقل: آتتا.

وتقول: مررت بِكلَا الرَّجُلين، وجاءني كِلَا الرَّجُلَين، فيسْتَوِي في كلا ـ إذا أضفتها إلى ظاهرَيْنِ ـ الرفعُ، والنصبُ، والخفضُ، فإذا كنَوْا عن مَخْفوضِها أجرَوها بما يُصيبُها من الإعراب.

فقالوا: أَخَوَاكَ مررتُ بكلَيْهِما، فجُعلوا نَصْبَها وخفضها بالياء.

وقالوا: أَخَوَايَ جاءاني كلاهُمَا جعلُوا رفعَ الإثنين بالألف.

وقال الأعشى في موضع الرَّفعِ: كِلَا أَبَوَيكُمْ كانَ فَرْعًا دِعَامةً يريدُ كل واحدٍ منهما كان فرعًا، وكذلك قال لبيد:

فَعَدَتْ كِلَا الفَرْجَينِ تَحْسَبُ أَنَّه *** مَوْلَى المخافةِ خَلْفُها وأَمامُها

عَدَتْ يعني بقرةً وحشيةً، وكلَا الفَرْجين أراد كِلَا فرجَيْها، فأقامَ الألفَ واللام مُقام الكِنايَة.

ثم قال: تحسب يعني البقرة، أنه ـ ولم يقل: أَنَّهُما ـ مَوْلى المخافة أي وليُّ مخافتِها، ثم ترجمَ عن قوله كِلَا الفَرْجينِ فقال: خلفُها وأمامُها.

وكذلك تقولُ: كِلَا الرَّجُلين قائمٌ، وكلتا المرأتينِ قائمةٌ.

وأنشد:

كِلَا الرَّجُلَيْنِ أَفّاكٌ أثِيمُ

وقد مر تفسيرُ (كلّ) في باب المضاعف، فكرهتُ إعادته.

تهذيب اللغة-أبومنصور الأزهري-توفي: 370هـ/980م


23-تهذيب اللغة (ضيف)

ضيف: في حديث النبي صلى‌ الله‌ عليه‌ وسلم «أنه نَهَى عن الصّلاة إذا تَضيّفَتِ الشمسُ للغُروب».

قال أبو عُبَيد: قال أبو عُبَيدة: قولُه: «تضيَّفَتْ»: مالَتْ للغُروب، يقال منه: قد ضافَتْ فهي تَضِيف: إذا مالَت.

وقال أبو عُبيد: ومنه سُمِّي الضَّيْف ضَيْفًا، يقال منه: ضِفْت فلانًا: إذا مِلْتَ إليه ونزلتَ عليه، وأضفتُه: إذا أمَلْتَه إليك، وأنزَلْتَه عليك، ولذلك قيل: هو مُضافُ إلى كذا وكذا، أي: مُحَالٌ إليه، وقال امرؤ القيس:

فلمّا دخلناهُ أضفْنا ظهورَنا *** إلى كلّ حَارِيٍّ جَديدٍ مُشطبِ

أي: أسندْنا ظهورَنا إليه وأمَلْناها، ومنه قيل للدَّعِيّ: مُضافٌ، لأنّه مُسنَد إلى قوم ليس منهم.

ويقال: ضافَ السهمُ يَضِيف: إذا عَدَل عن الهدف، وهو من هذا، وفيه لغةٌ أخرى ليست في الحديث: صَافَ السهمُ بمعنى ضافَ، والذي جاء في الحديث بالضاد.

أبو عُبَيد عن الأصمعي: أضافَ الرجلُ من الأمر: إذا أشفَق، وأنشد قولَ

الهُذَليّ:

وكنتُ إذا جارِي دَعَا لمَضُوفَةٍ *** أُشَمِّر حتى يَنصُفَ الساقَ مِئزَرِي

يعني الأمر: يشفق منه الرجل.

أراد بالمَضُوفة: الأمر يُشْفَق منه.

ويقال: أضاف فلانٌ فلانًا إلى كذا فهو يُضيفه إضافةً: إذا ألجأَه إلى ذلك.

والمضافُ: الملجأْ المُحرَج المثقَلُ بالشر.

وقال الشاعر:

فما إنْ وَجْدُ مُعْوِلَةٍ ثَكول *** بواحدِها إذا يَغْزُو تُضِيفُ

أي: تُشْفِقُ عليه وتخاف أن يُصَاب فتَشْكَلُهُ.

ويقال: ضِفتُ الرجل وتضيّفْتُه: إذا نزلت به وصرتَ له ضيفًا.

وأَضفْتُه: إذا أنزلْتَه عليك وقرّبْته.

والمضاف: المُلْجَأُ والمُلْزَقُ بالقوم.

والضِّيفُ: جانب الوادي.

وقد تضَايف الوادي: إذا تضَايقَ.

وضِيفا الوادي: جانباه.

وقال أبو زيد: الضِّيفُ: الجنب.

وقال الراجز:

يَنْتَبعْنَ عَوْدًا يشتكي الأَظَلَّا *** إذا تضايَفْن عليه انْسَلَّا

يعني: إذا صِرْنَ منه قريبًا إلى جَنْبه.

وقال شَمر: سمعت رجاءَ بن سلمةَ الكوفيّ يقول: ضَيّفْتُه: إذا أطعمْتَه.

قال: والتَّضيفُ: الإطعام.

قال: وأضافه: إذا لم يُطْعِمْهُ.

وقال رجاء في قراءة ابن مسعود: فأبوا أن يضيفوهما [الكهف: 77]، أي: يطعموهما.

وأُخبرت عن أبي الهيثم أنه قال: يقال: أضافه وضيَّفَهُ بمعنًى واحد؛ كقولك: أكرمه وكَرَّمه.

قال: وقول الله: (فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما)، معناه: أن يجعلوهما ضَيْفَيْنِ لهم.

وروَى سلمةَ عن الفرّاء في قوله: (فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما) سألاهم الإضافة فلم يفعلوا، ولو قُرِئتْ (أن يُضيفوهما) كان صوابًا.

قال: وتضيّفْتُه: سألته أن يُضيفني.

قال: وتضيّفْتُه: آتيته ضيفًا.

وقال الأعشى:

تضيّفْتُه يومًا فأكرمَ مقعدي *** وأَصْفَدني عَلَى الزَّمانة قائدا

يقول: أعطاني خادمًا يقودُني.

وزمانَتُه: ذهابُ بَصَرِه.

وقال الفرزدق:

ومنَّا خطيبٌ لا يُعَابُ وقائلٌ *** ومَنْ هو يَرْجو فضلَهُ المتضيِّفُ

أي: ومنا مَن يرجو المتضيّفُ الذي ينزل به ضيفًا فضله.

أبو عُبَيد عن الكسائي: امرأة ضيْفه بالهاء، وأنشد قول البَعيث:

لَقًى حَمَلَتْه أمُّه وهي ضَيْفَةٌ *** فجاءت بيَتْنٍ للضيافة أَرْشمَا

وقال أبو الهيثم: معنى قوله: وهي ضيْفَةٌ، أي: ضافت يومًا فحبِلْت به في غير دار أهلها فجاءت بولد شَرِه.

وقال أبو الهيثم: ويقال: ضافت المرأة: حاضتْ؛ لأنها مالت من الطُّهر إلى الْحَيْضِ، فأراد أنها حملتْه وهي حائض.

وقيل: معنى قوله: وهي ضيفة، أي: ضافت قومًا فحبلت به في غير دار أهلها.

تهذيب اللغة-أبومنصور الأزهري-توفي: 370هـ/980م


24-تهذيب اللغة (مس)

مس: قال الله جلّ وعزّ: {الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِ} [البقرة: 275].

قال الفراء: المَسُ: الجنُونُ.

والعرب تقول: رجل مَمْسوسٌ.

عَمْرو عن أبيه: المَأسُوس والمَمْسوس والمُدَلّس كله المجنون.

والمَسُ: مَسّك الشيءَ بِيَدَك.

قال الله جلّ وعزّ: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَ} [البقرة: 237]، وقرىء: {تُماسُّوهُنّ}.

قال أحمد بن يحيى: اختار بعضهم {ما لَمْ تَمَسُّوهُنَ} وقال: لأنّا وجَدْنَا هذا الحرفَ في غير موضع من الكتاب بغير ألف {وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} [آل عمران: 47]، فكلُّ شيء من هذا الباب فهو فِعل الرجل في باب الغِشْيان.

قال: وأخبَرَنا سَلَمة عن الفرّاء أنه قال: إنه لَحَسَن المَسِ في ماله، يُريد أنه حَسَن الأثر والمَسّ يكون في الخير والشر: والمَسَ والمَسِيس: جِماع الرجلِ المرأة.

وأُخبرتُ عن شمر أنه قال: سئل أعرابيٌّ عن رَكِيّةٍ، فقال: ماؤها الشّفاء المَسُوس.

قال: والمَسُوس: الذي يمَسُ الغُلّة فيَشفيها، وأنشد:

لو كنتَ ماءً كنتَ لا *** عَذْبًا يُذَاق ولا مَسُوسَا

وقال ثعلب عن ابن الأعرابي: المَسُوس: كلُّ ما شَفَى الغَليل، لأنه مَسَ الغُلّة، وأَنشَد:

يا حَبّذا رِيقتُكِ المَسُوسُ *** وأَنْتِ خَوْدٌ بادنٌ شَمُوسُ

الليث: الرَّحِمُ الماسّة والمسّاسة: القريبة وقد مَسّتْه مواسُ الخَبَل.

عمرو عن أبيه: الأسْنُ: لُعْبَةٌ لهم يسمُّونها المَسّة والضّبَطة.

وقال الزّجاج في قول الله عزوجل: {فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ} [طه: 97]، قرىء: {مِساسَ} بفتح السين منصوبًا على التّبرئة.

قال: ويجوز {لَا مَسَاسِ} مبنيٌّ على الكسر، وهو نفي قولك: مَساسِ مَساسِ، فهو نفي ذلك، وبُنِيَتْ «مَساسِ» على الكسر وأصلُها الفَتْح لمكان الألف، فاختير الكسرُ لالتقاء الساكنين.

وقال الليث: (لا مِساسَ): أي: لا مُماسّة، أي: لا يَمَسُ بعضُنا بعضًا.

قال: والمَسْمسَةُ: اختلاطُ الأمْرِ واشتباهُه.

قال رُؤْبة:

إن كنتَ من أمرِك في مَسْماسِ *** فاسْطُ عَلَى أُمِّك سَطْوَ الماسِ

قال: خفّف سينَ الماس كما يخفّفونها في قولهم: مَسْتُ الشيءُ، أي: مسَسْتُه.

قلت: هذا غَلَط، الماسي هو الذي يُدخِل يده في حياء الأنثى لاستخراج الجنين إذا نَشِب يقال: مَسَيْتها أَمْسيها مَسْيًا، رَوَى ذلك أبو عُبيد عن الأصمعي، وليس المَسْيُ من المَسِ في شيء، وأما قولُ ابن مَغْراء:

مَسْنا السَّماءَ فنِلْناهَا وطَالْهُمْ *** حتى يَرَوْا أُحُدًا يَمشي وثَهْلَانَا

فإنه حَذَف إحدى السينين من مَسسنا استثقالًا للجمع بينهما، كما قال الله جلَّ وعزَّ: {فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} [الواقعة: 65] والأصل: فظللتم.

وقال ابن السكيت: مَسِسْتُ الشيءَ أمَسُّه مسًّا، وهي اللغة الفصيحة.

وقال أبو عُبَيْدة: مَسَسْتُ الشيء أمَسُّه أيضًا.

ثعلب عن ابن الأعرابي: الساسَمُ: شجرةٌ يُسوَّمنها الشِّيزَى، وأَنشَد قولَ ضمرة:

ناهَبْتُها القومَ على صُنْتُعٍ *** أجرَد كالقِدْحِ من السَّاسَمِ

عمرو عن أبيه: الطَّرِيدةُ لُعبةٌ: تسَمّيها العامّةُ: المَسّة والضَّبَطة، فإذا وقعتْ يدُ اللاعب من الرَّجُل على بدَنِه ـ رأسِه أو

كَتِفه ـ فهي المَسَّةُ، وإذا وقعت على رِجله فهي الأَسْنُ.

وقال ابن أحمر:

تَطايح الطّلُّ عن أسدانها صُعُدًا *** كما تَطايح عن ماموسة الشَّرَرُ

أراد بماموسة: النار، جعلها معرفة غير منصرفة.

ورواه بعضهم: عن مأنوسة الشرر.

وقال ابن الأعرابي: المأنوسة: النار.

والله أعلم.

أمّا رَسَط ورَطَس: فإن ابن المظفَّر أهمَلهما.

تهذيب اللغة-أبومنصور الأزهري-توفي: 370هـ/980م


25-تهذيب اللغة (زيد)

[زيد]: أبو عبيد: زادَ الشيءُ يَزيد، وزِدْتُه أنا أَزِيدُه زِيادةً.

سمعتُ العربَ تقول للرّجل يُخبِرُ عن أمرٍ أو يَستفْهم خَبَرا، فإذا أخبرَ حَقّقَ الخَبَرَ وقال له: وزادَ وزادَ؛ كأنه يقول: زاد الأَمْرُ على ما وَصَفْتَ وأخبرَت.

وقال الليث: يقال: هذه إبلٌ كثيرة الزَّيايِد، أي: كثيرةُ الزِّيادات؛ وأنشَد:

بهَجْمةٍ تَملأُ عينَ الحاسدِ *** ذاتِ سُروحٍ جَمَّة الزَّيَايِد

ومن قال: الزوائد: فإنها هي جماعةُ الزائدة، وإنَّما قالوا الزوائد في قوائم الدَّابة.

ويقال للأَسد: إنّه لذو زَوائد، وهو الّذي يتزيّد في زَئيره وصوته.

والناقةُ تتزيّد في سَيْرها: إذا تكلّفَتْ فوقَ قَدْرها.

والإنسانُ يتزيّد في حدِيثِه وكلامِه: إذا تَكلّف مجاوَزَة ما يَنبغِي؛ وأَنشَد:

إذا أنتَ فاكَهْتَ الرِّجالَ فلا تَلَعْ *** وقُلْ مِثلَ ما قالوا ولا تَتزَيَّدِ

قال: وزائدة الكَبِد: قطعةٌ معلَّقةٌ منها، والجميع الزّيائد.

قال: والمزَادَة: مَفْعلة من الزّيادة والجميع المزايد.

قلت: الزادة مفعلة من الزاد يُتزَوَّد فيها الماءُ.

والمِزْوَدُ: شبه جِرابٍ من أَدَم يُتزوَّد فيه الطعامُ للسّفر، وجمعُه المزَاوِد.

وزوَّدتُ فلانا الزادَ تَزْوِيدا فتزوّدَ تزوُّدا.

واستزَادَ فلانٌ فلانا: إذا عَتَب عليه أمْرا لم يَرضَه.

وإذا أَعطَى رجلٌ رَجلا مالا وطلبَ زيادةً على ما أعطاه، قيل: قد استزادَه.

ويقال للرّجل إذا أُعطِيَ شيئا: هل تزدادُ؟ المعنى: هل تَطلُب زيادةً على ما أعطيْتُك.

وتَزايَدَ أهلُ السُّوق على السِّلعة: إذا بِيعَت فيمن يزيد.

تهذيب اللغة-أبومنصور الأزهري-توفي: 370هـ/980م


انتهت النتائج