1-القاموس المحيط (الطهر)

الطُّهْرُ، بالضم: نَقِيضُ النَّجاسةِ،

كالطَّهارَةِ، طَهَرَ، كنَصَرَ وكرُمَ، فهو طاهِرٌ وطَهِرٌ وطَهِيرٌ

ج: أطْهارٌ وطَهارَى وطَهِرُونَ.

والأَطْهارُ: أيامُ طُهْرِ المرأةِ.

طَهَرَتْ وطَهُرَتْ: انْقَطَعَ دَمُها، واغْتَسلَتْ من الحَيْضِ وغيرِه،

كتَطَهَّرَتْ.

وطَهَّرَهُ بالماءِ: غَسَلَه به، والاسمُ: الطُّهْرَةُ، بالضم،

والمِطْهَرَةُ، بالكسر والفتح: إناءٌ يُتَطَهَّرُ به، والإِداوَةُ، وبيتٌ يُتَطَهَّرُ فيه،

والطَّهُورُ: المَصْدَرٌ، واسمُ ما يُتَطَهَّرُ به، أو الطاهِرُ المُطَهِّرُ.

وطَهَرَهُ، كمنعه: أبْعَدَهُ.

وطِهْرانُ، بالكسر: ة بأصْفَهانَ، وة بالرَّيِّ.

والتَّطَهُّرُ: التَّنَزُّهُ والكَفُّ عن الإِثْمِ. واطَّهَّرَ اطَّهُّرًا،

أصْلُهُ تَطَهَّرَ تَطَهُّرًا أُدْغِمَتِ التاءُ في الطاءِ، واجْتُلِبَتْ ألِفُ الوَصْلِ (وكزُبَيْرٍ: أحمَدُ بنُ حَسَنِ بنِ طُهَيْرٍ المَوْصِلِيُّ المُحَدِّثُ).

القاموس المحيط-مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادي-توفي: 817هـ/1414م


2-موسوعة الفقه الكويتية (تصوير 1)

تَصْوِيرٌ -1

التَّعْرِيفُ:

1- التَّصْوِيرُ لُغَةً: صُنْعُ الصُّورَةِ.وَصُورَةُ الشَّيْءِ هِيَ هَيْئَتُهُ الْخَاصَّةُ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِهَا عَنْ غَيْرِهِ.وَفِي أَسْمَائِهِ تَعَالَى: الْمُصَوِّرُ، وَمَعْنَاهُ: الَّذِي صَوَّرَ جَمِيعَ الْمَوْجُودَاتِ وَرَتَّبَهَا، فَأَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ مِنْهَا صُورَتَهُ الْخَاصَّةَ وَهَيْئَتَهُ الْمُفْرَدَةَ، عَلَى اخْتِلَافِهَا وَكَثْرَتِهَا.

وَوَرَدَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ تَسْمِيَةُ الْوَجْهِ صُورَةً، قَالَ- رضي الله عنه-: «نَهَى النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم- أَنْ تُضْرَبَ الصُّورَةُ، أَوْ نَهَى عَنِ الْوَسْمِ فِي الْوَجْهِ» أَيْ: أَنْ يُضْرَبَ الْوَجْهُ أَوْ يُوسَمَ الْحَيَوَانُ فِي وَجْهِهِ.

وَالتَّصْوِيرُ أَيْضًا: ذِكْرُ صُورَةِ الشَّيْءِ، أَيْ: صِفَتُهُ، يُقَالُ: صَوَّرْتُ لِفُلَانٍ الْأَمْرَ، أَيْ: وَصَفْتُهُ لَهُ.

وَالتَّصْوِيرُ أَيْضًا: صُنْعُ الصُّورَةِ الَّتِي هِيَ تِمْثَالُ الشَّيْءِ، أَيْ: مَا يُمَاثِلُ الشَّيْءَ وَيَحْكِي هَيْئَتَهُ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الصُّورَةُ مُجَسَّمَةً أَوْ غَيْرَ مُجَسَّمَةٍ، أَوْ كَمَا يُعَبِّرُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: ذَاتُ ظِلٍّ أَوْ غَيْرُ ذَاتِ ظِلٍّ.

وَالْمُرَادُ بِالصُّورَةِ الْمُجَسَّمَةِ أَوْ ذَاتُ الظِّلِّ مَا كَانَتْ ذَاتَ ثَلَاثَةِ أَبْعَادٍ، أَيْ لَهَا حَجْمٌ، بِحَيْثُ تَكُونُ أَعْضَاؤُهَا نَافِرَةً يُمْكِنُ أَنْ تَتَمَيَّزَ بِاللَّمْسِ، بِالْإِضَافَةِ إِلَى تَمَيُّزِهَا بِالنَّظَرِ.

وَأَمَّا غَيْرُ الْمُجَسَّمَةِ، أَوِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا ظِلٌّ، فَهِيَ الْمُسَطَّحَةُ، أَوْ ذَاتُ الْبُعْدَيْنِ، وَتَتَمَيَّزُ أَعْضَاؤُهَا بِالنَّظَرِ فَقَطْ، دُونَ اللَّمْسِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ نَافِرَةً، كَالصُّوَرِ الَّتِي عَلَى الْوَرَقِ، أَوِ الْقُمَاشِ، أَوِ السُّطُوحِ الْمَلْسَاءِ.

وَالتَّصْوِيرُ وَالصُّورَةُ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ يَجْرِي عَلَى مَا جَرَى عَلَيْهِ فِي اللُّغَةِ.

وَقَدْ تُسَمَّى الصُّورَةُ تَصْوِيرَةً، وَجَمْعُهَا تَصَاوِيرُ، وَقَدْ وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ فِي السُّنَّةِ حَدِيثُ عَائِشَةَ- رضي الله عنها- فِي شَأْنِ السَّتْرِ قَوْلُهُ- صلى الله عليه وسلم-: «أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ هَذَا، فَإِنَّهُ لَا تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ فِي صَلَاتِي».

أَنْوَاعُ الصُّوَرِ:

2- إِنَّ الصُّورَةَ- بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الصُّوَرِ الثَّابِتَةِ- قَدْ تَكُونُ صُورَةً مُؤَقَّتَةً كَصُورَةِ الشَّيْءِ فِي الْمِرْآةِ، وَصُورَتُهُ فِي الْمَاءِ وَالسُّطُوحِ اللاَّمِعَةِ، فَإِنَّهَا تَدُومُ مَا دَامَ الشَّيْءُ مُقَابِلًا لِلسَّطْحِ، فَإِنِ انْتَقَلَ الشَّيْءُ عَنِ الْمُقَابَلَةِ انْتَهَتْ صُورَتُهُ.

وَمِنَ الصُّوَرِ غَيْرِ الدَّائِمَةِ: ظِلُّ الشَّيْءِ إِذَا قَابَلَ أَحَدَ مَصَادِرِ الضَّوْءِ.وَمِنْهُ مَا كَانُوا يَسْتَعْمِلُونَهُ فِي بَعْضِ الْعُصُورِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَيُسَمُّونَهُ: صُوَرَ الْخَيَالِ، أَوْ صُوَرَ خَيَالِ الظِّلِّ.فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَقْطَعُونَ مِنَ الْوَرَقِ صُوَرًا لِلْأَشْخَاصِ، ثُمَّ يُمْسِكُونَهَا بِعِصِيٍّ صَغِيرَةٍ، وَيُحَرِّكُونَهَا أَمَامَ السِّرَاجِ، فَتَنْطَبِعُ ظِلَالُهَا عَلَى شَاشَةٍ بَيْضَاءِ يَقِف خَلْفَهَا الْمُتَفَرِّجُونَ، فَيَرَوْنَ مَا هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ صُورَةُ الصُّورَةِ.

وَمِنَ الصُّوَرِ غَيْرِ الدَّائِمَةِ: الصُّوَرُ التِّلِيفِزْيُونِيّة، فَإِنَّهَا تَدُومُ مَا دَامَ الشَّرِيطُ مُتَحَرِّكًا فَإِذَا وَقَفَ انْتَهَتِ الصُّورَةُ.

3- ثُمَّ إِنَّ الصُّورَةَ قَدْ تَكُونُ لِشَيْءٍ حَيٍّ عَاقِلٍ ذِي رُوحٍ، كَصُورَةِ الْإِنْسَانِ.أَوْ غَيْرِ عَاقِلٍ، كَصُورَةِ الطَّائِرِ أَوِ الْأَسَدِ.أَوْ لِحَيٍّ غَيْرِ الْحَيَوَانِ كَصُوَرِ الْأَشْجَارِ وَالزُّهُورِ وَالْأَعْشَابِ.أَوْ لِلْجَمَادَاتِ كَصُوَرِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ وَالْجِبَالِ، أَوْ صُوَرِ الْمَصْنُوعَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ كَصُورَةِ مَنْزِلٍ أَوْ سَيَّارَةٍ أَوْ مَنَارَةٍ أَوْ سَفِينَةٍ.

الْأَلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ- التَّمَاثِيلُ:

4- التَّمَاثِيلُ جَمْعُ تِمْثَالٍ «بِكَسْرِ التَّاءِ» وَتِمْثَالُ الشَّيْءِ: صُورَتُهُ فِي شَيْءٍ آخَرَ.وَهُوَ مِنَ الْمُمَاثَلَةِ، وَهِيَ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ.وَالتَّمْثِيلُ: التَّصْوِيرُ.يُقَالُ: مَثَّلَ لَهُ الشَّيْءَ إِذَا صَوَّرَهُ لَهُ كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَمَثَّلْتَ لَهُ كَذَا: إِذَا صَوَّرْتَ لَهُ مِثَالَهُ بِكِتَابَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَفِي الْحَدِيثِ: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا مُمَثِّلٌ مِنَ الْمُمَثِّلِينَ» أَيْ مُصَوِّرٌ.وَظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ تِمْثَالُهُ.

فَالْفَرْقُ بَيْنَ التِّمْثَالِ وَبَيْنَ الصُّورَةِ: أَنَّ صُورَةَ الشَّيْءِ قَدْ يُرَادُ بِهَا الشَّيْءُ نَفْسُهُ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ غَيْرُهُ مِمَّا يَحْكِي هَيْئَةَ الْأَصْلِ، أَمَّا التِّمْثَالُ فَهُوَ الصُّورَةُ الَّتِي تَحْكِي الشَّيْءَ وَتُمَاثِلُهُ، وَلَا يُقَالُ لِصُورَةِ الشَّيْءِ فِي نَفْسِهِ: إِنَّهَا تِمْثَالُهُ.

5- وَمِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ التِّمْثَالَ أَيْضًا فِي اللُّغَةِ يُسْتَعْمَلُ لِصُوَرِ الْجَمَادَاتِ مَا وَرَدَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ يَأْتِي وَمَعَهُ تِمْثَالُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ.

أَمَّا فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ، فَإِنَّهُ بِاسْتِقْرَاءِ كَلَامِهِمْ تَبَيَّنَ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يُفَرِّقُونَ فِي الِاسْتِعْمَالِ بَيْنَ لَفْظَيِ (الصُّورَةِ) (وَالتِّمْثَالِ)، إِلاَّ أَنَّ بَعْضَهُمْ خَصَّ التِّمْثَالَ بِصُورَةِ مَا كَانَ ذَا رُوحٍ، أَيْ صُورَةِ الْإِنْسَانِ أَوِ الْحَيَوَانِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُجَسَّمًا أَوْ مُسَطَّحًا، دُونَ صُورَةِ شَمْسٍ أَوْ قَمَرٍ أَوْ بَيْتٍ، وَأَمَّا الصُّورَةُ فَهِيَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ.نَقَلَهُ ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الْمُغْرِبِ.

وَهَذَا الْبَحْثُ جَارٍ عَلَى الِاصْطِلَاحِ الْأَغْلَبِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ أَنَّ الصُّورَةَ الَّتِي تَحْكِي الشَّيْءَ، وَالتِّمْثَالَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ.

ب- الرَّسْمُ:

6- الرَّسْمُ فِي اللُّغَةِ: أَثَرُ الشَّيْءِ.وَقِيلَ: بَقِيَّةُ الْأَثَرِ.وَأَثَرُ الشَّيْءِ قَدْ يُشَاكِلُهُ فِي الْهَيْئَةِ.وَمِنْ هُنَا سَمَّوْا «الرَّوْسَمَ»، وَهُوَ الْخَشَبَةُ الَّتِي فِيهَا نُقُوشٌ يُخْتَمُ بِهَا الْأَشْيَاءُ الْمُرَادُ بَقَاؤُهَا مُخْفَاةً، لِئَلاَّ تُسْتَعْمَلَ.وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ: «الرَّوْسَمُ الطَّابَعُ».وَمِنْهُ «الْمَرْسُومُ» لِأَنَّهُ يُخْتَمُ بِخَاتَمٍ.وَالرَّسْمُ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْمُعَاصِرِ بِمَعْنَى: الصُّورَةُ الْمُسَطَّحَةُ، أَوِ التَّصْوِيرُ الْمُسَطَّحُ، إِذَا كَانَ مَعْمُولًا بِالْيَدِ.وَلَا تُسَمَّى الصُّورَةُ الْفُوتُوغْرَافِيَّةُ رَسْمًا.بَلْ يُقَالُ: رَسَمْتُ دَارًا، أَوْ إِنْسَانًا، أَوْ شَجَرَةً.

ج- التَّزْوِيقُ، وَالنَّقْشُ، وَالْوَشْيُ، وَالرَّقْمُ:

7- هَذِهِ الْكَلِمَاتُ الْأَرْبَعُ تَكَادُ تَكُونُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ تَجْمِيلُ الشَّيْءِ الْمُسَطَّحِ أَوْ غَيْرِ الْمُسَطَّحِ بِإِضَافَةِ أَشْكَالٍ تَجْمِيلِيَّةٍ إِلَيْهِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ أَشْكَالًا هَنْدَسِيَّةً أَوْ نَمْنَمَاتٍ أَوْ صُوَرًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ.قَالَ صَاحِبُ اللِّسَانِ: ثَوْبٌ مُنَمْنَمٌ أَيْ: مَوْقُومٌ مُوَشًّى، وَقَالَ: النَّقْشُ: النَّمْنَمَةُ.فَكُلٌّ مِنْهَا يَكُونُ بِالصُّوَرِ أَوْ بِغَيْرِهَا.

د- النَّحْتُ:

8- النَّحْتُ: الْأَخْذُ مِنْ كُتْلَةٍ صُلْبَةٍ كَالْحَجَرِ أَوِ الْخَشَبِ بِأَدَاةٍ حَادَّةِ كَالْإِزْمِيلِ أَوِ السِّكِّينِ، حَتَّى يَكُونَ مَا يَبْقَى مِنْهَا عَلَى الشَّكْلِ الْمَطْلُوبِ، فَإِنْ كَانَ مَا بَقِيَ يُمَثِّلُ شَيْئًا آخَرَ فَهُوَ تِمْثَالٌ أَوْ صُورَةٌ، وَإِلاَّ فَلَا

تَرْتِيبُ هَذَا الْبَحْثِ:

9- يَحْتَوِي هَذَا الْبَحْثُ عَلَى مَا يَلِي:

أَوَّلًا: مَا يَتَعَلَّقُ مِنَ الْأَحْكَامِ بِالصُّورَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ.

ثَانِيًا: أَحْكَامُ التَّصْوِيرِ، أَيْ: صِنَاعَةُ الصُّوَرِ.

ثَالِثًا: أَحْكَامُ اقْتِنَاءِ الصُّوَرِ، أَيِ: اتِّخَاذُهَا وَاسْتِعْمَالُهَا.

رَابِعًا: أَحْكَامُ الصُّوَرِ مِنْ حَيْثُ التَّعَامُلُ وَالتَّعَرُّفُ فِيهَا.

الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: مَا يَتَعَلَّقُ مِنَ الْأَحْكَامِ بِالصُّورَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ:

10- يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَعْتَنِيَ بِتَجْمِيلِ صُورَتِهِ الظَّاهِرَةِ، بِالْإِضَافَةِ إِلَى اعْتِنَائِهِ بِتَكْمِيلِ صُورَتِهِ الْبَاطِنَةِ، وَيَقُومُ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى بِشُكْرِهِ عَلَى أَنَّهُ جَمَّلَ صُورَتَهُ.وَالْعِنَايَةُ بِالصُّورَةِ الْبَاطِنَةِ تَكُونُ بِالْإِيمَانِ وَالتَّطَهُّرِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالشُّكْرِ لِلَّهِ، وَالتَّجَمُّلِ بِالْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ.

وَالْعِنَايَةُ بِالصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ تَكُونُ بِالتَّطَهُّرِ بِالْوُضُوءِ وَالِاغْتِسَالِ وَالتَّنَظُّفِ وَإِزَالَةِ التَّفَثِ، وَالتَّزَيُّنِ بِالزِّينَةِ الْمَشْرُوعَةِ مِنَ الْعِنَايَةِ بِالشَّعْرِ وَالْمَلَابِسِ الْحَسَنَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، (ر: زِينَةٌ).

11- وَلَا يَحِلُّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُشَوِّهَ جِسْمَهُ بِإِتْلَافِ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ، أَوْ إِخْرَاجِهِ عَنْ وَضْعِهِ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ.كَمَا لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِغَيْرِهِ، إِلاَّ حَيْثُ أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ وَقَدْ «نَهَى النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم- عَنِ النُّهْبَى وَالْمُثْلَةِ». (ر: مُثْلَةٌ).

كَمَا لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَقْصِدَ تَشْوِيَهُ نَفْسِهِ بِلُبْسِ مَا يَنْفِرُ النَّاسُ مِنْهُ وَيُخْرِجَهُ عَنِ الْمُعْتَادِ (ر: أَلْبِسَةٌ).

وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ «نَهَى أَنْ يَمْشِيَ الرَّجُلُ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ» أَيْ: فِي إِحْدَى قَدَمَيْهِ دُونَ الْأُخْرَى.وَشُرِعَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَطَيَّبَ وَيَتَعَطَّرَ.وَلِلْمَرْأَةِ زِينَتُهَا الْخَاصَّةُ.وَرَاجِعْ مَبَاحِثَ (اكْتِحَالٌ.اخْتِضَابٌ.حُلِيٌّ، إِلَخْ).

12- أَمَّا الزِّينَةُ الْبَاطِنَةُ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: الْجَمَالُ الْبَاطِنُ هُوَ مَحَلُّ نَظَرِ اللَّهِ مِنْ عَبْدِهِ وَمَوْضِعُ مَحَبَّتِهِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ».وَهَذَا الْجَمَالُ الْبَاطِنُ يُزَيِّنُ الصُّورَةَ الظَّاهِرَةَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ذَاتَ جَمَالٍ، فَتَكْسُو صَاحِبَهَا مِنَ الْجَمَالِ وَالْمَهَابَةِ وَالْحَلَاوَةِ بِحَسَبِ مَا اكْتَسَبَتْ رُوحُهُ مِنْ تِلْكَ الصِّفَاتِ.فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يُعْطَى مَهَابَةً وَحَلَاوَةً بِحَسَبِ إِيمَانِهِ، فَمَنْ رَآهُ هَابَهُ، وَمَنْ خَالَطَهُ أَحَبَّهُ، وَهَذَا أَمْرٌ مَشْهُودٌ بِالْعِيَانِ.فَإِنَّكَ تَرَى الرَّجُلَ الصَّالِحَ ذَا الْأَخْلَاقِ الْجَمِيلَةِ مِنْ أَحْلَى النَّاسِ صُورَةً، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ جَمِيلٍ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا رُزِقَ حَظًّا مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ، فَإِنَّهَا تُنَوِّرُ الْوَجْهَ.

قَالَ: وَأَمَّا الْجَمَالُ الظَّاهِرُ فَزِينَةٌ خَصَّ اللَّهُ بِهَا بَعْضَ الصُّوَرِ عَنْ بَعْضٍ، وَهِيَ مِنْ زِيَادَةِ الْخَلْقِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِيهَا: {يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ} قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: هُوَ الصَّوْتُ الْحَسَنُ وَالصُّورَةُ الْحَسَنَةُ.وَالْقُلُوبُ مَطْبُوعَةٌ عَلَى مَحَبَّتِهِ، كَمَا هِيَ مَفْطُورَةٌ عَلَى اسْتِحْسَانِهِ.

قَالَ: وَكُلٌّ مِنَ الْجَمَالِ الظَّاهِرِ وَالْجَمَالِ الْبَاطِنِ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى تُوجِبُ عَلَى الْعَبْدِ شُكْرًا بِالتَّقْوَى وَالصِّيَانَةِ، وَبِهِمَا يَزْدَادُ جَمَالًا عَلَى جَمَالِهِ.وَإِنِ اسْتَعْمَلَ جَمَالَهُ فِي مَعَاصِي اللَّهِ قَلَبَ اللَّهُ مَحَاسِنَهُ شَيْنًا وَقُبْحًا.وَكَانَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم- يَدْعُو النَّاسَ إِلَى جَمَالِ الْبَاطِنِ بِجَمَالِ الظَّاهِرِ، «قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ- رضي الله عنه-: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-: أَنْتَ امْرُؤٌ حَسَّنَ اللَّهُ خَلْقَكَ، فَحَسِّنْ خُلُقَكَ».وَكَانَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم- أَجْمَلَ الْخَلْقِ وَأَحْسَنَهُمْ وَجْهًا.وَقَدْ سُئِلَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ: أَكَانَ وَجْهُ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- مِثْلَ السَّيْفِ؟ فَقَالَ: لَا، بَلْ مِثْلَ الْقَمَرِ.

وَكَانَ- صلى الله عليه وسلم- يَسْتَحِبُّ أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ الَّذِي يُرْسَلُ إِلَيْهِ حَسَنَ الْوَجْهِ حَسَنَ الِاسْمِ، فَكَانَ يَقُولُ: «إِذَا أَبْرَدْتُمْ إِلَيَّ بَرِيدًا فَاجْعَلُوهُ حَسَنَ الْوَجْهِ حَسَنَ الِاسْمِ» وَقَدْ أَمْتَعَ اللَّهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ فِي دَارِ كَرَامَتِهِ بِحُسْنِ الصُّوَرِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ «أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّذِينَ عَلَى أَثَرِهِمْ كَأَشَدِّ كَوْكَبٍ إِضَاءَةً، قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً.صُوَرُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ».

الْقِسْمُ الثَّانِي: حُكْمُ التَّصْوِيرِ (صِنَاعَةُ الصُّوَرِ)

أ- تَحْسِينُ صُورَةِ الشَّيْءِ الْمَصْنُوعِ:

13- يُسْتَحْسَنُ لِلصَّانِعِ إِذَا صَنَعَ شَيْئًا أَنْ يُحَسِّنَ صُورَةَ ذَلِكَ الشَّيْءِ، إِذْ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ إِتْقَانِ الْعَمَلِ وَإِحْسَانِهِ.وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ تَعَالَى نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ: {ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ الَّذِي أَحْسَن كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ} وَقَالَ: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} وَفِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ» وَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ»...الْحَدِيثَ.

ب- تَصْوِيرُ الْمَصْنُوعَاتِ:

14- لَا بَأْسَ بِتَصْوِيرِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي يَصْنَعُهَا الْبَشَرُ، كَصُورَةِ الْمَنْزِلِ وَالسَّيَّارَةِ وَالسَّفِينَةِ وَالْمَسْجِدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَصْنَعَهَا، فَكَذَلِكَ لَهُ أَنْ يُصَوِّرَهَا.

ج- صِنَاعَةُ تَصَاوِيرِ الْجَمَادَاتِ الْمَخْلُوقَةِ:

15- لَا بَأْسَ بِتَصْوِيرِ الْجَمَادَاتِ الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى- عَلَى مَا خَلَقَهَا عَلَيْهِ- كَتَصْوِيرِ الْجِبَالِ وَالْأَوْدِيَةِ وَالْبِحَارِ، وَتَصْوِيرِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالسَّمَاءِ وَالنُّجُومِ، دُونَ اخْتِلَافٍ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، إِلاَّ مَنْ شَذَّ.غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَعْنِي جَوَازَ صِنَاعَةِ شَيْءٍ مِنْهَا إِذَا عُلِمَ أَنَّ الشَّخْصَ الْمَصْنُوعَةَ لَهُ يَعْبُدُ تِلْكَ الصُّورَةَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَذَلِكَ كَعُبَّادِ الشَّمْسِ أَوِ النُّجُومِ.أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ عَابِدِينَ.وَيُسْتَدَلُّ لِحُكْمِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي التَّصْوِيرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بِمَا يَأْتِي فِي الْمَسْأَلَةِ التَّالِيَةِ وَمَا بَعْدَهَا.

وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ أَنَّهُ نَقَلَ وَجْهًا بِمَنْعِ تَصْوِيرِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ؛ لِأَنَّ مِنَ الْكُفَّارِ مَنْ عَبَدَهُمَا مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَيَمْتَنِعُ تَصْوِيرُهُمَا لِذَلِكَ.وَوَجَّهَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِعُمُومِ قَوْلِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم-: «الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ» وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي» فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ مَا فِيهِ رُوحٌ وَمَا لَا رُوحَ فِيهِ.غَيْرَ أَنَّ هَذَا مُؤَوَّلٌ وَخَاصٌّ بِمَا فِيهِ رُوحٌ كَمَا يَأْتِي.

د- تَصْوِيرُ النَّبَاتَاتِ وَالْأَشْجَارِ:

16- جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ شَرْعًا بِتَصْوِيرِ الْأَعْشَابِ وَالْأَشْجَارِ وَالثِّمَارِ وَسَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ النَّبَاتِيَّةِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ مُثْمِرَةً أَمْ لَا، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَدْخُلُ فِيمَا نُهِيَ عَنْهُ مِنَ التَّصَاوِيرِ.

وَلَمْ يُنْقَلْ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ، إِلاَّ مَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ رَأَى تَحْرِيمَ تَصْوِيرِ الشَّجَرِ الْمُثْمِرِ دُونَ الشَّجَرِ غَيْرِ الْمُثْمِرِ.قَالَ عِيَاضٌ: هَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ غَيْرُ مُجَاهِدٍ.قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَأَظُنُّ مُجَاهِدًا سَمِعَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَفِيهِ: «فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً وَلْيَخْلُقُوا شَعِيرَةً» فَإِنَّ فِي ذِكْرِ الذَّرَّةِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا فِيهِ رُوحُ، وَفِي ذِكْرِ الشَّعِيرَةِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا يَنْبُتُ مِمَّا يُؤْكَلُ، وَأَمَّا مَا لَا رُوحَ فِيهِ وَلَا يُثْمِرُ فَلَمْ تَقَعِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ.

وَكَرَاهَةُ تَصْوِيرِ النَّبَاتَاتِ وَالْأَشْجَارِ وَجْهٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَالْمَذْهَبُ عَلَى خِلَافِهِ.

وَقَدِ احْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ» فَخُصَّ النَّهْيُ بِذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ وَلَيْسَ الشَّجَرُ مِنْهَا، وَبِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ- رضي الله عنهما- أَنَّهُ نَهَى الْمُصَوِّرَ عَنِ التَّصْوِيرِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: إِنْ كُنْتَ فَاعِلًا فَصَوِّرِ الشَّجَرَ وَمَا لَا رُوحَ فِيهِ قَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَلِأَنَّ صُورَةَ الْحَيَوَانِ لَمَّا أُبِيحَتْ بَعْدَ قَطْعِ رَأْسِهَا- لِأَنَّهَا لَا تَعِيشُ بِدُونِهِ- دَلَّ ذَلِكَ عَلَى إِبَاحَةِ تَصْوِيرِ مَا لَا رُوحَ فِيهِ أَصْلًا.بَلْ إِنَّ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ حَدِيثِ عَائِشَةَ- رضي الله عنها- «أَنَّ جِبْرِيلَ- عليه السلام- قَالَ لِلنَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- مُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ فَلْيَقْطَعْ حَتَّى يَكُونَ كَهَيْئَةِ الشَّجَرَةِ» فَهَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الشَّجَرَةَ فِي الْأَصْلِ لَا يَتَعَلَّقُ النَّهْيُ بِتَصْوِيرِهَا.هَذَا مَا يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ تَصْوِيرُ الشَّجَرِ وَالنَّبَاتِ وَمَا لَا رُوحَ فِيهِ.

وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ- رضي الله عنه- «أَنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لِلنَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- إِنَّهَا ثَلَاثٌ، لَنْ يَلِجَ عَلَيْكَ مَلَكٌ مَا دَامَ فِيهَا وَاحِدٌ مِنْهَا: كَلْبٌ، أَوْ جَنَابَةٌ، أَوْ صُورَةُ رُوحٍ».

هـ- تَصْوِيرُ صُورَةِ الْحَيَوَانِ أَوِ الْإِنْسَانِ:

17- هَذَا النَّوْعُ مِنَ التَّصْوِيرِ فِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ وَتَفْصِيلٌ يَتَبَيَّنُ فِيمَا يَلِي، وَإِلَى هَذَا النَّوْعِ خَاصَّةً يَنْصَرِفُ قَوْلُ مَنْ يُطْلِقُ تَحْرِيمَ التَّصْوِيرِ، دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْوَاعِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا.

التَّصْوِيرُ فِي الدِّيَانَاتِ السَّابِقَةِ:

18- قَالَ مُجَاهِدٌ قوله تعالى فِي حَقِّ سُلَيْمَانَ- عليه السلام- وَطَاعَةِ الْجِنِّ لَهُ: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ} قَالَ: كَانَتْ صُوَرًا مِنْ نُحَاسٍ.أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ.وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَتْ مِنَ الزُّجَاجِ وَالْخَشَبِ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ.قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا فِي شَرِيعَتِهِمْ، وَكَانُوا يَعْمَلُونَ أَشْكَالَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ مِنْهُمْ عَلَى هَيْئَتِهِمْ فِي الْعِبَادَةِ لِيَتَعَبَّدُوا كَعِبَادَتِهِمْ.وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي شَرِيعَتِهِمْ حَرَامًا.وَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ الْجَصَّاصُ.

قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَكِنْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ- رضي الله عنهما- ذَكَرَتَا لِلنَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرَ فِيهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم- أُولَئِكَ قَوْمٌ كَانُوا إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ.أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ».

قَالَ: فَإِنَّ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ جَائِزًا فِي شَرِيعَتِهِمْ مَا أَطْلَقَ عَلَى الَّذِي فَعَلَهُ أَنَّهُ شَرُّ الْخَلْقِ، هَكَذَا قَالَ.لَكِنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّهُ ذَمَّهُمْ لِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ، وَلِجَعْلِهِمُ الصُّوَرَ فِي الْمَسَاجِدِ، لَا لِمُطْلَقِ التَّصْوِيرِ، لِيُوَافِقَ الْآيَةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

تَصْوِيرُ صُورَةِ الْإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ فِي الشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ:

19- اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِ تَصْوِيرِ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ مِنَ الْإِنْسَانِ أَوِ الْحَيَوَانِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:

20- الْقَوْلُ الْأَوَّلُ:

إِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ حَرَامٍ.وَلَا يَحْرُمُ مِنْهُ إِلاَّ أَنْ يَصْنَعَ صَنَمًا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى، لقوله تعالى: {قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ»- وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِالْإِبَاحَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي حَقِّ سُلَيْمَانَ- عليه السلام-: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ} قَالُوا: وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا لقوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ}.

وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- فِي حَقِّ الْمُصَوِّرِينَ «الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ» وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ «الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ» وَقَوْلُ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي فَلْيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا ذَرَّةً» قَالُوا: وَلَوْ كَانَ هَذَا عَلَى ظَاهِرِهِ لَاقْتَضَى تَحْرِيمَ تَصْوِيرِ الشَّجَرِ وَالْجِبَالِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَحْرُمُ بِالِاتِّفَاقِ، فَتَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى مَنْ قَصَدَ أَنْ يَتَحَدَّى صَنْعَةَ الْخَالِقِ عَزَّ وَجَلَّ وَيَفْتَرِيَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يَخْلُقُ مِثْلَ خَلْقِهِ.

21- وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ- صلى الله عليه وسلم- فِي حَقِّ الْمُصَوِّرِينَ «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ» قَالُوا: لَوْ حُمِلَ عَلَى التَّصْوِيرِ الْمُعْتَادِ لَكَانَ ذَلِكَ مُشْكِلًا عَلَى قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ.فَإِنَّ أَشَدَّ مَا فِيهِ أَنْ يَكُونَ مَعْصِيَةً كَسَائِرِ الْمَعَاصِي لَيْسَ أَعْظَمَ مِنَ الشِّرْكِ وَقَتْلِ النَّفْسِ وَالزِّنَا، فَكَيْفَ يَكُونُ فَاعِلُهُ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا، فَتَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى مَنْ صَنَعَ التَّمَاثِيلَ لِتُعْبَدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ.

- وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا يَأْتِي مِنَ اسْتِعْمَالِ الصُّوَرِ فِي بَيْتِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- وَبُيُوتِ أَصْحَابِهِ، وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ تَعَامُلُهُمْ بِالدَّنَانِيرِ الرُّومِيَّةِ وَالدَّرَاهِمِ الْفَارِسِيَّةِ دُونَ نَكِيرٍ، وَبِالْأَحْوَالِ الْفَرْدِيَّةِ لِلِاسْتِعْمَالِ الْوَاقِعِ مِنْهُمْ مِمَّا يَرِدُ ذِكْرُهُ فِي تَضَاعِيفِ هَذَا الْبَحْثِ، دُونَ تَأْوِيلٍ.

وَقَدْ نَقَلَ الْأَلُوسِيُّ هَذَا الْقَوْلَ فِي تَفْسِيرِهِ عِنْدَ تَفْسِيرِ الْآيَةِ «13» مِنْ سُورَةِ سَبَأٍ، حَيْثُ ذَكَرَ أَنَّ النَّحَّاسَ وَمَكِّيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَابْنَ الْفَرَسِ نَقَلُوهُ عَنْ قَوْمٍ وَلَمْ يُعَيِّنْهُمْ.مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ يُغْفِلُ ذِكْرَهُ الْفُقَهَاءُ فِي كُتُبِهِمُ الْمُطَوَّلَةِ وَالْمُخْتَصَرَةِ، وَيَقْتَصِرُونَ فِي ذِكْرِ الْخِلَافِ عَلَى الْأَقْوَالِ الْآتِيَةِ:

22- الْقَوْلُ الثَّانِي:

وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضِ السَّلَفِ، وَوَافَقَهُمُ ابْنُ حَمْدَانَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ، أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ مِنَ التَّصَاوِيرِ إِلاَّ مَا جَمَعَ الشُّرُوطَ الْآتِيَةَ:

الشَّرْطُ الْأَوَّلُ: أَنْ تَكُونَ صُورَةُ الْإِنْسَانِ أَوِ الْحَيَوَانِ مِمَّا لَهُ ظِلٌّ، أَيْ تَكُونُ تِمْثَالًا مُجَسَّدًا، فَإِنْ كَانَتْ مُسَطَّحَةً لَمْ يَحْرُمْ عَمَلُهَا، وَذَلِكَ كَالْمَنْقُوشِ فِي جِدَارٍ، أَوْ وَرَقٍ، أَوْ قُمَاشٍ.بَلْ يَكُونُ مَكْرُوهًا.وَمِنْ هُنَا نَقَلَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ تَصْوِيرَ مَا لَهُ ظِلٌّ حَرَامٌ.

الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ كَامِلَةَ الْأَعْضَاءِ، فَإِنْ كَانَتْ نَاقِصَةَ عُضْوٍ مِمَّا لَا يَعِيشُ الْحَيَوَانُ مَعَ فَقْدِهِ لَمْ يَحْرُمْ، كَمَا لَوْ صَوَّرَ الْحَيَوَانَ مَقْطُوعَ الرَّأْسِ أَوْ مَخْرُوقَ الْبَطْنِ أَوِ الصَّدْرِ.

الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَصْنَعَ الصُّورَةَ مِمَّا يَدُومُ مِنَ الْحَدِيدِ أَوِ النُّحَاسِ أَوِ الْحِجَارَةِ أَوِ الْخَشَبِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنْ صَنَعَهَا مِمَّا لَا يَدُومُ كَقِشْرِ بِطِّيخٍ أَوْ عَجِينٍ لَمْ يَحْرُمْ؛ لِأَنَّهُ إِذَا نَشَفَ تَقَطَّعَ.عَلَى أَنَّ فِي هَذَا النَّوْعِ عِنْدَهُمْ خِلَافًا، فَقَدْ قَالَ الْأَكْثَرُ مِنْهُمْ: يَحْرُمُ وَلَوْ كَانَ مِمَّا لَا يَدُومُ.

وَنُقِلَ قَصْرُ التَّحْرِيمِ عَلَى ذَوَاتِ الظِّلِّ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَيْضًا كَمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ.

وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: الْمُرَادُ بِالصُّورَةِ أَيِ: الْمُحَرَّمَةِ مَا كَانَ لَهَا جِسْمٌ مَصْنُوعٌ لَهُ طُولٌ وَعَرْضٌ وَعُمْقٌ.

23- الْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَحْرُمُ تَصْوِيرُ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ مُطْلَقًا، أَيْ سَوَاءٌ أَكَانَ لِلصُّورَةِ ظِلٌّ أَوْ لَمْ يَكُنْ.وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.وَتَشَدَّدَ النَّوَوِيُّ حَتَّى ادَّعَى الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ.وَفِي دَعْوَى الْإِجْمَاعِ نَظَرٌ يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي.وَقَدْ شَكَّكَ فِي صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ ابْنُ نُجَيْمٍ كَمَا فِي الطَّحْطَاوِيِّ عَلَى الدُّرِّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ لَا يَرَوْنَ تَحْرِيمَ الصُّوَرِ الْمُسَطَّحَةِ.لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ.

وَهَذَا التَّحْرِيمُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ هُوَ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ.وَيُسْتَثْنَى عِنْدَهُمْ بَعْضُ الْحَالَاتِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا أَوِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا مِمَّا سَيُذْكَرُ فِيمَا بَعْدُ.

- وَالتَّصْوِيرُ الْمُحَرَّمُ صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ مِنَ الْكَبَائِرِ.قَالُوا: لِمَا فِي الْحَدِيثِ مِنَ التَّوَعُّدِ عَلَيْهِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ».

أَدِلَّةُ الْقَوْلَيْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ بِتَحْرِيمِ التَّصْوِيرِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ:

24- اسْتَنَدَ الْعُلَمَاءُ فِي تَحْرِيمِ التَّصْوِيرِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ إِلَى الْأَحَادِيثِ التَّالِيَةِ:

الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ عَائِشَةَ- رضي الله عنها- قَالَتْ: «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- مِنْ سَفَرٍ، وَقَدْ سَتَرْتُ سَهْوَةً لِي بِقِرَامٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- هَتَكَهُ، وَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ.فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ: أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ.قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَطَعْنَاهُ فَجَعَلْنَا مِنْهُ وِسَادَةً أَوْ وِسَادَتَيْنِ».وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ».وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ: «إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ».

وَفِي رِوَايَةٍ: «إِنَّهَا قَالَتْ: فَأَخَذْتُ السِّتْرَ فَجَعَلْتُهُ مِرْفَقَةً أَوْ مِرْفَقَتَيْنِ، فَكَانَ يَرْتَفِقُ بِهِمَا فِي الْبَيْتِ».وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا.

هَذَا وَإِنَّ قَوْلَهُ- صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ أَيْضًا مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ- رضي الله عنه-.وَقَوْلُهُ: «إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» رَوَيَاهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ- رضي الله عنهما-.

الْحَدِيثُ الثَّانِي:

عَنْ عَائِشَةَ- رضي الله عنها- قَالَتْ: «وَاعَدَ رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- جِبْرِيلُ أَنْ يَأْتِيَهُ فِي سَاعَةٍ، فَجَاءَتْ تِلْكَ السَّاعَةُ وَلَمْ يَأْتِهِ.قَالَتْ: وَكَانَ بِيَدِهِ عَصًا فَطَرَحَهَا، وَهُوَ يَقُولُ: مَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَا رُسُلَهُ.ثُمَّ الْتَفَتَ، فَإِذَا جَرْوُ كَلْبٍ تَحْتَ سَرِيرٍ، فَقَالَ: مَتَى دَخَلَ هَذَا الْكَلْبُ؟ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ مَا دَرَيْتُ بِهِ.فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-: وَعَدْتنِي فَجَلَسْتُ لَكَ وَلَمْ تَأْتِنِي؟ فَقَالَ: مَنَعَنِي الْكَلْبُ الَّذِي كَانَ فِي بَيْتِكَ.إِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ».وَرَوَتْ مَيْمُونَةُ- رضي الله عنها- حَادِثَةً مِثْلَ هَذِهِ، وَفِيهَا قَوْلُ جِبْرِيلَ: «إِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ».وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ- رضي الله عنه- أَنَّ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- أَخْبَرَهُ بِحَادِثَةِ جِبْرِيلَ، وَمَا قَالَ لَهُ.وَرَوَى الْقِصَّةَ أَيْضًا أَبُو هُرَيْرَةَ- رضي الله عنه-.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- رضي الله عنه- «أَنَّهُ دَخَلَ دَارًا تُبْنَى بِالْمَدِينَةِ لِسَعِيدٍ، أَوْ لِمَرْوَانَ، فَرَأَى مُصَوِّرًا يُصَوِّرُ فِي الدَّارِ، فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً».

الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ- رضي الله عنهما- أَنَّهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنِّي رَجُلٌ أُصَوِّرُ هَذِهِ الصُّوَرَ فَأَفْتِنِي فِيهَا.فَقَالَ: ادْنُ مِنِّي، فَدَنَا مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: ادْنُ مِنِّي، فَدَنَا مِنْهُ، حَتَّى وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَقَالَ: أُنَبِّئُكَ بِمَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-.سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: «كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ، يُجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسًا، فَيُعَذِّبُهُ فِي جَهَنَّمَ» ثُمَّ قَالَ: إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَاصْنَعِ الشَّجَرَ وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ.

الْحَدِيثُ الْخَامِسُ:

«عَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ الْأَسَدِيِّ أَنَّ عَلِيًّا- رضي الله عنه- قَالَ لَهُ: أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-: أَلاَّ تَدَعَ صُورَةً إِلاَّ طَمَسْتَهَا، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلاَّ سَوَّيْتَهُ».

تَعْلِيلُ تَحْرِيمِ التَّصْوِيرِ:

25- اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي عِلَّةِ تَحْرِيمِ التَّصْوِيرِ عَلَى وُجُوهٍ:

الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ مَا فِي التَّصْوِيرِ مِنْ مُضَاهَاةِ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَصْلُ التَّعْلِيلِ بِذَلِكَ وَارِدٌ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ، كَلَفْظِ حَدِيثِ عَائِشَةَ- رضي الله عنها-: «الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ» وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ- رضي الله عنه-: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي» وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ حَدِيثُ: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ»

وَحَدِيثِ: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ.يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ».وَمِمَّا يُكَدِّرُ عَلَى التَّعْلِيلِ بِهَذَا أَمْرَانِ:

الْأَوَّلُ: أَنَّ التَّعْلِيلَ بِهَذَا يَقْتَضِي مَنْعَ تَحْرِيمِ تَصْوِيرِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْجِبَالِ وَالشَّجَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ.

وَالثَّانِي: أَنَّ التَّعْلِيلَ بِذَلِكَ يَقْتَضِي أَيْضًا مَنْعَ تَصْوِيرِ لُعَبِ الْبَنَاتِ وَالْعُضْوِ الْمَقْطُوعِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا اسْتَثْنَاهُ الْعُلَمَاءُ مِنْ قَضِيَّةِ التَّحْرِيمِ- مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالتَّعْلِيلِ بِهَذِهِ الْعِلَّةِ مِنْ صُنْعِ الصُّورَةِ مُتَحَدِّيًا قُدْرَةَ الْخَالِقِ عَزَّ وَجَلَّ وَرَأَى أَنَّهُ قَادِرٌ أَنْ يَخْلُقَ كَخَلْقِهِ، فَيُرِيَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَجْزَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بِأَنْ يُكَلِّفَهُ أَنْ يَنْفُخَ الرُّوحَ فِي تِلْكَ الصُّوَرِ.

قَالَ النَّوَوِيُّ: أَمَّا رِوَايَةُ «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا» فَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَنْ فَعَلَ الصُّورَةَ لِتُعْبَدَ، وَقِيلَ: هِيَ فِيمَنْ قَصَدَ الْمَعْنَى الَّذِي فِي الْحَدِيثِ مِنْ مُضَاهَاةِ خَلْقِ اللَّهِ، وَاعْتَقَدَ ذَلِكَ، فَهَذَا كَافِرٌ لَهُ مِنْ أَشَدِّ الْعَذَابِ مَا لِلْكُفَّارِ، وَيَزِيدُ عَذَابُهُ بِزِيَادَةِ كُفْرِهِ «.

وَيَتَأَيَّدُ التَّعْلِيلُ بِهَذَا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ شَبِيهًا بِذَلِكَ فِي حَقِّ مَنِ ادَّعَى أَنَّهُ يُنَزِّلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَأَنَّهُ لَا أَحَدَ أَظْلَم مِنْهُ، فَقَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} فَهَذَا فِيمَنِ ادَّعَى مُسَاوَاةَ الْخَالِقِ فِي أَمْرِهِ وَوَحْيِهِ، وَالْأَوَّلُ فِيمَنِ ادَّعَى مُسَاوَاتَهُ فِي خَلْقِهِ، وَكِلَاهُمَا مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا.

وَمِمَّا يُحَقِّقُ هَذَا مَا تُوحِي بِهِ رِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ- رضي الله عنه- أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي» فَإِنَّ «ذَهَبَ» بِمَعْنَى قَصَدَ، بِذَلِكَ فَسَّرَهَا ابْنُ حَجَرٍ.وَبِذَلِكَ يَكُونُ مَعْنَاهَا أَنَّهُ أَظْلَمُ النَّاسِ بِهَذَا الْقَصْدِ، وَهُوَ أَنْ يَقْصِدَ أَنْ يَخْلُقَ كَخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى.

وَنَقَلَ الْجَصَّاصُ قَوْلًا أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ «مَنْ شَبَّهَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ».

موسوعة الفقه الكويتية-وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت-صدرت بدءًا من: 1404هـ/1984م


3-موسوعة الفقه الكويتية (توكل)

تَوَكُّلٌ

التَّعْرِيفُ:

1- التَّوَكُّلُ فِي اللُّغَةِ: إِظْهَارُ الْعَجْزِ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى الْغَيْرِ وَالتَّفْوِيضُ وَالِاسْتِسْلَامُ، وَالِاسْمُ مِنْهُ الْوَكَالَةُ.يُقَالُ: وَكَّلَ أَمْرَهُ إِلَى فُلَانٍ أَيْ فَوَّضَهُ إِلَيْهِ، وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ وَوَثِقَ بِهِ، وَاتَّكَلَ عَلَيْهِ فِي أَمْرِهِ كَذَلِكَ.وَالتَّوَكُّلُ أَيْضًا قَبُولُ الْوَكَالَةِ، يُقَالُ وَكَّلْتُهُ تَوْكِيلًا فَتَوَكَّلَ.

وَفِي الشَّرِيعَةِ يُطْلَقُ التَّوَكُّلُ عَلَى الثِّقَةِ بِاَللَّهِ وَالْإِيقَانِ بِأَنَّ قَضَاءَهُ مَاضٍ، وَاتِّبَاعٍ لِسُنَّةِ نَبِيِّهِ- صلى الله عليه وسلم- فِي السَّعْيِ فِيمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ مِنَ الْأَسْبَابِ.

حُكْمُ التَّوَكُّلِ:

2- التَّوَكُّلُ بِمَعْنَى الثِّقَةِ بِاَللَّهِ، وَالِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ فِي كُلِّ الْأُمُورِ وَاجِبٌ، وَمَأْمُورٌ بِهِ فِي كَثِيرٍ مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَفِي سُنَّةِ الرَّسُولِ- صلى الله عليه وسلم-:

قَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ لِنَبِيِّهِ- صلى الله عليه وسلم-: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} وَأَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ كَذَلِكَ بِالتَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ، وَقَالَ: تَبَارَكَتْ أَسْمَاؤُهُ: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاَللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ}.

3- أَمَّا التَّوَكُّلُ بِمَعْنَى جَعْلِ الْغَيْرِ وَكِيلًا عَنْهُ يَتَصَرَّفُ فِي شُؤُونِهِ فِيمَا يَقْبَلُ النِّيَابَةَ، فَهُوَ جَائِزٌ وَيَأْتِي بَحْثُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (وَكَالَةٌ).

4- وَأَمَّا التَّوَكُّلُ بِمَعْنَى: الِاعْتِمَادِ عَلَى اللَّهِ وَالثِّقَةِ بِهِ وَالرُّجُوعِ إِلَيْهِ فِي كُلِّ الْأُمُورِ: فَهُوَ مِنْ أَعْمَالِ الْقَلْبِ كَالْإِيمَانِ، وَمَعْرِفَةِ اللَّهِ، وَالتَّفَكُّرِ وَالصَّبْرِ وَالرِّضَا بِالْقَضَاءِ وَالْقَدْرِ، وَمَحَبَّةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَمَحَبَّةِ نَبِيِّهِ- صلى الله عليه وسلم- وَالتَّطَهُّرِ مِنَ الرَّذَائِلِ الْبَاطِنَةِ كَالْحِقْدِ، وَالْحَسَدِ، وَالرِّيَاءِ فِي الْعَمَلِ، لَا يَدْخُلُ فِي مَبَاحِثِ الْفِقْهِ.وَمَوْطِنُهُ الْأَصْلِيُّ: كُتُبُ التَّوْحِيدِ، وَعِلْمُ الْأَخْلَاقِ.

التَّوَكُّلُ لَا يَتَنَافَى مَعَ الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ:

5- ذَهَبَ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ، وَمُحَقِّقُو الصُّوفِيَّةِ إِلَى أَنَّ التَّوَكُّلَ عَلَى اللَّهِ لَا يَتَنَافَى مَعَ السَّعْيِ وَالْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ مِنْ مَطْعَمٍ، وَمَشْرَبٍ، وَتَحَرُّزٍ مِنَ الْأَعْدَاءِ وَإِعْدَادِ الْأَسْلِحَةِ، وَاسْتِعْمَالِ مَا تَقْتَضِيهِ سُنَّةُ اللَّهِ الْمُعْتَادَةُ، مَعَ الِاعْتِقَادِ أَنَّ الْأَسْبَابَ وَحْدَهَا لَا تَجْلُبُ نَفْعًا، وَلَا تَدْفَعُ ضَرًّا، بَلِ السَّبَبُ (الْعِلَاجُ) وَالْمُسَبَّبُ (الشِّفَاءُ) فِعْلُ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْكُلُّ مِنْهُ وَبِمَشِيئَتِهِ، وَقَالَ سَهْلٌ: مَنْ قَالَ: التَّوَكُّلُ يَكُونُ بِتَرْكِ الْعَمَلِ، فَقَدْ طَعَنَ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-.

وَقَالَ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِ قوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْت فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ التَّوَكُّلُ أَنْ يُهْمِلَ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ كَمَا يَقُولُ بَعْضُ الْجُهَّالِ وَإِلاَّ كَانَ الْأَمْرُ بِالْمُشَاوَرَةِ مُنَافِيًا لِلْأَمْرِ بِالتَّوَكُّلِ.بَلِ التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ: أَنْ يُرَاعِيَ الْإِنْسَانُ الْأَسْبَابَ الظَّاهِرَةَ وَلَكِنْ لَا يُعَوِّلُ بِقَلْبِهِ عَلَيْهَا، بَلْ يُعَوِّلُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى.

وَجُمْهُورُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ التَّوَكُّلَ الصَّحِيحَ إِنَّمَا يَكُونُ مَعَ الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ.وَبِدُونِهِ تَكُونُ دَعْوَى التَّوَكُّلِ جَهْلًا بِالشَّرْعِ وَفَسَادًا فِي الْعَقْلِ.

وَقِيلَ لِأَحْمَد: مَا تَقُولُ فِيمَنْ جَلَسَ فِي بَيْتِهِ وَمَسْجِدِهِ وَقَالَ لَا أَعْمَلُ شَيْئًا حَتَّى يَأْتِيَ رِزْقِي.فَقَالَ أَحْمَدُ: هَذَا رَجُلٌ جَهِلَ الْعِلْمَ، أَمَا سَمِعَ قَوْلَ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم-: «جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي».

وَقَالَ عُمَرُ- رضي الله عنه-: لَا يَقْعُدُ أَحَدُكُمْ عَنْ طَلَبِ الرِّزْقِ وَيَقُولُ اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ السَّمَاءَ لَا تُمْطِرُ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً.وَقَدْ تَوَاتَرَ الْأَمْرُ بِالْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ فِي الْقُرْآنِ وَسُنَّةِ الرَّسُولِ- صلى الله عليه وسلم-.

أَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- وَأَرَادَ أَنْ يَتْرُكَ نَاقَتَهُ وَقَالَ: أَأَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّلُ، أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ؟ فَقَالَ- صلى الله عليه وسلم-: اعْقِلْهَا، وَتَوَكَّلْ».

وَقَالَ- صلى الله عليه وسلم-: «لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ حَطَبٍ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ».

وَقَالَ تَعَالَى: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا} وَالْغَنِيمَةُ اكْتِسَابٌ، وَقَالَ تَعَالَى {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} وَالضَّرْبُ عَمَلٌ، وَقَالَ: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ} وَقَالَ: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ}.

وَأَمَرَ الرَّسُولُ- صلى الله عليه وسلم- بِالتَّدَاوِي: وَقَالَ «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلاَّ وَضَعَ مَعَهُ الشِّفَاءَ».

وَقَالَ شَارِحُ ثُلَاثِيَّاتِ مُسْنَدِ أَحْمَدَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ: وَصَفَهُمُ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم-: بِالْعُبُودِيَّةِ إِيمَاءً إِلَى أَنَّ التَّدَاوِيَ لَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ: أَيْ تَدَاوَوْا وَلَا تَعْتَمِدُوا فِي الشِّفَاءِ عَلَى التَّدَاوِي.بَلْ كُونُوا مُتَوَكِّلِينَ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَالتَّدَاوِي لَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ، كَمَا لَا يُنَافِيهِ رَفْعُ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَتَجَنُّبُ الْمُهْلِكَاتِ، وَالدُّعَاءُ بِطَلَبِ الْعَافِيَةِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ، وَقَالَ: وَفِي الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ إِثْبَاتٌ لِلْأَسْبَابِ، وَأَنَّهَا لَا تُنَافِي التَّوَكُّلَ عَلَى اللَّهِ لِمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّهَا بِإِذْنِ اللَّهِ وَتَقْدِيرِهِ وَلَا تَشْفِي بِذَوَاتِهَا بَلْ بِمَا قَدَّرَ اللَّهُ فِيهَا.

وَقَدْ قَرَنَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم-: التَّوَكُّلَ بِتَرْكِ الْأَعْمَالِ الْوَهْمِيَّةِ دُونَ غَيْرِهَا، جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ- رضي الله عنهما-: أَنَّ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، فَقَالُوا مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ».

وَقَالَ- عليه الصلاة والسلام-: «لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا».وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ التَّوَكُّلَ يَكُونُ مَعَ السَّعْيِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ لِلطَّيْرِ عَمَلًا وَهُوَ الذَّهَابُ صَبَاحًا فِي طَلَبِ الرِّزْقِ، وَهِيَ فَارِغَةُ الْبُطُونِ، وَالرُّجُوعُ وَهِيَ مُمْتَلِئَتُهَا.

موسوعة الفقه الكويتية-وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت-صدرت بدءًا من: 1404هـ/1984م


4-موسوعة الفقه الكويتية (طهر)

طُهْرٌ

التَّعْرِيفُ:

1- الطُّهْرُ فِي اللُّغَةِ هُوَ النَّقَاءُ مِنَ الدَّنَسِ وَالنَّجِسِ وَالتَّطَهُّرُ: الِاغْتِسَالُ، يُقَالُ: تَطَهَّرَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا انْقَطَعَ عَنْهَا الدَّمُ وَاغْتَسَلَتْ، وَجَمْعُ الطُّهْرِ: أَطْهَارٌ.وَفِي الشَّرْعِ: زَمَانُ نَقَاءِ الْمَرْأَةِ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ.

الْأَلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

الْقُرْءُ:

2- الْقُرْءُ فِي اللُّغَةِ- بِفَتْحِ الْقَافِ وَضَمِّهَا- يَقَعُ عَلَى، الطُّهْرِ وَعَلَى الْحَيْضِ.

الْحَيْضُ:

3- الْحَيْضُ فِي اللُّغَةِ السَّيَلَانُ، تَقُولُ الْعَرَبُ: حَاضَتِ الشَّجَرَةُ إِذَا سَالَ صَمْغُهَا، وَحَاضَ الْوَادِي إِذَا سَالَ مَاؤُهُ، وَحَاضَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا خَرَجَ دَمُهَا مِنْ رَحِمِهَا.

وَشَرْعًا: هُوَ دَمٌ يَخْرُجُ مِنْ أَقْصَى رَحِمِ الْمَرْأَةِ بَعْدَ بُلُوغِهَا عَلَى سَبِيلِ الصِّحَّةِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ.

وَالْحَيْضَةُ الْمَرَّةُ، وَهِيَ الدَّفْعَةُ الْوَاحِدَةُ مِنْ دَفَعَاتِ دَمِ الْحَيْضِ.

الْحُكْمُ الْإِجْمَالِيُّ:

وَرَدَتْ أَحْكَامُ الطُّهْرِ فِي أَبْوَابِ الْحَيْضِ وَالطَّلَاقِ وَالْعِدَّةِ مِنْ كُتُبِ الْفُقَهَاءِ كَمَا يَلِي:

الطُّهْرُ فِي بَابِ الْحَيْضِ:

4- ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ لَا حَدَّ لِأَكْثَرِ الطُّهْرِ، فَقَدْ لَا تَحِيضُ الْمَرْأَةُ فِي عُمْرِهَا إِلاَّ مَرَّةً، وَقَدْ لَا تَحِيضُ أَصْلًا، فَحِينَئِذٍ تُصَلِّي وَتَصُومُ أَبَدًا، وَيَأْتِيهَا زَوْجُهَا، وَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِالْأَشْهُرِ.

قَالُوا: وَإِنَّ غَالِبَ الطُّهْرِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَوْ ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا بِلَيَالِيهَا؛ لِأَنَّ غَالِبَ الْحَيْضِ سِتَّةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهَا أَوْ سَبْعَةٍ، وَبَاقِي الشَّهْرِ وَهُوَ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ أَوْ ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ يَكُونُ غَالِبَ الطُّهْرِ، «لِقَوْلِهِ- صلى الله عليه وسلم- لِحَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ: إِنَّمَا هِيَ رَكْضَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فِي عِلْمِ اللَّهِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي، فَإِذَا رَأَيْتِ أَنَّكِ قَدْ طَهُرْتِ وَاسْتَنْقَأْتِ فَصَلِّي أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً أَوْ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَأَيَّامَهَا».إِلاَّ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي أَقَلِّ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (حَيْض ف 24 وَمَا بَعْدَهَا).

كَمَا اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ الطُّهْرِ أَوِ النَّقَاءِ الَّذِي يَحْدُثُ أَثْنَاءَ فَتْرَةِ الْحَيْضِ، كَأَنْ رَأَتْ يَوْمًا وَلَيْلَةً دَمًا، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً نَقَاءً، أَوْ يَوْمَيْنِ دَمًا وَيَوْمَيْنِ نَقَاءً أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ مَا لَمْ يَتَجَاوَزْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (تَلْفِيق ف 4- 9).

وَاخْتَلَفُوا كَذَلِكَ فِي الطُّهْرِ مِنَ الْحَيْضِ، أَوِ النِّفَاسِ الَّذِي يُحِلُّهَا لِزَوْجِهَا، فَقَالَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: هُوَ أَنْ تَغْتَسِلَ بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ عَنْهَا.

وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا لِأَكْثَرِ الْحَيْضِ جَازَ لِزَوْجِهَا الْوَطْءُ قَبْلَ الْغُسْلِ، وَإِنِ انْقَطَعَ لِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْوَطْءُ حَتَّى تَغْتَسِلَ، أَوْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا وَقْتُ الصَّلَاةِ فَتَتَيَمَّمَ لَهَا.

وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُ هَذِهِ الْأَحْكَامِ فِي مُصْطَلَحِ (حَيْض ف 44).

الطُّهْرُ فِي بَابِ الطَّلَاقِ:

5- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ- وَكَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ- فِي طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّهَا فِيهِ ثُمَّ تَرَكَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا فَإِنَّ طَلَاقَهُ يَكُونُ سُنِّيًّا.

كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مِنْ أَقْسَامِ الطَّلَاقِ الْبِدْعِيِّ: أَنْ يُطَلِّقَ زَوْجَتَهُ وَهِيَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ، لِأَنَّ فِيهِ تَطْوِيلَ الْعِدَّةِ عَلَى الْمَرْأَةِ فَتَتَضَرَّرُ بِذَلِكَ، وَلِأَنَّهَا قَدْ تَحْمِلُ مِنْ ذَلِكَ الْجِمَاعِ فَيَحْصُلُ النَّدَمُ مِنْهُ وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ مُخَالَفَةً لقوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} الْآيَةَ.

وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحَيْ: (طَلَاق، وَحَيْض ف 45).

الطُّهْرُ فِي الْعِدَّةِ:

6- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَعْنَى الْقُرْءِ الْوَارِدِ فِي قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} بَعْدَ أَنِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ عِدَّةَ الْمَرْأَةِ الْمُطَلَّقَةِ إِنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ هِيَ ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ.

فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْأَقْرَاءَ هِيَ: الْأَطْهَارُ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْأَقْرَاءَ هِيَ الْحَيْضُ.

وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (قُرْء).

موسوعة الفقه الكويتية-وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت-صدرت بدءًا من: 1404هـ/1984م


5-موسوعة الفقه الكويتية (قضاء الحاجة 1)

قَضَاءُ الْحَاجَةِ -1

التَّعْرِيفُ:

1- مِنْ مَعَانِي الْقَضَاءِ فِي اللُّغَةِ: الْفَرَاغُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْقَائِلِ: قَضَيْتُ حَاجَتِي.

وَالْقَضَاءُ أَيْضًا بِمَعْنَى الْحُكْمِ وَالْقَطْعِ وَالْفَصْلِ، يُقَالُ: قَضَى يَقْضِي قَضَاءً.إِذَا حَكَمَ وَفَصَلَ، وَقَضَاءُ الشَّيْءِ: إِحْكَامُهُ وَإِمْضَاؤُهُ.

قَالَ الزُّهْرِيُّ: الْقَضَاءُ فِي اللُّغَةِ عَلَى وُجُوهٍ: مَرْجِعُهَا إِلَى انْقِطَاعِ الشَّيْءِ وَتَمَامِهِ.

وَالْحَاجَةُ: الْمَأْرَبَةُ وَيُكَنَّى عَنْهَا فِي اسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ بِالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، كَمَا يُكَنَّى عَنِ التَّبَوُّلِ وَالتَّغَوُّطِ بِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: الْكِنَايَةُ بِقَضَاءِ الْحَاجَةِ عَنِ التَّبَوُّلِ وَالتَّغَوُّطِ أَوْلَى مِنَ التَّصْرِيحِ.

الْأَلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ- الِاسْتِنْجَاءُ:

2- مِنْ مَعَانِي الِاسْتِنْجَاءِ: الْخَلَاصُ مِنَ الشَّيْءِ، يُقَالُ: اسْتَنْجَى حَاجَتَهُ مِنْهُ أَيْ خَلَّصَهَا، وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَأْخُوذٌ مِنَ النَّجْوَةِ وَهِيَ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ، لِأَنَّهُ إِذَا أَرَادَ قَضَاءَ الْحَاجَةِ اسْتَتَرَ بِهَا.

وَاصْطِلَاحًا: قَالَ الْقَلْيُوبِيُّ: إِزَالَةُ الْخَارِجِ مِنَ الْفَرْجِ عَنِ الْفَرْجِ بِمَاءٍ أَوْ حَجَرٍ.

وَالْعَلَاقَةُ بَيْنَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَالِاسْتِنْجَاءِ أَنَّ الثَّانِيَ يَعْقُبُ الْأَوَّلَ.

ب- الْخَلَاءُ:

3- الْخَلَاءُ فِي الْأَصْلِ الْمَكَانُ الْخَالِي.

وَفِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ هُوَ الْمَكَانُ الْمُعَدُّ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ.

وَالْعَلَاقَةُ أَنَّ قَضَاءَ الْحَاجَةِ يَكُونُ فِي الْخَلَاءِ.

الْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِقَضَاءِ الْحَاجَةِ:

1- أَحْكَامٌ تَتَعَلَّقُ بِكَيْفِيَّةِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ:

أ- اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارُهَا:

4- ذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارُهَا عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ لِمَا رَوَى أَبُو أَيُّوبَ- رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-: «إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا، أَوْ غَرِّبُوا» قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: «فَقَدِمْنَا الشَّامَ فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ بُنِيَتْ قِبَلَ الْقِبْلَةِ فَنَنْحَرِفُ، وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى» وَلِمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ عَلَى حَاجَتِهِ فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا».

وَتَتَحَقَّقُ حُرْمَةُ الِاسْتِقْبَالِ وَالِاسْتِدْبَارِ هَذِهِ بِشَرْطَيْنِ:

1- أَنْ يَكُونَ فِي الصَّحْرَاءِ.

2- أَنْ يَكُونَ بِلَا حَائِلٍ.

وَأَمَّا فِي الْبُنْيَانِ، أَوْ إِذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَسْتُرُهُ فَفِيهِ قَوْلَانِ:

أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ أَيْضًا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الصَّحِيحِ وَالثَّوْرِيِّ، لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ فِي النَّهْيِ.

وَالثَّانِي: يَجُوزُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارُهَا فِي الْبُنْيَانِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْعَبَّاسِ وَابْنِ عُمَرَ- رضي الله عنهما-، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ- رضي الله عنها-: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- ذُكِرَ لَهُ أَنْ قَوْمًا يَكْرَهُونَ أَنْ يَسْتَقْبِلُوا بِفُرُوجِهِمُ الْقِبْلَةَ، فَقَالَ: أُرَاهُمْ قَدْ فَعَلُوهَا؟ اسْتَقْبِلُوا بِمَقْعَدَتِي الْقِبْلَةَ».قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: أَحْسَنُ مَا رَوَى الرُّخْصَةَ حَدِيثُ عَائِشَةَ- رضي الله عنها-، وَعَنْ مَرْوَانَ الْأَصْفَرِ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ- رضي الله عنهما- أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ جَلَسَ يَبُولُ إِلَيْهَا، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَلَيْسَ قَدْ نُهِيَ عَنْ هَذَا؟ قَالَ: بَلَى، إِنَّمَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ فِي الْفَضَاءِ فَإِذَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَسْتُرُكَ فَلَا بَأْسَ وَهَذَا تَفْسِيرٌ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- وَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، فَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ.

وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَجُوزُ اسْتِدْبَارُ الْكَعْبَةِ فِي الْبُنْيَانِ وَالْفَضَاءِ جَمِيعًا، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُقَابِلٍ لِلْقِبْلَةِ، وَمَا يَنْحَطُّ مِنْهُ يَنْحَطُّ نَحْوَ الْأَرْضِ بِخِلَافِ الْمُسْتَقْبِلِ، لِأَنَّ فَرْجَهُ مُوَازٍ لَهَا وَمَا يَنْحَطُّ مِنْهُ، يَنْحَطُّ إِلَيْهَا.

وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ- رضي الله عنهما- قَالَ: «ارْتَقَيْتُ فَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ حَفْصَةَ لِبَعْضِ حَاجَتِي فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- يَقْضِي حَاجَتَهُ، مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ».

وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ فِي غَيْرِ الْمَكَانِ الْمُعَدِّ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ: لَا تُسْتَقْبَلُ الْقِبْلَةُ بِبَوْلٍ وَلَا تُسْتَدْبَرُ بِغَائِطٍ، لِأَنَّ الِاسْتِقْبَالَ جَعْلُ الشَّيْءِ قُبَالَةَ الْوَجْهِ وَالِاسْتِدْبَارَ جَعْلُ الشَّيْءِ جِهَةَ دُبُرِهِ، فَلَوِ اسْتَقْبَلَ وَتَغَوَّطَ أَوِ اسْتَدْبَرَ وَبَالَ لَمْ يَحْرُمْ، وَكَذَا لَوِ اسْتَقْبَلَ وَلَوَى ذَكَرَهُ يَمِينًا أَوْ يَسَارًا بِخِلَافِ عَكْسِهِ.

فَإِنْ جَلَسَ مُسْتَقْبِلًا لَهَا غَافِلًا، ثُمَّ تَذَكَّرَ انْحَرَفَ نَدْبًا، لِحَدِيثِ: «مَنْ جَلَسَ يَبُولُ قُبَالَةَ الْقِبْلَةِ فَذَكَرَ، فَتَحَرَّفَ عَنْهَا إِجْلَالًا لَهَا، لَمْ يَقُمْ مِنْ مَجْلِسِهِ حَتَّى يُغْفَرَ لَهُ» هَذَا إِنْ أَمْكَنَهُ وَإِلاَّ فَلَا بَأْسَ.

وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ يُكْرَهُ تَحْرِيمًا لِلْمَرْأَةِ إِمْسَاكُ صَغِيرٍ لِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ نَحْوَ الْقِبْلَةِ، لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ الْفِعْلُ مِنَ الْمَرْأَةِ.

ب- تَجَنُّبُ اسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَاسْتِدْبَارِهِ:

5- فِي اسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَاسْتِدْبَارِهِ حَالَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ قَوْلَانِ:

الْأَوَّلُ: أَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَلَيْسَ بِحَرَامٍ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ، وَظَاهِرُ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ.

الثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَلَا مَكْرُوهٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْمَالِكِيَّةِ، وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَهِيَ الْمَذْهَبُ.

قَالَ الْحَطَّابُ الْمَالِكِيُّ: لَا يُكْرَهُ اسْتِقْبَالُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَلَا اسْتِدْبَارُهُ حَالَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ، هَكَذَا قَالَ سَنَدٌ، لِأَنَّ بَيْتَ الْمَقْدِسِ لَيْسَ قِبْلَةً.

ج- اسْتِقْبَالُ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ:

6- ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ اسْتِقْبَالُ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ لِأَنَّهُمَا مِنْ آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى الْبَاهِرَةِ، فَيُكْرَهُ اسْتِقْبَالُهُمَا تَعْظِيمًا لَهُمَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ اسْتِقْبَالُ عَيْنِهِمَا مُطْلَقًا لَا جِهَتِهِمَا، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ سَاتِرٌ يَمْنَعُ عَنِ الْعَيْنِ وَلَوْ سَحَابًا فَلَا كَرَاهَةَ، لِأَنَّهُ لَوِ اسْتَتَرَ عَنِ الْقِبْلَةِ جَازَ، فَهَاهُنَا أَوْلَى.

وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِقْبَالُهُمَا، وَالْمُرَادُ بِالْجَوَازِ خِلَافُ الْأَوْلَى عِنْدَهُمْ.

وَأَمَّا اسْتِدْبَارُهُمَا فَيَجُوزُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.

وَنَقَلَ ابْنُ عَابِدِينَ عَنْ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ يُكْرَهُ اسْتِدْبَارُهُمَا أَيْضًا.

وَهُوَ مَا نُقِلَ عَنِ الْمِفْتَاحِ: وَلَا يَقْعُدُ مُسْتَقْبِلًا لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَلَا مُسْتَدْبِرًا لَهُمَا لِلتَّعْظِيمِ، وَقَالَ الشِّرْبِينِيُّ: وَقِيلَ يُكْرَهُ اسْتِدْبَارُهُمَا.

د- اسْتِقْبَالُ مَهَبِّ الرِّيحِ:

7- لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يُكْرَهُ لِقَاضِي الْحَاجَةِ إِذَا كَانَتِ الْحَاجَةُ بَوْلًا أَوْ غَائِطًا رَقِيقًا أَنْ يَسْتَقْبِلَ مَهَبَّ الرِّيحِ، لِئَلاَّ يُصِيبَهُ رَشَاشُ الْخَارِجِ فَيُنَجِّسَهُ، وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ: وَلَوْ كَانَتِ الرِّيحُ سَاكِنَةً لِاحْتِمَالِ تَحَرُّكِهَا وَهَيَجَانِهَا.

وَلَوْ هَبَّتْ رِيحٌ عَنْ يَمِينِ الْقِبْلَةِ وَيَسَارِهَا، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ عَوْدُ النَّجَاسَةِ عَلَيْهِ، فَالظَّاهِرُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ اسْتِدْبَارُ الْقِبْلَةِ حَيْثُ أَمْكَنَ لِأَنَّ الِاسْتِقْبَالَ أَفْحَشُ.

هـ- كَيْفِيَّةُ الْجُلُوسِ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ:

8- صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِقَاضِي الْحَاجَةِ أَنْ يُوَسِّعَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ فِي جُلُوسِهِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَيَعْتَمِدَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى، لِمَا رَوَى سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ- رضي الله عنه- قَالَ: «عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- إِذَا دَخَلَ أَحَدُنَا الْخَلَاءَ أَنْ يَعْتَمِدَ الْيُسْرَى وَيَنْصِبَ الْيُمْنَى» وَلِأَنَّهُ أَسْهَلُ لِخُرُوجِ الْخَارِجِ، وَيَجْتَهِدَ فِي الِاسْتِفْرَاغِ مِنْهُ، وَلَا يُطِيلُ الْمُقَامَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الْحَاجَةِ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَضُرُّهُ، وَرُبَّمَا آذَى مَنْ يَنْتَظِرُهُ.

وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُغَطِّيَ رَأْسَهُ حَالَ الْجُلُوسِ، لِأَنَّ ذَلِكَ يُرْوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ- رضي الله عنه-، وَلِأَنَّهُ حَالَ كَشْفِ الْعَوْرَةِ فَيَسْتَحْيِي فِيهَا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ أَحْفَظُ لِمَسَامِّ الشَّعْرِ مِنْ عُلُوقِ الرَّائِحَةِ بِهَا فَتَضُرُّهُ، وَيَلْبَسُ حِذَاءَهُ لِئَلاَّ تَتَنَجَّسَ رِجْلَاهُ، وَلَا يَكْشِفُ عَوْرَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَدْنُوَ إِلَى الْقُعُودِ.

و- التَّبَوُّلُ قَائِمًا:

9- يُكْرَهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ أَنْ يَبُولَ الرَّجُلُ قَائِمًا لِغَيْرِ عُذْرٍ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ- رضي الله عنها- قَالَتْ: «مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- بَالَ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقْهُ»، وَقَالَ جَابِرٌ- رضي الله عنه-: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- أَنْ يَبُولَ الرَّجُلُ قَائِمًا».

وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ذَكَرَهَا فِي الْإِنْصَافِ: لَا يُكْرَهُ وَلَوْ بِلَا حَاجَةٍ إِنْ أَمِنَ تَلَوُّثًا أَوْ نَاظِرًا، وَالْمَذْهَبُ كَقَوْلِ الْجُمْهُورِ، قَالَ صَاحِبُ الْمُغْنِي: وَقَدْ رُوِيَتِ الرُّخْصَةُ فِيهِ- يَعْنِي الْبَوْلَ مِنْ قِيَامٍ- عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وَأَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعُرْوَةَ- رضي الله عنهم-.

فَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ فَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ اتِّفَاقًا، قَالَ الشَّافِعِيَّةُ: بَلْ وَلَا خِلَافَ الْأَوْلَى، لِمَا وَرَدَ عَنْ حُذَيْفَةَ- رضي الله عنه-: «أَنَّ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا، فَتَنَحَّيْتُ فَقَالَ: ادْنُهْ، فَدَنَوْتُ حَتَّى قُمْتُ عِنْدَ عَقِبَيْهِ فَتَوَضَّأَ فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ».

وَسَبَبُ بَوْلِهِ قَائِمًا مَا قِيلَ إِنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَسْتَشْفِي بِهِ لِوَجَعِ الصُّلْبِ، فَلَعَلَّهُ كَانَ بِهِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَعَلَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَيُفْهَمُ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ تَعْلِيلِ الْحَنَابِلَةِ.

وَفَصَّلَ الْمَالِكِيَّةُ فِي ذَلِكَ، فَرَأَوْا أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمَكَانُ رَخْوًا طَاهِرًا كَالرَّمَلِ جَازَ فِيهِ الْقِيَامُ، وَالْجُلُوسُ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَسْتَرُ، وَإِنْ كَانَ رَخْوًا نَجِسًا بَالَ قَائِمًا مَخَافَةَ أَنْ تَتَنَجَّسَ ثِيَابُهُ، وَإِنْ كَانَ صُلْبًا طَاهِرًا تَعَيَّنَ الْجُلُوسُ لِئَلاَّ يَتَطَايَرَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الْبَوْلِ، وَإِنْ كَانَ صُلْبًا نَجِسًا تَنَحَّى عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ وَلَا يَبُولُ فِيهِ قَائِمًا وَلَا قَاعِدًا.

وَلَا يُعْرَفُ هَذَا التَّقْسِيمُ لِغَيْرِهِمْ.

ز- تَرْكُ التَّكَلُّمِ بِذِكْرٍ أَوْ بِغَيْرِهِ:

10- أَمَّا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فَفِيهَا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ قَوْلَانِ:

الْأَوَّلُ: أَنَّهَا حَرَامٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَقَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ.

وَالثَّانِي: أَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَقَوْلٌ لِلْحَنَابِلَةِ.

قَالَ الْجَمَلُ: إِنَّ الْكَلَامَ مَكْرُوهٌ وَلَوْ بِالْقُرْآنِ خِلَافًا لِلْأَذْرَعِيِّ حَيْثُ قَالَ بِتَحْرِيمِهِ.

11- وَأَمَّا مَا عَدَا الْقُرْآنَ: فَقَدْ نَصَّ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى كَرَاهَةِ التَّكَلُّمِ حَالَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ بِذِكْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَفِيهِ خِلَافٌ لِبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ، قَالَ الْخَرَشِيُّ: إِنَّمَا طُلِبَ السُّكُوتُ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَحَلُّ مِمَّا يَجِبُ سَتْرُهُ وَإِخْفَاؤُهُ وَالْمُحَادَثَةُ تَقْتَضِي عَدَمَ ذَلِكَ، وَالْحُجَّةُ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ أَنَّ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «لَا يَخْرُجِ الرَّجُلَانِ يَضْرِبَانِ الْغَائِطَ كَاشِفَيْنِ عَنْ عَوْرَتِهِمَا يَتَحَدَّثَانِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ»، وَمَا رَوَاهُ الْمُهَاجِرُ بْنُ قُنْفُذٍ- رضي الله عنه- قَالَ: «أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى تَوَضَّأَ، ثُمَّ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ: إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلاَّ عَلَى طُهْرٍ» وَمَا رَوَاهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ- رضي الله عنهما- قَالَ: «إِنَّ رَجُلًا مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ يَبُولُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-: إِذَا رَأَيْتَنِي عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ فَلَا تُسَلِّمْ عَلَيَّ، فَإِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ لَمْ أَرُدَّ عَلَيْكَ».

وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ الْكَرَاهَةَ فِي حَالِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ سَوَاءٌ كَانَتْ بَوْلًا أَوْ غَائِطًا، وَأَنَّهُ يُكْرَهُ التَّكَلُّمُ كَذَلِكَ فِي مَوْضِعِ الْخَلَاءِ وَلَوْ فِي غَيْرِ حَالِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ.

وَقَدْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِاسْتِثْنَاءِ حَالَةِ الضَّرُورَةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: كَأَنْ رَأَى ضَرِيرًا يَقَعُ فِي بِئْرٍ، أَوْ رَأَى حَيَّةً أَوْ غَيْرَهَا تَقْصِدُ إِنْسَانًا أَوْ غَيْرَهُ مِنَ الْمُحْتَرَمَاتِ، فَلَا كَرَاهَةَ فِي الْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ بَلْ يَجِبُ فِي أَكْثَرِهَا، قَالَ الْقَلْيُوبِيُّ: يَجِبُ لِلضَّرُورَةِ وَيُنْدَبُ لِلْحَاجَةِ.

وَمِنَ الْأَذْكَارِ الَّتِي نَصُّوا عَلَيْهَا أَنَّهُ لَا يَحْمَدُ إِنْ عَطَسَ، وَلَا يُشَمِّتُ عَاطِسًا، وَلَا يُجِيبُ الْمُؤَذِّنَ، وَلَا يَرُدُّ السَّلَامَ وَلَا يُسَبِّحُ، لَكِنْ قَالَ الْبَغَوِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَنَقَلَهُ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَالْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ وَابْنِ الْمُبَارَكِ: إِنْ عَطَسَ حَمِدَ اللَّهَ فِي نَفْسِهِ، وَكَذَا قَالَ صَاحِبُ كَشَّافِ الْقِنَاعِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ يُجِيبُ الْمُؤَذِّنَ بِقَلْبِهِ وَيَقْضِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا يُكْرَهُ الذِّكْرُ بِالْقَلْبِ، وَذَكَرَ فِي رَدِّ السَّلَامِ قَوْلَيْنِ.ثَانِيهِمَا أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ.

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ الْحُكْمُ كَذَلِكَ فِي ذِكْرِ الدُّخُولِ إِلَى الْخَلَاءِ إِذَا نَسِيَهُ فَيَذْكُرُ اللَّهَ فِي نَفْسِهِ فِي الْحَالَتَيْنِ.

وَقَالَ كَنُونُ فِي حَاشِيَتِهِ: رَوَى عِيَاضٌ جَوَازَ ذِكْرِ اللَّهِ فِي الْكَنِيفِ.قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالنَّخَعِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ- رضي الله عنهما-، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إِذَا عَطَسَ وَهُوَ يَبُولُ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الدَّلِيلُ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْأَثَرِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ»، وَمِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ يَصْعَدُ إِلَى اللَّهِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ دَنَاءَةِ الْمَحَلِّ شَيْءٌ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُمْنَعَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ إِلاَّ بِنَصٍّ لَيْسَ فِيهِ احْتِمَالٌ.ا.هـ.

وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ الْإِنْصَافِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ إِجَابَةُ الْمُؤَذِّنِ فِي تِلْكَ الْحَالِ، وَبِهَا أَخَذَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُكْرَهُ.

ح- إِلْقَاءُ السَّلَامِ عَلَى الْمُتَخَلِّي وَرَدُّهُ:

12- ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى كَرَاهَةِ إِلْقَاءِ السَّلَامِ عَلَى الْمُتَغَوِّطِ، وَاسْتَدَلُّوا بِالْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ.

وَكَرِهَ ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ أَيْضًا، قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: وَيُرَادُ بِهِ مَا يَعُمُّ الْبَوْلَ، قَالَ: وَظَاهِرُهُ التَّحْرِيمُ.

ط- الذِّكْرُ إِذَا كَانَ مَكَانُ الْخَلَاءِ هُوَ مَكَانُ الْوُضُوءِ:

13- قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: لَوْ تَوَضَّأَ فِي الْخَلَاءِ فَهَلْ يَأْتِي بِالْبَسْمَلَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَدْعِيَةِ الْوُضُوءِ مُرَاعَاةً لِسُنَّتِهِ؟ أَوْ يَتْرُكُهَا مُرَاعَاةً لِلْمَحَلِّ؟ قَالَ: الَّذِي يَظْهَرُ الثَّانِي، لِتَصْرِيحِهِمْ بِتَقْدِيمِ النَّهْيِ عَلَى الْأَمْرِ.

وَهُوَ مُقْتَضَى مَا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ مِنْ أَنَّ التَّسْمِيَةَ فِي الْوُضُوءِ وَاجِبَةٌ، وَأَنَّ الذِّكْرَ بِالْقَلْبِ لَا يُكْرَهُ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ الذِّكْرُ فِي الْخَلَاءِ.

ي- النَّحْنَحَةُ:

14- قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: لَا يَتَنَحْنَحُ فِي مَوْضِعِ الْخَلَاءِ إِلاَّ بِعُذْرٍ كَمَا إِذَا خَافَ دُخُولَ أَحَدٍ عَلَيْهِ، وَقَالَ الشَّبْرَامَلَّسِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: هَلْ مِنَ الْكَلَامِ مَا يَأْتِي بِهِ قَاضِي الْحَاجَةِ مِنَ التَّنَحْنُحِ عِنْدَ طَرْقِ بَابِ الْخَلَاءِ مِنَ الْغَيْرِ لِيُعْلَمَ هَلْ فِيهِ أَحَدٌ أَمْ لَا؟ قَالَ: فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُسَمَّى كَلَامًا، وَبِتَقْدِيرِهِ فَهُوَ لِحَاجَةٍ، وَهِيَ دَفْعُ دُخُولِ مَنْ يَطْرُقُ الْبَابَ عَلَيْهِ لِظَنِّهِ خُلُوَّ الْمَحَلِّ.

ك- تَكْرِيمُ الْيَدِ الْيُمْنَى عَنْ مَسِّ الْفَرْجِ:

15- يُكْرَهُ أَنْ يَمَسَّ الْإِنْسَانُ فَرْجَهُ بِيَمِينِهِ حَالَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَغَيْرِهَا، لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ- رضي الله عنه- مَرْفُوعًا: «إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَمْسَحْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا تَمَسَّحَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ»، قَالَ الْأَبِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: وَحَمَلَهُ الْفُقَهَاءُ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَفِي الْإِنْصَافِ لِلْحَنَابِلَةِ: إِنَّهُ الصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَفِي وَجْهٍ يَحْرُمُ، فَإِنْ كَانَ لِضَرُورَةٍ فَلَا كَرَاهَةَ وَلَا تَحْرِيمَ.

ل- التَّنْظِيفُ وَالتَّطَهُّرُ مِنَ الْفَضْلَةِ:

16- يَنْبَغِي لِقَاضِي الْحَاجَةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ أَنْ يَتَنَظَّفَ بِمَسْحِ الْمَحَلِّ بِالْأَحْجَارِ أَوْ نَحْوِهَا أَوْ يَتَطَهَّرَ بِغَسْلِهِ، أَوْ بِهِمَا جَمِيعًا، وَلَهُ أَحْكَامٌ وَآدَابٌ شَرْعِيَّةٌ (ر: اسْتِنْجَاءٌ).

2- أَحْكَامٌ تَتَعَلَّقُ بِأَمَاكِنِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ:

أ- قَضَاءُ الْحَاجَةِ فِي طَرِيقٍ مَسْلُوكٍ وَظِلٍّ نَافِعٍ وَمَا فِي حُكْمِهِمَا:

17- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبُولَ فِي طَرِيقِ النَّاسِ، وَلَا مَوْرِدِ مَاءٍ، وَلَا ظِلٍّ يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ- رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-: «اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ».

وَمِثْلُ الظِّلِّ فِي النَّهْيِ عَنْ قَضَاءِ الْحَاجَةِ فِيهِ مَجْلِسُ النَّاسِ، أَيِ الْمَحَلُّ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ النَّاسُ فِي الْقَمَرِ لَيْلًا، أَوْ يَجْلِسُونَ فِيهِ فِي الشَّمْسِ زَمَنَ الشِّتَاءِ لِلتَّحَدُّثِ، وَقَالَ صَاحِبُ نَيْلِ الْمَآرِبِ: إِلاَّ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُهُمْ غِيبَةً أَوْ نَمِيمَةً.

وَصَرَّحَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ قَضَاءَ الْحَاجَةِ فِي الْمَوْرِدِ وَالطَّرِيقِ وَالظِّلِّ وَمَا أُلْحِقَ بِهِ حَرَامٌ.

ب- قَضَاءُ الْحَاجَةِ تَحْتَ الشَّجَرِ:

18- كَرِهَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ قَضَاءَ الْحَاجَةِ تَحْتَ الشَّجَرِ الْمُثْمِرِ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ حَرَامٌ، وَفِي قَوْلٍ لَهُمْ إِنْ كَانَتِ الثَّمَرَةُ لَهُ كُرِهَ، وَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِهِ حَرُمَ.

وَإِنَّمَا كَرِهَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ وَقْتَ الثَّمَرِ، وَأَلْحَقُوا بِهِ مَا قَبْلَهُ بِحَيْثُ لَا يَأْمَنُ زَوَالَ النَّجَاسَةِ بِمَطَرٍ أَوْ سَقْيٍ، أَوْ- عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ- نَحْوِهِ كَجَفَافِ أَرْضٍ مِنْ بَوْلٍ، وَسَوَاءٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَكَانَ الثَّمَرُ مَأْكُولًا أَوْ مَشْمُومًا، لِاحْتِرَامِ الْكُلِّ، وَخَاصَّةً مَا تُجْمَعُ ثَمَرَتُهُ مِنْ تَحْتِهِ كَالزَّيْتُونِ.

وَكَرِهَ الْحَنَفِيَّةُ ذَلِكَ فِي الزَّرْعِ أَيْضًا.

وَعَلَّلَ الشَّافِعِيَّةُ الْكَرَاهَةَ بِالتَّلْوِيثِ وَلِئَلاَّ تَعَافَهُ الْأَنْفُسُ، وَلَمْ يُحَرِّمُوهُ، قَالُوا: لِأَنَّ تَنَجُّسَ الثَّمَرَةِ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ، وَقَالُوا: وَلَوْ كَانَ الشَّجَرُ مُبَاحًا فَإِنَّهُ يُكْرَهُ كَذَلِكَ، وَلَا فَرْقَ عِنْدَهُمْ بَيْنَ وَقْتِ الثَّمَرَةِ وَغَيْرِهِ، وَالْكَرَاهَةُ فِي الْغَائِطِ أَشَدُّ لِأَنَّ الْبَوْلَ يَطْهُرُ بِالْمَاءِ وَبِجَفَافِهِ بِالشَّمْسِ وَالرِّيحِ فِي قَوْلٍ، وَعَمَّمَ فِي حَاشِيَةِ الْجَمَلِ الْحُكْمَ فِي كُلِّ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي نَحْوِ دَوَاءٍ أَوْ دِبَاغٍ، وَمَا يَشْمَلُ الْأَوْرَاقَ الْمُنْتَفَعَ بِهَا كَذَلِكَ.

وَمُقْتَضَى مَا ذَكَرُوهُ جَمِيعًا أَنَّ الشَّجَرَةَ غَيْرَ الْمُثْمِرَةِ لَا يُكْرَهُ الْبَوْلُ تَحْتَهَا وَأَوْرَدَ فِي الْمُغْنِي فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثَ: «أَنَّ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- كَانَ أَحَبَّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ لِحَاجَتِهِ هَدَفٌ أَوْ حَائِشُ نَخْلٍ».

ج- قَضَاءُ الْحَاجَةِ فِي الْمَاءِ:

19- ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى كَرَاهَةِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ فِي الْمَاءِ، بَوْلًا أَوْ غَائِطًا، وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَحْرِيمِيَّةٌ وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ رَاكِدًا لِحَدِيثِ جَابِرٍ- رضي الله عنه-: «أَنَّ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- نَهَى أَنْ يُبَالَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ»، وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ»، وَتَكُونُ الْكَرَاهَةُ تَنْزِيهِيَّةً إِنْ كَانَ الْمَاءُ جَارِيًا، لِحَدِيثِ: «نَهَى الرَّسُولُ أَنْ يُبَالَ فِي الْمَاءِ الْجَارِي».قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ يُقَذِّرُهُ، وَرُبَّمَا أَدَّى إِلَى تَنْجِيسِهِ، وَأَمَّا الرَّاكِدُ الْقَلِيلُ فَيَحْرُمُ الْبَوْلُ فِيهِ، لِأَنَّهُ يُنَجِّسُهُ وَيُتْلِفُ مَالِيَّتَهُ وَيَغُرُّ غَيْرَهُ بِاسْتِعْمَالِهِ، وَالتَّغَوُّطُ فِي الْمَاءِ أَقْبَحُ مِنَ الْبَوْلِ، وَكَذَا إِذَا بَالَ فِي إِنَاءٍ ثُمَّ صَبَّهُ فِي الْمَاءِ، أَوْ بَالَ بِقُرْبِ النَّهْرِ فَجَرَى إِلَيْهِ، فَكُلُّهُ قَبِيحٌ مَذْمُومٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ.

قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: النَّهْيُ الْوَارِدُ فِي الْحَدِيثِ هُوَ نَهْيُ كَرَاهَةٍ وَإِرْشَادٍ، وَهُوَ فِي الْقَلِيلِ أَشَدُّ، لِأَنَّهُ يُفْسِدُهُ، وَقِيلَ: النَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ، لِأَنَّ الْمَاءَ يَفْسُدُ لِتَكَرُّرِ الْبَائِلِينَ وَيَظُنُّ الْمَارُّ أَنَّهُ تَغَيَّرَ مِنْ قَرَارِهِ، وَيُلْحَقُ بِالْبَوْلِ التَّغَوُّطُ وَصَبُّ النَّجَاسَةِ.ا.هـ.، وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: الْجَارِي عَلَى أَصْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْكَرَاهَةَ عَلَى التَّحْرِيمِ فِي الْقَلِيلِ.

وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يُكْرَهُ الْبَوْلُ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا لِلْحَدِيثِ.

وَأَمَّا الْجَارِي فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنْ كَانَ قَلِيلًا كُرِهَ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا لَمْ يُكْرَهْ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْرُمَ الْبَوْلُ فِي الْقَلِيلِ مُطْلَقًا، لِأَنَّهُ يُنَجِّسُهُ وَيُتْلِفُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ، وَأَمَّا الْكَثِيرُ الْجَارِي فَلَا يَحْرُمُ، لَكِنَّ الْأَوْلَى اجْتِنَابُهُ، وَلَعَلَّهُمْ لَمْ يُحَرِّمُوا الْبَوْلَ فِي الرَّاكِدِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ، لِأَنَّ الْمَاءَ غَيْرُ مُتَمَوَّلٍ عَادَةً، أَوْ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ بِالْإِضَافَةِ.

وَقَيَّدَ بَعْضُهُمُ الْمَاءَ الْكَثِيرَ الَّذِي يُكْرَهُ التَّخَلِّي فِيهِ بِمَا لَمْ يَسْتَبْحِرْ، فَإِنِ اسْتَبْحَرَ بِحَيْثُ لَا تَعَافُهُ النَّفْسُ فَلَا كَرَاهَةَ.

وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا عَلَى اسْتِثْنَاءِ الْمَاءِ الْمُسَبَّلِ وَالْمَوْقُوفِ، فَيَحْرُمُ.

وَفَرَّقَ الْحَنَابِلَةُ بَيْنَ التَّبَوُّلِ فِي الْمَاءِ وَالتَّغَوُّطِ فِيهِ فَرَأَوْا كَرَاهَةَ الْأَوَّلِ وَتَحْرِيمَ الثَّانِي، فَفِي كَشَّافِ الْقِنَاعِ: يُكْرَهُ بَوْلُهُ فِي مَاءٍ رَاكِدٍ أَوْ قَلِيلٍ جَارٍ، وَيَحْرُمُ تَغَوُّطُهُ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ رَاكِدٍ أَوْ جَارٍ لِأَنَّهُ يُقَذِّرُهُ وَيَمْنَعُ النَّاسَ الِانْتِفَاعَ بِهِ.

د- التَّبَوُّلُ فِي مَكَانِ الْوُضُوءِ وَمَكَانِ الِاسْتِحْمَامِ:

20- كَرِهَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنْ يَبُولَ الْإِنْسَانُ فِي مَوْضِعٍ يَتَوَضَّأُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ أَوْ يَغْتَسِلُ فِيهِ، لِمَا وَرَدَ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- أَنْ يَمْتَشِطَ أَحَدُنَا كُلَّ يَوْمٍ أَوْ يَبُولَ فِي مُغْتَسَلِهِ».

وَيُضِيفُ الشَّافِعِيَّةُ: أَنَّ مَحَلَّ الْكَرَاهَةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَنْفَذٌ يَنْفُذُ فِيهِ الْبَوْلُ وَالْمَاءُ.

وَفِي كَشَّافِ الْقِنَاعِ لِلْحَنَابِلَةِ: أَنَّ مَوْضِعَ الْكَرَاهَةِ أَنْ يَكُونَ الْمَوْضِعُ غَيْرَ مُقَيَّرٍ أَوْ مُبَلَّطٍ، قَالَ: فَإِنْ بَالَ فِي الْمُسْتَحَمِّ الْمُقَيَّرِ أَوِ الْمُبَلَّطِ أَوِ الْمُجَصَّصِ، ثُمَّ أَرْسَلَ عَلَيْهِ الْمَاءَ قَبْلَ اغْتِسَالِهِ فِيهِ- قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: إِنْ صَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ وَجَرَى فِي الْبَالُوعَةِ- فَلَا بَأْسَ، لِلْأَمْنِ مِنَ التَّلْوِيثِ، وَمِثْلُهُ الْوُضُوءُ.

هـ- قَضَاءُ الْحَاجَةِ فِي الْمَسْجِدِ:

21- يَحْرُمُ بِالِاتِّفَاقِ الْبَوْلُ وَالتَّغَوُّطُ فِي الْمَسْجِدِ، صِيَانَةً لَهُ وَتَنْزِيهًا وَتَكْرِيمًا لِمَكَانِ الْعِبَادَةِ، وَإِذَا كَانَ قَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- النَّهْيُ عَنِ الْبُصَاقِ فِيهِ فَالْبَوْلُ وَالتَّغَوُّطُ أَوْلَى، وَقَدْ وَرَدَ: «أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم-: دَعَوْهُ: فَلَمَّا فَرَغَ دَعَا بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ» وَفِي رِوَايَةٍ زَادَ: ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: «إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذِرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ».

أَمَّا لَوْ بَالَ فِي الْمَسْجِدِ فِي إِنَاءٍ وَتَحَفَّظَ مِنْ إِصَابَةِ أَرْضِ الْمَسْجِدِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ حَرَامٌ أَيْضًا، صَرَّحَ بِذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا، وَهُوَ مِمَّا يَقْبُحُ وَيَفْحُشُ وَيُسْتَخْفَى بِهِ، فَوَجَبَ صِيَانَةُ الْمَسْجِدِ عَنْهُ، كَمَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَبُولَ فِي أَرْضِهِ ثُمَّ يَغْسِلَهُ.

وَالْقَوْلُ الْآخَرُ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ جَوَازُ ذَلِكَ بِشَرْطِ التَّحَرُّزِ، جَاءَ فِي نَوَازِلِ الْوَنْشَرِيسِيِّ مِنْ كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ: أَجَازَهُ صَاحِبُ الشَّامِلِ، وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: الثَّانِي أَنَّهُ مَكْرُوهٌ، قَالَ: وَفِي كِتَابِ الطَّهُورِ لِأَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ أَنَّهُ أَبْصَرَ أَبَا وَائِلٍ شَقِيقَ بْنَ سَلَمَةَ فِي الْمَسْجِدِ يَبُولُ فِي طَسْتٍ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ وَوَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: «اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- امْرَأَةٌ مُسْتَحَاضَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ، فَكَانَتْ تَرَى الْحُمْرَةَ وَالصُّفْرَةَ، فَرُبَّمَا وَضَعَتِ الطَّسْتَ تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلِّي».

وَفِي حُكْمِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ فِي رِحَابِ الْمَسْجِدِ، الَّتِي لَا يَثْبُتُ لَهَا حُكْمُ الْمَسْجِدِ، قَوْلَانِ:

الْأَوَّلُ: أَنَّهُ حَرَامٌ، اسْتَظْهَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَالَ: يَجِبُ الْجَزْمُ بِهِ إِذَا كَانَتْ مَطْرُوقَةً.

وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَكْرُوهٌ فَقَطْ، صَرَّحَ بِذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ.وَأَضَافُوا: وَمُصَلَّى الْعِيدِ، أَيْ إِذَا كَانَ فِي الصَّحْرَاءِ، وَصَرَّحَ بِهِ أَيْضًا الشَّافِعِيَّةُ.

و- قَضَاءُ الْحَاجَةِ فِي الْبِقَاعِ الْمُعَظَّمَةِ:

22- قَالَ الرَّمْلِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: ذَكَرَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ الْحُرْمَةَ- أَيْ فِي التَّخَلِّي- عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَوْ قُزَحٍ، وَأَلْحَقَ بَعْضُهُمْ بِذَلِكَ مَحَلَّ الرَّمْيِ، وَإِطْلَاقُهُ يَقْتَضِي حُرْمَةَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهَا مَحَالُّ شَرِيفَةٌ ضَيِّقَةٌ، فَلَوْ جَازَ ذَلِكَ فِيهَا لَاسْتَمَرَّ وَبَقِيَ وَقْتَ الِاجْتِمَاعِ فِيهَا، فَيُؤْذِي حِينَئِذٍ، قَالَ: وَيَظْهَرُ أَنَّ حُرْمَةَ ذَلِكَ مُفَرَّعٌ عَلَى الْحُرْمَةِ فِي مَحَلِّ جُلُوسِ النَّاسِ، وَسَيَأْتِي أَنَّ الْمُرَجَّحَ الْكَرَاهَةُ، أَمَّا عَرَفَةُ وَمُزْدَلِفَةُ وَمِنًى فَلَا يَحْرُمُ فِيهَا لِسَعَتِهَا، وَلَكِنْ جَزَمَ الْقَلْيُوبِيُّ فِي حَاشِيَةِ شَرْحِ الْمِنْهَاجِ بِأَنَّ الْقَوْلَ بِالْحُرْمَةِ مَرْجُوحٌ، وَقَالَ بِكَرَاهَةِ ذَلِكَ حَتَّى فِي مُزْدَلِفَةَ وَعَرَفَةَ وَسَائِرِ أَمَاكِنِ اجْتِمَاعِ الْحَاجِّ.

وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: تَوَرَّعَ بَعْضُهُمْ عَنْ قَضَاءِ الْحَاجَةِ بِمَكَّةَ، وَكَانَ يَتَأَوَّلُ أَنَّهَا مَسْجِدٌ، وَقَالَ: هَذَا التَّأْوِيلُ مَرْدُودٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، وَقَدْ فَعَلَهُ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم- وَأَصْحَابُهُ وَالسَّلَفُ، ثُمَّ ذَكَرَ أَحَادِيثَ تُؤَيِّدُ هَذَا التَّوَرُّعَ، مِنْهَا «أَنَّ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَذْهَبُ لِحَاجَتِهِ إِلَى الْمُغَمَّسِ» وَهُوَ مَكَانٌ عَلَى نَحْوِ الْمِيلَيْنِ مِنْ مَكَّةَ.

ز- قَضَاءُ الْحَاجَةِ فِي الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ:

23- جَاءَ فِي مَوَاهِبِ الْجَلِيلِ لِلْحَطَّابِ الْمَالِكِيِّ نَقْلًا عَنِ الْمَدْخَلِ لِابْنِ الْحَاجِّ: يَجْتَنِبُ (الْمُتَخَلِّي) بِيَعَ الْيَهُودِ وَكَنَائِسَ النَّصَارَى، لِئَلاَّ يَفْعَلُوا ذَلِكَ فِي مَسَاجِدِنَا، كَمَا نُهِيَ عَنْ سَبِّ الْآلِهَةِ الْمَدْعُوَّةِ مِنْ دُونِ اللَّهِ لِئَلاَّ يَسُبُّوا اللَّهَ تَعَالَى.

ح- قَضَاءُ الْحَاجَةِ فِي الْمَقَابِرِ:

24- يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ يُكْرَهُ قَضَاءُ الْحَاجَةِ فِي الْمَقَابِرِ، قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: لِأَنَّ الْمَيِّتَ يَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى بِهِ الْحَيُّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَحْرِيمِيَّةٌ، وَالتَّحْرِيمُ هُوَ أَيْضًا قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، إِلاَّ أَنَّ التَّحْرِيمَ يَتَحَقَّقُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِذَا تَبَوَّلَ عَلَى الْقَبْرِ، أَمَّا إِنْ بَالَ بِقُرْبِ الْقَبْرِ كُرِهَ وَلَمْ يَحْرُمْ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ قَبْرَ نَبِيٍّ فَيَحْرُمُ، وَالْحُرْمَةُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ هِيَ الَّتِي اقْتَصَرَ عَلَيْهَا صَاحِبُ كَشَّافِ الْقِنَاعِ، وَفِي الْإِنْصَافِ: لَا يُكْرَهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ- يَعْنِي الْإِمَامَ أَحْمَدَ-: يُكْرَهُ.

وَتَعَرَّضَ الشَّافِعِيَّةُ لِلْمَقْبَرَةِ إِذَا كَانَتْ مَنْبُوشَةً فَرَأَوْا تَحْرِيمَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ فِيهَا لِمَا فِيهِ مِنْ تَنْجِيسِ أَجْزَاءِ الْمَيِّتِ.

ط- قَضَاءُ الْحَاجَةِ فِي ثَقْبٍ أَوْ نَحْوِهِ:

25- يُكْرَهُ التَّبَوُّلُ فِي ثَقْبٍ أَوْ سَرَبٍ وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْجِسَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- نَهَى أَنْ يُبَالَ فِي الْجُحْرِ» وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا خَرَجَ عَلَيْهِ مِنَ الْجُحْرِ مَا يَلْسَعُهُ، أَوْ يَرُدُّ عَلَيْهِ الْبَوْلَ، قَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهِيَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ وَقَالَ الْبُجَيْرِمِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: يَظْهَرُ تَحْرِيمُهُ إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ بِهِ حَيَوَانًا مُحْتَرَمًا يَتَأَذَّى أَوْ يَهْلِكُ بِهِ.

قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: وَهَذَا- يَعْنِي كَرَاهَةَ الْبَوْلِ فِي الثُّقُوبِ- فِي غَيْرِ الْمُعَدِّ لِذَلِكَ، كَبَالُوعَةِ فِيمَا يَظْهَرُ وَفِي كَشَّافِ الْقِنَاعِ لِلْحَنَابِلَةِ: يُكْرَهُ وَلَوْ كَانَ فَمَ بَالُوعَةٍ وَفِي التُّحْفَةِ وَحَاشِيَةِ الشِّرْوَانِيِّ مِنْ كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ: الْبَالُوعَةُ قَدْ يَشْمَلُهَا الْجُحْرُ، وَقَدْ يَمْنَعُ الشُّمُولَ أَنَّ الْبَالُوعَةَ فِي قُوَّةِ الْمُعَدِّ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ (يَعْنِي فَلَا يُكْرَهُ).

هَذَا وَقَدْ فَرَّقَ الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا مِنَ الثَّقْبِ، فَيُكْرَهُ الْبَوْلُ فِيهِ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ بَعِيدًا، فَفِي قَوْلٍ يُكْرَهُ، خِيفَةَ حَشَرَاتٍ تَنْبَعِثُ عَلَيْهِ مِنَ الْكُوَّةِ، وَقِيلَ: يُبَاحُ لِبُعْدِهِ مِنَ الْحَشَرَاتِ إِنْ كَانَتْ فِيهَا.

موسوعة الفقه الكويتية-وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت-صدرت بدءًا من: 1404هـ/1984م


6-موسوعة الفقه الكويتية (وضوء 1)

وُضُوءٌ-1

التَّعْرِيفُ:

1- الْوُضُوءُ فِي اللُّغَةِ: مِنَ الْوَضَاءَةِ: أَيِ الْحُسْنِ وَالنَّظَافَةِ، وَقَدْ وَضُؤَ- مِنْ بَابِ كَرُمَ- وَضَاءَةً، مِثْلُ ضَخُمَ ضَخَامَةً: حَسُنَ وَنَظُفَ، وَوَضَّأَهُ: جَعَلَهُ يَتَوَضَّأُ، وَتَوَضَّأَ: غَسَلَ بَعْضَ أَعْضَائِهِ وَنَظَّفَهَا، وَتَوَضَّأَ الْغُلَامُ وَالْجَارِيَةُ: أَدْرَكَا حَدَّ الْبُلُوغِ.

وَالْمِيضَأَةُ: بِكَسْرِ الْمِيمِ: الْمَوْضِعُ يُتَوَضَّأُ فِيهِ وَمِنْهُ، وَالْمِطْهَرَةُ: يُتَوَضَّأُ مِنْهَا.

وَالْوُضُوءُ- بِالضَّمِّ- الْفِعْلُ، وَبِالْفَتْحِ: الْمَاءُ يُتَوَضَّأُ بِهِ.

وَقِيلَ: الْوُضُوءُ بِالْفَتْحِ- مَصْدَرٌ أَيْضًا، أَوْ هُمَا لُغَتَانِ قَدْ يُعْنَى بِهِمَا الْمَصْدَرُ، وَقَدْ يُعْنَى بِهِمَا الْمَاءُ.

وَالْوُضُوءُ شَرْعًا: عَرَّفَهُ الْفُقَهَاءُ بِتَعْرِيفَاتِ مِنْهَا: قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: الْوُضُوءُ هُوَ الْغَسْلُ وَالْمَسْحُ عَلَى أَعْضَاءٍ مَخْصُوصَةٍ.

وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: هُوَ طِهَارَةٌ مَائِيَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِأَعْضَاءٍ مَخْصُوصَةٍ- وَهِيَ الْأَعْضَاءُ الْأَرْبَعَةُ- عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ.

وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: هُوَ أَفْعَالٌ مَخْصُوصَةٌ مُفْتَتَحَةٌ بِالنِّيَّةِ، أَوْ هُوَ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ فِي أَعْضَاءٍ مَخْصُوصَةٍ مُفْتَتَحًا بِالنِّيَّةِ.

وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: هُوَ اسْتِعْمَالُ مَاءٍ طَهُورٍ فِي الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ، (وَهِيَ الْوَجْهُ وَالْيَدَانِ، وَالرَّأْسُ، وَالرِّجْلَانِ)، عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ فِي الشَّرْعِ، بِأَنْ يَأْتِيَ بِهَا مُرَتَّبَةً مُتَوَالِيَةً مَعَ بَاقِي الْفُرُوضِ.

الْأَلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ- الْغَسْلُ:

2- الْغَسْلُ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ غَسَلَ، يُقَالُ: غَسَلَ يَغْسِلُهُ غَسْلًا: أَزَالَ عَنْهُ الْوَسَخَ وَنَظَّفَهُ بِالْمَاءِ، وَيُضَمُّ- أَيْ تُضَمُّ الْغَيْنُ- أَوْ: بِالْفَتْحِ مَصْدَرٌ، وَبِالضَّمِّ اسْمٌ، وَبَعْضُهُمْ يَجْعَلُ الْمَضْمُومَ وَالْمَفْتُوحَ بِمَعْنًى، وَعَزَاهُ إِلَى سِيبَوَيْهِ.

وَمِنْ مَعَانِي الْغُسْلِ- بِالضَّمِّ- فِي اللُّغَةِ: تَمَامُ الطِّهَارَةِ.كَمَا قَالَ ابْنُ الْقُوطِيَّةِ.

وَالْغُسْلُ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ: اسْتِعْمَالُ مَاءٍ طَهُورٍ فِي جَمِيعِ الْبَدَنِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ.

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا رَافِعٌ لِلْحَدَثِ، لَكِنَّ الْوُضُوءَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ، وَالْغُسْلَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ الْأَكْبَرَ.

ب- الطَّهَارَةُ:

3- الطَّهَارَةُ فِي اللُّغَةِ نَقِيضُ النَّجَاسَةِ، وَهِيَ النَّقَاءُ مِنَ النَّجَاسَةِ وَالدَّنَسِ.يُقَالُ: طَهَّرَهُ بِالْمَاءِ: غَسَلُهُ بِهِ، وَالتَّطَهُّرُ: التَّنَزُّهُ، وَالْكَفُّ عَنِ الْإِثْمِ.

وَالطَّهَارَةُ فِي الِاصْطِلَاحِ: ارْتِفَاعُ الْحَدَثِ- أَكْبَرَ كَانَ أَوْ أَصْغَرَ، أَيْ زَوَالُ الْوَصْفِ الْمَانِعِ مِنَ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا- وَمَا فِي مَعْنَاهُ، وَزَوَالُ النَّجَسِ أَوِ ارْتِفَاعُ حُكْمِ ذَلِكَ.

وَالصِّلَةُ أَنَّ الطَّهَارَةَ أَعَمُّ مِنَ الْوُضُوءِ.

ج- التَّيَمُّمُ:

4- التَّيَمُّمُ فِي اللُّغَةِ: التَّوَخِّي وَالتَّعَمُّدُ وَالْقَصْدُ، يُقَالُ: تَيَمَّمْتُ الصَّعِيدَ تَيَمُّمًا وَتَأَمَّمْتُ أَيْضًا: قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} أَيِ اقْصِدُوا الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ.

وَفِي الِاصْطِلَاحِ: عَرَّفَهُ الْفُقَهَاءُ بِأَنَّهُ: مَسْحُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِصَعِيدٍ طَاهِرٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ.

وَالصِّلَةُ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ طَهَارَةٌ وَرَفْعٌ لِلْحَدَثِ، لَكِنَّ الْوُضُوءَ مِنَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وَهُوَ طَهَارَةٌ مَائِيَّةٌ، أَمَّا التَّيَمُّمُ فَيَكُونُ مِنْ أَيٍّ مِنَ الْحَدَثَيْنِ: الْأَصْغَرِ أَوِ الْأَكْبَرِ، وَيُسْتَعْمَلُ فِيهِ الصَّعِيدُ الطَّاهِرُ.

الْوُضُوءُ مِنَ الشَّرَائِعِ الْقَدِيمَةِ:

5- ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ- الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمُخْتَارِ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْأَصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ- إِلَى أَنَّ الْوُضُوءَ مِنَ الشَّرَائِعِ الْقَدِيمَةِ، وَأَنَّهُ كَانَ فِي تِلْكَ الشَّرَائِعِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ- صلى الله عليه وسلم-، بِدَلِيلِ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ- رضي الله عنهما-: «ثُمَّ دَعَا- أَيِ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم- بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي» وَمَا ثَبَتَ لِلْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يَثْبُتُ لِأُمَمِهِمْ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ «إِبْرَاهِيمَ- عليه السلام- لَمَّا مَرَّ عَلَى الْجَبَّارِ وَمَعَهُ سَارَّةُ.أَنَّهَا لَمَّا دَخَلَتْ عَلَى الْجَبَّارِ تَوَضَّأَتْ وَصَلَّتْ وَدَعَتِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ» وَمَا وَرَدَ فِي قِصَّةِ جُرَيْجٍ الرَّاهِبِ لَمَّا رَمَوْهُ بِالْمَرْأَةِ أَنَّهُ تَوَضَّأَ وَصَلَّى، ثُمَّ قَالَ لِلْغُلَامِ: مَنْ أَبُوكَ؟ قَالَ: هَذَا الرَّاعِي.

وَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي هُوَ مِنْ خَصَائِصِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ- صلى الله عليه وسلم- إِنَّمَا هُوَ الْكَيْفِيَّةُ الْمَخْصُوصَةُ، أَوْ أَثَرُ الْوُضُوءِ، وَهُوَ بَيَاضُ مَحَلِّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُسَمَّى بِالْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِلِ الْأَصَحِّ، وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْوُضُوءَ مِنْ خَصَائِصَ هَذِهِ الْأُمَّةِ، مُسْتَدِلِّينَ بِمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ- رضي الله عنه- مَرْفُوعًا: «لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ، تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ».

مَكَانُ فَرْضِ الْوُضُوءِ وَزَمَانُهُ:

6- ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْوُضُوءَ فُرِضَ بِمَكَّةَ مَعَ فَرْضِ الصَّلَاةِ، وَالْمَعِيَّةُ هُنَا لِلْمَكَانِ لَا لِلزَّمَانِ، فَلَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ صَلَاةُ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- قَبْلَ الِافْتِرَاضِ بِلَا وُضُوءٍ، وَقَدْ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ فَرْضِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ قَطْعًا، وَلَمْ يُصَلِّ قَطُّ إِلاَّ بِوُضُوءٍ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهَذَا مِمَّا لَا يَجْهَلُهُ عَالِمٌ، وَلَمْ يُنْقَلْ وُقُوعُ صَلَاةٍ لِغَيْرِ عُذْرٍ بِدُونِهِ، وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ- رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» أَيْ بِالْمَاءِ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ- رضي الله عنه- مَرْفُوعًا: «إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ» فَأَطْلَقَ الشَّارِعُ عَلَى التَّيَمُّمِ أَنَّهُ وُضُوءٌ لِكَوْنِهِ قَامَ مَقَامَهُ.

وَقَالَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: إِنَّ الْوُضُوءَ شَرِيعَةُ مَنْ قَبْلَنَا، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا إِذَا قَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ، وَلَمْ يَظْهَرْ نَسْخُهُ.وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَرَأْيٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.

وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ فَائِدَةَ نُزُولِ آيَةِ الْوُضُوءِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ، مَعَ أَنَّ الْوُضُوءَ فُرِضَ بِمَكَّةَ: تَقْرِيرُ حُكْمِهِ الثَّابِتِ، فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ عِبَادَةً مُسْتَقِلَّةً، بَلْ تَابِعًا لِلصَّلَاةِ احْتُمِلَ أَنْ لَا تَهْتَمَّ الْأُمَّةُ بِشَأْنِهِ، وَأَنْ يَتَسَاهَلُوا فِي شَرَائِطِهِ وَأَرْكَانِهِ بِطُولِ الْعَهْدِ عَنْ زَمَنِ الْوَحْيِ وَانْتِقَاصِ النَّاقِلِينَ يَوْمًا فَيَوْمًا، بِخِلَافِ مَا إِذَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ الْمُتَوَاتِرِ الْبَاقِي فِي كُلِّ زَمَانٍ وَعَلَى كُلِّ لِسَانٍ.

وَمِنَ الْفَائِدَةِ كَذَلِكَ تَأَتِّي اخْتِلَافِ الْمُجْتَهِدِينَ الَّذِي هُوَ رَحْمَةٌ، وَذَلِكَ فِي بَعْضِ أَحْكَامِهِ، كَالنِّيَّةِ، وَالدَّلْكِ، وَالتَّرْتِيبِ، وَقَدْرِ الْمَسْمُوحِ، وَنَقْضِهِ بِالْمَسِّ، وَكَذَلِكَ اشْتِمَالُ الْآيَةِ عَلَى أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ مَبْسُوطَةٍ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ.

وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا قَبْلَ فَرْضِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ لَا يُصَلُّونَ إِلاَّ بِالْوُضُوءِ، لَكِنْ عَلَى سَبِيلِ النَّدْبِ أَوِ النَّظَافَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الشَّرَائِعِ الْقَدِيمَةِ، كَمَا دَلَّتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا لَيْسَ شَرْعًا لَنَا.

وَكَانَ الْوُضُوءُ وَاجِبًا فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ لِكُلِّ صَلَاةٍ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} ثُمَّ نُسِخَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ- إِلاَّ مَعَ الْحَدَثِ- وَصَارَ يُؤَدَّى بِهِ صَلَوَاتٌ كَثِيرَةٌ مَعَ بَقَاءِ طَلَبِهِ. (ر: شَرْع مَنْ قَبْلَنَا ف 3).

مَشْرُوعِيَّةُ الْوُضُوءِ:

7- ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْوُضُوءَ مَشْرُوعٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ:

فَمِنَ الْكِتَابِ قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ}.قَالُوا: الْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى فَرْضِيَّةِ الْوُضُوءِ، أَوْ هِيَ آيَةُ الْوُضُوءِ كَمَا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ، وَظَاهِرُهَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الْوُضُوءِ عَلَى كُلِّ قَائِمٍ إِلَى الصَّلَاةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الظَّاهِرِ- مُحْدِثًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ- وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ، قَالُوا: مَعْنَاهُ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ وَأَنْتُمْ مُحْدِثُونَ.وَإِنَّمَا أَضْمَرَ وَأَنْتُمْ مُحْدِثُونَ كَرَاهَةَ أَنْ يَفْتَتِحَ آيَةَ الطَّهَارَةِ بِذِكْرِ الْحَدَثِ كَمَا قَالَ: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} وَلَمْ يَقُلْ هُدًى لِلضَّالِّينَ الصَّائِرِينَ إِلَى التَّقْوَى بَعْدَ الضَّلَالِ، كَرَاهَةَ أَنْ يَفْتَتِحَ أُولَى الزَّهْرَاوَيْنِ بِذِكْرِ الضَّلَالَةِ.

وَمِنَ السُّنَّةِ قَوْلُهُ- صلى الله عليه وسلم-: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طَهُورٍ».

وَأَجْمَعَ أَهِلُ السِّيَرِ أَنَّ الْوُضُوءَ فُرِضَ بِمَكَّةَ مَعَ فَرْضِ الصَّلَاةِ بِتَعْلِيمِ جِبْرِيلَ- عليه السلام-، وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْوُضُوءِ وَوُجُوبِهِ.

مُنْكِرُ وُجُوبِ الْوُضُوءِ:

8- نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ وُجُوبَ الْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ يَكْفُرُ، لِإِنْكَارِهِ النَّصَّ الْقَطْعِيَّ، وَهُوَ آيَةُ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} وَلِإِنْكَارِهِ الْإِجْمَاعَ.

وَأَضَافَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ مُنْكِرَ وُجُوبِ الْوُضُوءِ إِنْ كَانَ إِنْكَارُهُ وُجُوبَ الْوُضُوءِ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ لَا يَكْفُرُ، قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: وَلَوْ لِمَسِّ الْمُصْحَفِ، لِوُقُوعِ الْخِلَافِ فِي تَفْسِيرِ آيَتِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ}.

تَرَكَ الْوُضُوءَ عَمْدًا ثُمَّ صَلَّى مُحْدِثًا:

9- نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ يَسْتَخِفُّ بِالدِّينِ يَكْفُرُ- كَالصَّلَاةِ بِلَا وُضُوءٍ عَمْدًا-.

وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: مَنْ تَرَكَ الطَّهَارَةَ يُقْتَلُ بِهَا كَالصَّلَاةِ.

وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ الْوُضُوءِ ثُمَّ صَلَّى مُحْدِثًا، اسْتُتِيبَ فَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ حَدًّا لَا كُفْرًا.

وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: مَنْ تَرَكَ شَرْطًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ أَوْ رُكْنًا كَالطَّهَارَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَهُوَ كَتَارِكِهَا، حُكْمُهُ حُكْمُهُ، وَقَالُوا: مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ وَهُوَ بَالِغٌ عَاقِلٌ- جَاحِدًا أَوْ غَيْرَ جَاحِدٍ- دُعِيَ إِلَيْهَا فِي وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ صَلَّى وَإِلاَّ قُتِلَ.

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلْوُضُوءِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ مَا يُتَوَضَّأُ لِأَجْلِهِ، وَتَفْصِيلُهُ فِيمَا يَلِي:

أَوَّلًا: مَا يَكُونُ الْوُضُوءُ لَهُ فَرْضًا:

أ- الصَّلَاةُ:

10- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ فَرْضٌ عَلَى الْمُحْدِثِ إِذَا أَرَادَ الْقِيَامَ لِصَلَاةِ الْفَرْضِ أَوِ النَّفْلِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ صَلَاةً مِنْ غَيْرِ طَهُورٍ.

وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ فَرْضٌ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ كَامِلَةً.وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ سَائِرُ الْفُقَهَاءِ، إِذْ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ عِنْدَهُمْ مَا يُشْتَرَطُ لِبَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ مِنَ الطَّهَارَةِ الْحُكْمِيَّةِ أَوِ الطَّهَارَةِ الْحَقِيقِيَّةِ بَدَنًا وَثَوْبًا وَمَكَانًا وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، وَالنِّيَّةِ.

(ر: جَنَائِز ف22)

وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْوُضُوءَ فُرِضَ لِسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ مَا يُشْتَرَطُ لِلصَّلَاةِ.

(ر: سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ ف3)

ب- الطَّوَافُ

11- ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ- الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ- إِلَى أَنَّ الْوُضُوءَ فُرِضَ لِلطَّوَافِ فَرْضِهِ وَنَفْلِهِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- «الطَّوَافُ حَوْلَ الْبَيْتِ مِثْلُ الصَّلَاةِ، إِلاَّ أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ فَلَا يَتَكَلَّمَنَّ إِلاَّ بِخَيْرٍ».

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْوُضُوءَ لِلطَّوَافِ وَاجِبٌ وَاسْتَدَلُّوا عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بِالْحَدِيثِ الْآنِفِ الذِّكْرِ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ الْجُمْهُورُ وَقَالُوا: إِنَّهُ لَمَّا أَشْبَهَ الطَّوَافُ الصَّلَاةَ مِنْ وَجْهٍ قُلْنَا بِوُجُوبِ الطَّهَارَةِ وَعَدَمِ تَوَقُّفِ صِحَّتِهِ عَلَيْهَا، وَزَادُوا: إِذَا طَافَ الطَّائِفُ الْفَرْضَ مُحْدِثًا وَجَبَ دَمٌ، وَإِنْ كَانَ جُنُبًا فَبَدَنَةٌ، وَإِذَا طَافَ الْوَاجِبَ كَالْوَدَاعِ أَوِ النَّفْلَ مُحْدِثًا فَصَدَقَةٌ، وَجُنُبًا فَدَمٌ.

ج- مَسُّ الْمُصْحَفِ:

12- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي فَرْضِيَّةِ الْوُضُوءِ لِمَسِّ الْمُصْحَفِ فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْوُضُوءَ فُرِضَ لِمَسِّ الْمُصْحَفِ لقوله تعالى: {لَا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ}.

(ر: مُصْحَف ف 4- 11) ثَانِيًا: مَا يَكُونُ الْوُضُوءُ لَهُ سُنَّةً:

13- صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ غَيْرَ الْبَغَوِيِّ بِأَنَّ الْوُضُوءَ لِلنَّوْمِ سُنَّةٌ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بِحَدِيثِ: «إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ».

وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْوُضُوءَ لِلنَّوْمِ مُسْتَحَبٌّ، وَفِي قَوْلٍ عِنْدَهُمْ وُضُوءُ الْجُنُبِ لِلنَّوْمِ سُنَّةٌ وَفِي قَوْلٍ: إِنَّهُ وَاجِبٌ، وَقَالَ الْبَغَوِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ إِنَّ النُّوَّمَ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْوُضُوءُ.

ثَالِثًا: مَا يَكُونُ الْوُضُوءُ لَهُ مَنْدُوبًا:

ضَابِطُ الْوُضُوءِ الْمَنْدُوبِ: كُلُّ وُضُوءٍ لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ مَا يُفْعَلُ بِهِ بَلْ مِنْ كَمَالَاتِ مَا يُفْعَلُ بِهِ.

يَكُونُ الْوُضُوءُ مَنْدُوبًا فِي أَحْوَالٍ كَثِيرَةٍ مِنْهَا: أ- قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ

14- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَقِرَاءَةِ الْحَدِيثِ وَرِوَايَتِهِ.

ب- ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى:

15- صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِاسْتِحْبَابِ الْوُضُوءِ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى.

(ر: ذِكْر ف 28).

ج- الْأَذَانُ:

5 ام- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ: الْوُضُوءُ لِلْأَذَانِ.

(ر: أَذَان ف33).

د- الْإِقَامَةُ:

16- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْوُضُوءِ لِلْإِقَامَةِ. (ر: إِقَامَة ف 11).

هـ- الْخُطْبَةُ:

17- يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ لِلْخُطْبَةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- كَانَ يُصَلِّي عَقِبَ الْخُطْبَةِ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِطَهَارَةٍ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُتَطَهِّرًا، وَالِاقْتِدَاءُ بِهِ- صلى الله عليه وسلم- إِنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا فَهُوَ سُنَّةٌ.

وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى الْقَوْلِ الْمُقَابِلِ لِلْمَشْهُورِ أَنَّ الطَّهَارَةَ عَنِ الْحَدَثِ مِنْ شُرُوطِ الْخُطْبَةِ.

(ر: خُطْبَة ف11)

و- دِرَاسَةُ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ:

18- يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ لِدِرَاسَةِ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ، وَقَالَ الْحَطَّابُ نَقْلًا عَنِ الشَّبِيبِيِّ: مِنَ الْمُبَاحِ الْوُضُوءُ لِتَعَلُّمِ الْعِلْمِ وَتَعْلِيمِهِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ.

ز- الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ:

19- يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ لِشَرَفِ الْمَكَانِ وَمُبَاهَاةِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَلَائِكَةَ بِالْوَاقِفِينَ، كَمَا يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ لِلسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِأَدَاءِ الْعِبَادَةِ وَشَرَفِ الْمَكَانَيْنِ.

ح- زِيَارَةُ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم-:

20- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ لِزِيَارَةِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- تَعْظِيمًا لِحَضْرَتِهِ وَدُخُولِ مَسْجِدِهِ.

ط- الْوُضُوءُ عَلَى الْوُضُوءِ:

21- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ تَجْدِيدِ الْوُضُوءِ.

(ر: تَجْدِيد ف2) ي- وُضُوءُ الْجُنُبِ عِنْدَ إِرَادَةِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَمُعَاوَدَةِ الْوَطْءِ وَالنَّوْمِ:

22- ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْجُنُبِ الْوُضُوءُ عِنْدَ إِرَادَةِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَمُعَاوَدَةِ الْوَطْءِ وَالنَّوْمِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ- رضي الله عنها- «كَانَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم- إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ غَسَلَ فَرْجَهُ وَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ».

وَلِحَدِيثِ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- «إِذَا كَانَ جُنُبًا فَأَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَنَامَ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» وَلِحَدِيثِ «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضَّأْ».

قَالَ الطَّحْطَاوِيُّ: أَمَّا الْوُضُوءُ بَيْنَ الْجِمَاعَيْنِ وَعِنْدَ النَّوْمِ فَالْمُرَادُ بِهِ الشَّرْعِيُّ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَالْجُمْهُورِ لِمَا وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ- رضي الله عنها- قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم- إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ غَسَلَ فَرْجَهُ وَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ» وَفِي رِوَايَةٍ: «تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ».

أَمَّا الْوُضُوءُ عِنْدَ إِرَادَةِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَالْمُرَادُ بِهِ اللُّغَوِيُّ؛ لِمَا وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ- رضي الله عنها- «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ وَهُوَ جُنُبٌ غَسَلَ يَدَيْهِ» قَالَ فِي شَرْحِ الْمِشْكَاةِ: وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ.

وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ بَيْنَ الْجِمَاعَيْنِ بَلْ هُوَ جَائِزٌ.

وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: لَيْسَ عَلَى الْجُنُبِ وُضُوءٌ عِنْدَ إِرَادَةِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ أَوْ مُعَاوَدَةِ الْجِمَاعِ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ غَسْلُ يَدَيْهِ مِنَ الْأَذَى إِذَا أَرَادَ الْأَكْلَ كَمَا يُسْتَحَبُّ لَهُ غَسْلُ فَرْجِهِ وَمَوَاضِعِ النَّجَاسَةِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُعَاوِدَ الْجِمَاعَ، أَمَّا إِذَا أَرَادَ النَّوْمَ فَفِي وُضُوئِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:

الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يُنْدَبُ لَهُ الْوُضُوءُ.

الثَّانِي: أَنَّهُ يُسَنُّ لَهُ الْوُضُوءُ.

الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوء.

ك- الْمُحَافَظَةُ عَلَى الْوُضُوءِ:

23- صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ يُنْدَبُ الْمُحَافَظَةُ عَلَى الْوُضُوءِ، وَتَفْسِيرُهُ: أَنْ يَتَوَضَّأَ كُلَّمَا أَحْدَثَ لِيَكُونَ عَلَى الْوُضُوءِ فِي الْأَوْقَاتِ كُلِّهَا.

ل- الْوُضُوءُ خُرُوجًا مِنَ الْخِلَافِ:

24- صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ لِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ سَائِرِ الْعُلَمَاءِ كَمَا إِذَا مَسَّ امْرَأَةً مُشْتَهَاةً غَيْرَ مُحَرَّمَةٍ، أَوْ فَرْجَهُ بِبَطْنِ كَفِّهِ لِتَكُونَ عِبَادَتُهُ صَحِيحَةً بِالِاتِّفَاقِ عَلَيْهَا اسْتِبْرَاءً لِدِينِهِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْإِفْسَادِ.

(ر: مُرَاعَاة الْخِلَاف فِقْرَة 2- 4)

رَابِعًا: مَا يُبَاحُ لَهُ الْوُضُوءُ:

25- صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الْوُضُوءَ الْمُبَاحَ هُوَ الْوُضُوءُ لِلتَّنْظِيفِ وَالتَّبَرُّدِ، وَقَالَ الشَّبِيبِيُّ: مِنَ الْمُبَاحِ الْوُضُوءُ لِتَعَلُّمِ الْعِلْمِ وَتَعْلِيمِهِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ.

وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: الْوُضُوءُ الْمُبَاحُ هُوَ الْوُضُوءُ لِلدُّخُولِ عَلَى الْأُمَرَاءِ وَلِرُكُوبِ الْبَحْرِ وَشِبْهِهِ مِنَ الْمَخَاوِفِ، وَلِيَكُونَ الشَّخْصُ عَلَى طَهَارَةٍ وَلَا يُرِيدَ بِهِ اسْتِبَاحَةَ صَلَاةٍ أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا يَمْنَعُهُ الْحَدَثُ.ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ يُقَالُ فِي هَذَا كُلِّهِ: إِنَّهُ مِنَ الْمُسْتَحِبَّاتِ.

وَاسْتَظْهَرَ الْحَطَّابُ فِي هَذَا كُلِّهِ الِاسْتِحْبَابَ مَا عَدَا التَّنْظِيفَ وَالتَّبَرُّدَ فَإِنَّهُ مُبَاحٌ.

وَهَذَا الْوُضُوءُ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ مَا لَمْ يَنْوِهِ؛ لِأَنَّ مَا قَصَدَهُ يَصِحُّ فِعْلُهُ مَعَ بَقَاءِ الْحَدَثِ.

خَامِسًا: الْوُضُوءُ الْمَمْنُوعُ:

26- نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ الْمَمْنُوعَ هُوَ الْمُجَدَّدُ قَبْلَ أَنْ تُفْعَلَ بِهِ عِبَادَةٌ، وَالْوُضُوءُ لِغَيْرِ مَا شُرِعَ لَهُ الْوُضُوءُ أَوْ أُبِيحَ.

انْظُرِ الْمُصْطَلَحَ (تَجْدِيد ف2)

فَضِيلَةُ الْوُضُوءِ:

27- وَرَدَتْ عِدَّةُ أَحَادِيثَ فِي فَضْلِ الْوُضُوءِ وَسُقُوطِ الْخَطَايَا بِهِ، مِنْهَا:

مَا رَوَى أَبُو مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ- رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-: «الطَّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ».

وَرَوَى «عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ- رضي الله عنه- أَنَّهُ تَوَضَّأَ ثُمَّ قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- تَوَضَّأَ مِثْلَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ قَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ هَكَذَا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».

وَعَنْ عُثْمَانَ- رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ».

وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ- رضي الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ، أَوْ فَيُسْبِغُ الْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، إِلاَّ فُتِّحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ، «وَفِي رِوَايَةٍ»: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ».

وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ- رضي الله عنه- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: «إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ».

شُرُوطُ الْوُضُوءِ:

28- شُرُوطُ الْوُضُوءِ مِنْهَا مَا هُوَ شَرْطٌ فِي وُجُوبِهِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ شَرْطٌ فِي وُجُوبِهِ وَصِحَّتِهِ مَعًا.

وَالْمُرَادُ بِشُرُوطِ الْوُجُوبِ: هِيَ مَا إِذَا اجْتَمَعَتْ وَجَبَتِ الطَّهَارَةُ عَلَى الشَّخْصِ.

وَشُرُوطُ الصِّحَّةِ هِيَ مَا لَا تَصِحُّ الطَّهَارَةُ إِلاَّ بِهَا، وَلَا تَلَازُمَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ بَلْ بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَجْهِيٌّ.

أَوَّلًا: شُرُوطُ وُجُوبِ الْوُضُوءِ:

أ- الْعَقْلُ:

29- ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْعَقْلَ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الْوُضُوءِ إِذْ لَا خِطَابَ بِدُونِ الْعَقْلِ وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الْعَقْلَ شَرْطٌ فِي وُجُوبِ الْوُضُوءِ وَصِحَّتِهِ مَعًا وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ الْعَقْلَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْوُضُوءِ.

ب- الْبُلُوغُ:

30- ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْبُلُوغَ شَرْطٌ فِي وُجُوبِ الْوُضُوءِ، فَلَا يَجِبُ عَلَى الصَّبِيِّ لِعَدَمِ تَكْلِيفِ الْقَاصِرِ، أَمَّا الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ فَيَصِحُّ وُضُوؤُهُ.

ج- الْإِسْلَامُ:

31- صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ بِأَنَّ الْإِسْلَامَ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْوُضُوءِ، إِذْ لَا يُخَاطَبُ كَافِرٌ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ.

كَمَا يَرَى الْمَالِكِيَّةُ فِي مُقَابِلِ الْمَشْهُورِ أَنَّ الْإِسْلَامَ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ وَالصِّحَّةِ مَعًا.

وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ أَنَّ الْإِسْلَامَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْوُضُوءِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ يُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ.

د- انْقِطَاعُ مَا يُنَافِي الْوُضُوءَ مِنْ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ:

32- ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ انْقِطَاعَ مَا يُنَافِي الْوُضُوءَ مِنْ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ شَرْطٌ فِي وُجُوبِ الْوُضُوءِ وَصِحَّتِهِ مَعًا.

هـ- وُجُودُ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ الطَّهُورِ الْكَافِي:

33- نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الْوُضُوءِ وُجُودَ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ الطَّهُورِ الْكَافِي.

فَلَا يَجِبُ الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ عَدِمَ الْمَاءَ، وَالْحَاجَةُ إِلَى الْمَاءِ تَنْفِيهِ حُكْمًا، فَلَا قُدْرَةَ إِلاَّ بِالْمَاءِ الْكَافِي لِجَمِيعِ الْأَعْضَاءِ مَرَّةً مَرَّةً، وَغَيْرُهُ كَالْعَدَمِ.

وَاشْتَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ وُجُودَ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ، وَالْعِلْمَ بِأَنَّهُ مُطْلَقٌ وَلَوْ ظَنًّا عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ.

وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى اشْتِرَاطِ طَهُورِيَّةِ الْمَاءِ.

و- الْقُدْرَةُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ:

34- نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الْوُضُوءِ الْقُدْرَةَ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمُطَهِّرِ.

وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى عَاجِزٍ عَنِ اسْتِعْمَالِ الْمُطَهِّرِ، وَلَا عَلَى مَنْ قُطِعَتْ يَدَاهُ مِنَ الْمَرْفِقَيْنِ، وَرِجْلَاهُ مِنَ الْكَعْبَيْنِ.

ز- وُجُودُ الْحَدَثِ:

35- يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ وُجُودَ الْحَدَثِ الْمُوجِبِ لِلْوُضُوءِ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْوُضُوءِ.

نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ فِي مُوجِبِهِ أَوْجُهًا:

أَحَدُهَا: الْحَدَثُ مَعَ الِانْقِطَاعِ فَيَجِبُ وُجُوبًا مُوَسَّعًا.

ثَانِيهَا: الْقِيَامُ إِلَى الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا.

ثَالِثُهَا: هُمَا مَعًا وَهُوَ الْأَصَحُّ فِي التَّحْقِيقِ.

وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الْوُضُوءِ الْحَدَثُ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ.

وَفِي الِانْتِصَارِ: يَجِبُ بِإِرَادَةِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْحَدَثِ.قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: لَا تَجِبُ الطَّهَارَةُ قَبْلَ إِرَادَةِ الصَّلَاةِ بَلْ تُسْتَحَبُّ.

أَمَّا إِذَا شَكَّ فِي الْحَدَثِ وَتَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.

وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ عَلَى الْمَشْهُورِ أَنَّ عَلَيْهِ الْوُضُوءَ وُجُوبًا، وَقِيلَ: اسْتِحْبَابًا.

انْظُرْ مُصْطَلَحَ (شَكّ ف 14).

ح- ضِيقُ الْوَقْتِ:

36- نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ ضِيقَ الْوَقْتِ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الْوُضُوءِ، وَقَالُوا: إِنَّ هَذَا شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ الْمُضَيَّقِ، لِتَوَجُّهِ الْخِطَابِ مُضَيَّقًا حِينَئِذٍ وَمُوَسَّعًا فِي ابْتِدَائِهِ، بِمَعْنَى أَنَّ وُجُوبَ الْوُضُوءِ مُوَسَّعٌ بِدُخُولِ الْوَقْتِ كَالصَّلَاةِ، فَإِذَا ضَاقَ الْوَقْتُ صَارَ الْوُجُوبُ فِيهِمَا مُضَيَّقًا.

وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الْوُضُوءِ دُخُولَ وَقْتِ الصَّلَاةِ الْحَاضِرَةِ وَتَذَكُّرَ الْفَائِتَةِ.

وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْوُضُوءَ يَجِبُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ، لِوُجُوبِ الصَّلَاةِ إِذَنْ وَوُجُوبِ الشَّرْطِ بِوُجُوبِ الْمَشْرُوطِ.

ط- بُلُوغُ دَعْوَةِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم-:

37- صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الْوُضُوءِ وَوُجُوبِهِ بُلُوغَ دَعْوَةِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- إِلَى الْمُكَلَّفِ.

ثَانِيًا: شُرُوطُ صِحَّةِ الْوُضُوءِ:

أ- عُمُومُ الْبَشَرَةِ بِالْمَاءِ الطَّهُورِ:

38- صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الْوُضُوءِ عُمُومَ الْبَشَرَةِ بِالْمَاءِ الطَّهُورِ، أَيْ بِأَنْ يَعُمَّ الْمَاءُ جَمِيعَ الْمَحَلِّ الْوَاجِبِ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ، حَتَّى لَوْ بَقِيَ مِقْدَارُ مَغْرِزِ إِبْرَةٍ لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ مِنَ الْمَفْرُوضِ غَسْلُهُ لَمْ يَصِحَّ الْوُضُوءُ.

وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: مِنْ شُرُوطِ الْوُضُوءِ أَنْ يَغْسِلَ مَعَ الْمَغْسُولِ جُزْءًا يَتَّصِلُ بِالْمَغْسُولِ وَيُحِيطُ بِهِ، لِيَتَحَقَّقَ بِهِ اسْتِيعَابُ الْمَغْسُولِ.

ب- زَوَالُ مَا يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إِلَى الْجَسَدِ:

39- نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الْوُضُوءِ زَوَالُ مَا يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إِلَى الْجَسَدِ لِجِرْمِهِ الْحَائِلِ كَشَمْعٍ وَشَحْمٍ وَعَجِينٍ وَطِينٍ.

وَاعْتَبَرَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِزَالَةَ مَانِعِ وُصُولِ الْمَاءِ إِلَى الْبَشَرَةِ مِنْ شُرُوطِ الْوُضُوءِ.

وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ: وَأَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْعُضْوِ مَا يُغَيِّرُ الْمَاءَ تَغَيُّرًا مُضِرًّا.قَالَ فِي الْإِمْدَادِ: وَمِنْهُ الطِّيبُ الَّذِي يُحَسَّنُ بِهِ الشَّعْرُ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُنَشَّفُ وَيَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ لِلْبَاطِنِ، فَيَجِبُ إِزَالَتُهُ وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ.

ج- انْقِطَاعُ الْحَدَثِ حَالَ التَّوَضُّؤِ:

40- يَرَى الْفُقَهَاءُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) أَنَّ انْقِطَاعَ الْحَدَثِ حَالَ التَّوَضُّؤِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ بِظُهُورِ بَوْلٍ وَسَيَلَانٍ نَاقِضٍ لَا يَصِحُّ الْوُضُوءُ.

د- الْعِلْمُ بِكَيْفِيَّةِ الْوُضُوءِ:

41- ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ- ضِمْنَ شُرُوطِ الْوُضُوءِ- مَعْرِفَةَ كَيْفِيَّةِ الْوُضُوءِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْمُتَوَضِّئِ أَنْ يُمَيِّزَ فَرَائِضَ الْوُضُوءِ مِنْ سُنَنِهِ، أَوْ يَعْتَقِدَ أَنَّ فِيهِ فَرْضًا وَسُنَّةً وَإِنْ لَمْ يُمَيِّزْ أَحَدَهُمَا عَنِ الْآخَرِ، أَوْ يَعْتَقِدَ أَنَّ أَفْعَالَهُ كُلَّهَا فَرْضٌ.

وَالْمُضِرُّ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ فِيهِ فُرُوضًا وَسُنَنًا وَيَعْتَقِدَ أَنَّ الْفَرْضَ سُنَّةٌ.

وَهَذَا فِي حَقِّ الْعَامِّيِّ، أَمَّا الْعَالِمُ فَلَا بُدَ فِيهِ مِنَ التَّمْيِيزِ.

هـ- عَدَمُ الصَّارِفِ عَنِ الْوُضُوءِ:

42- ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ مِنْ شُرُوطِ الْوُضُوءِ عَدَمَ صَارِفٍ عَنِ الْوُضُوءِ، وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِدَوَامِ النِّيَّةِ حُكْمًا: بِأَنْ لَا يَأْتِيَ بِمُنَافٍ لِلنِّيَّةِ كَرِدَّةٍ أَوْ قَوْلِ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا بِنِيَّةِ التَّبَرُّكِ أَوْ قَطْعٍ لِلنِّيَّةِ.

و- جَرْيُ الْمَاءِ عَلَى الْعُضْوِ:

43- صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ مِنْ شُرُوطِ الْوُضُوءِ جَرْيَ الْمَاءِ عَلَى الْعُضْوِ، وَقَالُوا: لَا يَمْنَعُ مَنْ عَدَّ هَذَا شَرْطًا كَوْنَهُ مَعْلُومًا مِنْ مَفْهُومِ الْغُسْلِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُرَادُ بِهِ مَا يَعُمُّ النَّضْحَ.

ز- النِّيَّةُ:

44- عَدَّ الْحَنَابِلَةُ مِنْ شُرُوطِ الْوُضُوءِ النِّيَّةَ لِخَبَرِ «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» أَيْ لَا عَمَلَ جَائِزٌ وَلَا فَاضِلٌ إِلاَّ بِالنِّيَّةِ، وَلِأَنَّ النَّصَّ دَلَّ عَلَى الثَّوَابِ فِي كُلِّ وُضُوءٍ وَلَا ثَوَابَ فِي غَيْرِ مَنْوِيٍّ؛ وَلِأَنَّ الْوُضُوءَ عِبَادَةٌ وَمِنْ شُرُوطِ الْعِبَادَةِ النِّيَّةُ؛ لِأَنَّ مَا لَمْ يُعْلَمْ إِلاَّ مِنَ الشَّارِعِ فَهُوَ عِبَادَةٌ.

ح- إِبَاحَةُ الْمَاءِ:

45- يَرَى الْحَنَابِلَةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ أَنَّ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الْوُضُوءِ إِبَاحَةَ الْمَاءِ لِحَدِيثِ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» فَلَا يَصِحُّ الْوُضُوءُ بِمَاءٍ مُحَرَّمِ الِاسْتِعْمَالِ كَالْمَغْصُوبِ وَنَحْوِهِ، وَعَنْ أَحْمَدَ: تَصِحُّ الطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ الْمَغْصُوبِ وَتُكْرَهُ.

شُرُوطُ الْوُضُوءِ فِي حَقِّ صَاحِبِ الضَّرُورَةِ:

46- يَشْتَرِطُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ لِوُضُوءِ صَاحِبِ الضَّرُورَةِ- وَهُوَ مَنْ حَدَثُهُ دَائِمٌ كَسَلَسٍ وَاسْتِحَاضَةٍ- دَخَلَ الْوَقْتُ وَلَوْ ظَنًّا؛ لِأَنَّ طَهَارَتَهُ طَهَارَةُ عُذْرٍ وَضَرُورَةٍ، فَتَقَيَّدَتْ بِالْوَقْتِ كَالتَّيَمُّمِ، وَتَقْدِيمِ الِاسْتِنْجَاءِ أَوِ الِاسْتِجْمَارِ.

وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ اشْتِرَاطَ التَّحَفُّظِ حَيْثُ احْتِيجَ إِلَيْهِ، وَأَيْضًا الْمُوَالَاةَ بَيْنَ الِاسْتِنْجَاءِ وَالتَّحَفُّظِ، وَالْمُوَالَاةَ بَيْنَ أَفْعَالِ الْوُضُوءِ، وَالْمُوَالَاةَ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ.

وَانْظُرْ لِلتَّفْصِيلِ فِي مُصْطَلَحِ (سَلَس ف 5)، (وَاسْتِحَاضَة ف 30 وَمَا بَعْدَهَا)

أَسْبَابُ الْوُضُوءِ:

47- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي سَبَبِ وُجُوبِ الْوُضُوءِ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ- الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَرَأْيٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ- إِلَى أَنَّ سَبَبَ فَرِيضَةِ الْوُضُوءِ إِرَادَةُ الصَّلَاةِ مَعَ وُجُودِ الْحَدَثِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا}.) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَعْنَاهُ إِذَا أَرَدْتُمُ الْقِيَامَ إِلَى الصَّلَاةِ وَأَنْتُمْ مُحْدِثُونَ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ، وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الْوُضُوءِ الْحَدَثُ.

وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ وُجُوبًا مُوَسَّعًا، فَلَوْلَاهُ لَمْ يَجِبِ الْوُضُوءُ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رَأْيٍ إِلَى أَنَّ مُوجِبَ الْوُضُوءِ الْقِيَامُ إِلَى الصَّلَاةِ أَوْ نَحْوَهَا، فَإِنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ.

وَفِي رَأْيٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ- نُقِلَ عَنِ الْفُرُوعِ- أَنَّهُ يَتَوَجَّهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْوُضُوءَ يَجِبُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ لِوُجُوبِ الصَّلَاةِ.

فُرُوضُ الْوُضُوءِ:

48- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ غَسْلَ الْوَجْهِ، وَغَسْلَ الْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وَمَسْحَ الرَّأْسِ، وَغَسْلَ الرِّجْلَيْنِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، مِنْ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ.

وَاخْتَلَفُوا فِي عَدِّ النِّيَّةِ وَالْمُوَالَاةِ (وَيُعَبَّرُ عَنْهَا بِالْفَوْرِ) وَالتَّرْتِيبِ وَالدَّلْكِ مِنْ فَرَائِضِهِ.

وَنُوَضِّحُ كُلَّ فَرْضٍ مِنْ هَذِهِ الْفُرُوضِ فِيمَا يَلِي

أَوَّلًا: الْفَرَائِضُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا فِي الْوُضُوءِ:

الْفَرْضُ الْأَوَّلُ: غَسْلُ الْوَجْهِ:

49- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ غَسْلَ ظَاهِرِ الْوَجْهِ بِكَامِلِهِ مَرَّةً فَرْضٌ مِنْ فُرُوضِ الْوُضُوءِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ}.).

وَلِمَا رَوَى عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ أَنَّ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ أَخْبَرَهُ «أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ- رضي الله عنه- دَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمِرْفَقِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا».

وَاسْتَدَلُّوا كَذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى وُجُوبِ غَسْلِ الْوَجْهِ بِكَامِلِهِ فِي الْوُضُوءِ.

موسوعة الفقه الكويتية-وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت-صدرت بدءًا من: 1404هـ/1984م


7-الغريبين في القرآن والحديث (طهر)

(طهر)

قوله عز وجل: {وأزواج مطهرة} يعني من الحيض والبول والغائط.

وقوله تعالى: {ماء طهورا} أي: يتطهر به، كما يقال: وضوء: للماء الذي يتوضأ به، وكل طهور طاهر، وليس كل طاهر طهورا وقوله: {فإذا تطهرن فأتوهن} اغتسلن، قد تطهرت المرأة واطهرت، فإذا انقطع عنها الدم قيل طهرت تطهر فهي طاهر (بلا هاء)

وقوله تعالى: {هن أطهر لكم} أي: أحل لكم، والتطهر يكون عما لا يحل.

ومنه قوله: {إنهم أناس يتطهرون} أي: عن أدبار النساء والرجال، قاله أهل لوط تهكما. وقوله تعالى: {أن طهرا بيتي} يعني من المعاصي والفعال المحرمة.

الغريبين في القرآن والحديث-أبو عبيد أحمد بن محمد الهروي-توفي: 401هـ/1010م


8-تاج العروس (طهر)

[طهر]: الطُّهْرُ، بالضّمِّ: نَقِيضُ النَّجَاسَةِ، كالطَّهَارَةِ، بالفَتْح.

طَهرَ، كنَصَرَ وكَرُمَ طُهْرًا وطَهَارَةً، المصدَرَانِ عن سِيبَويْه.

وفي الصّحاح: طَهَرَ وطَهُرَ، بالضمّ طَهَارَةً فيهما فهُوَ طَاهِرٌ وطَهِرٌ، ككَتِفٍ، الأَخيرُ عن ابنِ الأَعرَابِيّ، وأَنشد:

أَضَعْتُ المالَ للأَحْسَابِ حَتَّى *** خَرَجْتُ مُبَرَّأً طَهِرَ الثِّيَابِ

قال ابنُ جِنِّي: جاءَ طاهِرٌ على طَهُرَ، كما جاءَ شاعِرٌ على شَعُرَ، ثم استَغْنَوْا بالفاعِلٍ عن فَعيلٍ، وهو في أَنْفُسِهم وعلى بالٍ من تَصَوُّرِهِم، يَدُلُّكَ على ذلك تكسيرُهم شاعِرًا على شُعَرَاءَ، لَمَّا كان فاعِلٌ هنا واقِعًا موقع فَعِيلٍ كُسِّرَ تَكْسِيرَه؛ ليكون ذلك أَمارةً ودَليلًا على إِرادتِه وأَنّه مُغْنٍ عنه، وبَدَلٌ منه.

وقالَ ابنُ سِيدَه: قال أَبو الحَسَن: ليس كما ذكرَ؛ لأَنّ طَهِيرًا قد جاءَ في شِعْر أَبي ذُؤَيْب قال:

فإِنّ بَنِي لِحْيَانَ إِمّا ذَكَرْتَهُم *** نَثَاهُمْ إِذا أَخْنَى الزَّمَانُ طَهِيرُ

قال: كذا رواه الأَصمعِيّ بالطّاءِ، ويُرْوَى ظَهِير، بالظَّاءِ المعجمة.

الجمع: الطَّاهِرِ أَطْهَارٌ وطَهَارَى الأَخيرةُ نادِرَةٌ، وثِيَابٌ طَهَارَى على غَيْرِ قيَاس، كأَنَّهُم جَمعوا طَهْرَانَ، قال امرُؤُ القَيْسِ:

ثِيَابُ بَنِي عَوْفٍ طَهَارَى نَقِيَّةٌ *** وأَوجُهُهُم عندَ المَشاهد غُرَّانُ

وجمْعُ الطَّهِرِ طَهِرُونَ، ولا يُكسَّرُ.

والأَطْهَارُ: أَيّامُ طُهْرِ المَرْأَةِ، والطُّهْرُ: نَقِيضُ الحَيْضِ.

والمَرْأَةُ طاهِرٌ من الحَيْضِ، وطاهِرَةٌ من النَّجَاسَةِ ومن العُيُوبِ، وفي الثَّاني مَجَاز، ورجلٌ طاهِرٌ ورِجَالٌ طاهِرُونَ، ونساءٌ طاهِرَاتٌ.

وفي المحكم: طَهَرَتْ وطَهِرَتْ وطَهُرَتْ، وهي طاهِرٌ ـ قلْت: ونقلَ البَدْرُ القَرَافِيُّ أَيضًا تَثليثَ الهاءِ عن الأَسْنَوِيّ ـ: انْقَطَعَ دَمُهَا ورأَت الطُّهْرَ واغْتَسَلَتْ من الحَيْضِ وغَيْرِه، والفتح أَكثرُ عند ثعلب.

وقال ابنُ الأَعْرَابِيّ: طَهَرَت المرأَةُ هو الكلام، ويجوز طَهُرَتْ، كتَطَهَّرَت، قال ابنُ الأَعْرَابِيّ: وتَطَهَّرَتْ واطَّهَّرَت: اغتَسَلَتْ، فإِذا انْقَطَع عنها الدَّمُ قيل: طَهُرَت، فهي طاهِرٌ بلا هاءٍ، وذلك إِذا طَهُرَت من المَحِيضِ.

وروى الأَزهريّ عن أَبي العَبّاس أَنه قال في قوله عزّ وجلّ: {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ} وقُرِئَ «حَتَّى يَطَّهَّرْنَ» قال أَبو العَبّاس: والقراءَة حتى يَطَّهَّرْنَ؛ لأَنّ من قَرَأَ «يَطْهُرْنَ» أَرادَ انقِطَاعَ الدَّمِ، {فَإِذا تَطَهَّرْنَ}: اغْتَسَلْنَ، فصيَّر معناهما مختلفًا، والوَجْهُ أَنْ تكونَ الكَلِمَتَانِ بمعنًى واحدٍ، يريدُ بهما جميعًا الغُسْلَ، ولا يَحلّ المَسِيسُ إِلّا بالاغْتِسَالِ، ويُصَدِّق ذلك قراءَةُ ابنِ مَسْعُود «حَتَّى يَتَطَهَّرْنَ».

وقال المصنّف في البَصَائِر: طَهَرَ، وطَهُرَ، واطَّهَّرَ، وتَطَهَّرَ بمعنىً، وطَهَرَت المَرْأَةُ طُهْرًا، وطَهَارَةً وطُهُورًا وطَهُورًا وطَهُرَت، والفَتْح أَقْيَسُ.

والطَّهَارَةُ ضَرْبان: جُسْمَانِيَّةٌ ونَفْسَانِيَّة، وحُمِلَ عليهمَا أَكثَرُ الآيات.

وقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} أَي استعمِلُوا الماءَ أَو ما يَقُومَ مَقَامَه.

وقال تعالى: {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ} فدلَّ باللَّفْظَيْنِ على عَدَمِ جَوازِ وَطْئهنّ إِلّا بعدَ الطّهَارَةِ والتَّطْهِيرِ، ويُؤَكّد ذلك قِرَاءَةُ من قَرَأَ «حتَّى يَطَّهَّرْنَ»؛ أَي يفْعَلْنَ الطَّهَارَةَ التي هي الغُسْلُ. انتهى.

وفي اللسان: وأَما قوله تعالى: {فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} فإِن معناه الاسْتِنْجَاءُ بالماءِ، نَزَلَتْ في الأَنصارِ، وكانوا إِذا أَحْدَثُوا أَتْبَعُوا الحِجَارَةَ بالماءِ، فأَثْنَى الله تَعَالَى عليهم بذلك.

وقوله تعالى: {وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ} يعني من الحَيْضِ والبَوْلِ والغَائِطِ. قال أَبو إِسْحَاقَ: معناه أَنَّهُنّ لا يَحْتَجْنَ إِلى ما تَحْتَاج إِليه نِسَاءُ أَهْلِ الدُّنْيَا بعدَ الأَكلِ والشُّربِ ولا يَحِضْنَ ولا يَحْتَجْنَ إِلى ما يُتَطَهَّر به، وهنَّ مع ذلك طاهِرَاتٌ طَهَارةَ الأَخْلَاقِ والعِفّةِ، فمُطَهَّرَةً تَجْمَع الطَّهَارَةَ كلَّهَا؛ لأَنّ مُطَهَّرَةً أَبلغُ في الكلامِ من طاهِرَةٍ. وقوله عزّ وجلّ: {أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ} قال أَبو إِسحاق: معناه طَهِّروه من تَعْلِيقِ الأَصنام عليه.

قلْت: وقيل: المرادُ به الحَثُّ على تَطْهِيرِ القَلْبِ لدُخولِ السّكينةِ فيه المَذكورة في قوله: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ} وقال الأَزهريّ: معناه أَي {طَهِّرا بَيْتِيَ} يعنِي من المَعَاصِي والأَفْعَالِ المُحَرَّمةِ.

وقوله تعالى: {يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً} من الأَدْناسِ والباطل.

وقوله تعالى: {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} يعني به تَطْهيرَ النَّفْس.

وقوله تعالى: {وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} أَي يُخْرِجُك من جُمْلَتهم، ويُنَزِّهُك أَن تَفعَلَ بفِعْلهم.

وقيل في قوله تعالى: {لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} يعنِي به تَطْهِيرَ النَّفْسِ؛ أَي أَنَّه لا يَبْلُغُ حَقَائِقَ مَعرِفَتِه إِلّا من يُطَهِّرُ نَفْسَه من دَرَنِ الفَسَاد والجَهالاتِ والمُخَالفاتِ.

وقوله تعالى: {أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} أَي أَن يَهْدِيَهم.

وقوله تعالى: {إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ} قالوا ذلك تَهَكُّمًا حيثُ قال: {هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ}، ومعنى أَطْهَرُ لكم: أَحَلُّ لَكُم.

وطَهَّرَهُ بالماءِ تَطْهِيرًا: غَسَلَه بهِ، فهو مُطَهّر والاسمُ الطُّهْرَةُ بالضَّمِّ.

المَطهَرَةُ، بالكسرِ والفَتْحِ: إِناءٌ يُتَطَهَّرُ بهِ ويُتَوضَّأُ، مثل سَطْل أَو رَكْوَة.

والمِطْهَرَةُ: الإِدَاوَةُ، على التشبيه بذلك، والجَمْع المَطَاهِرُ، قال الكُمَيْتُ ـ يَصف القَطا ـ:

يَحْمِلْنَ قُدّامَ الْجَآ *** جِى في أَسَاقٍ كالمَطَاهِرْ

قلْت: وقَبْلَه:

علق المُوَضَّعَة القَوَا *** ثِمِ بينَ ذِي زَغَبٍ وباثِرْ

كذا قَرأْتُ في كِتَاب الحَمَام الهُدَّى تأْليف الحَسَنِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ محمّدِ بنِ يحيَى الكاتِبِ الأَصْبَهَانِيّ.

وقال الجَوْهَرِيّ: المِطْهَرَةُ والمَطْهَرَةُ: الإِداوَةُ، والفَتْحُ أَعلَى.

والمَطْهَرَة: بَيْتٌ يُتَطَهَّر فيهِ يَشْمَل الوُضُوءَ والغُسْلَ والاستِنْجاءَ.

والطَهُورُ، بالفَتْح لمَصْدَرُ، فيما حكى سِيبَويْه من قَوْلهم: تَطَهَّرْتُ طَهُورًا، وتَوَضَّأْتُ وَضُوءًا، ومثْله: وقَدْتُ وَقُودًا.

وقد يكونُ الطَّهُورُ: اسم ما يُتَطَهَّرُ بهِ، كالفُطُورِ السَّحُورِ والوَجُورِ، والسَّعُوطِ.

وقد يكون صِفَةً، كالرَّسُولِ، وعلى ذلك قوله تعالى: {وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهُورًا}، تنبيهًا أَنَّه بخِلافِ ما ذُكِرَ في قوله: {وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ}، قاله المصنّفُ في البَصَائر.

أو الطَّهُورُ: هو الطّاهِرُ في نفْسِه لمُطَهِّرٌ لِغَيْرِه.

قال الأَزْهَرِيّ: وكلّ ما قِيلَ في قَوْله عزَّ وجَلَّ {وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا} فإِنّ الطَّهُورَ في اللّغَةِ هو الطّاهِرُ المُطَهِّرُ؛ لأَنّه لا يكونُ طَهُورًا إِلّا وهو يُتَطَهَّرُ بهِ، كالوَضُوءِ: هو الماءُ الذي يُتَوَضَّأُ به، والنَّشُوقِ: ما يُسْتَنْشَقُ به، والفَطُور؛ ما يُفْطَر عليه من شَرَاب أَو طَعَام.

وسُئِلَ رسولُ الله صلى ‌الله‌ عليه‌ وسلم عن ماء البحر فقال: «هُوَ الطَّهُورُ ماؤُه الحِلُّ مَيْتَتُه» أَي المُطَهِّر، أَراد أَنّه طاهِرٌ يُتَطَهَّرُ به.

وقال الشّافِعيّ، رضي ‌الله‌ عنه: كلُّ ماءٍ خلَقَه الله تعالى نازِلًا من السَّماءِ أَو نابِعًا من الأَرْضِ من عينٍ في الأَرضِ أَو بَحْرٍ، لا صَنْعَةَ فيه لآدَميّ غير الاستِقَاءِ، ولم يُغَيِّرْ لَونَه شيْ‌ءٌ يُخَالِطُه، ولم يَتَغَيَّرْ طَعْمُه منه، فهو طَهُورٌ، كما قال الله تعالى. وما عدا ذلك من ماءِ وَرْدٍ، أَو وَرَقِ شَجَرٍ، أَو ماءٍ يَسيلُ من كَرْمٍ فإِنّه وإِن كَانَ طاهِرًا فليس بطَهورٍ.

وفي التَّهْذِيب للنَّوَوِيِّ: الطَّهُورُ بالفَتْح: ما يُتَطَهَّرُ بهِ، وبالضَّمّ اسمُ الفِعْل، هذه اللغةُ المشهورةُ، وفي أُخرَى: بالفَتْح فيهما، واقتصر عليه جماعاتٌ من كِبَارِ أَئِمّة اللُّغَةِ، وحكَى صاحِبُ مَطَالِعِ الأَنوارِ الضّمَّ فيهما، وهو غَرِيبٌ شاذٌّ، انتهى.

قلْت: وفي الحديث: «لا يَقْبَلُ اللهُ صلاةً بغَيرِ طهُورٍ» قال ابنُ الأَثير: الطُّهُورُ، بالضَّمّ: التَّطَهُّرُ، وبالفَتْح: الماءُ الذي يُتَطَهَّرُ به كالوُضُوءِ والوَضُوءِ، والسُّحُورِ والسَّحُورِ. وقال سيبويه: والطَّهُورُ، بالفَتْح يَقَعُ على الماءِ والمَصْدَرِ مَعًا، قال: فَعَلَى هذا يجوزُ أَن يَكُونَ الحديثُ بفتح الطَّاءِ وضَمّها، والمراد بهما التَّطَهُّرُ.

والماءُ الطَّهُورُ، بالفَتْحِ، هو الذي يَرْفعُ الحَدَثَ ويُزِيل النَّجَس؛ لأَنّ فَعُولًا من أَبنِيَةِ المُبَالَغَةِ، فكأَنّه تَنَاهَى في الطَّهارةِ.

والماءُ الطَّاهِرُ غيرُ الطَّهُورِ: هو الذي لا يَرْفَعُ الحَدَث ولا يُزِيلُ النَّجَسَ، كالمَسْتَعْمَلِ في الوُضوءِ والغُسْلِ.

وفي التَّكْمِلَة: وما حُكِيَ عن ثَعْلَبٍ أَنَّ الطَّهُورَ: ما كانَ طاهِرًا في نفسِه مُطَهِّرًا لغيرِه، إِنْ كانَ هذَا زيادَة بَيَانٍ لنِهَايَتِه في الطَّهَارَةِ، فصَوَابٌ حَسَنٌ، وإِلَّا فليسَ فَعُول من التَّفْعِيلِ في شَيْ‌ءٍ، وقِياسُ هذا على ما هو مُشْتَقٌّ من الأَفْعَالِ المُتعدِّيةِ كقَطُوعٍ ومَنُوعٍ غيرُ سَدِيدٍ انتهى.

وقال المصنِّف في البَصَائِرِ: قال أَصحابُ الشافعيّ: الطَّهُورُ في قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا} بمعنَى المُطَهِّر، قال بعضَهُم: هذا لا يَصحُّ من حيثُ اللَّفْظُ، لأَنّ فَعُولًا لا يُبْنَى من أَفْعَلَ وفَعَّلَ، أَجابَ بَعْضُهُم أَنّ ذلك اقتَضَى التَّطْهِيرَ من حيثُ المَعْنَى، وذلِكَ أَن الطَّاهِرَ ضَرْبَانِ: ضَرْبٌ لا تَتعدّاه الطَّهَارَةُ، كطَهَارةِ الثَّوْبٍ، فإِنَّه طاهِرٌ غيرُ مُطهَّرٍ بهِ، وضَرْبٌ تَتعدّاه فيَجْعَلُ غيرَه طاهرًا به، فوَصَفَ اللهُ الماءَ بأَنَّه طَهُورٌ تَنبِيهًا على هذا المَعْنَى، انتهى.

وقال ابنُ دُرَيْدٍ: يقولون طَهَرَه، كمَنَعَه وطَحَرَه، إِذا أَبْعَدَه، كما يَقُولون: مَدَحَه ومَدَهَه؛ أَي فالحَاءُ فيه بَدَلٌ من الهَاءِ.

وطِهْرَانُ، بالكسر: قرية، بأَصْبَهَانَ و: قرية أُخرَى بالرَّيِّ، على فرسخين منها، وإِلى إِحداهُمَا نُسِب محمّدُ بنِ حَمّاد الطِّهْرَانِيّ، وابنُه عبدُ الرَّحمنِ، وغيرُهما، وقد حَدَّثَا.

ومن المَجَاز: التَّطَهُّر: التَّنَزُّهُ. تطَهَّرَ من الإِثمِ، إِذَا تَنَزَّهَ.

والتَّطَهُّر: الكَفُّ عن الإِثْمِ وما لا يَجْمُلُ.

وهو طاهِرُ الأَثوابِ، والثِّيَابِ: نَزِهٌ مِنْ مَدَانِي الأَخْلَاقِ، وبه فُسِّر قولُه تعالى في مُؤمِنِي قَوْمِ لُوطٍ حِكَايَةً عن قولهم: {إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ} أَي يَتَنَزَّهُون عن إِتيانِ الذّكُور، وقيل: عن أَدْبَارِ الرِّجَالِ والنِّسَاءِ.

ورَجلٌ طَهِرُ الخُلُقِ، وطَاهِرُه، والأُنثَى طاهِرَةٌ.

وإِنّه لطَاهِرُ الثِّيَابِ؛ أَي ليس بذِي دَنَسٍ في الأَخْلاقِ، قال اللهُ تعالى: {وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ} قيل: قلْبَك: وقيل: نَفْسَك، وقيل: معناه لا تَكُنْ غادِرًا فتُدَنّسَ ـ ثيابَك، قال ابنُ سِيدَه ويُقَال للغادِر: دَنِسُ الثِّيابِ، وقيل: معناه فَقَصِّرْ؛ فإِنّ تَقْصِيرَ الثِّيَابِ طُهْرٌ؛ لأَن الثَّوْبَ إِذا انْجَرّ علَى الأَرْضِ لم يُؤْمَنْ أَن تُصِيبَه نَجَاسةٌ، وقِصَرُه يُبْعِدُه من النَّجَاسَةِ، وقيل: مَعْنَاه عَمَلَك فأَصْلِحْ. ورَوَى عِكْرِمَةُ عن ابنِ عبّاس في قوله: {وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ}: يقول: لا تَلْبَسْ ثيَابَكَ على مَعصِيَة ولا علَى فُجُورٍ وكُفْرٍ، وأَنشدَ قول غَيلانَ.

إِنّي بحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ غادِرٍ *** لَبِسْتُ ولا منْ خِزْيَةٍ أَتَقَنَّعُ

واطَّهَّرَ اطَّهُّرًا، أَصْلُه تَطَهَّرَ تَطَهُّرًا، أُدْغِمَت التّاءُ في الطّاءِ، واجْتُلِبَت أَلِفُ الوَصْلِ لئِلّا يُبْتَدَأَ بالساكن، فيَمْتَنِعَ، قاله الصاغانيّ.

وكزُبَيْرٍ: أَحْمَدُ بنُ حَسَنِ بنِ أَسماعِيلَ بن طُهَيْر المَوْصِلِيُّ المُحَدِثُ، سمِعَ يَحْيَى الثَّقَفيّ وغيرَه.

* وَمِمَّا يُسْتَدْرَكُ عَلَيْهِ:

عن اللِّحْيَانِيّ أَنّ الشاةَ تَقْذَى عَشْرًا ثم تَطْهُر، قال ابنُ سِيدَه. هكذا استعمَلَ اللِّحْيَانِيُّ الطُّهْرَ في الشَّاة، وهو طَرِيفٌ جِدًّا، لا أَدْرِي عن العَرَبِ حَكَاهُ أَم هو أَقْدَمَ عليه.

والطَّهَارَةُ بالفَتْحِ ـ اسمٌ يَقُوم مَقَامَ التَّطَهُّرِ بالماءِ ـ: الاسْتِنْجاءُ والوُضُوءُ، وبالضَّمّ: فَضْلُ ما تَطَهَّرْتَ به.

والسِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ للفَمِ.

ومن المَجَاز: التَّوْبَةُ طَهُورٌ للمُذْنِبِ، قال اللَّيْثُ: هي الَّتي تَكُونُ بإِقامَة الحُدُودِ نحو الرَّجْمِ وغيرِه، وقد طَهَّرَه الحَدُّ.

وقد طَهَّرَ فُلانٌ وَلَدَه، إِذا أَقامَ سُنَّةَ خِتَانِه، والخِتَانُ هو التَّطْهِيرُ، لا ما أَحدَثَه النَّصَارَى من صِبْغَةِ الأَولادِ.

ووَادِي طُهْرٍ، بالضَّمّ: من أَعظَم مَخالِيفِ صَنْعَاءَ، قال أَحمدُ بن مُوسَى حين رُفِع إِلى صَنْعَاءَ وصارَ إِلى نَقِيلِ السَّود:

إِذَا طَلَعْنَا نَقِيلَ السّوْدِ لاحَ لَنَا *** مِن أُفْقِ صَنْعَاءَ مُصْطافٌ ومُرْتَبَعُ

يا حَبَّذَا أَنتِ من صَنْعَاءَ من بَلَدٍ *** وحبّذَا وَادِياك الطُّهْرُ والضِّلَعُ

وَسَمَّوْا طاهِرًا ومُطَهَّرًا وطُهَيْرًا، مصغّرًا.

وأَحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن مُطَاهِرٍ، بالضّمّ صاحِبُ تارِيخِ طُلَيْطِلَةَ، روى عنه عليّ بنُ عبدِ الرحمن بن بقيّ.

والحَرِيمُ الطّاهِرِيّ: نُسِب إِلى بعضِ أَولادِ الأَميرِ طاهِرِ بنِ الحُسَيْنِ، وقد نُسِب إِليه جماعةٌ من المُحَدِّثين، أَوردَهم الحافِظُ في التَّبْصِيرِ، فراجعْه.

وأَطْهَار: موضعٌ من حائِل بين رَمْلَتَيْن بالقُرْبِ من جُرَاد.

وأَبو الحَسَن عليّ بنُ مُقَلّد بن عبدِ الله الأَطْهَرِيّ، نِسْبَة لِبَابِ الأَطْهَرِ: أَحَد العَلَوِيّةِ، كان حاجِبًا له، حَدَّثَ.

تاج العروس-مرتضى الزَّبيدي-توفي: 1205هـ/1791م


9-لسان العرب (طهر)

طهر: الطُّهْرُ: نَقِيضُ الحَيْض.

والطُّهْر: نَقِيضُ النَّجَاسَةِ، وَالْجَمْعُ أَطْهار.

وَقَدْ طَهَر يَطْهُر وطَهُرَ طُهْرًا وطَهارةً؛ المصدرانِ عَنْ سِيبَوَيْهِ، وَفِي الصِّحَاحِ: طَهَر وطَهُر، بِالضَّمِّ، طَهارةً فِيهِمَا، وطَهَّرْته أَنا تَطْهِيرًا وتطَهَّرْت بِالْمَاءِ، وَرَجُلٌ طاهِر وطَهِرٌ؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي: وأَنشد:

أَضَعْتُ المالَ للأَحْساب، حَتَّى ***خَرجْت مُبَرّأً طَهِر الثِّيَابِ

قَالَ ابْنُ جِنِّي: جَاءَ طاهِرٌ عَلَى طَهُر كَمَا جَاءَ شاعرٌ عَلَى شَعُر، ثُمَّ استغنَوْا بِفَاعِلٍ عَنْ فَعِيل، وَهُوَ فِي أَنفسهم وَعَلَى بَالٍ مَنْ تَصَوَّرَهُمْ، يَدُلُّك عَلَى ذَلِكَ تسكيرُهم شَاعِرًا عَلَى شُعَراء، لَمّا كَانَ فاعلٌ هُنَا وَاقِعًا مَوْقِعَ فَعِيل كُسِّر تكسِيرَه لِيَكُونَ ذَلِكَ أَمارةً وَدَلِيلًا عَلَى إِرادته وأَنه مُغْنٍ عَنْهُ وبَدَلٌ مِنْهُ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: قَالَ أَبو الْحَسَنِ: لَيْسَ كَمَا ذَكَرَ لأَن طَهِيرًا قَدْ جَاءَ فِي شِعْرِ أَبي ذُؤَيْبٍ؛ قَالَ:

فإِن بَنِي، لِحْيان إِمَّا ذَكَرْتُهُمْ، ***نَثاهُمْ، إِذا أَخْنَى اللِّئامُ، طَهِيرُ

قَالَ: كَذَا رَوَاهُ الأَصمعي بَالطَّاءِ وَيُرْوَى ظَهِيرُ بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ، وسيُذكر فِي مَوْضِعِهِ، وَجَمْعُ الطاهرِ أَطْهار وطَهَارَى؛ الأَخيرة نَادِرَةٌ، وثيابٌ طَهارَى عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، كأَنهم جَمَعُوا طَهْرانَ؛ قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:

ثِيابُ بَنِي عَوْفٍ طَهارَى نَقِيَّةٌ، ***وأَوْجهُهم، عِنْدَ المَشَاهِد، غُرّانُ

وَجَمْعُ الطَّهِر طهِرُونَ وَلَا يُكسّر.

والطُّهْر: نَقِيضُ الْحَيْضِ، والمرأَة طاهِرٌ مِنَ الْحَيْضِ وطاهِرةٌ مِنَ النَّجَاسَةِ وَمِنَ العُيوبِ، ورجلٌ طاهِرٌ وَرِجَالٌ طاهِرُون ونساءٌ طاهِراتٌ.

ابْنُ سِيدَهْ: طَهَرت المرأَة وطهُرت وطَهِرت اغْتَسَلَتْ مِنَ الْحَيْضِ وغيرِه، وَالْفَتْحُ أَكثر عِنْدَ ثَعْلَبٍ، واسمُ أَيام طُهْرها. وطَهُرت المرأَة، وَهِيَ طاهرٌ: انْقَطَعَ عَنْهَا الدمُ ورأَت

الطُّهْر، فإِذا اغْتَسَلَتْ قِيلَ: تَطَهَّرَت واطَّهَّرت؛ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا}.

وَرَوَى الأَزهري عَنْ أَبي الْعَبَّاسِ أَنه قَالَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ}؛ وَقُرِئَ: حَتَّى يَطَّهَّرْن؛ قَالَ أَبو الْعَبَّاسِ: وَالْقِرَاءَةُ يطَّهَّرن لأَن مَنْ قرأَ يَطْهُرن أَراد انْقِطَاعَ الدَّمِ، فإِذا تَطَهَّرْن اغْتَسَلْنَ"، فصَيَّر مَعْنَاهُمَا مُخْتَلِفًا، وَالْوَجْهُ أَن تَكُونَ الْكَلِمَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، يُريد بهما جَمِيعًا الْغُسْلَ وَلَا يَحِلُّ المَسِيسُ إِلا بِالِاغْتِسَالِ، ويُصَدِّق ذَلِكَ قراءةُ ابْنِ مَسْعُودٍ: حَتَّى يَتَطَهَّرْن "؛ وقال ابْنُ الأَعرابي: طَهَرت المرأَةُ، هُوَ الْكَلَامُ، قَالَ: وَيَجُوزُ طَهُرت، فإِذا تَطَهَّرْن اغتسلْنَ، وَقَدْ تَطَهَّرت المرأَةُ وَاطَّهَرَتْ، فإِذا انْقَطَعَ عَنْهَا الدَّمُ قِيلَ: طَهُرت تَطْهُر، فَهِيَ طاهرٌ، بِلَا هَاءٍ، وَذَلِكَ إِذا طَهُرَت مِنَ المَحِيض.

وأَما قَوْلُهُ تعالى: {فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا}؛ فإِن مَعْنَاهُ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ، نَزَلَتْ فِي الأَنصار وَكَانُوا إِذا أَحْدَثوا أَتْبَعُوا الْحِجَارَةَ بِالْمَاءِ فأَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ}؛ أَي أَحَلُّ لَكُمْ.

وَقَوْلُهُ تعالى: {وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ}؛ يَعْنِي مِنَ الْحَيْضِ وَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ؛ قَالَ أَبو إِسحق: مَعْنَاهُ أَنهنّ لَا يَحْتَجْنَ إِلى مَا يَحْتاجُ إِليه نِساءُ أَهل الدُّنْيَا بَعْدَ الأَكل وَالشُّرْبِ، وَلَا يَحِضْن وَلَا يَحْتَجْنَ إِلى مَا يُتَطَهَّرُ بِهِ، وهُنَّ مَعَ ذَلِكَ طاهراتٌ طَهارَةَ الأَخْلاقِ والعِفَّة، فمُطَهَّرة تَجْمع الطهارةَ كُلَّهَا لأَن مُطَهَّرة أَبلغ فِي الْكَلَامِ مِنْ طَاهِرَةٍ.

وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ}؛ قال أَبو إِسحق: مَعْنَاهُ طَهِّراهُ مِنْ تَعْلِيقِ الأَصْنام عَلَيْهِ؛ الأَزهري فِي قَوْلِهِ تعالى: {أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ"، يَعْنِي مِنَ الْمَعَاصِي والأَفعال المُحَرَّمة.

وَقَوْلُهُ تعالى: {يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً}؛ مِنَ الأَدْناس وَالْبَاطِلِ.

وَاسْتَعْمَلَ اللِّحْيَانِيُّ الطُّهْرَ فِي الشَّاةِ فَقَالَ: إِن الشَّاةَ تَقْذَى عَشْرًا ثُمَّ تَطْهُر؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَهَذَا طَريفٌ جِدًّا، لَا أَدْرِي عَنِ الْعَرَبِ حَكَاهُ أَمْ هُوَ أَقْدَمَ عَلَيْهِ.

وتَطَهَّرت المرأَة: اغْتَسَلَتْ.

وطَهَّره بِالْمَاءِ: غَسَلَه، واسمُ الْمَاءِ الطَّهُور.

وكلُّ مَاءٍ نَظِيفٍ: طَهُورٌ، وَمَاءٌ طَهُور أَي يُتَطَهَّرُ بِهِ، وكلُّ طَهورٍ طاهرٌ، وَلَيْسَ كلُّ طاهرٍ طَهورًا.

قَالَ الأَزهري: وَكُلُّ مَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَاءً طَهُورًا}؛ فإِن الطَّهُورَ فِي اللُّغَةِ هُوَ الطاهرُ المُطَهِّرُ، لأَنه لَا يَكُونُ طَهورًا إِلا وَهُوَ يُتَطهّر بِهِ، كالوَضُوء هُوَ الْمَاءُ الَّذِي يُتَوضَّأُ بِهِ، والنَّشُوق مَا يُسْتَنْشق بِهِ، والفَطُور مَا يُفْطَر عَلَيْهِ منْ شَرَابٍ أَو طَعَامٍ.

وسُئِل رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى الله عليه وسلم، عن مَاءِ الْبَحْرِ فَقَالَ: هُوَ الطَّهُور مَاؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُه "؛ أَي المُطَهِّر، أَراد أَنه طَاهِرٌ يُطَهِّر.

وَقَالَ" الشَّافِعِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كلُّ مَاءٍ خَلَقَه اللَّهُ نَازِلًا مِنَ السَّمَاءِ أَو نَابِعًا مِنْ عَيْنٍ فِي الأَرض أَو بحْرٍ لَا صَنْعة فِيهِ لآدَميٍّ غَيْرَ الاسْتِقاء، وَلَمْ يُغَيِّر لَوْنَه شيءٌ يخالِطُه وَلَمْ يَتَغَيَّرْ طعمُه مِنْهُ، فَهُوَ طَهُور، كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ مَاءِ وَرْدٍ أَو وَرَقٍ شجرٍ أَو ماءٍ يَسيل مِنْ كَرْم فإِنه، وإِن كَانَ طَاهِرًا، فَلَيْسَ بطَهُور.

وَفِي الْحَدِيثِ: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ»، قَالَ ابْنُ الأَثير: الطُّهور، بِالضَّمِّ، التطهُّرُ، وَبِالْفَتْحِ: الماءُ الَّذِي يُتَطَهَّرُ بِهِ كالوَضُوء.

والوُضوء والسَّحُور والسُّحُور؛ وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: الطَّهور، بِالْفَتْحِ، يَقَعُ عَلَى الْمَاءِ والمَصْدر مَعًا، قَالَ: فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَن يَكُونَ الْحَدِيثُ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَضَمِّهَا، وَالْمُرَادُ بِهِمَا التَّطَهُّرُ.

وَالْمَاءُ الطَّهُور، بِالْفَتْحِ: هُوَ الَّذِي يَرْفَعُ الحدَث ويُزِيل النجَسَ لأَن فَعُولًامِنْ أَبنية المُبالَغة فكأَنه تَنَاهى فِي الطَّهَارَةِ.

والماءُ الطاهر غير الطَّهُور، وهو الذي لا يرفع الحدث ولا يزيل النجس كالمُسْتَعْمَل فِي الوُضوء والغُسْل.

والمِطْهَرةُ: الإِناءُ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ ويُتَطَهَّر بِهِ.

والمِطْهَرةُ: الإِداوةُ، عَلَى التَّشْبِيهِ بِذَلِكَ، وَالْجَمْعُ المَطَاهِرُ؛ قَالَ الْكُمَيْتُ يَصِفُ الْقَطَا:

يَحْمِلْنَ قُدَّامَ الجَآجِي ***فِي أَساقٍ كالمَطاهِرْ

وكلُّ إِناء يُتَطَهَّر مِنْهُ مِثْلُ سَطْل أَو رَكْوة، فَهُوَ مِطْهَرةٌ.

الْجَوْهَرِيُّ: والمَطْهَرَةُ والمِطْهَرة الإِداوةُ، وَالْفَتْحُ أَعلى.

والمِطْهَرَةُ: الْبَيْتُ الَّذِي يُتَطَهّر فِيهِ.

والطَّهارةُ، اسمٌ يَقُومُ مَقَامَ التَّطَهُّرِ بِالْمَاءِ: الاستنجاءُ والوُضوءُ.

والطُّهارةُ: فَضْلُ مَا تَطَهَّرت بِهِ.

والتَّطَهُّرُ: التنزُّه والكَفُّ عَنِ الإِثم وَمَا لَا يَجْمُل.

وَرَجُلٌ طاهرُ الثِّيَابِ أَي مُنَزَّه؛ وَمِنْهُ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذِكْرِ قَوْمِ لُوطٍ وقَوْلِهم فِي مُؤمِني قومِ لُوطٍ: {إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ}؛ أَي يتنزَّهُون عَنْ إِتْيان الذُّكُورِ، وَقِيلَ: يَتَنَزَّهُونَ عَنْ أَدْبار الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ؛ قالهُ قَوْمُ لُوطٍ تهكُّمًا.

والتطَهُّر: التنزُّه عَمَّا لَا يَحِلُّ؛ وَهُمْ قَوْمٌ يَتَطَهَّرون أَي يتنزَّهُون مِنَ الأَدناسِ.

وَفِي الْحَدِيثِ: «السِّواكُ مَطْهرةٌ لِلْفَمِ».

وَرَجُلٌ طَهِرُ الخُلُقِ وطاهرُه، والأُنثى طَاهِرَةٌ، وإِنه لَطاهرُ الثيابِ أَي لَيْسَ بِذِي دَنَسٍ فِي الأَخْلاق.

وَيُقَالُ: فُلَانٌ طَاهِرُ الثِّياب إِذا لَمْ يَكُنْ دَنِسَ الأَخْلاق؛ قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ: " ثِيابُ بَنِي عَوْفٍ طَهَارَى نَقِيّةٌ وَقَوْلُهُ تعالى: {وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ}؛ مَعْنَاهُ وقَلْبَك فَطهِّر؛ وَعَلَيْهِ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:

فَشَكَكْتُ بالرُّمْحِ الأَصَمِّ ثِيابَه، ***لَيْسَ الكَريمُ عَلَى القَنا بِمُحَرَّمِ

أَي قَلْبَه، وَقِيلَ: مَعْنَى وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ، أَي نَفْسَك؛ وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا تَكُنْ غادِرًا فتُدَنِّسَ ثيابَك فإِن الْغَادِرَ دَنِسُ الثِّياب.

قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَيُقَالُ لِلْغَادِرِ دَنِسُ الثِّيَابِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَثِيَابُكَ فقَصِّر فإِن تَقْصِيرَ الثِّيَابِ طُهْرٌ لأَن الثَّوْبَ إِذا انْجرَّ عَلَى الأَرض لَمْ يُؤْمَنْ أَن تصيبَه نجاسةٌ، وقِصَرُه يُبْعِدُه مِنَ النَّجَاسَةِ؛ والتَّوْبةُ الَّتِي تَكُونُ بإِقامة الْحَدِّ كالرَّجْمِ وَغَيْرِهِ: طَهُورٌ للمُذْنِب؛ وَقِيلَ مَعْنَى قَوْلِهِ: وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ، يَقُولُ: عَملَك فأَصْلِح؛ " وَرَوَى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ، يَقُولُ: لَا تَلْبَسْ ثِيابَك عَلَى مَعْصِيَةٍ وَلَا عَلَى فجُورٍ وكُفْرٍ "؛ وأَنشد قَوْلَ غَيْلَانَ:

إِني بِحَمْد اللَّهِ، لَا ثوبَ غادِرٍ ***لَبِستُ، وَلَا مِنْ خِزْيةٍ أَتَقَنَّع

اللَّيْثُ: والتوبةُ الَّتِي تَكُونُ بإِقامة الحُدُود نَحْوِ الرَّجْم وَغَيْرِهِ طَهُورٌ للمُذنب تُطَهِّرُه تَطْهيرًا، وَقَدْ طَهّرَه الحدُّ وَقَوْلُهُ تعالى: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ}؛ يَعْنِي بِهِ الكِتَابَ لَا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ عَنَى بِهِ الْمَلَائِكَةَ، وكلُّه عَلَى المَثَل، وَقِيلَ: لَا يمسُّه فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلا الْمَلَائِكَةُ.

وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ}؛ أَي أَن يَهدِيَهم.

وأَما قَوْلُهُ: طَهَرَه إِذا أَبْعَدَه، فَالْهَاءُ فِيهِ بَدَلٌ مِنَ الْحَاءِ فِي طَحَره؛ كَمَا قَالُوا مدَهَه فِي مَعْنَى مَدَحَه.

وطهَّر فلانٌ ولَدَه إِذا أَقام سُنَّةَ خِتانه، وإِنما سَمَّاهُ الْمُسْلِمُونَ تَطْهِيرًا لأَن النَّصَارَى لَمَّا تَرَكُوا سُنَّةَ الخِتانِغَمَسُوا أَوْلادَهم فِي مَاءٍ صُبِغَ بِصُفْرةٍ يُصَفّرُ لونَ الْمَوْلُودِ وَقَالُوا: هَذِهِ طُهْرَةُ أَوْلادِنا الَّتِي أُمِرْنا بِهَا، فأَنْزل اللَّهُ تعالى: {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً}؛ أَي اتَّبِعُوا دِينَ اللهِ وفِطْرَتَه وأَمْرَه لَا صِبْغَةَ النَّصَارَى، فالخِتانُ هُوَ التطهِيرُ لَا مَا أَحْدَثَه النَّصَارَى مِنْ صِبْغَةِ الأَوْلادِ.

وَفِي حَدِيثِ أُم سَلَمَةَ: «إِني أُطِيلُ ذَيْلي وأَمْشِي فِي الْمَكَانِ القَذِر، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يُطَهِّرُه مَا بَعْدَهُ»؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: هُوَ خَاصٌّ فِيمَا كَانَ يَابِسًا لَا يَعْلَقُ بِالثَّوْبِ مِنْهُ شَيْءٌ، فأَما إِذا كَانَ رَطْبًا فَلَا يَطْهُر إِلا بالغَسْل؛ وَقَالَ مَالِكٌ: هُوَ أَن يَطَأَ الأَرضَ القَذِرَة ثُمَّ يَطأَ الأَرضَ اليابسةَ النَّظِيفةَ فإِنَّ بَعْضَهَا يُطَهِّرُ بَعْضًا، فأَما النجاسةُ مِثْلُ الْبَوْلِ وَنَحْوِهِ تُصِيب الثَّوْبَ أَو بعضَ الْجَسَدِ، فإِن ذَلِكَ لَا يُطَهَّرُه إِلا الماءُ إِجماعًا؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: وَفِي إِسناد هَذَا الْحَدِيثِ مَقالٌ.

لسان العرب-ابن منظور الإفريقي-توفي: 711هـ/1311م


10-مجمل اللغة (طهر)

طهر: الطهر: خلاف الدنس.

والتطهر: التنزه عن الإثم وكل قبيح.

وهو طاهر الثياب، إذا لم يدنس.

والطهور: الماء.

قال الله - جل وعز -: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} وسمعت محمد بن هارون الثقفي الزنجاني يقول: سمعت ثعلبًا يقول: الطهور: الطاهر (في) نفسه المطهر لغيره.

والمطاهر: الأواني.

قال:

يحملن قدام الجآ

جيء في أساق كالمطاهر

مجمل اللغة-أحمد بن فارس-توفي: 395هـ/1005م


11-مقاييس اللغة (طهر)

(طَهَرَ) الطَّاءُ وَالْهَاءُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى نَقَاءٍ وَزَوَالِ دَنَسٍ.

وَمِنْ ذَلِكَ الطُّهْرُ، خِلَافُ الدَّنَسِ.

وَالتَّطَهُّرُ: التَّنَزُّهُ عَنِ الذَّمِّ وَكُلِّ قَبِيحٍ.

وَفُلَانٌ طَاهِرُ الثِّيَابِ، إِذَا لَمْ يُدَنَّسُ.

[قَالَ]:

ثِيَابُ بَنِي عَوْفٍ طَهَارَى نَقِيَّةٌ *** وَأَوْجُهُهُمْ عِنْدَ الْمَسَافِرِ غُرَّانُ

وَالطَّهُورُ: الْمَاءُ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48].

وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ هَارُونَ الثَّقَفِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ يَحْيَى ثَعْلَبًا يَقُولُ: الطَّهُورُ: الطَّاهِرُ، فِي نَفْسِهِ، الْمُطَهِّرُ لِغَيْرِهِ.

مقاييس اللغة-أحمد بن فارس-توفي: 395هـ/1005م


12-المحيط في اللغة (طهر)

الطُّهْرُ: نَقِيضُ الحَيْضِ، وجَمْعُه أطْهارٌ، وطَهَرَتِ المرأةُ وطَهُرَتْ، فإذا اغَتَسَلَتْ قيل: تَطَهَّرَتْ.

والإطِّهَارُ: الاغْتِسَالُ.

والطَّهُوْرُ: اسْمُ الماء، كالوَضُوْء، وكلُّ ماءٍ نَظِيفٍ: طَهُورٌ.

والطُّهَارَةُ: فَضْلُ ما تَطَهَّرْتَ به.

والمِطْهَرَةُ: تُتَّخَذُ من أدَمٍ للماء.

والتَّطَهُّرُ: التَّنَزُّهُ والكَفُّ عن الإثْمِ.

فلانٌ طاهِرُ الثَّوبِ: أي ليس بصاحِبِ دَنَسٍ.

وقوله عزَّ وجلَّ: {وثِيابَكَ فَطَهِّرْ} أي قَلْبَكَ.

والمُطَهَّرونَ: المَلائكةُ.

ويقولونَ: ما أحْوَجَني إلي بَيْتِ اللَّهِ فأطَّهَّرَ به.

وطَهَرَه وطَحَرَه - واحِدٌ -: أبْعَدَه.

المحيط في اللغة-الصاحب بن عباد-توفي: 385هـ/995م


13-تهذيب اللغة (طهر)

طهر: قال الليث: الطَّهْر: نَقيض الْحَيض.

يقال: طَهَرت المرأةُ، وطَهُرتْ فهي طاهِرٌ: إذا انقطع عنها الدَّم، ورأتِ الطُّهر.

قال فإذا اغتسلت قيل: تطهَّرت، واطَّهَرَت.

قال الله جلّ وعزّ: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المَائدة: 6].

وأخبرني المنذريّ، عن أبي العبَّاس أنه قال في قول الله: جلّ وعزّ: {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ} [البَقَرَة: 222] وقرىء {حتى يَطَّهَّرْن}.

.

قال أبو العبَّاس: والقراءةُ {يطَّهَّرْنَ}؛ لأنَّ من قرأ {يَطْهُرْنَ} أراد انقطاع الدم، {فَإِذا تَطَهَّرْنَ}: اغْتَسَلْنَ، فيصير معناهما مختلفا.

والوجهُ أن تكون الكلمتان بمعنى واحد، يريد بهما جميعًا الغُسْلَ، ولا يحلُّ المَسِيسُ إلّا بالاغتسال، ويُصدِّق ذلك قراءة ابن مسعود: (حتى يتطهرن).

قال: وقال ابنُ الأعرابي: طَهَرتِ المرأة هو الكلام، ويجوز طَهُرَت، وأما قول الله جلّ وعزّ: {فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} [التوبة: 108] فإنّ معناه الاستنجاء بالماء، نزلت في الأنصار، وكانوا إذا أَحْدَثُوا أَتْبعُوا الحجارةَ بالماء، فأثنى الله جلَّ وعزَّ عليهم بذلك.

وقال الليث: التطهُّر: التنزَّه عن الإثم وما لا يحمد.

ومنه قول الله عزوجل في ذكر قوم لُوط وقولِهم في مؤمني قوم لوط: {إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [الأعرَاف: 82] أي يتنزهون عن إتيان الذُّكران.

ويقال: فلانٌ طاهر الثياب: إذا لم يكن دَنِسَ الأخلاق.

وقال امرؤ القيس:

ثِيَابُ بني عَوْفٍ طَهَارَى نَقِيَّةٌ *** وأوجُهُهُمْ بِيضُ المَسافِرِ غُرّانُ

وقول الله عزوجل: {وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ} [آل عِمرَان: 15] يعني من الحيض والبول والغائط، وماء طَهُور: أي يُتَطَهَّر به، وكما تقول: وَضُوء، للماء الذي يُتَوَضَّأ منه، وكلُ طَهُورٍ طاهِرٌ، وليس كلّ طاهر طَهُورًا.

{فَإِذا تَطَهَّرْنَ} [البَقَرَة: 222]: اغتسلْنَ، وقد تطَهَّرَت المرأة، واطّهرت، فإذا انقطع عنها الدم قيل: طَهَرت تطهُر فهي طاهر بلا هاء.

وقوله عزوجل: {هُنَ أَطْهَرُ لَكُمْ} [هُود: 78]: أي أحَلُّ لكم، والتطهُّرُ: التنزُّه عمّا لا يحلُّ، ومنه قوله: {إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [الأعرَاف: 82]: أي يتنزهون عن أدبار النساء والرجال، قاله في قوم لوط تهكّمًا، وقوله تعالى: {أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ} [البَقَرَة: 125] يعني من المعاصي، والأفعال المحرَّمة.

وقال الفرَّاء في قول الله جلّ وعزّ: {وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ} [المدَّثَّر: 4]: قال بعضُ المفسِّرين: يقول: لا تكن غادِرًا فتُدنِّسَ ثيابك، فإنّ الغادر دَنِسُ الثّياب، وقيل معنى قوله: {وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ} [المدَّثَّر: 4] يقول: عَمَلَك فأَصْلِحْ.

وقال بعضهم: {وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ} [المدَّثَّر: 4]: أي قَصِّرْ، فإنَّ تقصير الثِّياب طُهرٌ.

ورَوى عِكرمة عن ابن عباس في قوله جلّ وعزّ: {وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ} [المدَّثَّر: 4] يقول: لا تَلْبَس ثيابَك على معصية ولا فُجور وكُفر، وأنشد قولَ غَيْلَان:

إنِّي بحَمْدِ الله لا ثَوْبَ غادرٍ *** لَبِسْتُ ولا مِن خَزْيةٍ أَتَقنَّعُ

قلت: وكلّ ما قيل في قوله عزوجل: (وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ) فهو صحيح من جهة اللُّغة، ومعانيها متقاربة، والله أعلم بما أراد.

وأمّا قول الله جلّ وعزّ: {وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا} [الفُرقان: 48] فإنَ الطَّهُور في اللغة هو الطَّاهر المطهِّر، لأنّه لا يكون طَهورًا إلّا وهو يُتطهَّر به، كالوضوء: الماءُ الذي يُتَوضّأ به، والنَّشُوقِ: ما يُسْتنشَق به، والفَطُورِ ما يُفطَرُ عليه من شرابٍ أو طعامٍ.

وسُئل النبيُّ صلى‌ الله‌ عليه‌ وسلم عن ماءِ البحر فقال: «هو الطَّهورُ ماؤُه، الحِلُّ مَيْتَتُه»: أراد أنَّه طاهر يُتطهر به.

وقال الشافعيّ: كلُّ ماءٍ خَلقه الله نازِلًا من السماء أو نابِعًا من عَين في الأرض أو بحرٍ لا صَنعةَ فيه لآدمِيّ غير الاسْتِقاء، ولم يُغيِّرْ لَونَه شيءٌ يُخالطُه، ولم يَتغير طعمُه منه فهو طهور، كما قال الله جلّ وعزّ: قال: وما عدا ذلك من ماءٍ وَرْدٍ أو وَرَقِ شَجَرٍ أو ماءِ يَسِيلُ من كَرْمٍ، فإنه وإن كان طاهرًا فليس بطهور.

وقال الليث: والتوبة التي تكون بإقامة الحدود نحوَ الرَّجْم وغيره طهَورٌ للمُذنِب تُطهِّره تطهيرًا.

وقال: وجمع طُهْرِ النّساء: أطهار.

وقال في قوله جلَّ وعزَّ: {لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقِعَة: 79] يعني به الكتاب لا يمسه إلا الملائكة.

وقال أبو إسحاق: قال المفسِّرون في قوله: {لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقِعَة: 79] عُنِيَ بها الملائكة: أي لا يمَسُّه في اللوح المحفوظ إلا الملائكة.

وقال غيره: يقال طَهَّرَ فلانٌ ولَدَه: إذا أقام سُنَّةَ خِتَان؛ وإنما سَّمَاه المسلمون تطهيرًا لأن النَصارى لما تَرَكُوا سنّة الخِتان غَمَسوا أولادَهم في ماءٍ فيه صِبْغٌ يُصَفِّر لَوْنَ المولود، وقالوا: هذا طُهْرَةُ أولادنا التي أُمِرْنا بها، فأنزل الله جلَّ وعزَّ: {صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً} [البَقَرَة: 138] أي اتّبعوا دينَ الله وفِطْرَتَه وأمرَه، لا صِبْغة النصارى، فالخِتان هو التطهير، لا ما أَحْدَثه النّصارى في صِبغة الأولاد.

والمِطْهَرة: الإداوة، وجمعُها المطاهر، وكلُّ إناءٍ يُتَطَهَّر منه مِثل قُوَسٍ أو رَكْوَة أو قَدَحٍ فهو مِطْهَرة، وامرأة طاهرٌ بغير هاء إذا طهرتْ من الحيض، وامرأة طاهرة إذا كانت نقيةً من العيوب، ورجل طاهر، ورجالٌ طاهرون، ونساءٌ طاهراتٌ وطواهر، والطّهارة: اسمٌ يقوم مَقامَ التطهُّر بالماء في الاستنجاء والوضوء.

تهذيب اللغة-أبومنصور الأزهري-توفي: 370هـ/980م


14-معجم العين (طهر)

طهر: الطُّهْرُ: نَقيضُ الحَيْض.

يقال: طَهَرَتِ المرأةُ وطَهُرَت- لغتان، فهي طاهر.

إذا انقطع، وهي ذات طُهْر.

وتَطَهَّرَتْ، أي: اغتسلت وأَطْهَرَتْ.

والاطَّهارُ: الاغتِسال في قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا}، وقوله

عزّ وجلّ: رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا

يعني: الاستِنْجاء بالماء.

والتَّطَهُّر أيضا: التَّنَزُّهَ والكفُّ عن الإِثْمِ.

وفلانٌ طاهرُ الثِّياب، أي: ليس بصاحبِ دَنَسٍ في الأَخْلاق، قال:

ثياب بني عَوْفٍ طَهَارَى نقّيةٌ *** وأوجُهُهُم بيضُ المَسافِرِ غُرّانُ

أخرجه على سُودان وحُمران.

والطَّهُور: اسم للماء الذي يُتَطَهَّرُ به، كالوضُوء للماء الذي يُتَوَضَّأُ به.

وكلّ ماء نظيف اسمه طهُور.

والتّوبة التي تكون بإقامة الحدود: طَهُور للمُذْنب تُطَهِّره تطهيرا.

والمِطَهْرةُ إناءٌ من الأَدَم يُتّخذ للماء.

والطَّهارةُ: فضلُ ما تطهَّرت به.

والعَرَبُ تجمَعُ طُهْر النِّساء: أطهارًا، وهي أيّامُها التي لا تحيض فيها، قال

قومٌ إذا حاربوا شَدُّوا ماذِرَهُمْ *** دونَ النّساء ولو بانت بأطهارِ

وقوله تعالى: {لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ}، أي: الملائكة، يعني الكتاب.

العين-الخليل بن أحمد الفراهيدي-توفي: 170هـ/940م


انتهت النتائج