يَبْعَثُوا

النتائج من: smougem

1-العربية المعاصرة (زعم)

زعَمَ يَزعُم، زَعْمًا، فهو زاعِم، والمفعول مَزْعوم.

* زعَمتُ الأمرَ سهلًا: اعتقدته وظننته، وهو من أفعال القلوب التي تدلّ على الرجحان، يدخل على المبتدأ والخبر فينصبهما، وقد يكون المبتدأ صريحًا أو مؤوّلًا من أنّ واسمها وخبرها أو أنْ والفعل والفاعل (زعَمت مصلحة الأرصاد أنّ الجوّ سيتحسّن- زعَم المسئولون أنهم سيقدِّمون تعويضاتٍ لأهالي الضحايا- زعَم أن الوفاء مفقود- {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا} [قرآن] - {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا} [قرآن]) (*) في زعمي: في ظنِّيّ.

زعَمَ ب يَزعُم، زَعْمًا وزَعامةً، فهو زعيم، والمفعول مزعوم به.

* زعَم الرَّجلُ بصديقه: صار كفيلًا به وضامنًا له {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} [قرآن].

زعَمَ على يَزعُم، زَعامةً، فهو زعيم، والمفعول مزعوم عليه.

* زعَم على القوم: ترأّسهم، تأمَّر عليهم.

زعُمَ/زعُمَ ب/زعُمَ ل يَزعُم، زَعامةً، فهو زَعيم، والمفعول مزعوم به.

* زعُم فلانٌ: ساد ورأس (زَعامة الحزب السياسيّ- زعيم رُوحيّ).

* زعُم بفلان/زعُم لفلان: صار كفيلًا به، وضامِنًا له {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} [قرآن].

تزاعمَ يتزاعم، تزاعُمًا، فهو مُتزاعِم.

* تزاعم الشَّخصان: تحادثا بما لا يُوثَق به من الحديث.

تزعَّمَ/تزعَّمَ على يتزعَّم، تزعُّمًا، فهو مُتزعِّم، والمفعول مُتزعَّم.

* تزعَّم القومَ/تزعَّم على القوم:

1 - صار زعيمَهم، تأمَّر عليهم، ترأّسهم (تزعَّم حزبَ العمال).

2 - ادَّعى رِئاستهم.

* تزعَّم فلانٌ الأمرَ: ادَّعى معرفته.

زعَّمَ يزعِّم، تزعيمًا، فهو مُزعِّم، والمفعول مُزعَّم.

* زعَّم القومُ فلانًا: اختاروه زعيمًا ورئيسًا لهم (زعَّمته فئةُ المعارضة عليها).

زَعامة [مفرد]: مصدر زعَمَ ب وزعَمَ على وزعُمَ/زعُمَ ب/زعُمَ ل.

زِعامة [مفرد]: رِياسة وسِيادة (تولَّى زِعامة الحزب خَلَفًا لوالده).

زَعْم [مفرد]: مصدر زعَمَ وزعَمَ ب.

زَعِيم [مفرد]: جمعه زُعَماءُ:

1 - صفة مشبَّهة تدلّ على الثبوت من زعَمَ ب وزعَمَ على وزعُمَ/زعُمَ ب/زعُمَ ل: سيّد، رئيس (توفِّي الزعيم جمال عبد الناصر في مطلع السبعينيّات).

2 - ضامن وكفيل {سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ} [قرآن].

مَزاعِمُ [جمع]: مفرده مَزْعم: ادّعاءات، أمور لا يُوثَق بها، عكس حقائق (مزاعم الإسرائيليين/المنافقين- هذه المزاعم لا أساس لها من الصِّحة- دحض مزاعم اليهود) (*) أمرٌ فيه مزاعمُ: غير مستقيم.

العربية المعاصرة-أحمد مختار عمر وآخرون-صدر: 1429هـ/2008م


2-المعجم الوسيط (بَلَى)

[بَلَى]: حرف جواب، يجاب به النفي خاصَة، ويفيد إِبطاله، سواء أَكان هذا النفي مع استفهام أَم دُونه، مثل: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ: بَلَى وَرَبِّي لتُبْعَثُن} [التغابن: 7] و: {أَلمْ يَأتِكُمْ نَذِيرٌ.

قَالُوا: بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ} [الملك: 8-9].

و: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالوا: بَلَى} [الأعراف: 172].

المعجم الوسيط-مجمع اللغة العربية بالقاهرة-صدر: 1379هـ/1960م


3-شمس العلوم (زَعَمَ يَزْعُمُ)

الكلمة: زَعَمَ يَزْعُمُ. الجذر: زعم. الوزن: فَعَلَ/يَفْعُلُ.

[زَعَم]: الزَّعْمُ: القول عن غير صحة، قال الله تعالى: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا} قال بعض أهل اللغة: وقد يكون الزعم: القول، زعم فلان: أي قال.

والزَّعْمُ: الظن.

يقال: زعمتني كما يقال ظننتني، قال:

زَعَمَتْني شيخًا ولَسْتُ بشيخٍ *** إِنما الشيخُ مَنْ يَدِبُّ دبيبا

والزعامة: الكفالة.

شمس العلوم-نشوان بن سعيد الحميري-توفي: 573هـ/1177م


4-جمهرة اللغة (زعم زمع عزم عمز مزع معز)

الزَّعْم والزُّعْم لغتان فصيحتان.

قال عنترة العبسي:

«عُلِّقْتُها عَرَضًا وأقتُلُ قومَهـا***زَعْمًا لَعَمْرُ أبيك ليس بمَزْعَم»

وأكثر ما يقع الزعم على الباطل، وكذلك هو في التنزيل: {زَعَمَ الّذين كفروا أنْ لن يُبعثوا}، وكذلك ما جاء من الزعم في القرآن وفي فصيح الشعر.

قال كعب بن مالك:

«زعمت سَخينةُ أنْ ستغلبُ رَبَّها***ولَيغْلَبَن مُغالـب الـغَـلاّبِ»

وقد يجيء الزعم في كلامهم بمعنى التحقيق.

قال النابغة الجعدي:

«نودِيَ قِيلَ آرْكَبَنْ بأهلك إن***الله موفٍ للناس ما زَعَما»

وزَعيم القوم: سيّدهم، والاسم الزعامة.

وقد سمّت العرب زاعمًا وزُعَيْمًا.

والزَّعيم: الكفيل، وهكذا فُسّر في التنزيل: {وأنا به زَعيم}، أي كفيل، والله أعلم.

والزمَع: مصدر زَمِعَ الرجلُ يزمَع زَمَعًا، وهو أن يَخْرَق من خوف.

والزَّمَع، الواحدة زَمَعَة.

وهي الهَنات المتعلِّقات بالكُراع لا تكون إلا لذوات الأظلاف.

قال الشاعر:

«همُ الزَّمَع السُّفلى التي في الأكارع»

فأمّا تسميتهم زَمَعَة فاشتقاقه من قولهم: رجل زَميع: مُقْدِم على الأمور، والاسم الزَّماع.

وأزمعَ فلانٌ كذا وكذا، إذا عزم عليه، ولا يكادون يقولون: أزمعَ على كذا وكذا.

وقد سمت العرب زمَيْعًا وزَمّاعًا وزَمَعَة.

والعَزْم: عَزْمُك على الشيء لتفعله، عزمت على الشيء أعزِم عَزْمًا، وهي العزيمة.

وعزمتُ عليك لَتفعلنّ، أي أقسمت عليك.

وعَزَمَ الراقي كأنه أقسم على الداء، وكذلك عَزَمَ الحَوّاء، إذا استخرج الحيّة كأنه يُقسم عليها أو يعاهدها.

ورجل ماضي العَزيم: مُجدّ في أموره.

والمَزْع من قولهم: مرّ الفرس يمزَع مَزْعًا، إذا مرّ مرًّا سريعًا.

والمَزْع أيضًا: نفش القطن بالأصابع، لغة يمانية، مزعتُ القطنَ أمزَعه مَزْعًا.

وتمزَّع القومُ الشيءَ بينهم، إذا اقتسموه.

قال الشاعر:

«بمَثنى الأيادي ثمّ لم يُلْـفَ قـاعـدًا***على الفَرْثِ يحمي اللحمَ أن يتمزَّعا»

ويقال: بقي من الشراب مُزْعَة، أي قليل.

والمَعْز من الغنم والمَعِيز: معروف.

والأمْعُوز: السِّرب من الظباء ما بين الثلاثين إلى الأربعين، والجمع أماعيز.

والأمْعَز: المكان الغليظ تركبه الحجارة، وكذلك المَعْزاء، ممدود.

والمِعْزَى من الغنم، مقصور، وجمع الأمْعَز أماعِز، وجمع المِعْزَى مَعِيز، كما قالوا في جمع الضأن ضَئين وفي الكلب كَليب.

ورجل ماعِز: شهم.

واستمعزَ الرجلُ، إذا جَدّ في أمره.

وقد سمّوا ماعزًا، وأظنه أبا بطن منهم.

وبنو ماعِز: بطن من العرب، وفي الحديث أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم رَجَمَ ماعِز بن مالك.

جمهرة اللغة-أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي-توفي: 321هـ/933م


5-إدام القوت في ذكر بلدان حضرموت (الحاوي)

الحاوي:

هو قرية صغيرة في شرقيّ تريم، كانت منفصلة عنها، ولكنّها أدخلت في سورها الّذي بناه الأمير سالم بن عبود بن سالم الكثيريّ في سنة (1330 ه‍) وقتما كان على إمارتها، وقد أنفق فيه أموالا جزيلة، استدان بعضها من أخيه بدر بن عبود على ضوء وعد من السّلطان محسن بن غالب وأغنياء تريم بالوفاء، فلم يفعلوا، فانظلم سالم وظلم أخاه.

وكان بالحاوي جماعة من آل الجفريّ سكنوها قبل أن ينزل بها الحدّاد، وكان السّيّد علويّ بن شيخ بن حسن بن علويّ الجفريّ مؤاخيا للقطب الحدّاد، وصهر الحدّاد إلى السّيّد حسن بن علويّ الجفريّ على بنته.

ومن آل الجفريّ السّيّد الشّهير شيخ بن محمّد بن شيخ الجفريّ، صاحب مليبار؛ فقد وصل الحاوي سنة (1187 ه‍)، وأخذ عن العلّامة الحسن بن عبد الله الحدّاد، وبدأ به في الأرجوزة التي نظمها في الإسناد، وشرحها بكتابه المسمّى: «كنز البراهين».

وكان بالحاوي بيت ومسجد صغير للحبيب عمر بن أحمد المنفّر، وهو جدّ الحبيب عبد الله بن علويّ الحدّاد الغاني بتسميته عن كلّ وصف؛ إذ كان كما قيل [من الوافر]:

«وكان من العلوم بحيث يقضى *** له من كلّ فنّ بالجميع »

فلا حاجة للإطناب والآثار ناطقة بفضله، والإجماع منعقد على تقديمه.

وفي سنة (1083 ه‍) ابتنى الحبيب الحدّاد داره بالحاوي وبقي يتراوح بينه وبين داره بتريم.

وفي سنة (1099 ه‍) ـ وهي سنة ميلاد ابنه الحسن ـ استوطنه صيفا وشتاء، وانتشرت علومه في البلاد، وأخذ عنه الحاضر والباد.

ولنا إليه طرق كثيرة؛ من أقربها: أنّني أخذت عن السّيّد محمّد بن أحمد بن عليّ بن عبد الله السّقّاف المتوفّى سنة (1307 ه‍) عن مئة وخمسة عشر عاما، وهو أخذ عن أبيه عن جدّه عن القطب الحدّاد.

وأخذ السّيّد محمّد أيضا عن العلّامة الجليل أحمد بن حسن بن عبد الله الحدّاد، وأدرك من زمانه اثني عشر عاما.

والحبيب أحمد أخذ عن جدّه القطب الحدّاد، وأدرك من زمانه خمس سنين.

ومنها: أنّني أخذت عن الحبيب المعمّر محمّد بن إبراهيم بلفقيه، وهو أخذ عن عمّه الحبيب عيدروس، وهو أخذ عن الأستاذ عبد الله بن علويّ الحدّاد.

وكان السّلطان ياقوت يهدي للقطب الحدّاد الأكسية الفاخرة والشّالات المثمنة والعمائم الّتي تبلغ ثمانين ذراعا في عرض ذراع ونصف، وإن كانوا ليلوونها اثنتي عشرة ليّة، ثمّ يدخلونها الخاتم فتمرّ فيه، وكان يعطي بعضها لابنه الحسن فيلبسها؛ لولعه في شبابه بالثّياب الفاخرة، ولكنّه لمّا عاد من الحجّ في سنة (1148 ه‍).. اخشوشن، فلم يلبس إلّا الخوذة والبثت ـ من غزل الحاوي والسّبير ـ فوق الشّقة، ويقتصر في البيت على الشقّة والكوفيّة البيضاء المخرّمة، ويلبس العمامة للجمعة مع السّروال والقميص، ويلبس البثت من فوق القميص.

وفي أخباره ـ أعني الحسن بن الحدّاد ـ أنّه ترك الرّداء رأسا بعد رجوعه من الحجّ، وذكر الشّيخ عمر بن عوض شيبان عن سيّدنا الأستاذ الأبرّ عيدروس بن عمر أنّه يقول: كانت الطّبقة الّتي قبلنا يكتفون بالقمصان الحضرميّة، وقليل من الأعيان من تكون عنده مصدّرة بثت، وأمّا الجبب.. فلا يلبسونها إلّا في الأعياد.

توفّي سيّدنا عبد الله بن علويّ الحدّاد في سنة (1132 ه‍) عن ثمان وثمانين سنة إلّا ثلاثة أشهر، وخلّف عدّة أولاد وبنات، وهم: علويّ وحسن وزين وحسين وسالم ومحمّد، وكلّهم أسنّ من الحسن إلّا زينا؛ فإنّه بعده.

وقام في مقامه بأمره ولداه علويّ وحسن؛ إذ قال لهما في حياته: (أقمتكما مقامي وأنبتكما عنّي)، ونزل لهما في آخر عمره عن إمامة الصّلاة، فكان يؤمّه علويّ إن

حضر، وحسن إن غاب، غير أنّ أكثر إقامة علويّ وأولاده بالسّبير.

وكان الحسن لا يفارقه؛ فهو الّذي تكثر إمامته له، وإذا زاروا هودا عليه السّلام.. كان الّذي يسلّم بالنّاس عند البير: علويّ، وعند الضّريح: الحسن.

وكان هو الّذي يحمل عن أبيه عامّة أمره في أيّام حياته، وذكر السّيّد علويّ بن أحمد: أنّ السّيّد محمّدا الجفريّ وزين العابدين الحبشيّ وسائر الدّرسة تأخّروا عن الحضور على علويّ بعد والده؛ لأنّه لم يدرّس في حياة أبيه، ولمّا رأى الحسن تثاقلهم عن دروس أخيه.. حضر عنده وأتمّ عليه «سنن أبي داود» الّتي مات والده في أثناء قراءته إيّاها عليه، وأراد السّيّد زين العابدين أن يعمل قبّة على ضريح القطب الحدّاد، فمنعه آل العيدروس، وأمّا الصّندوق.. فقد استوفينا قصّته في «الأصل».

وعن السّيّد حسين بن محمّد بن القطب الحدّاد أنّه قال: سمعت ناسا من تريم ـ منهم السّيّد شيخ بن محمّد بن شهاب ـ يقول: لو لا حسن.. لما قام منصب آل الحدّاد، لا يقدر علويّ ولا غيره على ما تحمّله حسن؛ لأنّ الحسين توفّي والده وهو مريض، وزين صغير، وعلويّ مائل عن تدبير ما النّاس فيه، وإنّما هو صاحب عبادة، وأمّا الحسن.. فقد جمع العلم والعمل والفتوّة ورجاحة الرّأي.

توفّي الحسن بن عبد الله الحدّاد في سنة (1188 ه‍) عن تسعين عاما إلّا تسعة أشهر، وقام في مقامه ابنه العالي المنار، الجليل المقدار: أحمد بن حسن، إلّا أنّه لم يسلم من منازعة السّيّد عليّ بن علويّ بن القطب الحدّاد له، غير أنّه توفّي وشيكا في سنة (1189 ه‍).

واستقلّ بعده الحبيب أحمد بن حسن بالمنصب، وكان أهلا؛ لتمام كفاءته، وهو صاحب العلوم الزّاخرة، والمؤلّفات الشهيرة، وأكثرها فائدة وأجملها عائدة: «سفينة الأرباح» في مجلّدات ثلاثة كبار.

وقد جاء في «المواهب والمنن» الّذي استعنت به في الموضوع: أنّه ـ أعني مؤلّفه الحبيب علويّ بن أحمد بن حسن ـ قرأ «سفينة الأرباح» على جدّه الحسن.

وجاء فيه أيضا: أنّ للحبيب حسن «سفينة» لا نظير لها في كلّ فنّ من العلوم النّافعة، غرقت فيما غرق على الحبيب أحمد بن حسن حينما انكسر به المركب في حجّه سنة (1157 ه‍)، فعمل «سفينة الأرباح» على غرارها.

وذكر الحبيب علويّ بن أحمد بن حسن: أنّ من نظم والده في حادثة الغرق قوله [من الطّويل]:

«لك الحمد أمّا ما نحبّ فلا نرى *** ونسمع ما لا نشتهي.. فلك الحمد»

وهو صريح في أنّ الحبيب علويّ بن أحمد قرأ ما ألّفه أبوه من «سفينة الأرباح» على جدّه بعدما غرقت «سفينته»، لكنّ العجب العجاب أنّ الحبيب أحمد لم يشر في خطبة «سفينته» إلى ما كان من تأليف والده! ولا بدّ أن يثقل على الحسن إغفال ابنه لذكره.

ومن مؤلّفاته: فتاواه المسمّاة: «القول الصّواب»، وشرح على راتب جدّه سمّاه: «سبيل الهداية والرّشاد»، ومنسك في الحجّ، و «الفوائد السّنيّة في تريم وحضرموت وما خصّ به السّادة العلويّة»، وهو الّذي حرّر «تثبيت الفؤاد» ورتّبه في نحو أربعين كرّاسا. ثمّ رأيت العجلونيّ المتوفّى سنة (1162 ه‍) يعزو البيت السّابق وهو: (لك الحمد أما ما نحب) إلخ للمتنبي، وهو مخطىء في ذلك، كما أنّ الحبيب علويّ بن أحمد لم يصب في عزوه لوالده، وإنّما قاله متمثّلا.

توفّي الحبيب أحمد بن حسن في سنة (1204 ه‍) عن سبع وسبعين عاما.

وخلفه ابنه عمر بن أحمد، وكان علّامة فاضلا، توفي سنة (1226 ه‍).

وخلفه أخوه حسين بن أحمد بن حسن وكان فاضلا سخيّا، وجد سنة (1180 ه‍) وتوفّي سنة (1248 ه‍).

وخلفه ابنه حسن بن حسين، وكان من أهل الفضل والعلم، وجد سنة (1205 ه‍) وتوفّي سنة (1284 ه‍).

وخلفه ابنه عليّ بن حسن، وكان جليل القدر عظيم الخطر، معظّما عند النّاس،

وله هيبة في الصّدور، توفّي سنة (1309 ه‍)، وكان ولده العالم النّاسك المتبتّل عبد الله بن عليّ غائبا بجاوة، ولكنّه وصل على وشك انقضاء أجل أبيه، ثمّ عاد إلى جاوة سريعا، فكأنّما كان على ميعاد من موت والده، ولمّا فرغ من أمره.. انقلب على إثره.

وقد أحضرني عليه والدي في قدمته تلك فقرأت عليه، وألبسني، وشابكني، وأجازني، كما قد استجاز لي من والده عليّ بن حسن، واجتمعت به ـ أعني الحبيب عبد الله ـ بمنزله في جاوة أوائل سنة (1330 ه‍)، وكان صادعا بالحقّ، شديدا على أهل الجاه والرّئاسة من العلويّين، وطالما احتجب عنهم وردّهم عن بابه، توفّي ببانقيل من أرض جاوة في سنة (1331 ه‍).

وأمّا الّذي خلف على المنصب بعد السّيّد عليّ بن حسن الحدّاد.. فهو السّيّد عبد القادر بن أحمد بن عبد الرّحمن بن أحمد بن حسن بن القطب الحدّاد، وكان شهما فاضلا عالي الهمّة قويّ النّفس، توفّي بخلع راشد في القعدة من سنة (1313 ه‍).

وخلفه الحبيب حسن بن عمر بن حسن بن عبد الله بن أحمد بن حسن بن القطب الحدّاد، وكان أبيض القلب، كثير التّواضع، صادق الإخاء لوالدي، توفّي في القعدة من سنة (1322 ه‍).

وخلفه ولده عليّ بن حسن، وكان شهما كريما، فحصلت عليه أذيّة من آل تريم، فركب إلى جاوة، وكان آخر العهد به.

وخلفه على المنصب أخوه عبد القادر بن حسن، وتوفّي في محرّم من سنة (1352 ه‍).

وخلفه السّيّد عبد الله بن محمّد بن أبي بكر بن محمّد الحدّاد، وتوفّي في جمادى الآخرة سنة (1353 ه‍).

وخلفه السّيّد عيسى بن عبد القادر بن أحمد بن عبد الرّحمن بن أحمد الحدّاد إلى أن توفّي في رجب من سنة (1354 ه‍).

وخلفه أخوه عبد الله، ثمّ تنازع هو وأبناء أخيه عيسى، فانفصل عن المنصب وابتنى له دارا في غربيّ خلع راشد، غرس حولها كثيرا من النّخل وتديّرها مع تردّده إلى الحاوي بتريم.

وخلفه على المنصب الولد حسن بن عليّ بن حسن بن عمر بن حسن الحدّاد، فهو الّذي عليه اليوم، ولكنّه مضغوط عليه كسائر المناصب بسبب اشتداد ركن الدّولة الكثيريّة بالإنكليز.

وفي الحاوي جماعة من آل باسالم، قال الحبيب عمر بن حسن: (كان جدّ عمر بن عبد الله جدّ آل باسالم من المغرب يكاتب الحبيب عبد الله بن علويّ الحدّاد، ثمّ وصل حضرموت وتزوّج بها. وآل باسالم تطول أعمارهم زائدا على النّاس).

ومن كلام الحبيب عمر بن حسن أيضا: (أنّ الحبيب عبد الله الحدّاد عنده ستّة أولاد، يلازمه منهم اثنان أو ثلاثة، والباقون يسكن بعضهم الحاوي، وبعضهم بقي بتريم، وهو يترك حبالهم على غواربهم، فيسافرون حيث شاؤوا، وأكبرهم محمّد. وكلّ من تزوّج من أولاد الحبيب عبد الله.. بنى له دارا لا تصل نفقتها إلى عشرين ريالا، ويقول له: اسكنها، وهو يواسيهم) اه

وكذلك كان سيّدي الحبيب عبد الله بن حسين بن طاهر، إذا زوّج أحد أولاده.. أفرده بدار وأعطاه بقرة وحمارا وسائر آلات الحرث ونفقة خمسة أشهر، وقال له: أنت بالخيار؛ إن شئت.. جعلتني أبا، وإن شئت.. جعلتني أخا، وإن شئت.. جعلتني كواحد من المسلمين.

وكان الحبيب عمر بن حسن الحدّاد من خيار العلويّين وصلحائهم، وكان كآبائه وأقربائه يسكن الحاوي، ثمّ حدث بينه وبين المنصب الحبيب عليّ بن حسن بن حسين شجار على خادمة منعها الحبيب عليّ عن الخدمة في بيت الحبيب عمر، فانتقل إلى نويدرة تريم، ولم يزل بها على العلم والعبادة حتّى توفّي ظهر الأربعاء (23) ذي الحجّة الحرام من سنة (1308 ه‍) أي: قبل وفاة الحبيب عليّ بن حسن بمديدة قصيرة.

ومن «المواهب والمنن»: أنّ فساد يافع زاد في سنة (1179 ه‍).

ومنها: أنّ محسن بن عمر بن جعفر نهب دمّون وضواحي تريم، فجاء الحبيب طاهر بن محمّد بن هاشم يقول للحسن بن عبد الله الحدّاد: (ما بقي لأحد جاه عند هذا الظّالم غيرك؛ فإن شفعت في ردّ أموال المساكين، وإلّا.. فالإثم عليك)، فتوجّه إليه فيها.. فردّها.

ومنها: عن الحبيب عمر بن زين بن سميط: أنّه سمع بعض السّادة من تريم يفضّل الحسن بن عبد الله على العلّامتين: عبد الرّحمن بن عبد الله بن أحمد بلفقيه وطاهر بن محمّد بن هاشم.

ومنها: أنّ السّلطان صالح بن ناصر بن أحمد الرّصّاص همّ بالخروج إلى حضرموت، ثمّ انثنى، ثمّ عزم بعد، فضلّ في الرّمل عتاده من البارود والرّصاص، وتفرّق شمل أصحابه وكثر فيهم الموت والمرض، وعاد خائبا.

ومنها: أنّ الحبيب حسنا خرج هو وأولاده وقرابته وأتباعه إلى بيت جبير فذهب أحد أحفاده ومعه الخدم يأمرهم أن يجمعوا القضب من الآبار الّتي حواليه لمراكيبهم، والمتبادر أنّهم يأخذونها ـ على عادة المناصب ـ بدون مقابل، وهو من المشكلات؛ كمثل ما سبق في المبحث الثّالث من الحسيّسة، إلّا أن يقال: إنّها مرصودة للمصالح فتلزم مواساتها؛ بآية أنّهم لا يأخذون إلّا للخيل، فقد يحتمل، إلّا أنّه من البعيد أن تكون مراكيب الحسن وأتباعه خيلا كلّها مع كثرة الخيل إذ ذاك بحضرموت؛ فقد كان السّلطان عيسى بن بدر يزور القطب الحدّاد في أربعين عنانا، وكان فراش مدرسة القطب الحدّاد بالحاوي حصيرا من دون وسادة، وأمّا في منزله.. فسجادة عليها وسادة.

وفي أيّام الحسن فرش منزله الواسع بالسّجّاد الفارسيّ من غير الهنديّ.

وتزوّج القطب الحدّاد بنيّف وثلاثين امرأة، أربع عشرة من الشّرائف، والبواقي من غيرهنّ، وأمّ ولده محمّد من آل كثير.

ولسيف بن محمّد الكثيريّ كان تأليف «رسالة المريد»، وعن الأستاذ الأبرّ أنّ سيّدنا الحدّاد يقول: لم نسمّ الّذي ألّفنا له «رسالة المريد»؛ لأنّه رجع عن الإرادة، وكثيرا ما يوكّل ابنه الحسن في قبول النّكاح له، وكان لا يزيد على مسحة واحدة لرأسه، إلّا أنّه يمسحه كلّه، وقد سرّني هذا لموافقته لما أنا عليه من زمان قبل أن أعلم به، وقبل أن أعرف أنّ جدّي المحسن بن علويّ كان على مثله.

وقد لقي القطب الحدّاد أذى كثيرا من إخوانه، قال الحبيب عمر بن حسن: إنّه اشترى مال أهله ثلاث مرّات، كلّما اشتراه.. ادّعى عليه بعض إخوانه. قيل له: وكذلك الحبيب حسن بن أحمد العيدروس، فقال: يرحمه الله رحمة الأبرار.

وأكثر ما وقع الأذى على القطب الحدّاد من أخيه عمر، حتّى لقد سمعت ـ لكن ممّن لا أثق به ـ أنّه ادّعى عليه بمئة بهار ذهب، فما زال أهل التّدبير ومحبّو الإصلاح يسفرون بينهم حتّى تمّ الصّلح على مئة بهار تمر من نخيل وادي الذّهب، والله أعلم بصحّة ذلك.

وقال بعضهم: إنّما كانت الدّعوى في بهار واحد من الذّهب. وهذا هو الأقرب.

ثم ما زالوا به حتّى أبعدوه عنه، ونقلوه إلى الحاوي الّذي اختطّه في شمال حوطة آل أحمد بن زين.

وفي قضاء الشّيخ عليّ بن عبد الرّحيم باكثير: توجّهت على الحدّاد دعوى لزمته بها اليمين.. فغلّظها عليه، وجاء معه بمصحف من تريم، فقال له الحدّاد: (أما عندنا مصاحف؟! ) وفي هذه القضيّة فوائد:

منها: أنّ خروج القاضي إلى الحاوي إمّا لتحليف الحدّاد على عين المدّعى به؛ لاشتباهه وتعذّر نقله، وإمّا لأنّه لا يليق به الحضور إلى مجلس الحكم.

والمسألة حينئذ خلافيّة، فبعضهم يلزمه الحضور لأجل اليمين، وبعض يلزم القاضي إرسال من يحلّفه في مكانه، وهو الّذي أظنّني رجّحته، والبحث مستوفى في المسألتين (570) و (976) من كتابي: «صوب الرّكام في تحقيق الأحكام».

وقد اختلف السّلف في الصّبر لليمين، فكرهه بعضهم حتّى خرج من المال أنفة، ولم ير به آخرون بأسا.

وقد ترافع محمّد بن داود الظّاهريّ مع خصم له إلى القاضي إسماعيل بن إسحاق، ولمّا توجّهت اليمين على ابن داود.. قال له القاضي: أيحلف مثلك يا أبا بكر؟ قال: ما يمنعني وقد أمر الله نبيّه بالحلف في ثلاثة مواضع من كتابه؟ قال القاضي: أين ذلك؟!

قال في قوله سبحانه وتعالى: (وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ) وقوله: (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ) وقوله: (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ)

والقصّة مبسوطة في كتابي: «بلابل التّغريد».

وفي المسألة (1381) من «الصّوب» صرّح الإمام في «النّهاية» بأنّ اليمين لا تجب، وأقرّه الرّافعيّ، لكن قال ابن عبد السّلام: ليس على إطلاقه:

أمّا يمين المدّعى عليه: فإن كانت كاذبة.. فحرام، وإن كانت صادقة: فإن كان الحقّ مما يباح بالإباحة؛ كالمال.. وجبت اليمين دفعا لمفسدة كذب خصمه.. إلى آخر ما أطلت به.

ومنه: أنّ ابن حجر استوجه عدم وجوب اليمين فيما يقبل الإباحة، ووجوبها فيما لا يقبله إذا تعيّنت. والله أعلم.

ودعوى السّيّد عمر بن علويّ الحدّاد على أخيه بالذّهب المشار إليه ممّا تحيله العادة، لكن قال فقهاؤنا بوجوب إحضار المدّعى عليه وإن أحالتها العادة، وهو من البعد بمكان، لا سيّما مع اتّفاقهم على ردّ كلّ دعوى وكلّ شهادة، بل وكلّ إقرار يكذّبه الشّرع أو الحسّ. والبحث مستوفى في المسألة (559) من «الصّوب».

وبعض النّاس ينتقد فعل الشّيخ عليّ بن عبد الرّحيم ويعدّه من إساءة الأدب، وليس من ذلك في شيء، وإنّما هو أداء للواجب، وبعد عن المحاباة، مع أنّ القطب الحدّاد لم يلاحظ عليه إلّا استصحاب المصحف من تريم.

وقد أطال الشّيخ عليّ في ترجمة القطب الحدّاد ووفّاه حقّه؛ لأنّه من كبار مشايخه، بل أكبرهم، وكان يخرج إلى الحاوي كلّ يوم بعد الظّهر، ولمّا حصلت عليه الأذيّة من الدّولة.. لم يعتصم إلّا بالإقامة في الحاوي.

ومن قرى تريم: المحيضرة.

وكانت للسّادة آل سميط، وهم وآل شبام قبيلة واحدة، ومنهم القاضي بتريم علويّ بن سميط، تعمّر كثيرا، وأضرّ في آخر وقته، ولكنّها انعمرت الآن. ولها ذكر كثير في حروب يافع وآل كثير.

ومنها: الحيوار، وقد أدخلت بعض ذبوره في سور تريم، وعمّرت فيها ديار كثيرة.

ومنها: بريح، كانت بين دمّون وتريم، ولا أثر لشيء منها إلّا المقبرة.

أمّا أحوال تريم الدّوليّة: فكما سبق في شبام ذرو منها، وهي كرسيّ مملكة آل قحطان المتفرّعة ولايتهم على حضرموت عن إمارة الهزيليّ على شبام في حدود سنة (270 ه‍)، وقد قال صاحب «البرد النّعيم»: (إنّ ولايتهم امتدّت إلى أكثر من ثلاث مئة سنة) اه والحال أنّها باعتبار أصلها امتدّت إلى أطول من ذلك بكثير.

ومدافنهم بالرّضيمة من تريم، وكانوا ـ كما في «الأصل» ـ يدفنون هلكاهم بها في صناديق، وفي كلام القطب الحدّاد أنّ بالرّضيمة صناديق من ذهب، فلعلّ الصّناديق الّتي كانوا يدفنون موتاهم فيها كانت من الذّهب كما الملوك تفعل، ومن مأثور الكلام: أنّ أمّ الإسكندر أمسكت على صندوق الذّهب الّذي وضعوا ابنها فيه ليدفن بعد أن قال كلّ من الحكماء كلمته المأثورة، فقالت: لقد جمعت هذا في حياتك.. فجمعك بعد مماتك.

ثمّ انتهى الأمر إلى آل أحمد والصّبرات، وجرى بينهم بعضهم بعضا وبينهم وبين غيرهم أمور طويلة عريضة، فصّلنا منها في «الأصل» ما شاء الله أن نفصّل، ثمّ صار الأمر لآل كثير، ثمّ للإمام، ثمّ ليافع.

وسبب اتّصال يافع بحضرموت: أنّهم زاروا حضرموت في أيّام الشّيخ أبي بكر بن سالم، وأحبّوه، واعتقدوا فيه الصّلاح، ثمّ زاروها في أيّام ابنه الحسين، كما سيأتي عند ذكره في عينات، ثمّ خرجوا مع أحد سلاطينهم ـ وهو: السّلطان عمر بن صالح بن الشّيخ عليّ هرهرة، اليافعيّ وطنا، الهمدانيّ نسبا ـ نجدة للأمير بدر بن محمّد المردوف، بإشارة من الحبيب عليّ بن أحمد أو من أخيه شيخ بن أحمد على اختلاف الرّواية، أو منهما كما هو الأقرب.. وكانت طريقهم بأرض العوالق، فأكرمهم سلطانها، ثمّ قدموا على العموديّ بدوعن فأضافهم، ثمّ التقوا مع سلطان آل كثير عمر بن جعفر في بحران سنة (1117 ه‍) وهناك انهزم آل كثير واستولت يافع على جميع بلدان حضرموت الوسطى والسّفلى؛ مثل: هينن، وشبام، وسيئون، وتريم.

وبعد أن ضبطها عمر بن صالح.. ركب إلى الشّحر واستولى عليها، ثمّ بلغه أنّ أهل هينن نكثوا وأخرجوا يافعا منها، فعاد لهم وأخضعهم، ورجع إلى يافع وقد اقتسمت يافع بلاد حضرموت، فكانت شبام وهينن للموسطه، وسيئون ومريمه لآل الضّبي، وتريم للبعوس ـ وفوقها بنادق من العلوق الغالية ـ والدولة، أقام أناس منهم بسيئون، وناس في باجلحبان، بحصن بناه آل مطهّر، فيه بئر عذبة الماء.

وأمّا بنو قاصد اليافعيّون المرؤوسون بابن عفيف.. فقد كان منهم ناس قليل في هذا التّجهيز، منهم: آل يزيد، رئاستهم بحضرموت للبطاطيّ؛ لأنّهم وإيّاهم شيء واحد، وكان مسكنهم بالهجرين والقزه، وفيه ناس أيضا من الكلديين، وناس من قبيلة يهر، يقال لهم: الشّناظير، أقاموا بغيل ابن يمين، فنسبه بعض النّاس إليهم.

وأمّا الكساديّ: فكان من ذي ناخب، وجاء بعد ذلك إلى المكلّا. اه من «بستان العجائب» للسّيّد محمّد بن سقّاف بن الشّيخ أبي بكر بن سالم.

وفيه مخالفة لما سبق في المكلّا عن سبب اتّصال الكساديّ بالمكلّا، ولبعض ما في «الأصل»، إلّا أنّه خلاف يسير، لا يضرّ بأصل الخبر، بل يتيسّر الجمع للنّاظر بينهما بأدنى تأمّل.

ومن (يهر) رئيس الحضارم بالسومال الإيطاليّ الحاجّ محمّد عبادي بن عاطف بن عبيد بن جبران الأرّجانيّ، وفي «إكليل الهمدانيّ»: أنّ ذا يهر أحد أذواء حمير، وهو ابن الحارث بن سعد بن مالك بن زيد بن سدد بن زرعة بن سبأ الأصغر، وفيه يقول أسعد بن تبّع [من المتقارب]:

«وقد كان ذو يهر في الأمو *** ر يأمر من شاء لا يؤمر»

وقصر ذي يهر على بعض يوم من صنعاء بموضع في بيت حنبص، وهو قصر جاهليّ يسكنه في عهدنا أبو نصر الحنبصيّ نسبة إليه، وهو من أوعية العلم، وفيه يقول بعض أهل عصره [من الطّويل]:

«لعمرك ما الكلبيّ إن عدّ علمه *** وعلم جبير والإمام أبي بكر»

«ودغفل في شجّيرة وابن شرية *** بأعرف فيما حاولوا من أبي نصر»

وهو محمّد بن عبد الله بن سعيد بن عبد الله بن محمّد بن وهب بن شرحبيل بن عريب بن زيد بن وهب بن يعفر بن زيد بن شمر بن شرحبيل بن أشمر بن زرعة بن شرحبيل بن وهب بن نوف بن يعفر بن الحارث بن شرح بن يعفر ذي يهر. اه باختصار لفظ

ومنه تعرف أنّ الشّناظير ليسوا من يافع أنفسهم، ولكن قد آختهم.

وقد انقسمت لبعوس في تريم وأرباضها إلى فرق متعدّدة، أقواهم آل غرامة، ورئيسهم سالم بن غرامة صاحب حصن الدّكين الواقع في شرقيّ دمّون، وكان ابن أخيه عبد الله عوض غرامة ينازعه، ولمّا مات في حدود سنة (1226 ه‍).. صفا لعبد الله الجوّ، وكان شهما شجاعا، لا يملأ الهول صدره قبل موقعه، ولا يضيق به ذرعا إذا

وقع، ولا يقتضي حاجاته من حملة السّلاح إلّا بالسّيف، وقد قال المتنبّي [في «العكبريّ» 4 / 160 من البسيط]:

«من اقتضى بسوى الهنديّ حاجته *** أجاب كلّ سؤال عن هل بلم »

وكان ينكر بطبعه غلوّ القبوريّين فوافقته آراء الوهّابيّة، وأكثر التّعلّق بوحيد عصره، وفريد دهره، مقدّم الجماعة، وشيخ الصّناعة، الّذي انتهت إليه رياسة العلم بتريم، العلّامة الجليل السّيّد أبي بكر بن عبد الله الهندوان، المتوفّى بتريم سنة (1248 ه‍)، وقد اتّهمه العلويّون بأنّه هو الّذي يعلّم عبد الله عوض غرامة آراء الوهّابيّة، ويحثّه على الإلزام بها ومؤاخذة النّاس بمقتضاها، فتآمروا على قتله، فهرب إلى بيت جبير، ولم يقدر عبد الله غرامة على حمايته بتريم؛ لأنّه لا يملكها كلّها.

وفي أيّامه كان وصول الوهّابيّة إلى تريم سنة (1224 ه‍)، بقيادة الأمير عليّ بن قملا، فطوى بهم حضرموت، ولم يفسد حرثا ولا أهلك نسلا، وإنّما هدم القباب، وسوّى القبور المشرفة، وألقى القبض على المناصب آل عينات وآل تاربه وأهانهم، وأتلف قليلا من الكتب كثّره بعض العلويّين ـ كصاحبنا الفاضل السّيّد عليّ بن عبد الرّحمن بن سهل ـ بدون مبرّر من الدّليل، وأقاموا بتريم نحوا من أربعين يوما، وعاهده عبد الله عوض غرامة وعبد الله بن أحمد بن يمانيّ على أن يكفّ الأذى عن بلاديهما على شرط أن يقوما بنشر دعوته الّتي لاقت هوى من نفوسهم، وقبولا من خواطرهم.

ووجدت أيضا معاهدة بتاريخ سنة (1222 ه‍) بين عليّ بن صالح بن ثابت، وعبد الله بن سلطان بن ثابت، ومنصّر بن محمّد، وناجي بن محمّد آل قملا، وجعلا عبد الله بن سلطان أميرا من قبلهما على الكسر.

ووجدت أيضا معاهدة بينهما وآل العطّاس بحريضة وأمّرا من قبلهما عليها السّيّد عليّ بن أحمد العطّاس كما يروي جميع ذلك شيخنا العلّامة أحمد بن حسن العطّاس.

وكذلك توجد معاهدة بين آل قملا والسّادة آل المسيله.

وقال السّيّد علويّ بن أحمد بن حسن في مقدّمته ل «ديوان جدّه»: (وذكر الشّيخ عقيل بن دغمش أنّهم خرجوا إلى حضرموت ثلاث مرّات.

فالأولى: سنة (1218 ه‍)، وردّهم جعفر بن عليّ لمّا ملك شبام.

والثانية: سنة (1224 ه‍)، وجرى منهم ما تقدّم في تريم، وأخذوا نحوا من أربعين يوما، ثمّ ساروا منها كلّهم.

والثّالثة: خرجوا سنة (1226 ه‍)، ووصلوا قريبا من شبام وفازوا بالقتل والانهزام، ورجع منهم من رجع شذر مذر) اه

وقد سبقت الإشارة في تريس وغيرها إلى ميل الحبيب عبد الله بن حسين بلفقيه إلى بعض آراء الوهّابيّة، ومن أدلّة ذلك: أنّه أثنى على قسم وأهلها بقصيدة استهلّها بقوله: (لنا بمغنى قسم أهل وإخوان) انتهى بها إلى مدح آل تميم عموما، والمقدّم عبد الله بن أحمد خصوصا، فقال [من البسيط]:

«لا تنس أولاد روح هم قبائلها *** قد هدّمت للأعادي منهم اركان »

«فابن يمانيّهم رأس الأسود له *** في الحرب صيت وفي الإحسان عنوان »

«كم من فتى منهم عند اللّقا فرح *** كأنّ أعداه إذ يغشاهم ضان »

«كم كسّروا للأعادي منهم قمما *** حتّى غدا حدّهم بالأمن ملآن »

«جيرانهم في محلّ العزّ عندهم *** كأنّهم في ربوع القوم ضيفان »

«أقول حقّا بأنّ الله ناصرهم *** لأنّهم لأهيل البيت أعوان »

وفي سنة (1229 ه‍) أرسل الأمير عبد الله عوض غرامة ثلّة من جنده للتّحرّش بأهل المسيله فلم يجرؤوا، وعند انصرافهم التقوا بجماعة من السّادة عسكر الحبيب

طاهر، إمّا مصادفة، وإمّا طمعوا فيهم لمّا رأوهم انقلبوا بدون طائل، ومعهم العلّامة السّيّد سالم بن أبي بكر عيديد، فانهزم السّادة بمجرّد ما سمعوا إطلاق الرّصاص، مع أنّ جند غرامة لم يتعمّدوا إصابتهم، وإنّما أرادوا كفّهم وتخويفهم، فانهزموا هزيمة فاحشة، حتّى لقد سقط إزار أحدهم فهرب عريانا! فقالت إحدى شواعر تريم:

«إذا اقبلوا يافع المثقلين *** تقعون ساده حتّى حزمكم تلين »

أخبرني بهذا الثّقة الثّبت السّيّد أحمد بن عمر بن عوض الشّاطريّ، عن جدّه لأمّه شيخنا ابن شهاب. ولم يتبعهم جند عبد الله عوض، غير أنّ رصاصة أصابت السّيّد سالم عيديد فسقط ميّتا مع البارود، وفي اليوم الثّاني أرسل إليهم الأمير عبد الله عوض بتعزية يقول فيها: (إنّنا لا نريد ذلك ولا نحبّه، وإنّما كان قتله على غير اختيار منّا، لكنّ شؤم أعمالكم، والتفاتكم إلى غير الله، وعبادتكم للأموات والقبور.. هو الّذي جرّ عليكم المصائب، وسيجرّ عليكم ما هو أعظم) اه

ويقال: إنّ هذه المكاتبة كانت من إنشاء إمام تريم لذلك العهد ـ المتقدّم ذكره ـ السّيّد أبي بكر بن عبد الله الهندوان، والله أعلم.

وحصلت من عبد الله عوض غرامة مساعدات ماليّة للأمير عليّ بن قملا كلّف بها الرّعايا، حتّى لقد رأيت وثيقة فيها أنّ نوّاب وقف المحضار باعوا بئرين له ببيت جبير بثلاث مئة وعشرين ريالا على سبيل العهدة، في دفع ضرر ابن قملا وعبد الله عوض عن مال المحضار، وعليها إمضاء القاضي حسين بن علويّ مديحج، وتاريخها سنة (1263 ه‍)، ولعلّه كان غلطا؛ إذ تاريخ وصول ابن قملا إلى تريم إنّما كان سنة (1224 ه‍)، أو سنة (1226 ه‍) على اختلاف القول في ذلك، وأمّا سنة (1263 ه‍).. فبعد وفاة عبد الله غرامة بمدّة، ما لم يكونوا استدانوا ذلك القدر ثمّ لم تسنح الفرصة للتّعهّد إلّا بعد، وفيه فائدتان:

الأولى: التّوسّع ببيع الموقوف، إلّا أنّه قد يجاب بأنّ الأصل في أموال المساجد الملك.

والثّانية: بيعه عهدة والأغلب أنّها إنّما تكون بدون ثمن المثل، وهو ممتنع في مال المسجد، وقد صرّحوا بامتناع بيع مال المحجور عهدة مطلقا، والمسجد مثله ففي هذا الصنيع فسحة وتسامح.

ولعبد الله عوض أخبار عجيبة ذكرنا منها نتفا ب «الأصل»؛ ومنها: أنّ بعض أعيان السّادة ركب إلى زيارة نبيّ الله هود عليه السّلام، وبينا هو خارج من تريم وأمامه خشارة من الحاكة ومن لفّهم يرتجزون بمثل قولهم: يا شيخنا يا محضار.. إذ غضب غرامة واستلّ سيفه ليغمده بطلى زعيم الحاكة وانتصب لمساورته بعض السّادة آل ابن إبراهيم، لو لا أنّ شيخ مشايخنا ـ وهو الحبيب عبد الله بن حسين بلفقيه ـ تدارك الأمر وقال لهم: (قولوا: سبحان من لا يفنى ولا يزول ملكه)، فارتجزوا بها، فسرّ عبد الله غرامة وقال: (أستغفر الله) وهي كلمته الّتي يوشّح بها كلامه، ولا يزال الأكرة يتغنّون بها إلى اليوم.

وبه ذكرت قول العلّامة ابن حجر: (فائدة: أحدث المؤذّنون الصّلاة والسّلام على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عقب الأذان للفرائض، ما عدا الصّبح والجمعة؛ فإنّهم يقدّمون ذلك فيهما على الأذان، وإلّا المغرب، لضيق وقتها، وسببه: أنّ الحاكم لمّا قتل.. أمرت أخته المؤذّنين أن يقولوا في حقّ ولده: السّلام على الإمام الطّاهر، ثمّ استمرّ السّلام بعده على الخلفاء حتّى أبطله صلاح الدّين، وجعل محلّه الصّلاة والسّلام عليه صلّى الله عليه وآله وسلّم، فجزاه الله خيرا، ونعمّا فعل. وقد أفتى مشايخنا وغيرهم بأنّ الأصل سنّة، والكيفيّة بدعة، وهو ظاهر) اه بنوع اختصار

ولا يبعد عنه ما كان من عمر بن عبد العزيز من إبداله ما اعتاده بنو أميّة بآية: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ) إلى آخرها.

وكان عبد الله غرامة شديدا على الأعداء، ليّن العريكة للضّعفاء، سهل الجانب لهم، وله أصحاب من الحاكة والأراذل يتنادرون عليه كأنّه أحدهم، وهو يجرّئهم على نفسه ليأنس بهم، وتسقط كلفة التّحفّظ فيما بينهم، فهو:

«ممقر مرّ على أعدائه *** ولدى الأدنين حلو كالعسل »

عاش وسيفه يقطر مهجا، ويسيل دما، من آل تميم وغيرهم من حملة السّلاح، وكان لا يأخذ صلحا فيمن يقتله من آل تميم قطّ، توفّي بتريم سنة (1255 ه‍) بعد أن خبط الزّمان خبطا، وضبط الرّجال ضبطا، وكان كما قال بشّار [في «ديوانه» 145 ـ 146 من المتقارب]:

«فتى لا يبيت على دمنة *** ولا يشرب الماء إلّا بدم »

«يحبّ العطاء وسفك الدّما *** فيغدو على نعم أو نقم »

وتلقّى راية مجده باليمين ولده عبد القويّ وهو في إبّان البلوغ، فكان كما قالت الخنساء [في «ديوانها» 71 من المتقارب]:

«طويل النّجاد رفيع العما *** د ساد عشيرته أمردا»

وكما قال الرّضيّ [في «ديوانه» 1 / 464 من البسيط]:

«متيّم بالعلا والمجد يألفه *** وما مشى في نواحي خدّه الشّعر»

وقد برز به على قول المتنبّي [في «العكبريّ» 2 / 8 من الطّويل]:

«أرى القمر ابن الشّمس قد لبس العلا *** رويدك حتّى يلبس الشّعر الخدّ»

وقد ذكرنا في «الأصل» أنّ بعض أعدائه ألقى زاملا بين يديه، منه قوله:

«منّي سلام الفين يا عبد القوي *** يا شيخ يافع يا عريض السّاعدين »

وهو مثل قول السّيّد الحميريّ يمدح قاتل طلحة بن عبيد الله [من الكامل]:

«واعترّ طلحة عند مشتجر القنا *** عبل الذّراع شديد أصل المنكب »

ثمّ إنّي بعد أن افتتنت زمانا ببيت الشّريف الرّضيّ السّابق.. عرفت أنّه نظر فيه إلى قول أبي عبادة [في «ديوانه» 2 / 308 من البسيط]:

«وللفتى مهلة في الحبّ واسعة *** ما لم يمت في نواحي خدّه الشّعر»

وفي سنة (1261 ه‍) اشترى آل عبد الله الكثيريّون ناصفة الخليف من آل همّام اليافعيّين بنحو من ألفي ريال، وأدخلوا إليه بعض عبيدهم، وبقوا هم وإيّاهم على التّناصف بالتّصافي.

وفي سنة (1262 ه‍) باع عبد القويّ غرامة على آل عبد الله ناصفة ما تحت يده بتريم، وتمّت الصّفقة بالمسيله بمحضر العلّامة عبد الله بن عمر بن يحيى، والسّيّد الجواد حسين بن عبد الرّحمن بن سهل، على نحو أربعة آلاف ريال فرانصة ـ أو ستّة آلاف، لا نحفظ تحقيق ذلك ـ وعلى أن تكون الماليّة كلّها في أيدي آل عبد الله، بشرط أن يدفعوا لعبد القويّ ثمانية ريالات يوميّا إزاء دخل النّاصفة الباقية له.

ولمّا دخل آل عبد الله في رمضان من نفس السّنة.. عظم الأمر على عبد القويّ؛ لأنّهم دخلوها على غير الصّفة المشروطة بينهم من امتناع المظاهرات والزّوامل، وبعد المراجعات والأخذ والرّدّ.. أذكى عليهم نار الحرب، وكان عبود بن سالم يضمر الغدر لعبد القويّ، فركب إلى الجهات القبليّة في شعبان قبل أن يدخلوا إلى تريم أصلا، وأقبل في ربيع الأوّل من سنة (1263 ه‍) بنحو ألفين والحرب قائمة، فكثروا عبد القويّ وضايقوه، ولكنّه ثبت ثبات الرّواسي، ثمّ تواضعوا قريبا ممّا تمّ الأمر عليه أوّلا، وأراد السّيّد حسين بن سهل تأطيد الصّلح، فسعى ليمثّل حال خالد بن يزيد مع رملة بنت الزّبير حتّى صهر الأمير عبود بن سالم إلى آل غرامة، فاقترن بأخت عبد القويّ، وجرت أمور طويلة عريضة مستوفاة ب «الأصل»، ولكنّ سكنى تريم لم تطب لنفس عبد القويّ وأصحابه اللبعوسيّين؛ إذ كانت تلك الأسرة لذلك العهد حقيقة بقول المعريّ [من البسيط]:

«كانت تضمّ رجالا بين أعينهم *** معاطس لم تذلّل عزّها الخطم »

فبارح تريما إلى المكلّا، وأودع بعض سلاحه من العلوق الغوالي السّابق ذكر وقوعها للبعوس، مع اقتسام يافع بلاد حضرموت عند زعيم آل عامر الكثيريّين محمّد بن عزّان بن عبدات، فلم يردّها عليه؛ لنفاستها.

وتتابع بعد عبد القويّ غرامة جلاء آل لبعوس من تريم إلى عند آل الظّبي بسيئون، وهكذا قضي على دولة غرامة، وسبحان من لا يدوم إلّا ملكه.

ودولة تريم اليوم للسّلطان عبد الله بن محسن بن غالب وأخيه السّلطان محمّد، حسبما مرّ في سيئون.

والحكومة الإنكليزيّة تحاولهم على الاعتراف بقيادة السّلطنة لأمير سيئون لتتوحّد الدّولة الكثيريّة مع بقاء حقّهم من الاستقلال في حدودهم، وهم من ذلك في شماس شديد، ولكنّه لا يستغرب أن يعود إلى المياسرة.

وقولنا: إنّ آل همّام يافعيّون.. هو المشهور، ولا ينافيه ما يوجد في كلام الحبيب علويّ بن أحمد الحدّاد ممّا يوهم خلافه؛ كقوله: إنّ بين عسكر تريم آل همّام ويافع كلّ من لقي خادم أحد قبضه؛ لأنّ بعض البيوت قد يختصّ بالاسم؛ مثل آل السّقّاف.

إدام القوت في ذكر بلدان حضرموت-عبدالرحمن بن عبيدالله السقاف-توفي: 1375ه‍/1956م


6-المعجم الاشتقاقي المؤصل (زعم)

(زعم): {وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} [يوسف: 72]

الزعوم من الإبل والغنم: التي يُشَكّ في سِمَنها فتُغْبَطُ بالأيدي/ القليلةُ الشحْم وهي الكثيرة الشحم، وهي المُزعَمة - كمُكْرَمة. وأَزعَمَت القلوصُ أو الناقةُ: إذا ظُنّ أنّ في سنامها شَحْما. وشواء زَعْم - بالفتح وككتف: مُرِشٌّ كثير الدَسَم سريعُ السيلان على النار. وأزْعَمَت الأرضُ: طلع أولُ نبتها.

° المعنى المحوري

ضم الشيء في باطنه ما يظهر قليل منه. كالشحم والسِمَن، إذ يتكون هنا بقدر غير عظيم - في أجسام الإبل والغنم (تأمل الشواء الزعم. ودعك من كلمات الشك والظن فإنها من أثر استعمال المعنى المشهور).

فالمقطوع به أن الإبل الموصوفة بها سِمَنٌ ما وليست هزلى ولا عجافا. ولأن

ذاك السمن تكوّن حديثا فإنه لم يشتد، ولذا يذوب بسرعة. وكذلك الأرض فإن طلوع أول نبتها علامة على أنها قَبِلت الحبّ في بطنها وأنه أمسك بها وكوّن جذورًا. ومن ذلك "المِزْعامة: الحية لسُمّها. وأزعَمَ اللبنُ وزعّم - ض: أخذ يَطيب (بدأ دَسَمه)، والزعامة - كسَحَابة: الدِرْع " (تحتوي الصدر في داخلها وتظهر الأذرع) ومن ذلك الأصل "زعم (تعب وكقعد): طَمِع (تولدت في نفسه شهوةُ ضَمِّ الشيء وحوزه - انظر همم) وأمر مُزْعِم - كمُحْسِن: مُطْمِع ".

والزعيم: الكفيل (الشيء في ذمته) {وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ}، {سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ} [القلم: 40]. وقال عمرو بن شاس:

تقول هَلَكنا إنْ هلكْتَ. وإنما... على الله أرزاقُ العباد كما زعم

وقال آخر: (سُينْجِزُكمُ رَبُّكم ما زَعَم) (فزَعَم هنا وهنا بمعنى تكفّل وضمِن).

ومن هذا "تزاعم القوم على كذا: تضافروا عليه " (تكافلوا وتضامنوا) ومن ذاك "الزعامة: السيادة (كأن الزعيم "السيد "يضمهم في حوزته ثم هو لرياسته ضامن وكافل).

ومن الأصل كذلك "زَعَمَه كذا: ظَنَّه (الظن هنا فِكر يتكون في القلب ضعيفًا ليست له صلادةُ العلم المستيقن) ومن هنا قال في [ق] "الزَعْم - مثلثة: القولُ الحقُّ، والباطلُ، والكذبُ ضد (كذا - ولا تضاد في الأصل كما رأينا - فالأصل أنه قول على ضَمان صاحبه، أو هو ظن عنده قاله. وانظر في نظير أكثر تلك المعاني: (ظَنن). ومجيء (زَعَم) بمعنى الظن هو الذي جعلها تحمل معنى الكذب - و "التزعم: التكذب "كما قالوا "زَعَمُوا كنية الكذب ". ولذا قالوا إن

الزعم أكثر ما يقال في ما يُشَكّ فيه ولا يحقَّق ولا يُدْرَى لعله كَذِبٌ أو باطل. وللأزهري عبارة توضح مأخذ دلالة التركيب على ما لا يوثق به من الكلام قال [ل 156/ 22]: "الزعم إنما هو في الكلام يقال: أَمْرٌ فيه مَزَاعم أي أمرٌ غير مستقيم فيه منازعة بعد "اهـ. (فكأنه الكلام الذي لا يُسَلَّم تمامًا أي (فيه نظر) كما يقال. فزعم أي أتى بكلام هذا شأنه). {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا} [التغابن: 7]، {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} [النساء: 60] أي يدّعون ذلك تظاهرا. {أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا} [الإسراء: 92]. أي كما قلتَ - وهم مُكَذِّبُون. وسائر ما في القرآن من هذا التركيب هو من الزعم بهذا المعنى، ما عدا كلمة زعيم التي قدّمناها.

المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن الكريم-محمد حسن حسن جبل-صدر: 1432هـ/2010م


7-معجم النحو (بلى)

بلى: حرف جواب، وتختصّ بالنفي وتفيد إبطاله. سواء أكان مجرّدا نحو {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ}.

أم مقرونا بالاستفهام ـ حقيقيا كان نحو «أليس عليّ بآت» ـ أو توبيخيا نحو {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى} ـ أو تقريريّا نحو {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا: بَلى}.

والفرق بين «بلى» و «نعم»: أنّ «بلى» لا تأتي إلّا بعد نفي وأن «نعم» تأتي بعد النفي والإثبات.

فإذا قيل: «ما قام زيد» فتصديقه نعم، وتكذيبه: بلى.

معجم النحو-عبدالغني الدقر-صدر: 1395هـ/1975م


8-معجم النحو (زعم)

زعم:

(1) فعل ماض من أخوات «ظنّ» ومن أفعال القلوب وتفيد في الخبر رجحانا، تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر نحو قول أبي أميّة الحنفي:

«زعمتني شيخا ولست بشيخ ***إنما الشيخ من يدبّ دبيبا»

والأكثر في «زعم» وقوعها على «أن» أو «أنّ» وصلتهما نحو {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا} وقول كثير:

«وقد زعمت أني تغيّرت بعدها***ومن ذا الّذي يا عزّ لا يتغيّر»

وتشترك مع «ظنّ» بأحكام (ظنّ وأخواتها).

(2) تأتي «زعم» بمعنى كفل، ومنه قوله تعالى {وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} أي كفيل به، ولا تتعدّى هذه إلّا بحرف الجر، تقول «زعم الأخ بأخيه» أي كفل به.

معجم النحو-عبدالغني الدقر-صدر: 1395هـ/1975م


9-المعجم المفصل في النحو العربي (بلى)

بلى

يرى بعض النحويين أن «بلى» أصلها: «بل» والألف زائدة، ويرى غيرهم أن الألف للتّأنيث بدليل إمالتها، و «بلى» حرف جواب وتختصّ بالنّفي فتفيد إبطاله ويكون النّفي:

1 ـ نفيا مجرّدا، كقوله تعالى: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ: بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ}.

2 ـ نفيا مقرونا بالاستفهام الحقيقيّ، مثل: «أليس الطقس باردا؟». «بلى».

3 ـ نفيا مقرونا بالاستفهام التّوبيخي، كقوله تعالى: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ}.

3 ـ نفيا مقرونا بالاستفهام التقريريّ، كقوله تعالى: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} قالوا: «بلى».

تمييزها عن «نعم»:

1 ـ تفترق «بلى» عن «نعم» بأنها لا تأتي إلا بعد النّفي. أمّا «نعم» فتأتي بعد النّفي والإثبات.

2 ـ تأتي «بلى» إيجابا للنّفي فتقول: أليس الله بقادر على أن يحيي الموتى، بلى. أما «نعم» فأنها تأتي لتصديق المخبر في الإيجاب والنّفي، مثل: «أليس الطقس باردا» فإذا أجبت بـ «نعم» يكون المعنى: نعم ليس الطقس باردا وإذا أجبت بـ «بلى» يكون المعنى: الطقس بارد. وما ذلك إلا على مقتضى السّماع فقط.

وقد تأتي «نعم» بمعنى «بلى» كقول الشاعر:

«أليس الليل يجمع أمّ عمرو***وإيّانا فذاك بنا تداني»

«نعم وترى الهلال كما أراه ***ويعلوها النهار كما علاني»

فمعنى: «نعم» جواب المقدّر في نفس الشاعر في أن يجمعه الليل وأمّ عمرو أو هو جواب لما بعدها أو جواب للعبارة فذاك بنا تداني.

ومن حديث الرسول (صلّى الله عليه وسلّم) للأنصار: «ألستم ترون ذلك» فأجابوا: «بلى» فأوّل قولهم على أنّه لأمن اللّبس.

المعجم المفصل في النحو العربي-عزيزة فوّال بابستي-صدر: 1413هـ/1992م


10-المعجم المفصل في النحو العربي (الجواب)

الجواب

لغة: تقول: أجاب إجابة وإجابا سؤاله وعن سؤاله وإلى سؤاله، ردّ له الجواب. يقال: أجابه إلى حاجته. تجاوبوا: وزن تفاعل: ردّ أحدهم على الثاني تجاوبوا: تحاوروا. استجاب استجابة ردّ له الجواب: «استجوب» وزن: «استفعل».

تقول: استجوبه. واستجوب له: استجابه. وفي المحاكم: استنطقه والجواب يجمع: أجوبة وجوابات: الردّ على سؤال أو خطاب أو دعاء أو اعتراض.

واصطلاحا: صفة من صفات الحروف التي يجيب المتكلّم بها وتسمّى حروف الجواب وهي: «نعم»، «بلى»، «أجل»، «جير»، «إنّ»، «لا»، «كلّا»، كقوله تعالى: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا، قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَ} وكقوله تعالى: {كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ} وكقوله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرى كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ} والجواب أنواع منها:

المعجم المفصل في النحو العربي-عزيزة فوّال بابستي-صدر: 1413هـ/1992م


11-المعجم المفصل في النحو العربي (زعم)

زعم

هي فعل ماض متعدّ إلى مفعولين أصلهما مبتدأ وخبر، هو من أفعال القلوب ومعناه «أعتقد»، ومن أخوات «ظنّ» ويفيد في الأمر رجحانا مثل:

«زعمتني شيخا ولست بشيخ ***إنّما الشيخ من يدبّ دبيبا»

حيث وردت «زعمتني» بمعنى «اعتقدت أني شيخ»، لكن لم يأت بعدها «أن» ولا «أنّ» مباشرة بل على تقدير ذلك. وأكثر وقوعها على «أن”

و «أنّ» وصلتهما كقوله تعالى: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا}، وكقول الشاعر:

«وقد زعمت أني تغيّرت بعدها***ومن ذا الذي يا عزّ لا يتغيّر»

«فزعمت» هي بمعنى: ظنت ظنّا راجحا.

وتأتي زعم بمعنى: «كفل» كقوله تعالى: {وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} أي: كفيل به، وهي بهذا المعنى لا تتعدّى إلى مفعولين، وبالتالي ليست من أفعال القلوب، وتتعدّى بواسطة حرف الجرّ إلى مفعول واحد فقط، ومثلها «زعم» بمعنى «ترأّس» فتتعدّى أيضا إلى مفعول واحد بواسطة حرف الجر «على»، مثل: «زعم محمّد على قومه» أي: ترأسهم.

المعجم المفصل في النحو العربي-عزيزة فوّال بابستي-صدر: 1413هـ/1992م


12-المعجم المفصل في النحو العربي (ظن وأخواتها)

ظنّ وأخواتها

1 ـ تعريفها: «ظنّ» هي من النّواسخ التي تدخل على المبتدأ والخبر بعد استيفاء فاعلها فتنصبهما مفعولين، وهي وأخواتها كلها أفعال، أو أسماء تعمل عمل الأفعال، وليس بينها حروف، مثل: «ظننتك قادما»، ومثل:

«ظننتك إن شبّت لظى الحرب صاليا***فعرّدت فيمن كان عنها معرّدا»

ولا بدّ لكلّ منها من فاعل، ولا يغني عنه وجود المفعولين، أو وجود أحدهما.

2 ـ أقسامها: تقسم هذه الأفعال الى قسمين: أفعال القلوب، وأفعال التحويل. ولكل منها معان خاصّة تميزها عن سواها.

1 ـ سمّيت أفعال القلوب بهذا الاسم لأن معناها قائم بالقلب متّصل به بما يعرف اليوم باسم «المعنى النّفسي» الذي يعنى بالأمور النّفسيّة، أي: الأمور القلبيّة، لأنّ مركزها القلب ومنها: الفرح، الحزن، الفهم، الذّكاء، اليقين، الإنكار، وأفعال القلوب قد يكون معناها، «العلم»، أي: الدّلالة على اليقين والاعتقاد الجازم الذي لا يعارضه دليل آخر يسلم به المتكلّم، وتسمّى أفعال اليقين وأشهرها سبعة هي: «علم»، «رأى»، «وجد»، «درى» «ألفى»، «جعل»، «تعلّم» التي بمعنى «اعلم» كقول الشاعر:

«رأيت الله أكبر كلّ شيء***محاولة وأكثرهم جنودا»

وقد يكون معناها الرّجحان، أو الظنّ، وتفيد تغلّب أحد الدّليلين المتعارضين في أمر، بحيث يصير أقرب إلى اليقين، وتسمّى أفعال الرّجحان وأشهرها ثمانية هي: «ظنّ»، «خال»، «حسب»، «زعم»، «عدّ»، «حجا»، «جعل»، «هب»، مثل:

«لا تحسبنّ الموت موت البلى ***وإنّما الموت سؤال الرّجال»

حيث وردت «تحسبنّ» مضارعا مبنيّا على الفتح لاتصاله بنون التّوكيد، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره «أنت». «الموت»: مفعول به أوّل. «موت» المفعول الثاني.

2 ـ وسمّيت أفعال التّحويل بهذا الاسم، لأنها تدلّ على انتقال الشيء من حالة إلى أخرى تخالفها، وتسمّى أيضا أفعال التّصيير، وهذه الأفعال تنصب مفعولين ليس من الضروري أن يكون أصلهما مبتدأ وخبر، وأشهرها سبعة هي: «صيّر»، «جعل»، «اتّخذ»، «تخذ»، «ترك»، «ودّ»، «وهب»، كقول الشاعر:

«اجعل شعارك رحمة ومودّة***إنّ القلوب مع المودّة تكسب»

حيث ورد الفعل «اجعل» من أفعال التحويل،

فمفعوله الأول «شعارك» والمفعول الثاني «رحمة».

وأفعال القلوب من حيث المعنى والعمل تقسم الى ثلاثة أنواع: منها ما هو لازم، مثل: «فكّر»، «تفكّر»، «حزن»، «جبن»، ومنها ما ينصب مفعولا واحدا، مثل: «خاف» «أحبّ»، «كره» ومنها ما ينصب مفعولين كأفعال التصيير.

3 ـ ملاحظة: إذا كان الفعل «ظنّ» بمعنى «اتّهم» فينصب مفعولا واحدا مثل: «ظننت زيدا» أي اتّهمته.

معاني «ظنّ» الرّجحان واليقين: من أفعال الرّجحان ما يفيد اليقين فينصب مفعولين، ومنها ما يفيد معاني أخرى فينصب مفعولا واحدا، وقد لا ينصبه.

1 ـ «ظن» تفيد رجحان الأمر، كقول الشاعر:

«ظننتك إن شبّت لظى الحرب صاليا***فعرّدت فيمن كان فيها معرّدا»

حيث أتى الفعل «ظننتك» وهو يفيد الرّجحان.

فالكاف مفعوله الأول «صاليا»: مفعوله الثاني.

وتفيد «ظنّ» معنى «اتّهم» فتقول: «سرق مالي وظننت زيدا» أو «وأظنّ زيدا» أي: أتهم زيدا بالسّرقة. وكقوله تعالى: {وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ} بظنين وتفيد «ظنّ» اليقين، كقوله تعالى: {يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ} وكقوله تعالى: {وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ} منه {إِلَّا إِلَيْهِ} وفيها «ظنّ» بمعنى اليقين وكذلك في كل ما جاء عن قوله تعالى فهو يدل على اليقين، وكقول الشاعر:

«حسبت التّقى والجود خير تجارة***رباحا إذا ما المرء أصبح ثاقلا»

وفيه «حسبت» بمعنى «ظننت» «التقى»: مفعول به أول. «خير»: مفعوله الثاني. وتأتي «حسب» بمعنى «ظن» في قوله تعالى: {أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ} وكقوله تعالى: {يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ} وكقوله تعالى: {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظًا وَهُمْ رُقُودٌ} وكقول الشاعر:

«لا تحسبنّ الموت موت البلى ***وإنّما الموت سؤال الرّجال»

حيث وردت «تحسبنّ» بمعنى: «تظنّنّ» فنصبت مفعولين الأول الموت والثاني «موت» وكقول الشاعر:

«وكنّا حسبنا كلّ بيضاء شحمة***عشيّة لاقينا جذام وحميرا»

وتأتي «خال» بمعنى «ظن» ومضارعها «إخال» بكسر الهمزة في أوله وهذا مخالف للقياس، ولكنّه متّبع لكثرة السّماع، كقول الشاعر:

«إخالك إن لم تغضض الطّرف ذا هوى ***يسومك ما لا يستطاع من الوجد»

حيث ورد الفعل «إخالك» بلفظ المضارع ففاعل ضمير مستتر تقديره: أنا «والكاف»: مفعول به أول «ذا»: مفعول به ثان منصوب بالألف لأنه من الأسماء السّتّة، ووردت «خال» بلفظ الماضي في قول الشاعر:

«إذا القوم قالوا: من فتى؟ خلت أنّني ***عنيت فلم أكسل ولم أتبلّد”

وبنو أسد تفتح همزة المضارع؛ والمصدر من «خال» هو «خيلا» «مخيلة». ومن أمثالهم: «من يسمع يخل». وتأتي «خال» بمعنى «علم»، كقول الشاعر:

«دعاني الغواني عمّهنّ وخلتني ***لي اسم فلا أدعى به وهو أوّل»

حيث ورد الفعل «خال» بمعنى «علم» وهذا قليل. ونصب الفعل «خال» مفعولين الأول هو «الياء» والثاني هو الجملة الاسمية «لي اسم» وتأتي «زعم» بمعنى «ظنّ» فتنصب مفعولين أصلهما مبتدأ وخبر، كقول الشاعر:

«زعمتني شيخا ولست بشيخ ***إنّما الشيخ من يدبّ دبيبا»

وفي الغالب يتعدّى الفعل «زعم» إلى «أنّ» ومعموليها، كقوله تعالى: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا} وفيها «زعم» تعدّى إلى «أن» المخففة من «أنّ» فاسمها ضمير الشأن محذوف وخبرها جملة «لن يبعثوا» و «أن» وما دخلت عليه سدّت مسدّ مفعولي «زعم»، وكقول الشاعر:

«وقد زعمت أنّي تغيّرت بعدها***ومن ذا الذي يا عز لا يتغيّر»

حيث ورد الفعل «زعمت» بمعنى «ظنّت» ودخل على «أنّ» وما بعدها إذ سدّ مسدّ مفعولي «زعم»، وكقول الشاعر:

«فذق هجرها قد كنت تزعم أنّه ***رشاد ألا يا ربّما كذب الزّعم»

وقد تأتي «زعم» بمعنى «اعتقد»، كقوله تعالى: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا} والتقدير: اعتقدوا أنهم لن يبعثوا.

وقد تكون «زعم» بمعنى اليقين، ولكن هذا قليل. من ذلك قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو يخاطب الرّسول صلّى الله عليه وسلّم:

«ودعوتني وزعمت أنّك ناصح ***ولقد صدقت وكنت ثمّ أمينا»

وقد تدل «زعم» على الرّجحان، أو على الشّك وهذا هو الغالب، وقد تفيد «زعم» المعنى الكاذب، مثل: «زعم زيد أن الصدق مضرّ» والتقدير: كذب زيد في قوله... والحقيقة أن القرينة هي التي تدل على المعنى المناسب وقد يكون الفعل «زعم» بمعنى «كفل»، أو «رأس»، أي: شرف وساد، فينصب مفعولا واحدا، أو يتعدّى إلى مفعول واحد بواسطة حرف الجرّ، مثل: «زعم سمير القضيّة» أي: كفل سمير... ومثل: «زعم زيد على رفاقه» أي: ساد.

وقد يكون بمعنى «سمن» أو «هزل»، مثل: «زعم زيد حتى صار كالفيل» أي: سمن. ومثل: «زعم زيد حتى صار كالغزال» أي: هزل فلم ينصب مفعولا به، وتأتي «عدّ» بمعنى «ظنّ»، كقول الشاعر:

«فلا تعدد المولى شريكك في الغنى ***ولكنّما المولى شريكك في العدم»

وقد يكون «عدّ» بمعنى «أحصى» العدد فتنصب مفعولا به واحدا، مثل: «عددت الكتب»، أي: أحصيت عددهم.

وتأتي «حجا» بمعنى «ظنّ» فتنصب مفعولين، مثل: «حجا الطفل الكرة الأرضيّة طابة» أي: ظنّها طابة. «الكرة» المفعول الأول. «طابة» الثاني. وكقول الشاعر:

«قد كنت أحجو أبا عمرو أخا ثقة***حتّى ألمّت بنا يوما ملمّات “

وقد يكون معناها «غلب» أي: غلب في إقامة الحجّة وإظهار البراعة وحدّة الذّكاء في تقديمها، مثل: «زعم سمير أنّ زيدا غائب فحجّيته وأعلمته أنّه حاضر».

وتأتي «حجا» بمعنى «قصد»، مثل: «حجوت زيدا» أي: قصدته، وتأتي أيضا بمعنى «منع»، مثل: «حجوت الطّفل أن يغرق» أي: منعته وتأتي أيضا بمعنى «ردّ»، مثل: «حجوت قول زيد الكاذب وقبلت قوله الصّادق» أي: رددت قول زيد الكاذب. وتأتي «حجا» بمعنى «كتم»، مثل: «حجوت السّرّ» أي: كتمته وبمعنى «ساق»، مثل: «حاجت الرّيح الأوراق المبعثرة» أي: ساقتها. وفي كل هذه المعاني تنصب «حجا» مفعولا واحدا ما عدا حين يكون معناها «ظن» فإنها تنصب مفعولين. وقد تكون لازمة فلا تنصب مفعولا به، وتفيد معنى «أقام»، مثل: «سأزور أخي إذا حجا».

وتأتي «هب» بمعنى «ظنّ» إذا لزمت لفظ الأمر، كقول الشاعر:

«فقلت أجرني أبا خالد***وإلّا فهبني امرءا هالكا»

حيث أتى الفعل «هبني» بلفظ الأمر فنصب مفعولين الأول هو «الياء» والثاني هو «امرءا».

وتأتي «هب» أمرا من الفعل «وهب» أي: فعلا متصرّفا فتنصب مفعولا به واحدا، مثل: «هب المال للمحتاج» أي: امنح؛ وتأتي أمرا من الهيبة، مثل: «هب ربّ العباد في عملك» أي: خف ربّ... وقد تنصب مفعولين بنفسها في أمثلة يجوز محاكاتها، مثل: «انطلق معي أهبك نبلا» أي: أمنحك نبلا. ومن النحاة من يعديها بواسطة حرف الجر فيقول: «وهبت لك ساعة» فعدي الفعل «وهب» بواسطة حرف الجر ويجوز القول: «وهبتك ساعة».

شروط عمل ظن وأخواتها: تنصب «ظن» وأخواتها المبتدأ والخبر مفعولين بخمسة شروط، تشترك بواحد منها مع النواسخ الأخرى، وتنفرد عنها بأربعة شروط.

تشترك «ظنّ» وأخواتها مع باقي النواسخ بأمر واحد هو تنوّع مفعولها الثاني وذلك لأنه خبر في الأصل، والمفعول الثاني كالخبر، قد يكون مفردا، أي: غير جملة ولا شبه جملة، مثل: «علمت الكذب مرضا عضالا». المفعول للأول «الكذب» والمفعول الثاني «مرضا» وهو من قبيل المفرد ويكون المفعول الثاني جملة اسميّة، كقول الشاعر:

«حذار حذار من جشع فإني ***رأيت الناس أجشعها اللّئام»

فالجملة الاسميّة «أجشعها اللئام» مفعول ثان لفعل «رأيت» وكقول الشاعر:

«فهبك عدوي لا صديقي فربّما***رأيت الأعادي يرحمون الأعاديا»

فالمفعول الأول هو «الاعادي» والمفعول الثاني هو جملة «يرحمون الأعاديا» المؤلفة من الفعل والفاعل والمفعول به هي جملة مضارعية وهي المفعول الثاني «لرأيت».

كما يكون أيضا جملة ماضوية، كقول الشاعر:

«وإنّي رأيت النّاس زادت محبّة***إلى النّاس أن لست عليهم بسرمد»

حيث أتى المفعول الثاني هو جملة «زادت محبّة» الماضويّة. وقد يكون شبه جملة مثل:

«رأيت عظمة الخالق في مخلوقاته» فالجار والمجرور مفعوله الثاني ومثل:

«إني إذا خفي الرّجال وجدتني ***كالشّمس لا تخفى بكل مكان»

حيث أتى المفعول الثاني شبه جملة «كالشمس» والمفعول الأول هو «الياء».

ومما تنفرد به «ظنّ» وأخواتها عن النّواسخ أربعة أشياء وتكمن في:

أولا: إعمالها كلّها أي: دخولها على المبتدأ والخبر ونصبهما مفعولين، ولا فرق بين أن يكون الفعل متصرفا، مثل: «علم» و «رأى»، أم غير متصرّف مثل: «هب»، «تعلّم»، كقول الشاعر:

«بأيّ كتاب أم بأيّة سنّة***ترى حبّهم عارا عليّ وتحسب»

حيث أتى المفعول الأول لفعل «ترى» هو كلمة «حبّهم». والثاني هو «عارا» ومثل:

«أراهم رفقتي حتى إذا ما***تجافى اللّيل وانخزل انخزالا»

حيث أتى الفعل «أراهم» وقد نصب مفعولين: الأول: الضمير «هم» والثاني الاسم «رفقتي».

ثانيا: تعليق عملها، أي: ابطاله لفظا لا محلّا، وذلك: إذا فصل بينها وبين مفعوليها فاصل مما له حقّ الصّدارة، وهذا الفاصل قد يكون «لام» الابتداء ففي مثل قولك: «علمت العلم نافعا»، تقول: «علمت للعلم نافع» «العلم»: مبتدأ. خبره، «نافع»، والجملة الاسميّة سدّت مسدّ مفعولي «علمت» وقد علّق عمل «علمت» فلم تنصب المفعولين مباشرة لأنه فصل بينها وبينهما فاصل هو «لام» الابتداء.

وقد يكون الفاصل أداة استفهام، كالهمزة في قوله تعالى: {وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ} فقد فصلت همزة الاستفهام بين «أدري» ومفعوليها فعلّق عملها.

وقد يكون الفاصل كلمة «أي» التي هي عمدة في الجملة، كقوله تعالى: {لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى} وفيها علق عمل «نعلم» لأنه فصل بينها وبين معموليها «أيّ» وتعرب مبتدأ، وخبره «أحصى».

وقد يكون الفاصل كلمة «أي» التي هي فضلة، كقوله تعالى: {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} «أيّ»: مفعول مطلق منصوب. وقد يكون الفاصل «لام» القسم، كقول الشاعر:

«ولقد علمت لتأتينّ منيّتي ***إنّ المنايا لا تطيش سهامها»

حيث دخلت «لام» القسم بين الفعل «علمت» ومفعوليها، فلم تنصبهما والجملة «لتأتين منيتي» التي هي جواب القسم سدّت مسدّ مفعولي «علمت» وقد يكون الفاصل إحدى أدوات النفي: «ما، لا، إن» فقط كقوله تعالى: {لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ} حيث فصل بين علمت ومفعوليها «ما» النافية. ومثل: «علمت إن زيد قائم» حيث دخلت «إن» على الناسخ «علمت» فعلّق عن العمل. ومثل: «ألفيت لا الكسلان محبوب ولا الكذّاب» دخلت «لا» على معمولي «علمت» ففصلت بينهما وكفت الناسخ عن العمل.

ويصح في التّوابع مراعاة الظّاهر، أي: اللفظ، أو مراعاة المحل، كقول الشاعر: «وما كنت أدري قبل عزّة ما البكا***ولا موجعات القلب حتّى تولّت»

«موجعات» مفعول به منصوب بالكسرة عوضا عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم، وهو معطوف بالواو على محل الجملة الاسميّة «ما البكا» من الإعراب. ومثل: «علمت للمحبّة خير والبغضاء شرا» فقد عطفت كلمة «البغضاء» على محل جملة «للمحبة خير» التي تقع مفعولا به، ويجوز أن تكون «البغضاء» بالرّفع بالعطف على «المحبة» فترفع مثلها. وقد علّق عمل الناسخ لدخول لام الابتداء بعده. لا يقع التعليق في الأفعال القلبيّة الجامدة مثل: «تعلّم، هب»، ولا في «رأى الحلمية».

ملاحظة: إن التّعليق بالاستفهام لا يقتصر على الفعل القلبي الذي ينصب مفعولين إنّما يتعدّاه الى الفعل القلبي الذي ينصب مفعولا واحدا، مثل: «نسى» و «عرف» مثل:

«ومن أنتمو إنا نسينا من أنتمو***وريحكمو! من أيّ ريح الأعاصير»

ويتعدّاه أيضا الى الفعل القلبيّ اللّازم، مثل: «تفكر»، كقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ} فالتعليق هنا عن الجار والمجرور لأنه بمنزلة المفعول به. ويتعدّاه الى الفعل غير القلبيّ، أي الى أفعال لا حصر لها، كقوله تعالى: {فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ} وكقوله تعالى: {يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ} وكقوله تعالى: {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ}.

ثالثا: إلغاء عملها، أي: تعليق العمل لفظا ومحلّا تعليقا جائزا لا واجبا، ولا يصح أن يمتنع العمل عن معمول واحد دون الآخر.

ويمتنع العمل إذا توسّط النّاسخ بين المفعولين بغير فاصل آخر بعده، ويكون للناسخ ثلاث حالات: الأولى: أن يتقدّم عنهما، فيعمل مطلقا أي: ينصب المبتدأ والخبر مفعولين به مثل: «ظننت زيدا مسافرا»، وكقول الشاعر:

«أرجو وآمل أن تدنو مودّتها***وما إخال لدينا منك تنويل»

ففي هذا البيت احتمالات ثلاثة: تقتضي الأولى بإعمال الناسخ «إخال» على تقدير: إخاله لدينا منك تنويل. «فالهاء» ضمير الشأن هو المفعول الأول والجملة الاسميّة «لدينا منك تنويل» هي المفعول الثاني، وتقتضي الثانية بتعليق العمل بتقدير: لام مقدّرة بعده أي: وما إخال للدينا... وتقتضي الثالثة إلغاء عمل الناسخ لتوسّطه بين «ما» النافية والمنفيّ بها.

الثانية: الإلغاء لتوسّطه بين مفعوليه، أو الإعمال، مثل: «زيد ظننت مسافر» حيث ألغى عمل «ظننت» لتوسطه بين مفعوليه، ونعرب «زيد»: مبتدأ. «مسافر»: خبره؛ ومثل:

«أبالأراجيز يا بن اللّؤم توعدني ***وفي الأراجيز خلت اللّؤم والخور»

وفي هذا البيت ألغي عمل «خلت» لتوسطه بين مفعوليه والأصل: خلت اللّؤم والخور في الأراجيز. «اللؤم»: مفعول به أول: والجار والمجرور مفعوله الثاني. ومثل:

«شجاك أظنّ ربع الظّاعنين ***ولم تعبأ بعذل العاذلينا”

حيث ألغي عمل الناسخ «أظن» لتوسطه بين المفعولين، الأول منهما «ربع» والثاني هو جملة «شجاك».

الثالثة: جواز الإلغاء والإعمال أيضا إذا تأخّر الناسخ عن مفعوليه، مثل: «زيد مسافر ظننت»، أو «زيدا مسافرا ظننت»، وكقول الشاعر:

«هما سيّدانا يزعمان وإنّما***يسوداننا إن أيسرت غنماهما»

حيث ألغي عمل «يزعمان» لتأخره عن مفعوليه، لذلك عادا الى أصلهما ونعرب هما: ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ. «سيدانا» خبره. ولو أعمل الناسخ لقلنا: «يزعمانهما سيّدينا». وكقول الشاعر:

«آت الموت تعلمون فلا ير***هبكم من لظى الحروب اضطرام»

حيث ألغي عمل «تعلمون» لتأخره عن مفعوليه وعادا لأصلهما. ونعرب «آت»: خبر مقدم.

«الموت»: مبتدأ مؤخر.

والتعليق والإلغاء يشتركان في أمور عدّة ويختلفان في أمور أخرى منها:

1 ـ أن التّعليق واجب عند وجود السّبب، أمّا الإلغاء فجائز.

2 ـ تعليق العمل يجري على كلا المفعولين، أو على أحدهما، أما الإلغاء فيجري عليهما معا.

3 ـ يجري التعليق على اللّفظ الظّاهري دون المحلّ، أي: يبقى مفعولا به في المحلّ، والإلغاء لا يكون كذلك، بل يجري على اللّفظ والمحلّ معا.

4 ـ يجوز في توابع التّعليق مراعاة اللّفظ، أو مراعاة الظّاهر فقط.

5 ـ إن التّعليق لا بدّ فيه من تقدّم النّاسخ ووجود فاصل له حق الصّدارة بينه وبين مفعوليه.

أمّا الإلغاء فلا بدّ من توسّط النّاسخ أو تأخّره عن مفعوليه دون حاجة الى فاصل.

رابعا: الاستغناء عن المفعولين إذا دلّت عليهما قرينة، أو الاستغناء عنهما بمصدر مؤوّل، كقوله تعالى: {أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} وفيه حذف المفعولان، وتقدير هما: تزعمونهم شركائي. وكقول الشاعر:

«بأيّ كتاب أم بأيّة سنة***ترى حبّهم عارا عليّ وتحسب»

حيث حذف مفعولا الناسخ «تحسب» لأنه دلّت عليهما قرينة. والتقدير: وتحسب حبّهم عارا عليّ. ويجوز حذفهما بدون قرينة تدلّ عليهما، كقوله تعالى: {وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} وكقوله تعالى: {أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى} حيث حذف مفعولا الناسخ في الآيتين على تقدير في الأولى: والله يعلم كرهكم للقتال ومصلحتكم في عاقبة أمركم وأنتم لا تعلمون مصلحتكم وعاقبة أمركم، وفي الثانية: أيرى علم الغيب عنده، وكقوله تعالى: {وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ} وفيها حذف المفعولان، والتقدير: وظننتم هلاك النبيّ وهلاك المؤمنين، وهذا من ظن السّوء.

ويمتنع حذف أحد المفعولين إلا في الضرورة الشعريّة، كقول الشاعر:

«ولقد نزلت فلا تظنّي غيره ***مني بمنزلة المحبّ المكرم “

حيث حذف المفعول الثاني وحده للضرورة الشعريّة، والتقدير: تظنّي غيره قائما. ومثل: «علمنا أنّ الصّمت أبلغ من الكلام» أي: علمنا بلاغة الصمت، فالمصدر المؤوّل المثبت، سدّ مسدّ مفعولي «علم» وقد يكون المصدر بعد تأويله منفيا على اعتبار المعنى قبل التأويل منفيّا، كقول الشاعر:

«الله يعلم أنّي لم أقل كذبا***والحقّ عند جميع النّاس مقبول»

والتقدير: والله يعلم عدم كذب قولي، ومثال المصدر المثبت قول الشاعر:

«تودّ عدوي ثم تزعم أنّني ***صديقك إنّ الرأي عنك لعازب»

والتقدير: تزعم صداقتي، وكقول الشاعر:

«إذا القوم قالوا: من فتى؟ خلت أنني ***عنيت فلم أكسل ولم أتبلّد»

والتقدير: خلت دعوتي.

خامسا: وقوع فاعل النواسخ وضميرها الأول ضميرين متصلين متّحدين في المعنى مختلفين في النوع أي: أن يكون صاحب الفاعل هو نفسه صاحب المفعول لكن الأول ضمير رفع والثاني ضمير نصب، مثل: «علمتني مكبّا في تحصيل العلم»، حيث أن «التاء» في «علمتني» هي الفاعل، «والياء»، مفعول به، وهما راجعان الى صاحب واحد هو المتكلم، ومثل: «علمتك زاهدا في الدنيا». حيث أن «التاء» في «علمتك» هي الفاعل. «والكاف» مفعول به وهما يرجعان الى المخاطب نفسه، وكقول الشاعر:

«دعاني الغواني عمّهنّ وخلتني ***لي اسم فلا أدعى به وهو أوّل»

وفيه «التاء» فاعل «خلتني» «والياء» مفعوله وهما يعودان الى المتكلم نفسه؛ وهذا الحكم مما تشترك به أفعال أخرى، مثل: «رأى» الحلميّة والبصريّة و «وجد» بمعنى «لقي»، و «فقد» و «عدم»، مثل: «ذهبت الى المدرسة لأوّل مرّة فرأيتني وحيدا»؛ «رأى»: بمعنى أبصر فاعله «التاء» ومفعوله «الياء» وهما نفس المتكلم، ومثل: «نمت فرأيتني أسبح في بحر من الفضّة» «رأى» الحلميّة، وفي «رأيتني» «التاء» «والياء» يعودان الى المتكلم نفسه. ومثل: «وجدتني أخوض في المشكلات» ومثل: «فقدتني إن ندمت على الصّدق» أي: فقدت نفسي، ومثل: «عدمتني إن غيّرت ثقتي بالأصدقاء» أي: عدمت نفسي.

ويمتنع اتّحاد الفاعل والمفعول به في النواسخ وفي غيرها من الأفعال إذا كان الفاعل ضميرا متصلا مفسّرا بالمفعول به، فلا يصح القول: «سميرا ظنّ نائما»، ولا: «عليا نظر» بمعنى: سميرا ظنّ نفسه، «وعليا ظن نفسه»، لأن مرجع الضمير هو المفعول به، أما إن كان الضمير منفصلا صحّ ذلك، فتقول: «ما ظنّ سميرا نائما إلّا هو»، «وما نظر عليا إلا هو».

ملاحظات:

1 ـ لا يقع التّعليق في الأفعال الجامدة مثل: «تعلّم»، و «هب»، ولا في «رأى» الحلميّة، ولا في أفعال التحويل، مثل: «صيّر»، «ردّ»، «ترك»، «اتّخذ» «تخذ»، «جعل»، «وهب»، وذلك لأن ألفاظ التعليق لا تقع بعد الأفعال الجامدة، ولا بعد أفعال التحويل، ربّما كان السّبب أن هذه الألفاظ لا تقوى على منعها من العمل الظّاهري فكأنّها غير موجودة.

2 ـ إذا كان النّاسخ مؤكّدا بمصدر من لفظه، فلا يجوز الإلغاء، لأن التوكيد يدلّ على الاهتمام

بالعامل، بينما يفيد الإلغاء عدم الاهتمام به فيقع التّعارض، وكذلك إذا أكد الناسخ بضمير يعود الى المصدر المفهوم بقرينة تدلّ عليه، أو باسم إشارة يعود عليه، فلا يصح القول: «الكتاب ظننت ظنا مفيدا» ولا القول: «الباخرة ظننته قصرا» فالهاء ضمير يعود على المصدر والتقدير: ظننت الظنّ؛ ولا القول: «الباخرة زعمت ذاك قصرا» حيث أكد الناسخ باسم الإشارة «ذاك» الذي يعود على المصدر.

3 ـ يمتنع في النّاسخ «تعلّم» أن يكون فاعله ومفعوله ضميرين صاحبهما واحد، ويمتنع ذلك أيضا في الأفعال التي ليست من أفعال القلوب، فلا تقول: «تعلّمتني»، ولا تقول: «ضربتني» بل تقول: «ضربت نفسي».

4 ـ قد يكون المصدر المؤوّل من «أنّ» ومعموليها، مجرورا بباء زائدة ومحله النّصب سادا مسدّ مفعولي النّاسخ، كقول الشاعر:

«زعم الهمام بأنّ فاها بارد***عذب إذا قبّلته قلت ازدد»

وفيه «الباء» حرف جر زائد. و «أنّ» مع معموليها في تأويل مصدر منصوب محلّا على أنه قد سدّ مسدّ مفعولي «زعم» والتقدير: زعم الهمام عذب القبلة. ومثل:

«زعم الغراب بأن رحلتنا غدا***وبذاك تنعاب الغراب الأسود»

فالمصدر المؤوّل من «أنّ رحلتنا غدا» مجرور بالباء الزّائدة ومحله النصب لأنّه سدّ مسدّ مفعولي زعم. والتقدير: زعم الرحلة غدا.

القول بمعنى الظّنّ: قد يأتي القول بمعنى «الظن» أي: الرّجحان، فيصير هو والظن سواء، إلا في اختلاف الحروف الهجائية، فيدخل على المبتدأ والخبر، وينصبهما مفعولين، وتجري عليه أحكام «ظنّ» وأخواتها من التعليق والإلغاء، وحذف المفعولين، أو أحدهما. ويشترط في إجراء القول مجرى الظن شروط عدّة منها:

1 ـ أن يكون «القول» فعلا مضارعا للمخاطب المفرد والمثنّى والجمع المذكّر والمؤنّث.

2 ـ أن يكون مسبوقا بأداة استفهام سواء أكانت الأداة حرفا كقول الشاعر:

«علام تقول الرمح يثقل عاتقي ***إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرّت»

وفيه ورد فعل القول بلفظ المضارع وتقدمه حرف الاستفهام «م» وكان أصله «ما» حذفت ألفه لأنه سبقه حرف الجر «على» فالقول هنا بمعنى «ظنّ»، أو كانت الأداة اسم استفهام، كقول الشاعر:

«متى تقول القلوص الرّواسما***يدنين أمّ قاسم وقاسما»

وفيه تقول بمعنى «تظنّ» وهو بلفظ المضارع وموجّه للمخاطب وتقدمه اسم استفهام هو «متى».

ويجب ألّا يفصل بين الاستفهام والقول فاصل، لكن يجوز أن يفصل بينهما إما الظرف، مثل:

«أبعد بعد تقول الدار جامعة***شملي بهم، أم تقول البعد محتوما»

حيث فصل بين القول بمعنى الظن وهمزة الاستفهام الظرف «بعد».

أو الجار والمجرور مثل: «أفي أعماق البحار تقول صدفة اللؤلؤ قابعة» حيث فصل بينهما الجار والمجرور «في أعماق» أو معمول القول، كقول الشاعر:

«أجهّالا تقول بني لؤيّ ***لعمر أبيك أم متجاهلينا»

وفيه فصل بين همزة الاستفهام والقول الذي بمعنى الظن معمول القول «أجهالا» والتقدير: أتقول بني لؤيّ جهّالا. أو يكون الفاصل معمول القول إذ لا مانع من الفصل بأكثر من معمول واحد، مثل: «أللحياة تقول العدل مؤمّنا».

فقد فصل بين همزة الاستفهام والقول الذي بمعنى الظن بمعمول معموله والتقدير: أتقول العدل مؤمنا للحياة.

3 ـ أن لا يتعدى بحرف الجر اللّام، لأنه إذا عدّي بلام الجر فلا يكون بمعنى الظن، وإذا اختلّ شرط من هذه الشروط الثلاثة فلا يكون القول بمعنى الظنّ، بل يكون بمعنى النّطق، والجملة بعده في محل نصب مفعول به، وإذا استوفت شروط القول بمعنى الظن تفتح همزة «إنّ» بعده، ومنهم من يجري القول مجرى الظن لمجرّد اقتنائه هذا المعنى، مثل قول الشاعر:

«إذا قلت أني آيب أهل بلدة***وضعت بها عنه الوليّة بالهجر»

ومثل:

«قالت وكنت رجلا فطينا***هذا لعمر الله إسرائينا»

ملاحظة: قد يحذف النّاسخ مع مرفوعه لغرض بلاغيّ مثل: ما ذا تظن؟ فالجواب: المعلم منتظرا في المدرسة. والتقدير: أظنّ المعلم منتظرا.

المعجم المفصل في النحو العربي-عزيزة فوّال بابستي-صدر: 1413هـ/1992م


13-المعجم المفصّل في الإعراب (بلى)

بلى ـ

حرف جواب يأتي بعد النّفي فيجعله إثباتا، نحو قوله تعالى: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَ} («بلى»: حرف جواب مبنيّ على السكون لا محلّ له من الإعراب).

والفرق بين «بلى» و «نعم»، أنّ «بلى» لا تأتي إلّا بعد النّفي، بينما «نعم» تأتي بعد النّفي والإثبات.

المعجم المفصّل في الإعراب-طاهر يوسف الخطيب-صدر: 1412هـ/1991م


14-المعجم المفصّل في الإعراب (زعم)

زعم ـ

تأتي بعدّة وجوه:

1 ـ فعلا من أفعال القلوب بمعنى: ظنّ ظنا فاسدا أو راجحا، ينصب مفعولين أصلهما مبتدأ وخبر، نحو: «زعمت خالدا مخلصا» («زعمت»: فعل ماض مبنيّ على السكون لاتّصاله بضمير رفع متحرّك. والتاء ضمير متّصل مبنيّ على الضمّ في محلّ رفع فاعل. «خالدا»: مفعول به أوّل منصوب بالفتحة الظاهرة. «مخلصا»: مفعول به ثان منصوب بالفتحة الظاهرة) ونحو قول أبي أميّة الحنفي:

«زعمتني شيخا ولست بشيخ ***إنّما الشيخ من يدبّ دبيبا»

(«فالياء» في «زعمتني» مفعول به أوّل، و «شيخا» مفعول به ثان).

ونحو قوله تعالى: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا}. (فالمصدر المؤوّل من «أن لن يبعثوا» في محلّ نصب مفعول به سدّ مسدّ مفعولي «زعم»).

2 ـ فعلا تامّا بمعنى: «تزعّم وترأّس»، ينصب مفعولا به واحدا، نحو: «زعم خالد قومه» أي تزعّم عليهم ورأسهم.

3 ـ فعلا تامّا بمعنى: «كفل»، أي كفيل به ولا يتعدّى إلّا بواسطة حرف الجرّ، نحو: «زعم خالد باليتيم» أي ضمنه وكفل به.

4 ـ فعلا تاما بمعنى: «حلا أو طاب» ويكون لازما، نحو: «زعم التيّن». أو بمعنى: «طمع» فيتعدّى بواسطة حرف الجرّ، نحو: «زعم خالد في مال عمّه».

المعجم المفصّل في الإعراب-طاهر يوسف الخطيب-صدر: 1412هـ/1991م


15-معجم القواعد العربية (بلى)

بلى:

حرف جواب، وتختصّ بالنّفي وتفيد إبطاله، سواء أكان مجرّدا نحو: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَ}. أم مقرونا بالاستفهام ـ حقيقيّا كان نحو «أليس عليّ بآت» ـ أو توبيخا نحو قوله تعالى: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى} ـ أو تقريريّا نحو قوله تعالى: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا:

بَلى}. والفرق بين «بلى» و «نعم»: أنّ «بلى» لا تأتي إلّا بعد نفي وأن «نعم» تأتي بعد النّفي والإثبات.

فإذا قيل «ما قام زيد» فتصديقه نعم، وتكذيبه: بلى.

معجم القواعد العربية في النحو والتصريف وذُيّل بالإملاء-عبدالغني الدقر-صدر: 1404ه‍/1984م


16-معجم القواعد العربية (زعم)

زعم:

(1) فعل ماض ينصب مفعولين، ومن أفعال القلوب، وتفيد في الخبر رجحانا، بشرط ألّا تكون لكفالة كما سيأتي، ولا لرئاسة فتتعدى لواحد، ولا سمن ولا هزال، يقال: زعمت الشاة: سمنت أو هزلت، فلا تتعدى. وبمعنى الظن قول أبي أميّة الحنفي:

«زعمتني شيخا ولست بشيخ *** إنّما الشيخ من يدب دبيبا»

والأكثر في «زعم» وقوعها على «أن» أو «أنّ» وصلتهما نحو: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا}.

وقول كثيرّ:

«وقد زعمت أني تغيّرت بعدها *** ومن ذا الّذي يا عزّ لا يتغيّر»

وتشترك مع «أخواتها» بأحكام.

(انظر المتعدي إلى مفعولين).

(2) تأتي «زعم» بمعنى كفل، ومنه قوله تعالى: {وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} أي كفيل به، ولا تتعدّى هذه إلّا بحرف الجر، تقول: «زعم الأخ بأخيه» أي كفل به.

معجم القواعد العربية في النحو والتصريف وذُيّل بالإملاء-عبدالغني الدقر-صدر: 1404ه‍/1984م


17-موسوعة الفقه الكويتية (أكل 1)

أَكْلٌ -1

حُكْمُ الطَّعَامِ الْمَأْكُولِ ذَاتُهُ:

1- إِنَّ بَيَانَ مَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ مِنَ الْأَطْعِمَةِ وَمَعْرِفَتَهُمَا مِنْ مُهِمَّاتِ الدِّينِ.فَقَدْ وَرَدَ الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ عَلَى أَكْلِ الْحَرَامِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم-: « كُلُّ لَحْمٍ نَبَتَ مِنْ حَرَامٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ ».

وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ أَشْيَاءَ كَمَا فِي قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ}.وَنَحْوِهَا مِنَ الْآيَاتِ.

وَحُرِّمَتْ أَشْيَاءُ بِالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ كَمَا فِي قَوْلِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم-: « كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ فَأَكْلُهُ حَرَامٌ »

وَسَكَتَ الشَّرْعُ عَنْ أَشْيَاءَ.وَيُرْجَعُ إِلَى إِيضَاحِ ذَلِكَ كُلِّهِ تَحْتَ عِنْوَانِ (أَطْعِمَة).

صِفَةُ الْأَكْلِ بِالنِّسْبَةِ لِلْآكِلِ:

2- إِنَّ الْأَكْلَ قَدْ يَكُونُ فَرْضًا، يُثَابُ الْإِنْسَانُ عَلَى فِعْلِهِ وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ لِلْغِذَاءِ بِقَدْرِ مَا يَدْفَعُ عَنْهُ الْهَلَاكَ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مَأْمُورٌ بِإِحْيَاءِ نَفْسِهِ وَعَدَمِ إِلْقَائِهَا إِلَى التَّهْلُكَةِ.

وَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا، وَذَلِكَ بِقَدْرِ مَا يَسْتَطِيعُ مَعَهُ أَدَاءُ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ عَلَيْهِ قَائِمًا، وَأَدَاءُ الصَّوْمِ الْوَاجِبِ، لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلاَّ بِهِ.

وَمِنْهُ مَنْدُوبٌ، وَهُوَ مَا يُعِينُهُ عَلَى تَحْصِيلِ رِزْقِهِ وَتَحْصِيلِ الْعِلْمِ وَتَعَلُّمِهِ وَتَحْصِيلِ النَّوَافِلِ.

وَقَدْ يَكُونُ الْأَكْلُ مُبَاحًا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ، وَذَلِكَ إِلَى حَدِّ الشِّبَعِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَهُ الِامْتِلَاءُ.

وَقَدْ يَكُونُ حَرَامًا، وَهُوَ مَا فَوْقَ الشِّبَعِ، وَكُلُّ طَعَامٍ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يُفْسِدُ مَعِدَتَهُ، لِأَنَّهُ إِسْرَافٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، لقوله تعالى: {وَلَا تُسْرِفُوا} إِلاَّ إِذَا كَانَتِ الزِّيَادَةُ عَلَى الشِّبَعِ لَا تَضُرُّهُ، وَقَصَدَ بِالْأَكْلِ الْقُوَّةَ عَلَى صَوْمِ الْغَدِ، أَوِ الزِّيَادَةَ فِي الطَّاعَاتِ، أَوْ لِئَلاَّ يَسْتَحْيِيَ الْحَاضِرُ مَعَهُ بَعْدَ إِتْمَامِ طَعَامِهِ.وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم-: « مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أَكَلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ ».

وَمِنْ الْأَكْلِ مَا هُوَ مَكْرُوهٌ، وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى الشِّبَعِ قَلِيلًا، فَإِنَّهُ يَتَضَرَّرُ بِهِ، وَقَدْ قَالَ الْبَعْضُ: إِنَّ الْآكِلَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقْصِدَ بِهِ التَّلَذُّذَ وَالتَّنَعُّمَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَمَّ الْكَافِرِينَ بِأَكْلِهِمْ لِلتَّمَتُّعِ وَالتَّنَعُّمِ وَقَالَ: {وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ}.وَقَالَ النَّبِيُّ- عليه الصلاة والسلام- « الْمُسْلِمُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ ».

هَذَا، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ الْأَكْلُ بِقَصْدِ التَّمَتُّعِ وَالتَّلَذُّذِ بِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْنَا بِهِ، لِقَصْدِ التَّقَوِّي عَلَى أَعْمَالِ الْخَيْرِ لقوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} وَأَمَّا الْآيَةُ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا هَذَا الْقَائِلُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْعِي عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ يَتَمَتَّعُونَ بِالْأَطْعِمَةِ الَّتِي رَزَقَهُمُ اللَّهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُفَكِّرُوا فِي الْمُنْعِمِ، وَأَنْ يَشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ.

وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى مَا احْتَجُّوا عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا فِيهِ النَّعْيُ عَلَى مَنْ أَكْثَرَ مِنَ الطَّعَامِ.

حُكْمُ الْأَكْلِ مِنَ الْأُضْحِيَّةِ وَالْعَقِيقَةِ:

3- يَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُضَحِّي أَنْ يَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ، لقوله تعالى: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا} وَهَذَا وَإِنْ كَانَ وَارِدًا فِي الْهَدْيِ إِلاَّ أَنَّ الْهَدْيَ وَالْأُضْحِيَّةَ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ.وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم-: « إِذَا ضَحَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ وَيُطْعِمْ مِنْهَا غَيْرَهُ » وَلِأَنَّهُ ضَيْفُ اللَّهِ عَزَّ شَأْنُهُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ ضِيَافَةِ اللَّهِ تَعَالَى.

وَيَتَّفِقُونَ كَذَلِكَ عَلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يُطْعِمَ غَيْرَهُ مِنْهَا.

وَهَذَا الِاتِّفَاقُ فِي الْأُضْحِيَّةِ الَّتِي لَمْ تَجِبْ.أَمَّا إِذَا وَجَبَتِ الْأُضْحِيَّةُ فَفِي حُكْمِ الْأَكْلِ مِنْهَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءِ.

وَوُجُوبُهَا يَكُونُ بِالنَّذْرِ أَوْ بِالتَّعْيِينِ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ حَيْثُ الْأَصْلُ بِشَرْطِ الْغِنَى، وَلَوِ اشْتَرَاهَا الْفَقِيرُ مِنْ أَجْلِ التَّضْحِيَةِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ.

فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ- أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا وَيُطْعِمَ غَيْرَهُ، لِأَنَّ النَّذْرَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْهُودِ، وَالْمَعْهُودُ مِنَ الْأُضْحِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ ذَبْحُهَا وَالْأَكْلُ مِنْهَا، وَالنَّذْرُ لَا يُغَيِّرُ مِنْ صِفَةِ الْمَنْذُورِ إِلاَّ الْإِيجَابَ.

وَعِنْدَ بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنَ الْأُضْحِيَّةِ الْمَنْذُورَةِ، بِنَاءً عَلَى الْهَدْيِ الْمَنْذُورِ، وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَفِي قَوْلٍ آخَرَ لِلشَّافِعِيَّةِ: إِنْ وَجَبَتِ الْأُضْحِيَّةُ بِنَذْرٍ مُطْلَقٍ جَازَ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهَا.

وَالْحُكْمُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ- كَمَا فَصَّلَهُ ابْنُ عَابِدِينَ- أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْغَنِيِّ الْأَكْلُ مِنَ الْأُضْحِيَّةِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ، كَمَا يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِنَ الْأُضْحِيَّةِ الَّتِي نَذَرَهَا إِنْ قَصَدَ بِنَذْرِهِ الْإِخْبَارَ عَنِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ النَّذْرُ ابْتِدَاءً فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهَا.وَبِالنِّسْبَةِ لِلْفَقِيرِ إِذَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِالشِّرَاءِ، فَفِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ: لَهُ الْأَكْلُ مِنْهَا، وَفِي الْقَوْلِ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهَا.

هَذَا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَابِدِينَ تَوْضِيحًا لِمَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنَ الْأُضْحِيَّةِ الْمَنْذُورَةِ دُونَ تَفْصِيلٍ.

غَيْرَ أَنَّ الْكَاسَانِيَّ ذَكَرَ فِي الْبَدَائِعِ أَنَّهُ يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ- أَيْ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ- الْأَكْلُ مِنَ الْأُضْحِيَّةِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ نَفْلًا أَمْ وَاجِبَةً، مَنْذُورَةً كَانَتْ أَوْ وَاجِبَةً ابْتِدَاءً.

4- وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ أُضْحِيَّةٌ فَمَضَتْ أَيَّامُ النَّحْرِ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَهَا، فَعِنْدَ الْجُمْهُورِ يَذْبَحُهَا قَضَاءً، وَيَصْنَعُ بِهَا مَا يَصْنَعُ بِالْمَذْبُوحِ فِي وَقْتِهِ، لِأَنَّ الذَّبْحَ أَحَدُ مَقْصُودَيِ الْأُضْحِيَّةِ فَلَا يَسْقُطُ بِفَوَاتِ وَقْتِهِ.وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا حَيَّةً، وَلَا يَأْكُلُ مِنْ لَحْمِهَا، لِأَنَّهُ انْتَقَلَ الْوَاجِبُ مِنْ إِرَاقَةِ الدَّمِ إِلَى التَّصَدُّقِ.

وَإِذَا وَلَدَتِ الْأُضْحِيَّةُ قَبْلَ التَّضْحِيَةِ، فَحُكْمُ وَلَدِهَا فِي الْأَكْلِ مِنْهُ حُكْمُ الْأُمِّ، وَهَذَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ.وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: لَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْهُ.

وَمَنْ أَوْجَبَ أُضْحِيَّةً ثُمَّ مَاتَ قَامَ وَرَثَتُهُ مَقَامَهُ، فَيَجُوزُ لَهُمُ الْأَكْلُ مِنْهَا وَإِطْعَامُ غَيْرِهِمْ.وَهَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: لَا يَجُوزُ لَهُمُ الْأَكْلُ مِنْهَا، بَلْ سَبِيلُهَا التَّصَدُّقُ.

5- وَالْعَقِيقَةُ (وَهِيَ مَا يُذْبَحُ عَنِ الْمَوْلُودِ) حُكْمُهَا فِي اسْتِحْبَابِ الْأَكْلِ مِنْهَا، وَإِطْعَامِ الْغَيْرِ مِنْهَا حُكْمُ الْأُضْحِيَّةِ، إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ لَا يَرَوْنَهَا وَاجِبَةً.

وَقَدْ وَرَدَ فِي مَرَاسِيلِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ « النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- قَالَ فِي الْعَقِيقَةِ الَّتِي عَقَّتْهَا، فَاطِمَةُ عَنِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ: أَنْ يَبْعَثُوا إِلَى الْقَابِلَةِ بِرِجْلٍ، وَكُلُوا وَأَطْعِمُوا وَلَا تَكْسِرُوا مِنْهَا عَظْمًا ».

حُكْمُ الْأَكْلِ مِنَ الْكَفَّارَاتِ وَالنُّذُورِ:

6- يَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ إِطْعَامٌ فِي كَفَّارَةِ يَمِينٍ أَوْ ظِهَارٍ أَوْ إِفْطَارٍ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ أَوْ فِدْيَةِ الْأَذَى فِي الْحَجِّ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ، لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ تَكْفِيرٌ لِلذَّنْبِ.هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْمُكَفِّرِ.

أَمَّا الْمُعْطَى- وَهُوَ الْمُسْتَحِقُّ- فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ لَا يَكْفِي إِبَاحَةُ الْإِطْعَامِ، وَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَمْلِيكِ الْمُسْتَحِقِّ، لِأَنَّ تَدَارُكَ الْجِنَايَةِ بِالْإِطْعَامِ أَشْبَهَ الْبَدَلَ، وَالْبَدَلِيَّةُ تَسْتَدْعِي تَمْلِيكَ الْبَدَلِ، وَلِأَنَّ الْمَنْقُولَ عَنِ الصَّحَابَةِ إِعْطَاؤُهُمْ، فَفِي قَوْلِ زَيْدٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ مُدًّا لِكُلِّ مِسْكِينٍ « وَقَالَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم- لِكَعْبٍ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى: أَطْعِمْ ثَلَاثَةَ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ » وَلِأَنَّهُ مَالٌ وَجَبَ لِلْفُقَرَاءِ شَرْعًا فَوَجَبَ تَمْلِيكُهُمْ إِيَّاهُ كَالزَّكَاةِ.وَعَلَى ذَلِكَ فَلَا يُجْزِئُ أَنْ يُغَدِّيَهُمْ وَيُعَشِّيَهُمْ، لِأَنَّ ذَلِكَ يُعْتَبَرُ إِبَاحَةً لَا تَمْلِيكًا.

وَالْأَصْلُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ هُوَ التَّمْلِيكُ، وَخَاصَّةً فِي كَفَّارَتَيِ الظِّهَارِ وَفِدْيَةِ الْأَذَى، لِقَوْلِ الْإِمَامِ مَالِكٍ: لَا أُحِبُّ الْغَدَاءَ وَالْعَشَاءَ لِلْمَسَاكِينِ، حَتَّى حَمَلَ أَبُو الْحَسَنِ كَلَامَ الْإِمَامِ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَحَمَلَهُ ابْنُ نَاجِي عَلَى التَّحْرِيمِ.

وَالْعِلَّةُ فِي التَّمْلِيكِ هُوَ خَشْيَةُ أَلاَّ يَبْلُغَ مَا يَأْكُلُهُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ مِقْدَارَ الْوَاجِبِ إِخْرَاجُهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: لَا أَظُنُّهُ (الْغَدَاءَ وَالْعَشَاءَ) يَبْلُغُ ذَلِكَ (الْمِقْدَارَ الْوَاجِبَ إِخْرَاجُهُ) وَمِنْ هُنَا قَالَ الدَّرْدِيرُ: فَلَوْ تَحَقَّقَ بُلُوغُهُ أَجْزَأَ.

وَفِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ يُجْزِئُ شِبَعُهُمْ مَرَّتَيْنِ.

وَإِجْزَاءُ الْإِطْعَامِ بِغَدَاءٍ وَعَشَاءٍ إِنْ بَلَغَ مِقْدَارَ الْوَاجِبِ لَهُمْ هُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، لِأَنَّهُ أَطْعَمَ الْمَسَاكِينَ، فَأَجْزَأَهُ كَمَا لَوْ مَلَّكَهُمْ.

وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ التَّمْلِيكَ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِجَوَازِ الْإِطْعَامِ بَلْ الشَّرْطُ هُوَ التَّمْكِينُ.وَإِنَّمَا يَجُوزُ التَّمْلِيكُ مِنْ حَيْثُ هُوَ تَمْكِينٌ، لَا مِنْ حَيْثُ هُوَ تَمْلِيكٌ، لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ بِلَفْظِ الْإِطْعَامِ {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} وَالْإِطْعَامُ فِي مُتَعَارَفِ اللُّغَةِ اسْمٌ لِلتَّمْكِينِ مِنَ الْمَطْعَمِ لَا التَّمْلِيكِ، وَإِنَّمَا يُطْعِمُونَ عَلَى سَبِيلِ الْإِبَاحَةِ دُونَ التَّمْلِيكِ.

وَفِي النَّذْرِ لَا يَجُوزُ لِلنَّاذِرِ الْأَكْلُ مِنْ نَذْرِهِ، لِأَنَّهُ صَدَقَةٌ، وَلَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنَ الصَّدَقَةِ، وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ، لِأَنَّ الْأُضْحِيَّةَ الْمَنْذُورَةَ فِيهَا خِلَافٌ عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ.وَكَذَلِكَ النَّذْرُ الْمُطْلَقُ الَّذِي لَمْ يُعَيَّنْ لِلْمَسَاكِينِ- لَا بِلَفْظٍ وَلَا بِنِيَّةٍ- يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْهُ، عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ.

وَبِالنِّسْبَةِ لِلْمَنْذُورِ لَهُ فَذَلِكَ يَكُونُ بِحَسَبِ كَيْفِيَّةِ النَّذْرِ، فَمَنْ نَذَرَ إِطْعَامَ الْمَسَاكِينِ أَطْعَمَهُمْ، وَمَنْ نَذَرَ عَلَى سَبِيلِ التَّمْلِيكِ مَلَّكَهُ لَهُمْ.وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي (كَفَّارَة) (وَنَذْر).

الْأَكْلُ مِنَ الْوَلِيمَةِ وَالْأَكْلُ مَعَ الضَّيْفِ:

7- مَنْ دُعِيَ إِلَى طَعَامِ الْوَلِيمَةِ- وَهِيَ طَعَامُ الْعُرْسِ- فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْأَكْلُ، وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ فِي الْجُمْلَةِ، لِخَبَرِ مُسْلِمٍ: « إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ.وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ » أَيْ فَلْيَدْعُ بِالْبَرَكَةِ.

وَوَقَعَ لِلنَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ تَصْحِيحُ وُجُوبِ الْأَكْلِ.وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ.

وَإِنْ كَانَ صَائِمًا تَطَوُّعًا، فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْأَكْلُ، وَإِفْطَارُهُ لِجَبْرِ خَاطِرِ الدَّاعِي أَفْضَلُ مِنْ إِمْسَاكِهِ وَلَوْ آخِرَ النَّهَارِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ « صَنَعَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ طَعَامًا فَدَعَا النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- وَأَصْحَابَهُ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: إِنِّي صَائِمٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- صَنَعَ لَكَ أَخُوكَ وَتَكَلَّفَ لَكَ أَخُوكَ أَفْطِرْ وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ ».وَلِأَنَّ فِي الْأَكْلِ إِجَابَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ وَإِدْخَالَ السُّرُورِ عَلَى قَلْبِهِ.وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ يَكْتَفِي الصَّائِمُ بِالدُّعَاءِ لِصَاحِبِ الْوَلِيمَةِ وَمَنْ أَضَافَ أَحَدًا وَقَدَّمَ لَهُ الطَّعَامَ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْكُلَ صَاحِبُ الطَّعَامِ مَعَ ضَيْفِهِ، وَأَلاَّ يَقُومَ عَنِ الطَّعَامِ وَغَيْرُهُ يَأْكُلُ، مَا دَامَ يَظُنُّ بِهِ حَاجَةً إِلَى الْأَكْلِ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ يَأْكُلُ بِالسُّرُورِ مَعَ الْإِخْوَانِ، وَبِالْإِيثَارِ مَعَ الْفُقَرَاءِ، وَبِالْمُرُوءَةِ مَعَ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا.

آدَابُ الْأَكْلِ:

أ- آدَابُ مَا قَبْلَ الْأَكْلِ:

8- أَوَّلًا: مِنْ آدَابِ الْأَكْلِ السُّؤَالُ عَنِ الطَّعَامِ إِذَا كَانَ ضَيْفًا عَلَى أَحَدٍ وَلَا يَعْرِفُهُ، وَلَا يَطْمَئِنُّ إِلَى مَا قَدْ يُقَدِّمُهُ إِلَيْهِ.فَقَدْ كَانَ الرَّسُولُ- صلى الله عليه وسلم- لَا يَأْكُلُ طَعَامًا حَتَّى يُحَدَّثَ أَوْ يُسَمَّى لَهُ فَيَعْرِفَ مَا هُوَ، فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ « خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- عَلَى مَيْمُونَةَ، وَهِيَ خَالَتُهُ وَخَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَوَجَدَ عِنْدَهَا ضَبًّا مَحْنُوذًا قَدِمَتْ بِهِ أُخْتُهَا حَفِيدَةُ ابْنِ الْحَارِثِ مِنْ نَجْدٍ فَقَدَّمَتِ الضَّبَّ لِرَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- وَكَانَ قَلَّمَا يُقَدِّمُ يَدَهُ لِطَعَامٍ حَتَّى يُحَدَّثَ بِهِ وَيُسَمَّى لَهُ، وَأَهْوَى رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- يَدَهُ إِلَى الضَّبِّ فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ النِّسْوَةِ الْحُضُورِ: أَخْبِرْنَ رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-: أَنَّ مَا قَدَّمْتُنَّ لَهُ هُوَ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ يَدَهُ عَنِ الضَّبِّ، قَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ: أَحَرَامٌ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ، قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- يَنْظُرُ إِلَيَّ ».وَشَرَحَهُ الزَّرْكَشِيُّ فَقَالَ: قَالَ ابْنُ التِّينِ: إِنَّمَا كَانَ يَسْأَلُ، لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ لَا تَعَافُ شَيْئًا مِنَ الْمَآكِلِ لِقِلَّتِهَا عِنْدَهُمْ، وَكَانَ هُوَ- صلى الله عليه وسلم- قَدْ يَعَافُ بَعْضَ الشَّيْءِ، فَلِذَلِكَ كَانَ يَسْأَلُ.وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ يَسْأَلُ لِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِتَحْرِيمِ بَعْضِ الْحَيَوَانَاتِ وَإِبَاحَةِ بَعْضِهَا، وَكَانُوا لَا يُحَرِّمُونَ مِنْهَا شَيْئًا، وَرُبَّمَا أَتَوْا بِهِ مَشْوِيًّا أَوْ مَطْبُوخًا فَلَا يَتَمَيَّزُ مِنْ غَيْرِهِ إِلاَّ بِالسُّؤَالِ عَنْهُ.

ثَانِيًا: الْمُبَادَرَةُ إِلَى الْأَكْلِ إِذَا قُدِّمَ إِلَيْهِ الطَّعَامُ مِنْ مُضِيفِهِ:

9- فَإِنَّ مِنْ كَرَامَةِ الضَّيْفِ تَعْجِيلَ التَّقْدِيمِ لَهُ، وَمِنْ كَرَامَةِ صَاحِبِ الْمَنْزِلِ الْمُبَادَرَةُ إِلَى قَبُولِ طَعَامِهِ وَالْأَكْلُ مِنْهُ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا رَأَوُا الضَّيْفَ لَا يَأْكُلُ ظَنُّوا بِهِ شَرًّا، فَعَلَى الضَّيْفِ أَنْ يُهَدِّئَ خَاطِرَ مُضِيفِهِ بِالْمُبَادَرَةِ إِلَى طَعَامِهِ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ اطْمِئْنَانًا لِقَلْبِهِ.

ثَالِثًا: غَسْلُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الطَّعَامِ:

10- يُسْتَحَبُّ غَسْلُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الطَّعَامِ، لِيَأْكُلَ بِهَا وَهُمَا نَظِيفَتَانِ، لِئَلاَّ يَضُرَّ نَفْسَهُ بِمَا قَدْ يَكُونُ عَلَيْهِمَا مِنَ الْوَسَخِ.وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ لِنَفْيِ الْفَقْرِ، لِمَا فِي الْحَدِيثِ: « الْوُضُوءُ قَبْلَ الطَّعَامِ يَنْفِي الْفَقْرَ ».

رَابِعًا: التَّسْمِيَةُ قَبْلَ الْأَكْلِ:

11- يُسْتَحَبُّ التَّسْمِيَةُ قَبْلَ الْأَكْلِ، وَالْمُرَادُ بِالتَّسْمِيَةِ عَلَى الطَّعَامِ قَوْلُ « بِاسْمِ اللَّهِ » فِي ابْتِدَاءِ الْأَكْلِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: « إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلْيَقُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ، فَإِنْ نَسِيَ فِي أَوَّلِهِ فَلْيَقُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ » وَيَرَى النَّوَوِيُّ أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَقُولَ الْمَرْءُ: ( (، فَإِنْ قَالَ:

بِاسْمِ اللَّهِ كَفَاهُ وَحَصَلَتِ السُّنَّةُ، لِمَا رَوَى « عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: كُنْتُ غُلَامًا فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- وَكَانَتْ يَدَيَّ تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-: يَا غُلَامُ، سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ ».

خَامِسًا: آدَابُ الْأَكْلِ أَثْنَاءَ الطَّعَامِ وَبَعْدَهُ:

أ- الْأَكْلُ بِالْيَمِينِ:

12- يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَأْكُلَ بِيَمِينِهِ وَلَا يَأْكُلَ بِشِمَالِهِ، فَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ- رضي الله عنها-: أَنَّ « النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- كَانَ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطُهُورِهِ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ ».

وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ- رضي الله عنهما- أَنَّ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- قَالَ: « لَا يَأْكُلَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِشِمَالِهِ، وَلَا يَشْرَبَنَّ بِهَا، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِهَا ».

وَهَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ، فَإِنْ كَانَ عُذْرٌ يَمْنَعُ الْأَكْلَ أَوِ الشُّرْبَ بِالْيَمِينِ مِنْ مَرَضٍ أَوْ جِرَاحَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا كَرَاهَةَ فِي الشِّمَالِ.

وَالْحَدِيثُ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَجَنَّبَ الْأَفْعَالَ الَّتِي تُشْبِهُ أَفْعَالَ الشَّيْطَانِ.

ب- الْأَكْلُ مِمَّا يَلِيهِ:

13- يُسَنُّ أَنْ يَأْكُلَ الْإِنْسَانُ مِمَّا يَلِيهِ فِي الطَّعَامِ مُبَاشَرَةً، وَلَا تَمْتَدُّ يَدُهُ إِلَى مَا يَلِي الْآخَرِينَ، وَلَا إِلَى وَسَطِ الطَّعَامِ، لِأَنَّ أَكْلَ الْمَرْءِ مِنْ مَوْضِعِ صَاحِبِهِ سُوءُ عِشْرَةٍ وَتَرْكُ مُرُوءَةٍ، وَقَدْ يَتَقَذَّرُهُ صَاحِبُهُ لَا سِيَّمَا فِي الْأَمْرَاقِ وَمَا شَابَهَهَا، وَذَلِكَ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- قَالَ: « إِنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ وَسَطَ الطَّعَامِ، فَكُلُوا مِنْ حَافَّتَيْهِ وَلَا تَأْكُلُوا مِنْ وَسَطِهِ ».وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ « عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: كُنْتُ غُلَامًا فِي حِجْرِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- وَكَانَتْ يَدَيَّ تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لِي: يَا غُلَامُ سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ، قَالَ: فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طُعْمَتِي بَعْدُ ».

إِلاَّ أَنَّهُ إِنْ كَانَ الطَّعَامُ تَمْرًا أَوْ أَجْنَاسًا فَقَدْ نَقَلُوا إِبَاحَةَ اخْتِلَافِ الْأَيْدِي فِي الطَّبَقِ وَنَحْوِهِ.

ج- غَسْلُ الْيَدِ بَعْدَ الطَّعَامِ:

14- تَحْصُلُ السُّنَّةُ بِمُجَرَّدِ الْغَسْلِ بِالْمَاءِ، قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ: وَالْأَوْلَى غَسْلُ الْيَدِ بِالْأُشْنَانِ أَوِ الصَّابُونِ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُمَا.فَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-: « إِنَّ الشَّيْطَانَ حَسَّاسٌ لَحَّاسٌ، فَاحْذَرُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، مَنْ بَاتَ وَفِي يَدِهِ غُمَرٌ فَأَصَابَهُ شَيْءٌ فَلَا يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ »

هَذَا وَالْغَسْلُ مُسْتَحَبٌّ قَبْلَ الْأَكْلِ وَبَعْدَهُ، وَلَوْ كَانَ الشَّخْصُ عَلَى وُضُوءٍ.وَرَوَى سَلْمَانُ عَنِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: « بَرَكَةُ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ، وَالْوُضُوءُ بَعْدَهُ »، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُرَادُ بِالْوُضُوءِ تَنْظِيفُ الْيَدِ بِغَسْلِهَا، وَلَيْسَ الْوُضُوءَ الشَّرْعِيَّ.

د- الْمَضْمَضَةُ بَعْدَ الطَّعَامِ:

15- الْمَضْمَضَةُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الطَّعَامِ مُسْتَحَبَّةٌ لِمَا رَوَى بَشِيرُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ « سُوَيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- بِالصَّهْبَاءِ- وَهِيَ عَلَى رَوْحَةٍ مِنْ خَيْبَرَ- فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَدَعَا بِطَعَامٍ فَلَمْ يَجِدْهُ إِلاَّ سَوِيقًا فَلَاكَ مِنْهُ، فَلُكْنَا مَعَهُ ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ، ثُمَّ صَلَّى وَصَلَّيْنَا وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ».

هـ- الدُّعَاءُ لِلْمُضِيفِ:

16- فَقَدْ رَوَى أَنَسٌ أَنَّ « النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- جَاءَ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَجَاءَ بِخُبْزٍ وَزَيْتٍ فَأَكَلَ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم-: أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ، وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الْأَبْرَارُ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلَائِكَةُ ».وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ « صَنَعَ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ النَّبْهَانِ لِلنَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- طَعَامًا فَدَعَا النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- وَأَصْحَابَهُ، فَلَمَّا فَرَغُوا قَالَ: أَثِيبُوا أَخَاكُمْ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا إِثَابَتُهُ؟ قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ فَأَكَلَ طَعَامَهُ وَشَرِبَ شَرَابَهُ فَدَعَوْا لَهُ، فَذَلِكَ إِثَابَتُهُ »

و- الْأَكْلُ بِثَلَاثَةِ أَصَابِعَ:

17- السُّنَّةُ الْأَكْلُ بِثَلَاثَةِ أَصَابِعَ، قَالَ عِيَاضٌ: وَالْأَكْلُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا مِنَ الشَّرَهِ وَسُوءِ الْأَدَبِ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُضْطَرٍّ لِذَلِكَ لِجَمْعِهِ اللُّقْمَةَ وَإِمْسَاكِهَا مِنْ جِهَاتِهَا الثَّلَاثِ: وَإِنِ اضْطُرَّ إِلَى الْأَكْلِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ، لِخِفَّةِ الطَّعَامِ وَعَدَمِ تَلْفِيقِهِ بِالثَّلَاثِ يَدْعَمُهُ بِالرَّابِعَةِ أَوِ الْخَامِسَةِ.هَذَا إِنْ أَكَلَ بِيَدِهِ، وَلَا بَأْسَ بِاسْتِعْمَالِ الْمِلْعَقَةِ وَنَحْوِهَا كَمَا يَأْتِي.

ز- أَكْلُ اللُّقْمَةِ السَّاقِطَةِ:

18- إِذَا وَقَعَتِ اللُّقْمَةُ فَلْيُمِطِ الْآكِلُ عَنْهَا الْأَذَى وَلْيَأْكُلْهَا وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ، لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَوْضِعَ الْبَرَكَةِ فِي طَعَامِهِ، وَقَدْ يَكُونُ فِي هَذِهِ اللُّقْمَةِ السَّاقِطَةِ، فَتَرْكُهَا يُفَوِّتُ عَلَى الْمَرْءِ بَرَكَةَ الطَّعَامِ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ- رضي الله عنه- أَنَّ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- « كَانَ إِذَا طَعِمَ طَعَامًا لَعِقَ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ، وَقَالَ: وَإِذَا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيُمِطْ عَنْهَا الْأَذَى وَلْيَأْكُلْهَا، وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ ».

ح- عَدَمُ الِاتِّكَاءِ أَثْنَاءَ الْأَكْلِ:

19- وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ- صلى الله عليه وسلم- « أَمَّا أَنَا فَلَا آكُلُ مُتَّكِئًا » قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُتَّكِئُ هُنَا الْجَالِسُ مُعْتَمِدًا عَلَى وِطَاءٍ تَحْتَهُ، كَقُعُودِ مَنْ يُرِيدُ الْإِكْثَارَ مِنَ الطَّعَامِ.وَسَبَبُ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ قِصَّةُ الْأَعْرَابِيِّ الْمَذْكُورِ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ قَالَ: « أُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- شَاةٌ، فَجَثَا رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- عَلَى رُكْبَتَيْهِ يَأْكُلُ، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: مَا هَذِهِ الْجِلْسَةُ؟ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَعَلَنِي عَبْدًا كَرِيمًا، وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا عَنِيدًا...»

وَاخْتُلِفَ فِي صِفَةِ الِاتِّكَاءِ، لَكِنَّ مُرَادَهُمْ أَنَّ الْإِكْثَارَ مِنَ الطَّعَامِ مَذْمُومٌ، وَمُرَادُهُ- صلى الله عليه وسلم- ذَمُّ فِعْلِ مَنْ يَسْتَكْثِرُ الطَّعَامَ، وَمَدْحُ مَنْ لَا يَأْكُلُ إِلاَّ الْبُلْغَةَ مِنَ الزَّادِ، وَلِذَلِكَ قَعَدَ مُسْتَوْفِزًا.

ط- التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْحَاضِرِينَ عَلَى الطَّعَامِ:

20- فَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ « رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- أَتَى بَعْضَ حُجَرِ نِسَائِهِ، فَدَخَلَ، ثُمَّ أَذِنَ لِي فَدَخَلْتُ الْحِجَابَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: هَلْ مِنْ غَدَاءٍ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ.فَأُتِيَ بِثَلَاثَةِ أَقْرِصَةٍ فَوُضِعْنَ عَلَى نَبِيٍّ (مَائِدَةٍ مِنْ خُوصٍ) فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- قُرْصًا فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَخَذَ قُرْصًا آخَرَ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيَّ، ثُمَّ أَخَذَ الثَّالِثَ فَكَسَرَهُ اثْنَيْنِ، فَحَمَلَ نِصْفَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَنِصْفَهُ بَيْنَ يَدَيَّ، ثُمَّ قَالَ: هَلْ مِنْ أُدْمٍ؟ قَالُوا: لَا، إِلاَّ شَيْءٌ مِنْ خَلٍّ، قَالَ: هَاتُوهُ، فَنِعْمَ الْأُدْمُ هُوَ ».وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْحَاضِرِينَ عَلَى الطَّعَامِ مُسْتَحَبَّةٌ، حَتَّى لَوْ كَانَ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ.

هَذَا وَمِنْ آدَابِ الْأَكْلِ أَثْنَاءَ الطَّعَامِ إِكْرَامُ الْخُبْزِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: « أَكْرِمُوا الْخُبْزَ »، وَعَدَمُ الْبُصَاقِ وَالْمُخَاطِ حَالَ الْأَكْلِ إِلاَّ لِضَرُورَةٍ.وَمِنْ آدَابِهِ كَذَلِكَ الْأَكْلُ مَعَ الْجَمَاعَةِ، وَالْحَدِيثُ غَيْرُ الْمُحَرَّمِ عَلَى الطَّعَامِ، وَمُؤَاكَلَةُ صِغَارِهِ وَزَوْجَاتِهِ، وَأَلاَّ يَخُصَّ نَفْسَهُ بِطَعَامٍ إِلاَّ لِعُذْرٍ كَدَوَاءٍ، بَلْ يُؤْثِرُهُمْ عَلَى نَفْسِهِ فَاخِرَ الطَّعَامِ، كَقِطْعَةِ لَحْمٍ وَخُبْزٍ لَيِّنٍ أَوْ طَيِّبٍ.

وَإِذَا فَرَغَ ضَيْفُهُ مِنَ الطَّعَامِ وَرَفَعَ يَدَهُ قَالَ صَاحِبُ الطَّعَامِ: كُلْ، وَيُكَرِّرُهَا عَلَيْهِ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّهُ اكْتَفَى مِنْهُ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثِ مَرَّاتٍ، وَأَنْ يَتَخَلَّلَ، وَلَا يَبْتَلِعَ مَا يَخْرُجُ مِنْ أَسْنَانِهِ بِالْخِلَالِ بَلْ يَرْمِيهِ.

آدَابُ الْأَكْلِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ:

22- يُسَنُّ أَنْ يَقُولَ الْآكِلُ مَا وَرَدَ مِنْ حَمْدِ اللَّهِ وَالدُّعَاءِ بَعْدَ تَمَامِ الْأَكْلِ، فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم- إِذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلَا مُوَدَّعٍ وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبَّنَا وَقَدْ كَانَ الرَّسُولُ- صلى الله عليه وسلم- إِذَا أَكَلَ طَعَامًا غَيْرَ اللَّبَنِ قَالَ: « اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ، وَأَطْعِمْنَا خَيْرًا مِنْهُ » وَإِذَا شَرِبَ لَبَنًا قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ، وَزِدْنَا مِنْهُ.

وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ- رضي الله عنهما- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- قَالَ: مَنْ أَطْعَمَهُ اللَّهُ طَعَامًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَأَطْعِمْنَا خَيْرًا مِنْهُ، وَمَنْ سَقَاهُ اللَّهُ لَبَنًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَزِدْنَا مِنْهُ.

آدَابٌ عَامَّةٌ فِي الْأَكْلِ:

أ- عَدَمُ ذَمِّ الطَّعَامِ:

23- رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ- رضي الله عنه- قَالَ: « مَا عَابَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم- طَعَامًا قَطُّ، إِنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ » وَالْمُرَادُ الطَّعَامُ الْمُبَاحُ، أَمَّا الْحَرَامُ فَكَانَ يَعِيبُهُ وَيَذُمُّهُ وَيَنْهَى عَنْهُ.

وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْعَيْبُ مِنْ جِهَةِ الْخِلْقَةِ كُرِهَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الصَّنْعَةِ لَمْ يُكْرَهْ، لِأَنَّ صَنْعَةَ اللَّهِ لَا تُعَابُ وَصَنْعَةَ الْآدَمِيِّينَ تُعَابُ.وَاَلَّذِي يَظْهَرُ التَّعْمِيمُ، فَإِنَّ فِيهِ كَسْرَ قَلْبِ الصَّانِعِ.

قَالَ النَّوَوِيُّ: مِنْ آدَابِ الطَّعَامِ الْمُتَأَكِّدَةِ أَلاَّ يُعَابَ كَقَوْلِهِ: مَالِحٌ، حَامِضٌ، قَلِيلُ الْمِلْحِ، غَلِيظٌ، رَقِيقٌ، غَيْرُ نَاضِجٍ، وَغَيْرُ ذَلِكَ- قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا مِنْ حَسَنِ الْآدَابِ، لِأَنَّ الْمَرْءَ قَدْ لَا يَشْتَهِي الشَّيْءَ وَيَشْتَهِيهِ غَيْرُهُ، وَكُلُّ مَأْذُونٍ فِي أَكْلِهِ مِنْ قِبَلِ الشَّرْعِ لَيْسَ فِيهِ عَيْبٌ.

ب- اسْتِعْمَالُ الْمَلَاعِقِ وَالسَّكَاكِينِ وَأَدَوَاتِ الطَّعَامِ:

24- يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ السِّكِّينِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ، لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ « عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ فِي يَدِهِ، فَدُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَأَلْقَاهَا وَالسِّكِّينَ الَّتِي يَحْتَزُّ بِهَا، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ».

وَأَمَّا خَبَرُ « لَا تَقْطَعُوا اللَّحْمَ بِالسِّكِّينِ » فَقَدْ سُئِلَ عَنْهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فَقَالَ: لَيْسَ بِصَحِيحٍ.وَقَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: أَمَّا تَقْطِيعُ الْخُبْزِ بِالسِّكِّينِ فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ كَلَامًا.

ج- تَحَرِّي الْأَكْلِ مِنَ الْحَلَالِ:

25- قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}.

وَقَالَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم-: « لَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ امْرِئٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرَبَتُهُ فَتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ، فَيَنْتَقِلَ طَعَامُهُ، فَإِنَّمَا تُخَزِّنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَاشِيَتِهِمْ أَطْعِمَاتِهِمْ، فَلَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِهِ »

قَالَ الشَّافِعِيُّ- رحمه الله-: أَصْلُ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِمَالِكٍ مِنَ الْآدَمِيِّينَ، أَوْ أَحَلَّهُ مَالِكُهُ، أَنَّهُ حَلَالٌ إِلاَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ أَوْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ- صلى الله عليه وسلم- فَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- لَزِمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُحَرَّمَ.وَيَحْرُمُ مَا لَمْ يَخْتَلِفِ الْمُسْلِمُونَ فِي تَحْرِيمِهِ، وَكَانَ فِي مَعْنَى كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا الْحُجَّةُ فِي أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ مُبَاحَ الْأَصْلِ يَحْرُمُ بِمَالِكِهِ، حَتَّى يَأْذَنَ فِيهِ مَالِكُهُ فَالْحُجَّةُ فِيهِ: أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}.وَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} وَقَالَ: {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} مَعَ آيٍ كَثِيرَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَظَرَ فِيهَا أَمْوَالَ النَّاسِ إِلاَّ بِطِيبِ أَنْفُسِهِمْ.

وَمِمَّا رُوِيَ فِي تَحْرِيمِ مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ مَا وَرَدَ عَنْ « عُمَيْرٍ مَوْلَى أَبِي اللَّحْمِ قَالَ: أَقْبَلْتُ مَعَ سَادَتِي نُرِيدُ الْهِجْرَةَ، حَتَّى أَنْ دَنَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ، قَالَ: فَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ، وَخَلَّفُونِي فِي ظَهْرِهِمْ، قَالَ: فَأَصَابَنِي مَجَاعَةٌ شَدِيدَةٌ، قَالَ: فَمَرَّ بِي بَعْضُ مَنْ يَخْرُجُ مِنَ الْمَدِينَةِ فَقَالُوا لِي: لَوْ دَخَلْتَ الْمَدِينَةَ فَأَصَبْتَ مِنْ تَمْرِ حَوَائِطِهَا، فَدَخَلْتُ حَائِطًا، فَقَطَعْتُ مِنْهُ قِنْوَيْنِ، فَأَتَانِي صَاحِبُ الْحَائِطِ، فَأَتَى بِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- وَأَخْبَرَهُ خَبَرِي، وَعَلَيَّ ثَوْبَانِ، فَقَالَ لِي: أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا، فَقَالَ: خُذْهُ، وَأَعْطَى صَاحِبَ الْحَائِطِ الْآخَرَ، وَأَخْلَى سَبِيلِي » وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَاجَةَ لَا تُبِيحُ الْإِقْدَامَ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ مَعَ وُجُودِ مَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ أَوْ بِقِيمَتِهِ، وَلَوْ كَانَ مِمَّا تَدْعُو حَاجَةُ الْإِنْسَانِ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ هُنَا أَخَذَ أَحَدَ ثَوْبَيْهِ، وَدَفَعَهُ إِلَى صَاحِبِ النَّخْلِ.

موسوعة الفقه الكويتية-وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت-صدرت بدءًا من: 1404هـ/1984م


18-موسوعة الفقه الكويتية (أيمان 1)

أَيْمَانٌ -1

التَّعْرِيفُ:

1- الْأَيْمَانُ: جَمْعُ يَمِينٍ، وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ وَتُذَكَّرُ.وَتُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى (أَيْمُنٍ) وَمِنْ مَعَانِي الْيَمِينِ لُغَةً: الْقُوَّةُ وَالْقَسَمُ، وَالْبَرَكَةُ، وَالْيَدُ الْيُمْنَى، وَالْجِهَةُ الْيُمْنَى.

وَيُقَابِلُهَا: الْيَسَارُ، بِمَعْنَى: الْيَدِ الْيُسْرَى، وَالْجِهَةِ الْيُسْرَى.

أَمَّا فِي الشَّرْعِ، فَقَدْ عَرَّفَهَا صَاحِبُ غَايَةِ الْمُنْتَهَى مِنَ الْحَنَابِلَةِ بِأَنَّهَا: تَوْكِيدُ حُكْمٍ بِذِكْرِ مُعَظَّمٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ.

وَمُقْتَضَى هَذَا التَّعْرِيفِ تَخْصِيصُ الْيَمِينِ بِالْقَسَمِ، لَكِنْ يُسْتَفَادُ مِنْ كَلَامِ الْحَنَابِلَةِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ كُتُبِهِمْ تَسْمِيَةُ التَّعْلِيقَاتِ السِّتَّةِ أَيْمَانًا، وَهِيَ تَعْلِيقُ الْكُفْرِ وَالطَّلَاقِ وَالظِّهَارِ وَالْحَرَامِ وَالْعِتْقِ وَالْتِزَامِ الْقُرْبَةِ، وَقَرَّرَ ذَلِكَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى.

حِكْمَةُ التَّشْرِيعِ:

2- مِنْ أَسَالِيبِ التَّأْكِيدِ الْمُتَعَارِفَةِ فِي جَمِيعِ الْعُصُورِ أُسْلُوبُ التَّأْكِيدِ بِالْيَمِينِ، إِمَّا لِحَمْلِ الْمُخَاطَبِ عَلَى الثِّقَةِ بِكَلَامِ الْحَالِفِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ فِيهِ إِنْ كَانَ خَبَرًا، وَلَا يَخْلُفُهُ إِنْ كَانَ وَعْدًا أَوْ وَعِيدًا أَوْ نَحْوَهُمَا، وَإِمَّا لِتَقْوِيَةِ عَزْمِ الْحَالِفِ نَفْسِهِ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ يَخْشَى إِحْجَامَهَا عَنْهُ، أَوْ تَرْكِ شَيْءٍ يُخْشَى إِقْدَامُهَا عَلَيْهِ، وَإِمَّا لِتَقْوِيَةِ الطَّلَبِ مِنَ الْمُخَاطَبِ أَوْ غَيْرِهِ وَحَثِّهِ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ أَوْ مَنْعِهِ عَنْهُ.

فَالْغَايَةُ الْعَامَّةُ لِلْيَمِينِ قَصْدُ تَوْكِيدِ الْخَبَرِ ثُبُوتًا أَوْ نَفْيًا.

تَقْسِيمَاتُ الْيَمِينِ

(أَوَّلًا) تَقْسِيمُ الْيَمِينِ بِحَسَبِ غَايَتِهَا الْعَامَّةِ

تَنْقَسِمُ الْيَمِينُ بِحَسَبِ غَايَتِهَا الْعَامَّةِ إِلَى قِسْمَيْنِ:

3- الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: الْيَمِينُ الْمُؤَكِّدَةُ لِلْخَبَرِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مَاضِيًا أَمْ حَاضِرًا أَمْ مُسْتَقْبَلًا، وَسَوَاءٌ أَكَانَ إِثْبَاتًا أَمْ نَفْيًا، وَسَوَاءٌ أَكَانَ مُطَابِقًا لِلْوَاقِعِ أَمْ مُخَالِفًا.

وَالْيَمِينُ عَلَى مَا طَابَقَ الْوَاقِعَ تُسَمَّى (الْيَمِينُ الصَّادِقَةُ) كَقَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ} فَهَذَا أَمْرٌ لِلنَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- أَنْ يَحْلِفَ بِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ سَيُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يُحَاسَبُونَ عَلَى أَعْمَالِهِمْ.

وَالْيَمِينُ عَلَى مَا خَالَفَ الْوَاقِعَ إِنْ كَانَ الْحَالِفُ بِهَا كَاذِبًا عَمْدًا تُسَمَّى (الْيَمِينُ الْغَمُوسُ) لِأَنَّهَا تَغْمِسُ صَاحِبَهَا فِي الْإِثْمِ.

وَمِنْ أَمْثِلَتِهَا مَا حَكَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنِ الْمُنَافِقِينَ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْهَا: قوله تعالى: {وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ}.

فَهَذَا مِنَ الْمُنَافِقِينَ حَلِفٌ عَلَى أَنَّهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُمْ كَاذِبُونَ فِيهِ، وَمَا حَمَلَهُمْ عَلَى الْكَذِبِ إِلاَّ أَنَّهُمْ يَخَافُونَ غَضَبَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ.

وَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ بِهَا مُتَعَمِّدًا صَدَّقَهَا، غَيْرَ أَنَّهُ أَخْطَأَ فِي اعْتِقَادِهِ، لَمْ تَكُنْ غَمُوسًا وَلَا صَادِقَةً، وَإِنَّمَا تَكُونُ (لَغْوًا) عَلَى بَعْضِ الْأَقْوَالِ.

وَمِنْ أَمْثِلَتِهَا أَنْ يَقُولَ إِنْسَانٌ: وَاللَّهِ إِنَّ الشَّمْسَ طَلَعَتْ، بِنَاءً عَلَى إِشَارَةِ السَّاعَةِ وَالتَّقْوِيمِ، ثُمَّ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَمْ تَكُنْ طَلَعَتْ، وَأَنَّهُ أَخْطَأَ النَّظَرَ، أَوْ كَانَ بِالسَّاعَةِ خَلَلٌ، أَوْ بِالتَّقْوِيمِ خَطَأٌ.

4- الْقِسْمُ الثَّانِي: الْيَمِينُ الْمُؤَكِّدَةُ لِلْإِنْشَاءِ.

وَالْإِنْشَاءُ إِمَّا حَثٌّ أَوْ مَنْعٌ، وَالْمَقْصُودُ بِالْحَثِّ: حَمْلُ الْحَالِفِ نَفْسَهُ أَوْ غَيْرَهُ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.

وَالْمَقْصُودُ بِالْمَنْعِ: حَمْلُ الْحَالِفِ نَفْسَهُ أَوْ غَيْرَهُ عَلَى تَرْكِ شَيْءٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.

مِثَالُ الْحَثِّ: وَاللَّهِ لأَفْعَلَنَّ كَذَا، أَوْ لَتَفْعَلَنَّ كَذَا، أَوْ لَيَفْعَلَنَّ فُلَانٌ كَذَا.

وَمِثَالُ الْمَنْعِ: وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا، أَوْ لَا تَفْعَلْ كَذَا، أَوْ لَا يَفْعَلْ فُلَانٌ كَذَا.

وَهَذِهِ الْيَمِينُ تُسَمَّى (مُنْعَقِدَةً) أَوْ (مَعْقُودَةً) مَتَى تَمَّتْ شَرَائِطُهَا، وَسَيَأْتِي بَيَانُهَا.

وَمِمَّا هُوَ جَدِيرٌ بِالْمُلَاحَظَةِ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: لأَفْعَلَنَّ، أَوْ لَا أَفْعَلُ يَدُلُّ عَلَى حَثِّ نَفْسِهِ عَلَى الْفِعْلِ أَوِ التَّرْكِ حَقِيقَةً إِنْ كَانَ يَتَحَدَّثُ فِي خَلْوَةٍ، نَحْوَ: وَاللَّهِ لأَصُومَنَّ غَدًا، أَوْ لَا أَشْرَبُ الْخَمْرَ، أَوْ لأَقْتُلَنَّ فُلَانًا، أَوْ لَا أَفْعَلُ مَا أَمَرَنِي بِهِ.

وَأَمَّا إِنْ كَانَ يَتَحَدَّثُ فِي مُوَاجَهَةِ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى حَثِّ نَفْسِهِ ظَاهِرًا، وَقَدْ يَكُونُ هَذَا الظَّاهِرُ مُوَافِقًا لِلْحَقِيقَةِ، بِأَنْ يَكُونَ عَازِمًا عَلَى الْوَفَاءِ، وَقَدْ يَكُونُ مُخَالِفًا لَهَا، بِأَنْ يَكُون عَازِمًا عَلَى عَدَمِ الْوَفَاءِ.

وَقَوْلُ الْقَائِلِ: لَتَفْعَلَنَّ أَوْ لَا تَفْعَلْ يَدُلُّ عَلَى حَثِّ الْمُخَاطَبِ عَلَى الْفِعْلِ أَوِ التَّرْكِ، وَيَكُونُ بِمَثَابَةِ الْأَمْرِ إِنْ كَانَ مِنْ أَعْلَى لِأَدْنَى، وَالدُّعَاءِ إِنْ كَانَ مِنْ أَدْنَى لِأَعْلَى، وَالِالْتِمَاسِ إِنْ كَانَ بَيْنَ مُتَمَاثِلَيْنِ.ثُمَّ إِنَّهُ قَدْ يَكُونُ حَقِيقِيًّا، وَقَدْ يَكُونُ ظَاهِرِيًّا فَقَطْ بِقَصْدِ الْمُجَامَلَةِ أَوْ غَيْرِهَا.

5- هَذَا، وَتَنْقَسِمُ الْيَمِينُ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ إِلَى: يَمِينِ بِرٍّ، وَيَمِينِ حِنْثٍ.

(فَيَمِينُ الْبِرِّ) هِيَ مَا كَانَتْ عَلَى النَّفْيِ، نَحْوَ: وَاللَّهِ لَا فَعَلْتُ كَذَا، بِمَعْنَى: لَا أَفْعَلُ كَذَا، وَسُمِّيَتْ يَمِينَ بِرٍّ لِأَنَّ الْحَالِفَ بَارٌّ حِينَ حَلِفِهِ، وَمُسْتَمِرٌّ عَلَى الْبِرِّ مَا لَمْ يَفْعَلْ.

(وَيَمِينُ الْحِنْثِ) مَا كَانَتْ عَلَى الْإِثْبَاتِ، نَحْوَ: وَاللَّهِ لأَفْعَلَنَّ كَذَا، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ يَمِينَ حِنْثٍ لِأَنَّ الْحَالِفَ لَوِ اسْتَمَرَّ عَلَى حَالَتِهِ حَتَّى مَضَى الْوَقْتُ أَوْ حَصَلَ الْيَأْسُ حَنِثَ.

(ثَانِيًا)

تَقْسِيمُ الْيَمِينِ بِحَسَبِ صِيغَتِهَا الْعَامَّةِ

6- الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: الْقِسْمُ الْمُنَجَّزُ بِالصِّيغَةِ الْأَصْلِيَّةِ لِلْيَمِينِ، وَتَكُونُ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، مِثْلَ (وَاللَّهِ) (وَالرَّحْمَنِ) أَوْ صِفَةً لَهُ مِثْلَ (وَعِزَّةِ اللَّهِ) (وَجَلَالِهِ).

وَكَانَ النَّاسُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ وَبِمَعْبُودَاتِهِمْ كَاللاَّتِ وَالْعُزَّى، وَبِمَا يُعَظِّمُونَهُ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ مِمَّا لَا يَعْبُدُونَ كَالْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَالْكَعْبَةِ، وَبِمَا يَحْمَدُونَهُ مِنَ الْأَخْلَاقِ كَالْأَمَانَةِ.

وَفِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ بَطَلَ تَعْظِيمُهُمْ لِلْأَصْنَامِ وَنَحْوِهَا مِمَّا كَانُوا يَعْبُدُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَبَطَلَ حَلِفُهُمْ بِهَا إِلاَّ مَا كَانَ سَبْقَ لِسَانٍ، وَاسْتَمَرَّ حَلِفُهُمْ بِمَا يُحِبُّونَهُ وَيُعَظِّمُونَهُ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- عَنْ ذَلِكَ وَأَمَرَهُمْ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى الْحَلِفِ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ كُلِّهِ تَفْصِيلًا.

7- الْقِسْمُ الثَّانِي: التَّعْلِيقُ، وَيُمْكِنُ تَحْصِيلُ الْغَايَةِ الْعَامَّةِ مِنَ الْيَمِينِ- وَهِيَ تَأْكِيدُ الْخَبَرِ أَوِ الْحَثِّ أَوِ الْمَنْعِ- بِطَرِيقٍ آخَرَ، وَهُوَ تَرْتِيبُ الْمُتَكَلِّمِ جَزَاءً مَكْرُوهًا لَهُ فِي حَالَةِ مُخَالَفَةِ الْوَاقِعِ أَوْ تَخَلُّفِ الْمَقْصُودِ.

وَلِهَذَا الْجَزَاءِ أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ بِحَسَبِ الْعَادَةِ، لَكِنْ لَمْ يَعْتَبِرِ الْفُقَهَاءُ مِنْهَا إِلاَّ سِتَّةَ أَنْوَاعٍ وَهِيَ: الْكُفْرُ، وَالطَّلَاقُ، وَالظِّهَارُ، وَالْحَرَامُ، وَالْعِتْقُ، وَالْتِزَامُ الْقُرْبَةِ.

وَأَمْثِلَتُهَا: إِنْ فَعَلْتُ كَذَا، أَوْ: إِنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا، أَوْ: إِنْ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَمَا قُلْتُ فَهُوَ بَرِيءٌ مِنَ الْإِسْلَامِ.أَوْ: فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ، أَوْ: فَامْرَأَتُهُ عَلَيْهِ كَظَهْرِ أُمِّهِ، أَوْ: فَحَلَالُ اللَّهِ عَلَيْهِ حَرَامٌ، أَوْ: فَعَبْدُهُ حُرٌّ، أَوْ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ.

وَقَدْ يَكُونُ الطَّرِيقُ الْمُحَصِّلُ لِلْغَايَةِ تَرْتِيبَ جَزَاءٍ مَحْبُوبٍ لِلْمُخَاطِبِ عَلَى فِعْلِ أَمْرٍ مَحْبُوبٍ لِلْمُتَكَلِّمِ، كَمَا لَوْ قَالَ إِنْسَانٌ لِعَبْدِهِ: إِنْ بَشَّرْتَنِي فَأَنْتَ حُرٌّ، فَهَذَا الْجَزَاءُ مَحْبُوبٌ لِلْمُخَاطَبِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ تَخَلُّصًا مِنَ الرِّقِّ، وَإِنْ كَانَ شَاقًّا عَلَى الْمُتَكَلِّمِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ إِزَالَةً لِلْمِلْكِ، غَيْرَ أَنَّهُ يَسْتَسْهِلُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ مُكَافَأَةٍ عَلَى فِعْلِ مَا يُحِبُّهُ وَشُكْرٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى ذَلِكَ.

وَالْجَزَاءُ الْمَحْبُوبُ لَا يُتَصَوَّرُ كَوْنُهُ ظِهَارًا وَلَا كُفْرًا، فَهُوَ مُنْحَصِرٌ فِي الْعِتْقِ وَالْتِزَامِ الْقُرْبَةِ وَالطَّلَاقِ وَالْحَرَامِ، كَتَطْلِيقِ ضَرَّةِ الْمُخَاطَبَةِ وَتَحْرِيمِهَا.

وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ ذَلِكَ كُلِّهِ.

التَّعْلِيقُ بِصُورَةِ الْقَسَمِ:

8- قَدْ يَعْدِلُ الْحَالِفُ عَنْ أَدَاءِ الشَّرْطِ وَالْجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ، وَيَأْتِي بِالْجَزَاءِ بِدُونِ الْفَاءِ، وَيَذْكُرُ بَعْدَهُ جُمْلَةً شَبِيهَةً بِجَوَابِ الْقَسَمِ، فَيَقُولُ: هُوَ يَهُودِيٌّ لَيَفْعَلَنَّ كَذَا، أَوْ لَا يَفْعَلُ كَذَا، أَوِ امْرَأَتُهُ طَالِقٌ لَا يَفْعَلُ كَذَا، أَوْ لَيَفْعَلَنَّ كَذَا، فَالْجُمْلَةُ الَّتِي بُدِئَ الْكَلَامُ بِهَا جَزَاءٌ لِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ، تَدُلُّ عَلَيْهِ الْجُمْلَةُ الْمَذْكُورَةُ بَعْدُ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ.

الْجَوَابُ الْإِنْشَائِيُّ يَتَضَمَّنُ الْخَبَرَ:

9- الْقَسَمُ حِينَمَا يَكُونُ إِنْشَائِيًّا لِلْحَثِّ أَوِ الْمَنْعِ، فَالْحَلِفُ عَلَيْهِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَلِفًا عَلَى الْإِنْشَاءِ الْمَحْضِ، فَإِنَّ هَذَا الْإِنْشَاءَ يَحْصُلُ مَعْنَاهُ بِمُجَرَّدِ النُّطْقِ بِهِ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى حَلِفٍ.فَإِنَّ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى الْحَلِفِ، هُوَ الْأَمْرُ الَّذِي يُخْشَى تَخَلُّفُهُ، وَهُوَ الْوَفَاءُ بِمَضْمُونِ الْجُمْلَةِ الْإِنْشَائِيَّةِ.

فَمَنْ حَلَفَ فَقَالَ: وَاللَّهِ لأَقْضِيَنَّكَ حَقَّكَ غَدًا، وَقَدْ حَثَّ نَفْسَهُ عَلَى الْقَضَاءِ، وَهَذَا الْحَثُّ قَدْ حَصَلَ بِمُجَرَّدِ النُّطْقِ، فَهُوَ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَى الْقَسَمِ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ، فَالْقَسَمُ إِذَنْ إِنَّمَا هُوَ عَلَى الْحَثِّ الْمُسْتَتْبِعِ لِأَثَرِهِ، وَهُوَ حُصُولُ الْقَضَاءِ بِالْفِعْلِ فِي غَدٍ، وَهَذَا الْمَعْنَى خَبَرِيٌّ، وَلِهَذَا لَوْ لَمْ يَقْضِهِ حَقَّهُ لَكَانَ حَانِثًا.

فَمَنْ قَالَ: لأَقْضِيَنَّكَ حَقَّكَ.أَثْبَتَ مَعْنَيَيْنِ:

(أَحَدُهُمَا) إِنْشَائِيٌّ، وَهُوَ حَثُّ نَفْسِهِ عَلَى الْقَضَاءِ، وَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى الصَّرِيحُ.

(وَثَانِيهِمَا) خَبَرِيٌّ، وَهُوَ الْإِخْبَارُ بِأَنَّ هَذَا الْقَضَاءَ سَيَحْصُلُ فِي الْغَدِ، وَهَذَا الْمَعْنَى ضِمْنِيٌّ، وَالْيَمِينُ إِنَّمَا أُتِيَ بِهَا مِنْ أَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى الضِّمْنِيِّ.

وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ أَنْ يُجَابَ الْقَسَمُ بِفِعْلِ الْأَمْرِ، وَلَا بِفِعْلِ النَّهْيِ، فَلَا يُقَالُ: وَاللَّهِ قُمْ، أَوْ لَا تَقُمْ.

مُرَادِفَاتُ الْيَمِينِ:

10- قَالَ الْكَمَالُ: أَسْمَاءُ هَذَا الْمَعْنَى التَّوْكِيدِيِّ سِتَّةٌ: الْحَلِفُ وَالْقَسَمُ وَالْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ وَالْإِيلَاءُ وَالْيَمِينُ.

فَالْيَمِينُ مُرَادِفَةٌ لِلْأَلْفَاظِ الْخَمْسَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ مَعَهَا.

وَهُنَاكَ أَلْفَاظٌ أُخْرَى، فَقَدْ أَفَادَ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ إِنْسَانٌ: أَشْهَدُ أَوْ أَعْزِمُ أَوْ شَهِدْتُ أَوْ عَزَمْتُ بِاللَّهِ لأَفْعَلَنَّ كَذَا.كَانَ يَمِينًا؛ لِأَنَّ الْعَزْمَ مَعْنَاهُ الْإِيجَابُ؛ وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ وَرَدَتْ فِي قوله تعالى: {إِذَا جَاءَك الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّك لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّك لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} فَالْآيَةُ الثَّانِيَةُ أَفَادَتْ أَنَّ شَهَادَتَهُمْ يَمِينٌ.

وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ الشَّهَادَةَ وَالْعَزْمَ مِنْ مُرَادِفَاتِ الْيَمِينِ عُرْفًا، وَأَفَادَ أَيْضًا أَنَّ الذِّمَّةَ كَالْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ، فَمَنْ قَالَ: عَلَيَّ ذِمَّةُ اللَّهِ لأَفْعَلَنَّ كَانَ يَمِينًا.

11- وَأَفَادَ ابْنُ عَابِدِينَ أَنَّهُ لَوْ نَذَرَ الْإِنْسَانُ صَوْمًا، كَأَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، أَوْ نَوَى النَّذْرَ وَلَمْ يَخْطِرِ الْيَمِينُ بِبَالِهِ، أَوْ نَوَى النَّذْرَ وَنَفَى الْيَمِينَ كَانَ نَذْرًا فَقَطْ.وَإِنْ نَوَى الْيَمِينَ وَنَفَى النَّذْرَ كَانَ يَمِينًا فَقَطْ.وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ إِنْ أَفْطَرَ.وَإِنْ نَوَاهُمَا مَعًا، أَوْ نَوَى الْيَمِينَ وَلَمْ يَخْطِرْ بِبَالِهِ النَّذْرُ كَانَ نَذْرًا وَيَمِينًا، حَتَّى لَوْ أَفْطَرَ قَضَى وَكَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ.

وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ صِيغَةَ النَّذْرِ تَكُونُ يَمِينًا بِالنِّيَّةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَتَكُونُ مِنْ قَبِيلِ الْكِنَايَةِ، بِخِلَافِ الْأَلْفَاظِ السَّابِقَةِ، فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهَا صَرِيحَةٌ عِنْدَهُمْ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا كِنَايَةً عِنْدَ غَيْرِهِمْ كَمَا سَيَأْتِي.وَسَيَأْتِي الْخِلَافُ فِي النَّذْرِ الْمُبْهَمِ مِثْلُ عَلَيَّ نَذْرٌ.وَسَيَأْتِي أَيْضًا أَنَّ الْكَفَالَةَ وَالْأَمَانَةَ الْمُضَافَيْنِ لِلَّهِ كَالْعَهْدِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، فَقَدْ قَالُوا: مَنْ قَالَ: عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ، أَوْ مِيثَاقُهُ، أَوْ ذِمَّتُهُ، أَوْ كَفَالَتُهُ، أَوْ أَمَانَتُهُ لأَفْعَلَنَّ كَذَا، أَوْ لَا أَفْعَلُ كَذَا، كَانَ قَوْلُهُ ذَلِكَ يَمِينًا بِالنِّيَّةِ.

12- هَذَا مَا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، وَقَدْ يَجِدُ الْبَاحِثُ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ أَلْفَاظًا أُخْرَى كَالنَّفْلِ.فَفِي الْقَامُوسِ الْمُحِيطِ: نَفَلَ: حَلَفَ.وَهُوَ مِنْ بَابِ نَصَرَ.

وَيُؤْخَذُ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ أَنَّ (نَفَلَ) (وَانْتَفَلَ) وَ (أَنْفَلَ) مَعْنَاهَا حَلَفَ، وَيُقَالُ: نَفَّلْتُهُ بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ أَيْ: حَلَّفْتُهُ.

أَيْمَانٌ خَاصَّةٌ

أ- الْإِيلَاءُ:

13- هُوَ أَنْ يَحْلِفَ الزَّوْجُ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ وَطْءِ زَوْجَتِهِ مُطْلَقًا أَوْ مُدَّةَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْحَلِفُ بِاللَّهِ تَعَالَى أَمْ بِتَعْلِيقِ الطَّلَاقِ أَوِ الْعِتْقِ أَوْ نَحْوِهِمَا.وَلِهَذَا الْإِيلَاءِ أَحْكَامٌ خَاصَّةٌ مَأْخُوذَةٌ مِنْ قوله تعالى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} وَلِتَفْصِيلِهَا (ر: إِيلَاءٌ).

ب- اللِّعَانُ:

14- اللِّعَانُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ لَاعَنَ، بِمَعْنَى شَاتَمَ، فَإِذَا تَشَاتَمَ اثْنَانِ، فَشَتَمَ كُلٌّ مِنْهُمَا الْآخَرَ بِالدُّعَاءِ عَلَيْهِ، بِأَنْ يَلْعَنَهُ اللَّهُ، قِيلَ لَهُمَا: تَلَاعَنَا، وَلَاعَنَ كُلٌّ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ.

وَاللِّعَانُ فِي الشَّرْعِ لَا يَكُونُ إِلاَّ أَمَامَ الْقَاضِي، وَهُوَ: قَوْلُ الزَّوْجِ لِامْرَأَتِهِ مُشِيرًا إِلَيْهَا: أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُ بِهِ زَوْجَتِي هَذِهِ مِنَ الزِّنَى.

وَإِذَا كَانَتْ حَامِلًا أَوْ وَلَدَتْ وَلَدًا وَاعْتَقَدَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ زَادَ: وَأَنَّ هَذَا الْحَمْلَ أَوِ الْوَلَدَ لَيْسَ مِنِّي.وَيُكَرِّرُ ذَلِكَ كُلَّهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَيَزِيدُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ: وَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ.

وَلِعَانُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا إِذَا لَمْ تُصَدِّقْهُ أَنْ تَقُولَ بَعْدَ لِعَانِهِ إِيَّاهَا: أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنَّ زَوْجِي هَذَا لَمِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنَ الزِّنَى، وَتَزِيدُ لِإِثْبَاتِ نِسْبَةِ الْحَمْلِ أَوِ الْوَلَدِ: وَأَنَّ هَذَا الْوَلَدَ مِنْهُ.وَتُكَرِّرُ ذَلِكَ كُلَّهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَتَزِيدُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ: وَعَلَيْهَا غَضَبُ اللَّهِ إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ.

وَلِعَانُ الْحَاكِمِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ هُوَ: أَنْ يُحْضِرَهُمَا، وَيَأْمُرَ الزَّوْجَ بِمُلَاعَنَةِ زَوْجَتِهِ إِنْ كَانَ مُصِرًّا عَلَى قَذْفِهَا، وَلَيْسَ مَعَهُ أَرْبَعَةُ شُهُودٍ عُدُولٍ، وَلَمْ تَعْتَرِفِ الزَّوْجَةُ بِمَا قَالَهُ، ثُمَّ يَأْمُرُ الزَّوْجَةَ- بَعْدَ انْتِهَاءِ الزَّوْجِ مِنَ الْمُلَاعَنَةِ- أَنْ تُلَاعِنَهُ، فَإِذَا لَاعَنَتْهُ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا.

وَمَعْلُومٌ أَنَّ قَوْلَ كُلٍّ مِنَ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ مَعْنَاهُ أُقْسِمُ بِاللَّهِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ اللِّعَانُ يَمِينًا خَاصَّةً لَهَا أَحْكَامٌ تَخُصُّهَا، وَلِتَفْصِيلِهَا (ر: لِعَانٌ).

ج- الْقَسَامَةُ:

15- الْقَسَامَةُ فِي اللُّغَةِ لَهَا مَعَانٍ: مِنْهَا الْيَمِينُ.

وَفِي الشَّرْعِ: أَنْ يُقْسِمَ خَمْسُونَ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ عَلَى اسْتِحْقَاقِهِمْ دِيَةَ قَتِيلِهِمْ، إِذَا وَجَدُوهُ قَتِيلًا بَيْنَ قَوْمٍ، وَلَمْ يُعْرَفْ قَاتِلُهُ.فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا خَمْسِينَ رَجُلًا أَقْسَمَ الْمَوْجُودُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا.فَإِنِ امْتَنَعُوا وَطَلَبُوا الْيَمِينَ مِنَ الْمُتَّهَمِينَ رَدَّهَا الْقَاضِي عَلَيْهِمْ، فَأَقْسَمُوا بِهَا عَلَى نَفْيِ الْقَتْلِ عَنْهُمْ.فَإِنْ حَلَفَ الْمُدَّعُونَ اسْتَحَقُّوا الدِّيَةَ.وَإِنْ حَلَفَ الْمُتَّهَمُونَ لَمْ تَلْزَمْهُمُ الدِّيَةُ.عَلَى خِلَافٍ وَتَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي (قَسَامَةٌ).

د- الْيَمِينُ الْمُغَلَّظَةُ:

16- هِيَ الْيَمِينُ الَّتِي غُلِّظَتْ بِالزَّمَانِ، وَالْمَكَانِ، وَزِيَادَةِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَبِحُضُورِ جَمْعٍ، وَبِالتَّكْرَارِ.

فَالتَّغْلِيظُ بِالزَّمَانِ هُوَ: أَنْ يَكُونَ الْحَلِفُ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَعَصْرُ الْجُمُعَةِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ.

وَالتَّغْلِيظُ بِالْمَكَانِ: أَنْ يَكُونَ الْحَلِفُ عِنْدَ مِنْبَرِ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ مِنْ جِهَةِ الْمِحْرَابِ، وَكَوْنُهُ عَلَى الْمِنْبَرِ أَوْلَى.أَمَّا التَّغْلِيظُ فِي مَكَّةَ، فَهُوَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ وَالْمَقَامِ.

وَالتَّغْلِيظُ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ يَكُونُ فِي اللِّعَانِ وَالْقَسَامَةِ وَبَعْضِ الدَّعَاوَى.

وَالتَّغْلِيظُ بِزِيَادَةِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ نَحْوَ: وَاللَّهِ الطَّالِبِ الْغَالِبِ الْمُدْرِكِ الْمُهْلِكِ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى، وَنَحْوَ: وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَعْلَمُ مِنَ السِّرِّ مَا يَعْلَمُ مِنَ الْعَلَانِيَةِ.

وَهَذَا التَّغْلِيظُ يَكُونُ فِي بَعْضِ الدَّعَاوَى.

وَالتَّغْلِيظُ بِحُضُورِ جَمْعٍ هُوَ: أَنْ يَحْضُرَ الْحَلِفَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِ الْبَلْدَةِ وَصُلَحَائِهَا، أَقَلُّهُمْ أَرْبَعَةٌ.

وَهَذَا التَّغْلِيظُ يَكُونُ فِي اللِّعَانِ.

وَالتَّغْلِيظُ بِالتَّكْرَارِ هُوَ: تَكْرَارُ الْيَمِينِ خَمْسِينَ مَرَّةً.

وَهَذَا يَكُونُ فِي الْقَسَامَةِ.وَلِتَفْصِيلِ ذَلِكَ كُلِّهِ (ر: لِعَانٌ وَقَسَامَةٌ وَدَعْوَى).

هـ- أَيْمَانُ الْبَيْعَةِ:

17- مِمَّا أَحْدَثَهُ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ الثَّقَفِيُّ، أَنْ حَلَّفَ النَّاسَ عَلَى بَيْعَتِهِمْ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْيَمِينِ بِاللَّهِ وَصَدَقَةِ الْمَالِ.

فَكَانَتْ هَذِهِ الْأَيْمَانُ الْأَرْبَعَةُ أَيْمَانَ الْبَيْعَةِ الْقَدِيمَةِ الْمُبْتَدَعَةِ.

ثُمَّ أَحْدَثَ الْمُسْتَحْلِفُونَ مِنَ الْأُمَرَاءِ عَنِ الْخُلَفَاءِ وَالْمُلُوكِ وَغَيْرِهِمْ أَيْمَانًا كَثِيرَةً، تَخْتَلِفُ فِيهَا عَادَاتُهُمْ، وَمَنْ أَحْدَثَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ إِثْمُ مَا تَرَتَّبَ عَلَى هَذِهِ الْأَيْمَانِ مِنَ الشَّرِّ.

فَإِذَا حَلَفَ إِنْسَانٌ بِأَيْمَانِ الْبَيْعَةِ، بِأَنْ قَالَ: عَلَيَّ أَيْمَانُ الْبَيْعَةِ، أَوْ أَيْمَانُ الْبَيْعَةِ تَلْزَمُنِي إِنْ فَعَلْتُ كَذَا أَوْ إِنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا مَثَلًا:

فَالْمَالِكِيَّةُ اخْتَلَفُوا، فَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: أَجْمَعَ الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى أَنَّهُ يَحْنَثُ فِيهَا بِالطَّلَاقِ لِجَمِيعِ نِسَائِهِ، وَالْعِتْقِ لِجَمِيعِ عَبِيدِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَقِيقٌ فَعَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ وَاحِدَةٍ، وَالْمَشْيُ إِلَى مَكَّةَ، وَالْحَجُّ وَلَوْ مِنْ أَقْصَى الْمَغْرِبِ، وَالتَّصَدُّقُ بِثُلُثِ جَمِيعِ أَمْوَالِهِ، وَصِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ.ثُمَّ قَالَ: جُلُّ الْأَنْدَلُسِيِّينَ قَالُوا: إِنَّ كُلَّ امْرَأَةٍ لَهُ تَطْلُقُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَقَالَ الْقَرَوِيُّونَ: إِنَّمَا تَطْلُقُ وَاحِدَةً وَاحِدَةً.وَأَلْزَمَهُ بَعْضُهُمْ صَوْمَ سَنَةٍ إِذَا كَانَ مُعْتَادًا لِلْحَلِفِ بِذَلِكَ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ: إِنْ لَمْ يَذْكُرْ فِي لَفْظِهِ طَلَاقَهَا أَوْ عَتَاقَهَا أَوْ حَجَّهَا أَوْ صَدَقَتَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، سَوَاءٌ أَنَوَاهُ أَمْ لَمْ يَنْوِهِ، إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ طَلَاقَهَا أَوْ عَتَاقَهَا، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ، فَإِنَّ الْيَمِينَ بِهِمَا تَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةِ، وَقَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ: لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَإِنْ نَوَاهُ مَا لَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِ؛ لِأَنَّ الصَّرِيحَ لَمْ يُوجَدْ، وَالْكِنَايَةَ إِنَّمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْحُكْمُ فِيمَا يَتَضَمَّنُ الْإِيقَاعُ، فَأَمَّا الِالْتِزَامُ فَلَا.

وَالْحَنَابِلَةُ اخْتَلَفُوا، فَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْخِرَقِيُّ: إِنْ نَوَاهَا لَزِمَتْهُ، سَوَاءٌ أَعَرَفَهَا أَمْ لَمْ يَعْرِفْهَا.وَقَالَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَمِنْهُمْ صَاحِبُ الْمُغْنِي: إِنْ لَمْ يَعْرِفْهَا لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ بِشَيْءٍ مِمَّا فِيهَا، وَفِي غَايَةِ الْمُنْتَهَى: يَلْزَمُ بِأَيْمَانِ الْبَيْعَةِ- وَهِيَ يَمِينٌ رَتَّبَهَا الْحَجَّاجُ تَتَضَمَّنُ الْيَمِينَ بِاللَّهِ تَعَالَى وَالطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ وَصَدَقَةَ الْمَالِ- مَا فِيهَا إِنْ عَرَفَهَا وَنَوَاهَا، وَإِلاَّ فَلَغْوٌ.

و- أَيْمَانُ الْمُسْلِمِينَ:

18- جَاءَ فِي كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ تَشْمَلُ سِتَّةَ أَشْيَاءَ، وَهِيَ: الْيَمِينُ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَالطَّلَاقُ الْبَاتُّ لِجَمِيعِ الزَّوْجَاتِ، وَعِتْقُ مَنْ يَمْلِكُ مِنَ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ، وَالتَّصَدُّقُ بِثُلُثِ الْمَالِ، وَالْمَشْيُ بِحَجٍّ، وَصَوْمِ عَامٍ.

وَهَذَا الشُّمُولُ لِلسِّتَّةِ إِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ تَعَارُفِ الْحَلِفِ بِهَا، فَإِنْ تُعُورِفَ الْحَلِفُ بِبَعْضِهَا لَمْ تَشْمَلْ مَا سِوَاهُ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى تَحْرِيمِ تَحْلِيفِ الْقَاضِي بِالطَّلَاقِ أَوِ الْعَتَاقِ أَوِ النَّذْرِ.قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَمَتَى بَلَغَ الْإِمَامَ أَنَّ قَاضِيًا يَسْتَحْلِفُ النَّاسَ بِطَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ نَذْرٍ عَزَلَهُ عَنِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ جَاهِلٌ.

وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: يَلْزَمُ بِالْحَلِفِ بِأَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ ظِهَارٌ وَطَلَاقٌ وَعَتَاقٌ وَنَذْرٌ وَيَمِينٌ بِاللَّهِ تَعَالَى مَعَ النِّيَّةِ.كَمَا لَوْ حَلَفَ بِكُلٍّ مِنْهَا عَلَى انْفِرَادٍ.وَلَوْ حَلَفَ بِأَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى نِيَّةِ بَعْضِ مَا ذُكِرَ تَقَيَّدَ حَلِفُهُ بِهِ، وَلَوْ حَلَفَ بِهَا وَأَطْلَقَ بِأَنْ لَمْ يَنْوِ كُلَّهَا وَلَا بَعْضَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ بِلَفْظِهِ مَا يَحْتَمِلُهُ فَلَمْ تَكُنْ يَمِينًا.

ز- أَيْمَانُ الْإِثْبَاتِ وَالْإِنْكَارِ:

19- يَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ فِي مَبْحَثِ الدَّعْوَى أَيْمَانًا لِلْإِثْبَاتِ وَالْإِنْكَارِ.

(مِنْهَا): الْيَمِينُ الْمُنْضَمَّةُ، وَيَصِحُّ تَسْمِيَتُهَا بِالْيَمِينِ الْمُتَمِّمَةِ، وَهِيَ الَّتِي تُضَمُّ إِلَى شَهَادَةِ شَاهِدٍ وَاحِدٍ، أَوْ شَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ لِإِثْبَاتِ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ.

(وَمِنْهَا): يَمِينُ الْمُنْكِرِ بِكَسْرِ الْكَافِ، أَوْ يَمِينُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَصُورَتُهَا: أَنْ يَدَّعِيَ إِنْسَانٌ عَلَى غَيْرِهِ بِشَيْءٍ، وَلَا يَجِدُ بَيِّنَةً، فَيُبَيِّنُ لَهُ الْقَاضِي أَنَّ لَهُ الْحَقَّ فِي طَلَبِ الْيَمِينِ مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَا دَامَ مُنْكِرًا، فَيَأْمُرُهُ الْقَاضِي أَنْ يَحْلِفَ، فَإِذَا حَلَفَ سَقَطَتِ الدَّعْوَى.

(وَمِنْهَا): يَمِينُ الرَّدِّ، وَصُورَتُهَا: أَنْ يَمْتَنِعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الْحَالَةِ السَّابِقِ ذِكْرُهَا عَنِ الْيَمِينِ، فَيَرُدُّهَا الْقَاضِي عَلَى الْمُدَّعِي، فَيَحْلِفُ عَلَى دَعْوَاهُ، وَيَسْتَحِقُّ مَا ادَّعَاهُ.

(وَمِنْهَا): يَمِينُ الِاسْتِظْهَارِ، وَصُورَتُهَا: أَنْ يَتْرُكَ الْمَيِّتُ أَمْوَالًا فِي أَيْدِي الْوَرَثَةِ، فَيَدَّعِي إِنْسَانٌ حَقًّا عَلَى هَذَا الْمَيِّتِ، فَعِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ لَا تَثْبُتُ الدَّعْوَى فِي مُوَاجَهَةِ الْوَرَثَةِ بِالْبَيِّنَةِ فَقَطْ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ ضَمِّ الْيَمِينِ مِنَ الْمُدَّعِي، وَقَدْ تَجِبُ يَمِينُ الِاسْتِظْهَارِ فِي مَسَائِلَ أُخْرَى.

وَلِبَيَانِ كُلِّ مَا سَبَقَ تَفْصِيلًا (ر: إِثْبَاتٌ وَدَعْوَى).

إِنْشَاءُ الْيَمِينِ وَشَرَائِطُهَا

20- تَقَدَّمَ أَنَّ الْيَمِينَ تَنْقَسِمُ مِنْ حَيْثُ صِيغَتُهَا إِلَى قَسَمٍ وَتَعْلِيقٍ، وَمِنْ هُنَا حَسُنَ تَقْسِيمُ الْكَلَامِ إِلَى قِسْمَيْنِ.

إِنْشَاءُ الْقَسَمِ وَشَرَائِطُهُ

21- مَعْلُومٌ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا قَالَ: أُقْسِمُ بِاللَّهِ لأَفْعَلَنَّ كَذَا، فَهَذِهِ الصِّيغَةُ تَحْتَوِي عَلَى جُمْلَتَيْنِ، أُولَاهُمَا: الْجُمْلَةُ الْمُكَوَّنَةُ مِنْ فِعْلِ الْقَسَمِ وَفَاعِلِهِ الضَّمِيرِ، وَحَرْفِ الْقَسَمِ وَهُوَ الْبَاءُ، وَالْمُقْسَمُ بِهِ وَهُوَ مَدْخُولُ الْبَاءِ.

وَثَانِيَتُهُمَا: الْجُمْلَةُ الْمُقْسَمُ عَلَيْهَا.

وَتَفْصِيلُ الْكَلَامِ عَلَى الْوَجْهِ الْآتِي.

أ- فِعْلُ الْقَسَمِ:

22- ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ فِعْلَ الْقَسَمِ إِذَا ذُكِرَ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ أَوِ الْمَاضِي، كَأَقْسَمْتُ أَوْ حَلَفْتُ، أَوْ حُذِفَ وَذُكِرَ مَكَانَهُ الْمَصْدَرُ نَحْوَ: قَسَمًا أَوْ حَلِفًا بِاللَّهِ، أَوْ لَمْ يَذْكُرْ نَحْوَ: اللَّهِ أَوْ بِاللَّهِ كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ يَمِينًا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ.

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِذَا قَالَ: أَحْلِفُ أَوْ أُقْسِمُ أَوْ أَشْهَدُ أَوْ أَعْزِمُ، وَقَالَ بَعْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا: بِاللَّهِ، فَهِيَ يَمِينٌ.وَقَوْلُ الْقَائِلِ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ بِاللَّهِ لَيْسَ بِيَمِينٍ، بِخِلَافِ: عَزَمْتُ بِاللَّهِ، أَوْ: أَعْزِمُ بِاللَّهِ كَمَا تَقَدَّمَ.

وَالْفَرْقُ هُوَ أَنَّ التَّصْرِيحَ بِكَلِمَةِ (عَلَيْكَ) جَعْلُهُ غَيْرَ يَمِينٍ بِخِلَافِ (أُقْسِمُ) فَإِنَّهَا إِذَا زِيدَ بَعْدَهَا كَلِمَةُ عَلَيْكَ لَمْ تُخْرِجْهَا عَنْ كَوْنِهَا يَمِينًا؛ لِأَنَّ (أُقْسِمُ) صَرِيحٌ فِي الْيَمِينِ.

وَقَوْلُ الشَّخْصِ: يَعْلَمُ اللَّهُ، لَيْسَ بِيَمِينٍ، فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ إِثْمُ الْكَذِبِ، وَلَا يَكُونُ كَافِرًا بِذَلِكَ، وَلَا بِقَوْلِهِ: أُشْهِدُ اللَّهَ، إِلاَّ إِنْ قَصَدَ أَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَخْفَى عَلَيْهِ الْوَاقِعُ، وَلَا يَكُونُ الْقَسَمُ أَيْضًا بِقَوْلِهِ: اللَّهُ رَاعٍ، أَوْ حَفِيظٌ، أَوْ حَاشَا لِلَّهِ، أَوْ مَعَاذَ اللَّهِ.

وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: مَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: آلَيْتُ، أَوْ أَقْسَمْتُ، أَوْ أُقْسِمُ عَلَيْكَ بِاللَّهِ، أَوْ أَسْأَلُكَ بِاللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ كَذَا، أَوْ لَا تَفْعَلْ كَذَا، أَوْ قَالَ: بِاللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ كَذَا، أَوْ لَا تَفْعَلْ كَذَا، فَإِمَّا أَنْ يُرِيدَ يَمِينَ نَفْسِهِ أَوْ لَا:

فَإِنْ أَرَادَ يَمِينَ نَفْسِهِ فَيَمِينٌ؛ لِصَلَاحِيَّةِ اللَّفْظِ لَهَا مَعَ اشْتِهَارِهِ عَلَى أَلْسِنَةِ حَمَلَةِ الشَّرْعِ.

وَإِنْ لَمْ يُرِدْ يَمِينَ نَفْسِهِ، بَلْ أَرَادَ الشَّفَاعَةَ، أَوْ يَمِينَ الْمُخَاطَبِ، أَوْ أَطْلَقَ لَمْ تَكُنْ يَمِينًا.

فَإِنْ قَالَ: وَاللَّهِ، أَوْ حَلَفْتُ عَلَيْكَ بِاللَّهِ كَانَ يَمِينًا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ؛ لِعَدَمِ اشْتِهَارِهِ فِي الشَّفَاعَةِ أَوْ يَمِينِ الْمُخَاطَبِ.

وَإِنْ قَالَ: آلَيْتُ، أَوْ أَقْسَمْتُ، أَوْ أُقْسِمُ بِاللَّهِ، وَلَمْ يَقُلْ: عَلَيْكَ كَانَ يَمِينًا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ أَيْضًا.

وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: إِذَا قَالَ أَقْسَمْتُ، أَوْ أُقْسِمُ، أَوْ شَهِدْتُ، أَوْ أَشْهَدُ، أَوْ حَلَفْتُ، أَوْ أَحْلِفُ، أَوْ عَزَمْتُ، أَوْ أَعْزِمُ، أَوْ آلَيْتُ، أَوْ أُولِي، أَوْ قَسَمًا، أَوْ حَلِفًا، أَوْ أَلْيَةً، أَوْ شَهَادَةً، أَوْ يَمِينًا، أَوْ عَزِيمَةً، وَأَتْبَعَ كُلًّا مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ بِقَوْلِهِ (بِاللَّهِ) مَثَلًا كَانَتْ يَمِينًا، سَوَاءٌ أَنَوَى بِهَا إِنْشَاءَ الْيَمِينِ أَمْ أَطْلَقَ، فَإِنْ نَوَى بِالْفِعْلِ الْمَاضِي إِخْبَارًا عَنْ يَمِينٍ مَضَتْ، أَوْ بِالْمُضَارِعِ وَعْدًا بِيَمِينٍ مُسْتَقْبَلَةٍ، أَوْ نَوَى بِقَوْلِهِ: عَزَمْتُ وَأَعْزِمُ وَعَزِيمَةً: قَصَدْتُ أَوْ أَقْصِدُ أَوْ قَصْدًا، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا يُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ.

23- وَلَيْسَ مِنَ الْيَمِينِ قَوْلُهُ: أَسْتَعِينُ بِاللَّهِ، وَأَعْتَصِمُ بِاللَّهِ، وَأَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ، وَعِلْمُ اللَّهِ، وَعِزُّ اللَّهِ، وَتَبَارَكَ اللَّهُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ وَلَوْ نَوَى الْيَمِينَ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْتَمِلُ الْيَمِينَ شَرْعًا وَلَا لُغَةً وَلَا عُرْفًا.

وَلَوْ قَالَ: أَسْأَلُكَ بِاللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ لَمْ تَكُنِ الصِّيغَةُ يَمِينًا إِنْ أَطْلَقَ أَوْ قَصَدَ السُّؤَالَ أَوِ الْإِكْرَامَ أَوِ التَّوَدُّدَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَصَدَ الْيَمِينَ فَإِنَّهَا تَكُونُ يَمِينًا.

ب- حُرُوفُ الْقَسَمِ:

24- هِيَ: الْبَاءُ وَالْوَاوُ وَالتَّاءُ.أَمَّا الْبَاءُ فَهِيَ الْأَصْلُ، وَلِهَذَا يَجُوزُ أَنْ يُذْكَرَ قَبْلَهَا فِعْلُ الْقَسَمِ، وَأَنْ يُحْذَفَ، وَيَجُوزُ أَنْ تَدْخُلَ عَلَى الظَّاهِرِ وَالْمُضْمَرِ، نَحْوَ: أُقْسِمُ بِك يَا رَبِّ لأَفْعَلَنَّ كَذَا.وَتَلِيهَا الْوَاوُ، وَهِيَ تَدْخُلُ عَلَى الظَّاهِرِ فَقَطْ، وَيُحْذَفُ مَعَهَا فِعْلُ الْقَسَمِ وُجُوبًا.وَتَلِيهَا التَّاءُ، وَلَا تَدْخُلُ إِلاَّ عَلَى لَفْظِ الْجَلَالَةِ، كَمَا فِي قوله تعالى حِكَايَةٍ عَنْ نَبِيِّهِ إِبْرَاهِيمَ- عليه السلام- {وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ} وَرُبَّمَا دَخَلَتْ عَلَى (رَبِّ) نَحْوَ: تَرَبِّي، وَتَرَبِّ الْكَعْبَةِ، وَيَجِبُ مَعَهَا حَذْفُ فِعْلِ الْقَسَمِ أَيْضًا.

وَإِذَا وَجَبَ حَذْفُ الْفِعْلِ وَجَبَ حَذْفُ الْمَصَادِرِ أَيْضًا، نَحْوَ قَسَمًا.

وَيَقُومُ مَقَامَ بَاءِ الْقَسَمِ حُرُوفٌ أُخْرَى، وَهِيَ الْهَاءُ وَالْهَمْزَةُ وَاللاَّمُ.

أَمَّا الْهَاءُ فَمِثَالُهَا: هَا اللَّهِ، بِفَتْحِ الْهَاءِ مَمْدُودَةً وَمَقْصُورَةً مَعَ قَطْعِ هَمْزَةِ لَفْظِ الْجَلَالَةِ وَوَصْلِهَا، وَإِذَا وُصِلَتْ حُذِفَتْ.

وَأَمَّا الْهَمْزَةُ فَمِثَالُهَا: آللَّهُ، مَمْدُودَةً وَمَقْصُورَةً مَعَ وَصْلِ هَمْزَةِ لَفْظِ الْجَلَالَةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ تُحْذَفَ.

وَأَمَّا اللاَّمُ، فَقَدْ أَفَادَ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ: أَنَّ مَنْ قَالَ (لِلَّهِ) بِلَامِ الْجَرِّ بَدَلِ الْبَاءِ كَانَتْ صِيغَتُهُ يَمِينًا.

وَلَا تُسْتَعْمَلُ اللاَّمُ إِلاَّ فِي قَسَمٍ مُتَضَمِّنٍ مَعْنَى التَّعَجُّبِ، كَقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ- رضي الله عنهما-: «دَخَلَ آدَمُ الْجَنَّةَ فَلِلَّهِ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ حَتَّى خَرَجَ».

وَفِي مُغْنِي اللَّبِيبِ وَالْقَامُوسِ وَشَرْحِهِ مَا يُفِيدُ أَنَّ اللاَّمَ تُسْتَعْمَلُ لِلْقَسَمِ وَالتَّعَجُّبِ مَعًا، وَتَخْتَصُّ بِلَفْظِ الْجَلَالَةِ.

هَذَا مَا قَالَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَنَحْوُهُ بَقِيَّةُ الْمَذَاهِبِ.

حَذْفُ حَرْفِ الْقَسَمِ:

25- إِنْ لَمْ يَذْكُرِ الْحَالِفُ شَيْئًا مِنْ أَحْرُفِ الْقَسَمِ، بَلْ قَالَ: اللَّهِ لأَفْعَلَنَّ كَذَا مَثَلًا، كَانَ يَمِينًا بِغَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى النِّيَّةِ سَوَاءٌ أَكَسَرَ الْهَاءَ عَلَى سَبِيلِ الْجَرِّ بِالْحَرْفِ الْمَحْذُوفِ، أَمْ فَتَحَهَا عَلَى سَبِيلِ نَزْعِ الْخَافِضِ، أَمْ ضَمَّهَا عَلَى سَبِيلِ الرَّفْعِ بِالِابْتِدَاءِ، وَيَكُونُ الْخَبَرُ مَحْذُوفًا وَتَقْدِيرُهُ: قَسَمِي أَوْ أُقْسِمُ بِهِ، أَمْ سَكَّنَهَا إِجْرَاءً لِلْوَصْلِ مَجْرَى الْوَقْفِ.

وَبَقَاءُ الْجَرِّ عِنْدَ حَذْفِ الْحَرْفِ خَاصٌّ بِلَفْظِ الْجَلَالَةِ، فَلَا يَجُوزُ فِي الْعَرَبِيَّةِ أَنْ يُقَالَ: الرَّحْمَنِ لأَفْعَلَنَّ كَذَا بِكَسْرِ النُّونِ.كَذَا قِيلَ.لَكِنِ الرَّاجِحُ أَنَّهُ يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا، وَأَيًّا مَا كَانَ فَاللَّحْنُ لَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْيَمِينِ.

هَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ.

وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ قَالَ: اللَّهِ، بِحَذْفِ حَرْفِ الْقَسَمِ.لَمْ يَكُنْ يَمِينًا إِلاَّ بِالنِّيَّةِ، سَوَاءٌ جَرَّ الِاسْمَ أَمْ نَصَبَهُ أَمْ رَفَعَهُ أَمْ سَكَنَّهُ.

وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: يَصِحُّ قَسَمٌ بِغَيْرِ حُرُوفِهِ، نَحْوَ: اللَّهِ لأَفْعَلَنَّ، جَرًّا وَنَصْبًا.فَإِنْ رُفِعَ فَيَمِينٌ أَيْضًا إِلاَّ إِذَا كَانَ الرَّافِعُ يَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ وَلَمْ يَنْوِ الْيَمِينَ، فَلَا يَكُونُ يَمِينًا لِأَنَّهُ إِمَّا مُبْتَدَأٌ أَوْ مَعْطُوفٌ بِخِلَافِ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ، فَلَوْ رَفَعَ كَانَ يَمِينًا لِأَنَّ اللَّحْنَ لَا يَضُرُّ.

ج- اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى الْمُقْسَمِ بِهِ:

26- اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى الْمُقْسَمِ بِهِ: هُوَ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ حَرْفُ الْقَسَمِ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ اسْمًا لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ صِفَةً لَهُ.

وَالْمَقْصُودُ بِالِاسْمِ: مَا دَلَّ عَلَى الذَّاتِ الْمُتَّصِفَةِ بِجَمِيعِ صِفَاتِ الْكَمَالِ، وَهُوَ لَفْظُ الْجَلَالَةِ (اللَّهُ) وَكَذَلِكَ تَرْجَمَتُهُ بِجَمِيعِ اللُّغَاتِ، أَوْ عَلَى الذَّاتِ الْمُتَّصِفَةِ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى، سَوَاءٌ أَكَانَ مُخْتَصًّا بِهِ كَالرَّحْمَنِ، وَرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَخَالِقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَالْأَوَّلِ بِلَا بِدَايَةٍ، وَالْآخِرِ بِلَا نِهَايَةٍ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، وَالَّذِي بَعَثَ الْأَنْبِيَاءَ بِالْحَقِّ، وَمَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ.أَمْ كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ كَالرَّحِيمِ وَالْعَظِيمِ وَالْقَادِرِ وَالرَّبِّ وَالْمَوْلَى وَالرَّازِقِ وَالْخَالِقِ وَالْقَوِيِّ وَالسَّيِّدِ، فَهَذِهِ الْأَسْمَاءُ قَدْ تُطْلَقُ عَلَى غَيْرِهِ تَعَالَى، قَالَ تَعَالَى فِي وَصْفِ الرَّسُولِ- صلى الله عليه وسلم- {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ فِي حِكَايَةِ مَا قَالَهُ الْهُدْهُدُ لِسُلَيْمَانَ- عليه السلام- وَصْفًا لِمَلَكَةِ سَبَأٍ {وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ}.وَقَالَ سُبْحَانَهُ فِي وَصْفِ أَهْلِ الْحَدِيقَةِ الَّذِينَ عَزَمُوا عَلَى الْبُخْلِ بِثَمَرِهَا {وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ} وَمَعْنَى الْحَرْدِ: الْمَنْعُ، وَالْمُرَادُ مَنْعُ الْمَسَاكِينِ، وَقَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ قَوْلِ يُوسُفَ- عليه السلام- لِأَحَدِ صَاحِبَيْهِ فِي السِّجْنِ: {اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ مُخَاطِبًا لِزَوْجَيْنِ مِنْ أَزْوَاجِ الرَّسُولِ- صلى الله عليه وسلم- {وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ} وَقَالَ جَلَّ شَأْنُهُ مُخَاطِبًا لِمَنْ يَقْسِمُونَ الْمِيرَاثَ {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ}

وَقَالَ سُبْحَانَهُ مُخَاطِبًا لِعِيسَى- عليه السلام- {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي} وَقَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ قَوْلِ إِحْدَى الْمَرْأَتَيْنِ لِأَبِيهَا عَنْ مُوسَى- عليه السلام- {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ}

موسوعة الفقه الكويتية-وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت-صدرت بدءًا من: 1404هـ/1984م


19-موسوعة الفقه الكويتية (نفقة 2)

نَفَقَةٌ -2

نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ الْمَرِيضَةِ:

20- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَةَ إِذَا كَانَتْ مَرِيضَةً قَبْلَ الِانْتِقَالِ إِلَى بَيْتِ زَوْجِهَا وَبَذَلَتْ لَهُ تَسْلِيمَ نَفْسِهَا تَسْلِيمًا كَامِلًا، أَوْ بَذَلَ هَذَا التَّسْلِيمَ وَلِيُّ الزَّوْجَةِ وَالزَّوْجَةُ مِمَّنْ يُوطَأُ مِثْلُهَا، وَتَسَلَّمَهَا الزَّوْجُ فِعْلًا، أَنَّ النَّفَقَةَ تَكُونُ وَاجِبَةً لَهَا عَلَيْهِ وَلَوْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا لِمَرَضِهَا.

كَمَا ذَهَبُوا إِلَى وُجُوبِ النَّفَقَةِ لَهَا عَلَيْهِ إِذَا زُفَّتْ إِلَيْهِ وَهِيَ صَحِيحَةٌ ثُمَّ مَرِضَتْ عِنْدَهُ، لِأَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ مُمْكِنٌ وَلَا تَفْرِيطَ مِنْ جِهَتِهَا وَلِأَنَّ الِاحْتِبَاسَ قَائِمٌ فَإِنَّهُ يَسْتَأْنِسُ بِهَا وَيَمَسُّهَا وَتَحْفَظُ الْبَيْتَ، وَالْمَانِعُ عَارِضٌ فَأَشْبَهَ الْحَيْضَ.

21- وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَرِيضَةِ الْمَدْخُولِ بِهَا مَرَضًا شَدِيدًا يَمْنَعُهَا مِنْ الِانْتِقَالِ إِلَى مَنْزِلِ الزَّوْجِيَّةِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: لَهَا النَّفَقَةُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ.

وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِأَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا مُمْكِنٌ وَلَا تَفْرِيطَ مِنْ جِهَتِهَا وَإِنْ مُنِعَ مِنَ الْوَطْءِ.

وَلِأَنَّ التَّسْلِيمَ فِي حَقِّ التَّمْكِينِ مِنَ الْوَطْءِ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ، فَقَدْ وُجِدَ فِي حَقِّ التَّمْكِينِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ وَهَذَا يَكْفِي لِوُجُوبِ النَّفَقَةِ كَمَا فِي الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَالصَّائِمَةِ صَوْمَ رَمَضَانَ.

الْقَوْلُ الثَّانِي: لَا نَفَقَةَ لَهَا قَبْلَ النُّقْلَةِ فَإِذَا نُقِلَتْ وَهِيَ مَرِيضَةٌ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهَا، وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَسَحْنُونٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ.

فَقَدْ جَاءَ فِي الْبَدَائِعِ: رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنْ لَا نَفَقَةَ لَهَا قَبْلَ النُّقْلَةِ، فَإِذَا نُقِلَتْ وَهِيَ مَرِيضَةٌ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهَا، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدِ التَّسْلِيمُ الَّذِي هُوَ تَخْلِيَةٌ وَتَمْكِينٌ، وَلَنْ يَتَحَقَّقَ ذَلِكَ مَعَ وُجُودِ الْمَانِعِ، وَهُوَ الْمَرَضُ، فَلَا تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ كَالصَّغِيرَةِ الَّتِي لَا تَحْتَمِلُ الْوَطْءَ.

وَلِأَنَّ التَّسْلِيمَ الَّذِي أَوْجَبَهُ الْعَقْدُ- وَهُوَ التَّسْلِيمُ الْمُمَكِّنُ مِنَ الْوَطْءِ- لَمَّا لَمْ يُوجَدْ كَانَ لَهُ أَنْ لَا يَقْبَلَ التَّسْلِيمَ الَّذِي لَمْ يُوجِبْهُ الْعَقْدُ.

نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ الْمَحْبُوسَةِ:

22- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَدَى اسْتِحْقَاقِ الزَّوْجَةِ لِلنَّفَقَةِ إِذَا كَانَتْ مَحْبُوسَةً بِسَبَبِ دَيْنٍ عَلَيْهَا دُونَ مُمَاطَلَةٍ مِنْهَا عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: لَيْسَ لَهَا النَّفَقَةُ مَا دَامَتْ مَحْبُوسَةً، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْحَنَفِيَّةِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ.

وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ حَبْسَ النِّكَاحِ قَدْ بَطَلَ بِاعْتِرَاضِ حَبْسِ الدَّيْنِ، لِأَنَّ صَاحِبَ الدَّيْنِ أَحَقُّ بِحَبْسِهَا بِالدَّيْنِ.

كَمَا وَقَدْ فَاتَ بِحَبْسِهَا التَّسْلِيمُ الْوَاجِبُ بِالنِّكَاحِ مِنْ قِبَلِهَا فَصَارَتْ كَالنَّاشِزِ فِي عَدَمِ وُجُوبِ النَّفَقَةِ لَهَا وَفِي سُقُوطِهَا.

الْقَوْلُ الثَّانِي: لَهَا النَّفَقَةُ مُدَّةَ حَبْسِهَا مَا لَمْ تَكُنْ مُمَاطِلَةً، وَبِهِ قَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ.

وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ مَنْعَهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ لَمْ يَكُنْ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهَا فَلَا تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا، لِأَنَّهَا حُبِسَتْ لِإِثْبَاتِ عُسْرِهَا لَا لِمُمَاطَلَتِهَا.

نَفَقَةُ زَوْجَةِ الْغَائِبِ:

غِيَابُ الزَّوْجِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ.

أَوَّلًا: نَفَقَةُ زَوْجَةِ الْغَائِبِ قَبْلَ الدُّخُولِ:

23- فَرَّقَ الْفُقَهَاءُ فِي اسْتِحْقَاقِ زَوْجَةِ الْغَائِبِ النَّفَقَةَ الْوَاجِبَةَ بِالنِّكَاحِ قَبْلَ الدُّخُولِ بَيْنَ مَا إِذَا بَذَلَتْ نَفْسَهَا لَهُ حَالَ غَيْبَتِهِ وَبَيْنَ بَذْلِهَا لَهُ نَفْسَهَا قَبْلَ غَيْبَتِهِ.

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، إِلَى أَنَّهُ إِذَا بَذَلَتْ نَفْسَهَا وَالزَّوْجُ غَائِبٌ فَإِنَّهُ لَا يَفْرِضُ لَهَا النَّفَقَةَ.

لِأَنَّهَا بَذَلَتْ نَفْسَهَا فِي حَالٍ لَا يُمْكِنُهُ التَّسَلُّمُ فِيهِ حَتَّى يُرَاسِلَهُ الْحَاكِمُ، بِأَنْ يَكْتُبَ رِسَالَةً إِلَى حَاكِمِ الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ لِيَسْتَدْعِيَهُ وَيُعْلِمَهُ بِرَغْبَةِ زَوْجَتِهِ فِي تَمْكِينِهِ مِنْ نَفْسِهَا وَطَلَبِهَا لِلنَّفَقَةِ، وَيَمْضِي عَلَى ذَلِكَ زَمَنٌ يُمْكِنُ أَنْ يَقْدُمَ فِي مِثْلِهِ.

فَإِذَا سَارَ الزَّوْجُ إِلَيْهَا أَوْ وَكَّلَ مَنْ يَتَسَلَّمَهَا لَهُ مِمَّنْ يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ كَمَحْرَمِهَا، فَوَصَلَ فَتَسَلَّمَهَا الزَّوْجُ أَوْ نَائِبُهُ وَجَبَتِ النَّفَقَةُ حِينَئِذٍ، لِأَنَّ وُجُودَ الْبَذْلِ قَبْلَ ذَلِكَ كَعَدَمِهِ.

فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا سَبَقَ، فَرَضَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ نَفَقَتَهَا مِنْ حِينِ الْوَقْتِ الَّذِي يَتَمَكَّنُ فِيهِ الْوُصُولُ إِلَيْهَا وَتَسَلُّمُهَا فِيهِ، لِأَنَّ الزَّوْجَ امْتَنَعَ مِنْ تَسَلُّمِهَا لِإِمْكَانِ ذَلِكَ وَبَذْلِهَا نَفْسَهَا لَهُ، فَلَزِمَتْهُ نَفَقَتُهَا كَمَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا، وَلِأَنَّ الزَّوْجَ بِامْتِنَاعِهِ عَنِ الْحُضُورِ لِتَسَلُّمِهَا يَكُونُ قَدْ تَرَكَ حَقَّهُ فِي ذَلِكَ، وَتَرْكُهُ لِحَقِّهِ لَا يُسْقِطُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنَ النَّفَقَةِ لِزَوْجَتِهِ.

وَإِذَا بَذَلَتْ نَفْسَهَا لَهُ وَهُوَ حَاضِرٌ ثُمَّ غَابَ عَنْهَا بَعْدَ أَنْ عَرَضَتْ عَلَيْهِ نَفْسَهَا وَامْتَنَعَ مِنْ تَسَلُّمِهَا فَالنَّفَقَةُ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ فِي غَيْبَتِهِ وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ، لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ جِهَتِهِ.

وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى مَا جَاءَ فِي الْخِطَابِ: إِذَا سَافَرَ الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ فَطَلَبَتْ زَوْجَتُهُ النَّفَقَةَ فَلَهَا ذَلِكَ عَلَى مَا رَجَّحَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَقِيلَ: لَا نَفَقَةَ لَهَا إِذَا كَانَ قَرِيبًا لِأَنَّهَا لَا نَفَقَةَ لَهَا حَتَّى تَدْعُوَهُ وَهِيَ لَمْ تَدْعُ قَبْلَ مَغِيبِهِ فَيُكْتَبُ لَهُ إِمَّا أَنْ يَبْنِيَ أَوْ أَنْ يُنْفِقَ، وَقِيلَ: لَهَا النَّفَقَةُ مِنْ حِينِ تَدْعُو إِلَى الْبِنَاءِ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا عَلَى قُرْبٍ فَلَيْسَ عَلَيْهَا انْتِظَارُهُ وَهَذَا أَقْيَسُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ إِذْ لَمْ يُفَرَّقْ فِيهَا بَيْنَ قُرْبٍ وَلَا بُعْدٍ.

ثَانِيًا: نَفَقَةُ زَوْجَةِ الْغَائِبِ بَعْدَ الدُّخُولِ:

24- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي فَرْضِ النَّفَقَةِ عَلَى الزَّوْجِ أَوْ مَا فِي حُكْمِهِ إِنْ كَانَ غَائِبًا.

فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ تَجِبُ عَلَى زَوْجِهَا الْغَائِبِ فِي مَالِهِ، حَاضِرًا كَانَ الْمَالُ أَوْ غَائِبًا، وَسَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ بِفَرْضِ الْقَاضِي لِلنَّفَقَةِ إِذَا طَلَبَتِ الزَّوْجَةُ أَمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ.لِمَا وَرَدَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ لِهِنْدَ امْرَأَةِ أَبِي سُفْيَانَ: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» وَكَانَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- فَرْضًا لِلنَّفَقَةِ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ وَكَانَ غَائِبًا.

وَلِلْحَنَفِيَّةِ قَوْلَانِ فِي فَرْضِ النَّفَقَةِ عَلَى الْغَائِبِ:

الْأَوَّلُ: هُوَ أَنْ يَفْرِضَ الْقَاضِي لِلزَّوْجَةِ نَفَقَةً عَلَى زَوْجِهَا الْغَائِبِ بِشَرْطِ طَلَبِهَا، لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنَ الزَّوْجِ، فَلَا تُمْنَعُ النَّفَقَةُ عَنِ الزَّوْجَةِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَوَّلًا وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ لِحَدِيثِ هِنْدَ السَّابِقِ.

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يَفْرِضُ لَهَا النَّفَقَةَ وَلَوْ طَلَبَتْ وَلَوْ كَانَ الْقَاضِي عَالِمًا بِالزَّوْجِيَّةِ لِأَنَّ الْفَرْضَ مِنَ الْقَاضِي عَلَى الْغَائِبِ قَضَاءٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ صَحَّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ لَا يَجُوزُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عَنْهُ خَصْمٌ حَاضِرٌ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ الْآخَرَ، وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ.

وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (غَيْبَة ف 4 وَمَا بَعْدَهَا).

25- فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْقَاضِي عَالِمًا بِالزَّوْجِيَّةِ فَسَأَلَتِ الْقَاضِيَ أَنْ يَسْمَعَ بَيِّنَتَهَا بِالزَّوْجِيَّةِ وَيَفْرِضَ لَهَا نَفَقَةً عَلَى الْغَائِبِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: لَا يَسْمَعُهَا الْقَاضِي وَلَا يَفْرِضُ لَهَا، وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ.لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَصْلِ الْحَنَفِيَّةِ لَا تُسْمَعُ إِلاَّ عَلَى خَصْمٍ حَاضِرٍ، وَلَا خَصْمَ فَلَا تُسْمَعُ.

الْقَوْلُ الثَّانِي: يَسْمَعُ الْقَاضِي بَيِّنَتَهَا وَيَفْرِضُ لَهَا نَفَقَةً وَتَسْتَدِينُ عَلَيْهِ، فَإِذَا حَضَرَ الزَّوْجُ وَأَنْكَرَ يَأْمُرُهَا الْقَاضِي بِإِعَادَةِ الْبَيِّنَةِ فِي وَجْهِهِ، فَإِنْ فَعَلَتْ نَفَّذَ الْفَرْضَ وَصَحَّتْ الِاسْتِدَانَةُ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ لَمْ يُنَفِّذْ وَلَمْ يَصِحَّ، وَبِهِ قَالَ زُفَرُ.

لِأَنَّ الْقَاضِيَ إِنَّمَا يَسْمَعُ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ لَا لِإِثْبَاتِ النِّكَاحِ عَلَى الْغَائِبِ، بَلْ لِيَتَوَصَّلَ Cبِهَا إِلَى فَرْضِ النَّفَقَةِ، إِذْ يَجُوزُ سَمَاعُ الْبَيِّنَةُ فِي حَقِّ حُكْمٍ دُونَ حُكْمٍ، كَشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ عَلَى السَّرِقَةِ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ فِي حَقِّ الْمَالِ، وَلَا تُقْبَلُ فِي حَقِّ الْقَطْعِ.كَذَا هَاهُنَا تُقْبَلُ هَذِهِ الْبَيِّنَةُ فِي حَقِّ صِحَّةِ الْفَرْضِ، لَا فِي إِثْبَاتِ النِّكَاحِ.

فَإِذَا حَضَرَ وَأَنْكَرَ اسْتَعَادَ مِنْهَا الْبَيِّنَةَ، فَإِنْ أَعَادَتْ نَفَّذَ الْفَرْضَ وَصَحَّتْ الِاسْتِدَانَةُ عَلَيْهِ وَإِلاَّ فَلَا.هَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ الزَّوْجُ غَائِبًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ حَاضِرٌ.فَإِذَا كَانَ لَهُ مَالٌ حَاضِرٌ: فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي يَدِ الزَّوْجَةِ أَوْ فِي يَدِ غَيْرِهَا.

فَإِذَا كَانَ الْمَالُ فِي يَدِهَا وَهُوَ مِنْ جِنْسِ النَّفَقَةِ فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ لَهَا أَنْ تُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهَا بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي لِحَدِيثِ هِنْدَ امْرَأَةِ أَبِي سُفْيَانَ السَّابِقِ.

وَإِنْ كَانَ الْمَالُ فِي يَدِ غَيْرِهَا وَهُوَ مِنْ جَنْسِ النَّفَقَةِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي أَخْذِ الزَّوْجَةِ نَفَقَتَهَا مِنْ مَالِ زَوْجِهَا الَّذِي بِيَدِ الْآخَرِينَ سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَالُ وَدِيعَةً أَمْ دَيْنًا بِأَمْرِ الْقَاضِي عَلَى قَوْلَيْنِ: الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: إِنْ كَانَ صَاحِبُ الْيَدِ مُقِرًّا بِالْوَدِيعَةِ وَالزَّوْجِيَّةِ، أَوْ كَانَ الْمَدِينُ مُقِرًّا بِالدَّيْنِ وَالزَّوْجِيَّةِ، أَوْ كَانَ الْقَاضِي عَالِمًا بِذَلِكَ فَرَضَ لَهَا فِي ذَلِكَ الْمَالِ نَفَقَتَهَا، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ.

لِأَنَّ صَاحِبَ السَّيِّدِ- وَهُوَ الْمُودَعُ- إِذَا أَقَرَّ بِالْوَدِيعَةِ وَالزَّوْجِيَّةِ، أَوْ أَقَرَّ الْمَدْيُونُ بِالدَّيْنِ وَالزَّوْجِيَّةِ فَقَدْ أَقَرَّا أَنَّ لَهَا حَقَّ الْأَخْذِ، لِأَنَّ لِلزَّوْجَةِ أَنْ تَمُدَّ يَدَهَا إِلَى مَالِ زَوْجِهَا فَتَأْخُذَ كِفَايَتَهَا مِنْهُ لِحَدِيثِ امْرَأَةِ أَبِي سُفْيَانَ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْرِضِ الْقَاضِي لَهَا النَّفَقَةَ فِي ذَلِكَ الْمَالِ أُضِيرَتْ، فَكَانَ الْوَاجِبُ إِعَانَتَهَا عَلَى أَخْذِ حَقِّهَا وَاسْتِيفَاءِ نَفَقَتِهَا.

الْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يَفْرِضُ لَهَا نَفَقَةً، وَبِهِ قَالَ زُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ.لِأَنَّ هَذَا قَضَاءٌ عَلَى الْغَائِبِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ عَنْهُ خَصْمٌ حَاضِرٌ، إِذِ الْمُودَعُ لَيْسَ بِخَصْمٍ عَنِ الزَّوْجِ وَكَذَا الْمَدْيُونُ فَلَا يَجُوزُ.

هَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَتِ الْوَدِيعَةُ وَالدَّيْنُ مِنْ جِنْسِ النَّفَقَةِ بِأَنْ كَانَتْ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ طَعَامًا أَوْ ثِيَابًا مَنْ جَنْسِ كُسْوَتِهَا.

أَمَّا إِنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسٍ آخَرَ بِأَنْ كَانَتْ عَقَارًا أَوْ عُرُوضًا فَبَيَانُ حُكْمِ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:

أَوَّلًا: إِنْ كَانَتْ أَمْوَالُ الْغَائِبِ عَقَارًا:

26- ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَفْرِضُ الْقَاضِي لِلزَّوْجَةِ فِي عَقَارِ الْغَائِبِ نَفَقَةً، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إِيجَابُ النَّفَقَةِ فِي عَقَارِ الْغَائِبِ إِلاَّ بِالْبَيْعِ، وَلَا يُبَاعُ الْعَقَارُ عَلَى الْغَائِبِ فِي النَّفَقَةِ، لِأَنَّ مَالَ الْمَدِينِ إِنَّمَا يُبَاعُ إِذَا امْتَنَعَ عَنِ الْأَدَاءِ وَلَمْ يَثْبُتِ امْتِنَاعُهُ فَلَا يُبَاعُ عَلَيْهِ.

ثَانِيًا: إِنْ كَانَ أَمْوَالُ الْغَائِبِ عُرُوضًا:

27- أَمَّا إِذَا كَانَتْ أَمْوَالُهُ عُرُوضًا فَقَدِ اخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي فَرْضِ النَّفَقَةِ فِيهَا لِلزَّوْجَةِ بِبَيْعِهَا عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: لَا يَفْرِضُ لَهَا النَّفَقَةَ فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ وَلَا تُبَاعُ فِي نَفَقَتِهَا، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إِيجَابُ النَّفَقَةِ فِيهِ إِلاَّ بِالْبَيْعِ، وَمَالُ الْمَدِينِ إِنَّمَا يُبَاعُ إِذَا امْتَنَعَ عَنِ الْأَدَاءِ، وَالْغَائِبُ لَا يُعْلَمُ امْتِنَاعُهُ، فَلَا يُعْلَمُ ظُلْمُهُ، فَلَا يُبَاعُ عَلَيْهِ.

الْقَوْلُ الثَّانِي: يَفْرِضُ لِزَوْجَةِ الْغَائِبِ النَّفَقَةَ فِي مَالِهِ إِنْ كَانَتْ عُرُوضًا بِبَيْعِهِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ.

وَاسْتَنَدَا فِي ذَلِكَ: إِلَى مَا اسْتَنَدَا إِلَيْهِ فِي فَرْضِ نَفَقَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَمْوَالُهُ عَقَارًا مِنْ حَدِيثِ هِنْدَ.

قَالَ ابْنُ نُجَيْمٍ: وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ أَصْلًا فَطَلَبَتْ مِنَ الْقَاضِي فَرْضَ النَّفَقَةِ فَعِنْدَنَا لَا يَسْمَعُ الْبَيِّنَةَ لِأَنَّهُ قَضَاءٌ عَلَى الْغَائِبِ، وَعِنْدَ زُفَرَ يَسْمَعُ الْقَاضِي الْبَيِّنَةَ وَلَا يَقْضِي بِالنِّكَاحِ وَيُعْطِيهَا النَّفَقَةَ مِنْ مَالِ الزَّوْجِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالِكٌ أَمَرَهَا الْقَاضِي بِالِاسْتِدَانَةِ، فَإِنْ حَضَرَ الزَّوْجُ وَأَقَرَّ بِالنِّكَاحِ أَمَرَهُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ، وَإِنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ كَلَّفَهَا الْقَاضِي إِعَادَةَ الْبَيِّنَةِ، فَإِنْ لَمْ تُعِدْهَا أَمَرَهَا الْقَاضِي بِرَدِّ مَا أَخَذَتْ، وَمَا يَفْعَلُهُ الْقُضَاةُ فِي زَمَانِنَا مِنْ قَبُولِ الْبَيِّنَةِ مِنَ الْمَرْأَةِ وَفَرْضِ النَّفَقَةِ عَلَى الْغَائِبِ إِنَّمَا يُنَفَّذُ لَا لِأَنَّهُ قَوْلُ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَإِنَّمَا يُنَفَّذُ لِكَوْنِهِ مُخْتَلَفًا فِيهِ إِمَّا مَعَ زُفَرَ أَوْ مَعَ أَبِي يُوسُفَ كَمَا ذَكَرَهُ الْخَصَّافُ وَهُوَ أَرْفَقُ بِالنَّاسِ.

نَفَقَةُ زَوْجَةِ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ:

28- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وَقْتِ اعْتِبَارِ نَفَقَةِ زَوْجَةِ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: إِنْ أَنْفَقَتِ الزَّوْجَةُ عَلَى نَفْسِهَا مِنْ مَالِهَا أَوْ مِنْ مَالِ غَيْرِهَا بِدُونِ Cقَضَاءٍ مِنَ الْقَاضِي بِالنَّفَقَةِ أَوْ تَرَاضٍ مَعَ زَوْجِهَا عَلَى مِقْدَارِ النَّفَقَةِ: لَا تَكُونُ النَّفَقَةُ دَيْنًا عَلَى الزَّوْجِ أَصْلًا إِلاَّ إِذَا كَانَتِ الْمُدَّةُ الَّتِي طَلَبَتِ الْحُكْمَ بِنَفَقَتِهَا أَقَلَّ مِنْ شَهْرٍ، فَيَسُوغُ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ لَهَا لِصُعُوبَةِ الِاحْتِرَازِ عَنْهَا.

لِأَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ لَهَا شَبَهَانِ: شَبَهٌ بِالْعِوَضِ وَآخَرُ بِالصِّلَةِ عَطَاءٌ مِنْ غَيْرِ عِوَضِ، فَهِيَ لَيْسَتْ عِوَضًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَلَيْسَتْ صِلَةً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.

أَمَّا شَبَهُهَا بِالْعِوَضِ فَلِأَنَّهَا جَزَاءُ احْتِبَاسِ الزَّوْجَةِ لِحَقِّ زَوْجِهَا وَقِيَامِهَا بِشُؤُونِ الْبَيْتِ وَرِعَايَةِ الْأَوْلَادِ.وَأَمَّا شَبَهُهَا بِالصِّلَةِ فَلِكَوْنِ الْمَنَافِعِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى الِاحْتِبَاسِ عَائِدَةً عَلَى كِلَا الزَّوْجَيْنِ فَيَكُونُ وَاجِبًا عَلَيْهَا فَلَا تَسْتَحِقُّ بِهِ شَيْئًا عَلَى الزَّوْجِ.

فَنَظَرًا لِشَبَهِهَا بِالصِّلَةِ تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ وَلَا تَرَاضٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ كَنَفَقَةِ الْأَقَارِبِ.

وَلِشَبَهِهَا بِالْعِوَضِ تَصِيرُ دَيْنًا بِالْقَضَاءِ بِهَا أَوِ التَّرَاضِي عَلَيْهَا.

وَإِنْ أَنْفَقَتْ عَلَى نَفْسِهَا بَعْدَ تَرَاضِيهَا مَعَهُ أَوْ بَعْدَ قَضَاءِ الْقَاضِي عَلَيْهِ بِالنَّفَقَةِ، وَلَكِنْ قَبْلَ الْإِذْنِ بِالِاسْتِدَانَةِ مِنْهُ أَوْ مِنَ الْقَاضِي، فَإِنَّ النَّفَقَةَ تَسْقُطُ بِأَدَاءِ الزَّوْجِ إِيَّاهَا لِلزَّوْجَةِ أَوْ وَكِيلِهَا، أَوْ إِبْرَاءِ الزَّوْجَةِ زَوْجَهَا مِنْهَا، أَوْ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا.

وَإِنْ أَنْفَقَتْ عَلَى نَفْسِهَا بَعْدَ الْقَضَاءِ وَالْإِذْنِ بِالِاسْتِدَانَةِ، أَوْ بَعْدَ التَّرَاضِي مَعَ زَوْجِهَا وَالْإِذْنِ لَهَا بِالِاسْتِدَانَةِ- وَاسْتَدَانَتِ الزَّوْجَةُ بِالْفِعْلِ- كَانَتِ النَّفَقَةُ دَيْنًا صَحِيحًا ثَابِتًا عَلَى الزَّوْجِ لَا يَسْقُطُ إِلاَّ بِالْأَدَاءِ إِلَيْهَا فِعْلًا أَوِ الْإِبْرَاءِ مِنْهَا، وَفَائِدَةُ الْإِذْنِ ثُبُوتُ الْحَقِّ لِلْغَرِيمِ فِي مُطَالَبَةِ الزَّوْجِ إِذَا أَحَالَتْهُ الزَّوْجَةُ عَلَيْهِ.

وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ.

الْقَوْلُ الثَّانِي: تُعْتَبَرُ النَّفَقَةُ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الزَّوْجِ بِمُجَرَّدِ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ وَامْتِنَاعِهِ عَنْ أَدَائِهَا، وَلَا يَسْقُطُ هَذَا الدَّيْنُ عَنْهُ مُطْلَقًا إِلاَّ بِالْأَدَاءِ أَوِ الْإِبْرَاءِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ: سَوَاءٌ أَحَكَمَ بِهَا الْقَاضِي أَمْ تَرَاضَيَا عَلَيْهَا أَمْ لَمْ يَحْكُمْ بِهَا وَلَمْ يَتَرَاضَيَا عَلَيْهَا.

وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ.مُسْتَنِدِينَ فِي ذَلِكَ إِلَى: مَا وَرَدَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ- رضي الله عنه- كَتَبَ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ فِيمَنْ غَابَ عَنْ نِسَائِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا إِلَى نِسَائِهِمْ، إِمَّا Cأَنْ يُفَارِقُوا وَإِمَّا أَنْ يَبْعَثُوا بِالنَّفَقَةِ، فَمَنْ فَارَقَ مِنْهُمْ فَلْيَبْعَثْ بِنَفَقَةِ مَا تَرَكَ.

وَلِأَنَّ النَّفَقَةَ حَقٌّ يَجِبُ مَعَ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ كَأُجْرَةِ الْعَقَارِ وَالدُّيُونِ.

وَلِأَنَّ النَّفَقَةَ عِوَضٌ أَوْجَبَهُ الشَّارِعُ بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ فِي مُقَابِلِ احْتِبَاسِ الزَّوْجَةِ لِمَنْفَعَةِ الزَّوْجِ وَقِيَامِهَا عَلَى شُؤُونِ الْبَيْتِ وَمَصَالِحِهِ، وَإِذَا كَانَتِ النَّفَقَةُ عِوَضًا فَإِنَّهَا تَكُونُ دَيْنًا كَسَائِرِ الدُّيُونِ مِنَ اسْتِحْقَاقِهَا كَمَا فِي كُلِّ أُجْرَةٍ وَعِوَضٍ.

تَنَازُعُ الزَّوْجَيْنِ فِي الْإِنْفَاقِ:

29- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ إِذَا ادَّعَى الزَّوْجُ إِعْطَاءَ زَوْجَتِهِ نَفَقَتَهَا أَوْ إِرْسَالَهَا لَهَا وَأَنْكَرَتْ هِيَ ذَلِكَ وَلَمْ تُصَدِّقْهُ.

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا.

لِأَنَّ الزَّوْجَ يَدَّعِي قَضَاءَ دَيْنٍ عَلَيْهِ وَهِيَ تُنْكِرُهُ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهَا مَعَ يَمِينِهَا كَمَا فِي سَائِرِ الدُّيُونِ لِقَوْلِهِ- صلى الله عليه وسلم-: «الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْقَبْضِ.

وَفَصَّلَ الْمَالِكِيَّةُ فَقَالُوا: إِنْ كَانَتْ رَفَعَتْ أَمْرَهَا فِي ذَلِكَ إِلَى الْحَاكِمِ فَلَمْ يَجِدْ لِزَوْجِهَا مَالًا أَبَاحَ لَهَا الْإِنْفَاقَ عَلَى نَفْسِهَا، وَأَذِنَ لَهَا فِي الِاقْتِرَاضِ وَالرُّجُوعِ بِذَلِكَ عَلَى زَوْجِهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا مِنْ يَوْمِ الرَّفْعِ لَا مِنْ يَوْمِ سَفَرِ الزَّوْجِ، وَإِنْ رَفَعَتْ أَمْرَهَا إِلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ الْعُدُولِ أَوِ الْجِيرَانِ فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ.

وَكَذَا الْحُكْمُ إِذَا لَمْ تَرْفَعْ أَصْلًا، أَوْ رَفَعَتْ لِعُدُولٍ أَوْ لِلْجِيرَانِ، أَوْ بِبَعْضِ الْمُدَّةِ وَسَكَتَتْ عَنْ بَعْضِهَا الْآخَرِ.

نَفَقَةُ امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ:

30- ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ امْرَأَةَ الْمَفْقُودِ لَهَا نَفَقَةٌ مَا دَامَ لَمْ يَحْكُمِ الْحَاكِمُ بِمَوْتِهِ، وَيُنْفَقُ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ إِلَى حِينِ اتِّضَاحِ Cأَمْرِهِ، لِأَنَّهَا مَحْكُومٌ لَهَا بِالزَّوْجِيَّةِ فَتَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ كَمَا لَوْ عَلِمَتْ حَيَاتَهُ وَهِيَ مُسَلِّمَةٌ نَفْسَهَا إِلَيْهِ.

وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (مَفْقُود ف 4- 10 وما بَعْدَهَا).

وَاخْتَلَفُوا فِي اسْتِحْقَاقِهَا النَّفَقَةَ مُدَّةَ التَّرَبُّصِ إِذَا رَفَعَتْ أَمْرَهَا إِلَى الْحَاكِمِ وَطَلَبَتِ الْفُرْقَةَ فَضَرَبَ لَهَا مُدَّةَ أَرْبَعِ سِنِينَ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: لَهَا النَّفَقَةُ فِي مُدَّةِ التَّرَبُّصِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ- رضي الله عنهما-، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ.

قَالَ الْحَطَّابُ: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، لِأَنَّ مُدَّةَ التَّرَبُّصِ لَمْ يُحْكَمْ فِيهَا بِبَيْنُونَتِهَا مِنْ زَوْجِهَا فَهِيَ مَحْبُوسَةٌ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الزَّوْجِيَّةِ فَأَشْبَهَ مَا قَبْلَ الْمُدَّةِ، وَلِأَنَّ امْرَأَةَ الْغَائِبِ تَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ فِي مُدَّةِ تَرَبُّصِهَا فَكَذَلِكَ امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ.

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا نَفَقَةَ لَهَا فِي مُدَّةِ التَّرَبُّصِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ قَدْ فَرَضَ لَهَا قَبْلَ ذَلِكَ نَفَقَةً فَيَكُونُ سَبِيلُهَا فِي النَّفَقَةِ سَبِيلَ الْمَدْخُولِ بِهَا وَهُوَ قَوْلُ الْمُغِيرَةِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ.

فَإِنْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِالْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا بَعْدَ مُدَّةِ التَّرَبُّصِ وَاعْتَدَّتْ عِدَّةَ الْوَفَاةِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَدَى اسْتِحْقَاقِهَا لِلنَّفَقَةِ فِي مُدَّةِ الْعِدَّةِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: لَا نَفَقَةَ لَهَا فِي مُدَّةِ الْعِدَّةِ.

الْقَوْلُ الثَّانِي: لَهَا النَّفَقَةُ.

وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (مَفْقُود ف 10).

الْكَفَالَةُ بِنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ:

31- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ طَلَبِ الزَّوْجَةِ كَفِيلًا بِالنَّفَقَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: لَا يُجْبَرُ الزَّوْجُ عَلَى إِعْطَاءِ الْكَفِيلِ بِالنَّفَقَةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْحَنَفِيَّةِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيَّةُ.

لِأَنَّ النَّفَقَةَ الْمُسْتَقْبَلَةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ فِي الْحَالِ فَلَا يُجْبَرُ الزَّوْجُ عَلَى مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ، كَمَا أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى التَّكَفُّلِ بِدَيْنٍ وَاجِبٍ فَلَا يُجْبَرُ عَلَى إِعْطَائِهِ عَلَى مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ مِنْ بَابٍ أَوْلَى.

الْقَوْلُ الثَّانِي: يُسْتَحَبُّ أَخْذُ كَفِيلٍ لَهَا بِالنَّفَقَةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ Cوَأَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَذَلِكَ لِضَمَانِ حَقِّ الزَّوْجَةِ.

نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ النَّاشِزِ:

32- ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا نَفَقَةَ لَهَا بِنُشُوزِهَا لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم-: «فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَلاَّ يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ».

فَمَفْهُومُ هَذَا أَنَّهُنَّ إِذَا لَمْ يَنْتَهِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ نَفَقَةٌ.

وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (نُشُوز ف 7).

نَفَقَةُ الْمُعْتَدَّةِ:

فَرَّقَ الْفُقَهَاءُ بَيْنَ الْمُعْتَدَّةِ مِنْ وَفَاةٍ وَالْمُعْتَدَّةِ مِنْ طَلَاقٍ، وَكَذَا بَيْنَ الْمُعْتَدَّةِ مِنْ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ وَالْمُعْتَدَّةِ مِنْ طَلَاقٍ بَائِنٍ:

أ- الْمُعْتَدَّةُ مِنْ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ:

33- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ طَلَاقًا رَجْعِيًّا يَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ مِنْ طَعَامٍ وَكُسْوَةٍ وَمَسْكَنٍ أَيَّامَ عِدَّتِهَا.

لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا}.فَقَدْ نَهَى سُبْحَانَهُ الْأَزْوَاجَ عَنْ إِخْرَاجِ زَوْجَاتِهِمْ أَثْنَاءَ عِدَّتِهِنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ، وَاعْتَبَرَ ذَلِكَ تَعَدِّيًا لِحُدُودِ اللَّهِ، وَإِذَا كَانَتِ الزَّوْجَةُ مَحْبُوسَةً لِحَقِّ الزَّوْجِ فِي ذَلِكَ السَّكَنِ، فَعَلَيْهِ سَائِرُ أَنْوَاعِ النَّفَقَةِ، لِأَنَّ مِمَّنْ حُبِسَ لِحَقِّ إِنْسَانٍ وَجَبَ عَلَى الْمَحْبُوسِ لَهُ النَّفَقَةُ كَامِلَةٌ، وَلِقِيَامِ حَقِّ حَبْسِ النِّكَاحِ حَيْثُ يَلْحَقُهَا طَلَاقُهُ وَظِهَارُهُ وَإِيلَاؤُهُ.

ب- الْمُعْتَدَّةُ مِنْ طَلَاقٍ بَائِنٍ:

34- فَرَّقَ الْفُقَهَاءُ بَيْنَ الْمَبْتُوتَةِ الْحَامِلِ وَغَيْرِ الْحَامِلِ فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ لَهَا بِأَنْوَاعِهَا أَثْنَاءَ الْعِدَّةِ.

فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لَهَا النَّفَقَةَ وَالسُّكْنَى مَتَى كَانَتْ حَامِلًا.

مُسْتَنِدِينَ فِي ذَلِكَ إِلَى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}.

وَلِأَنَّهَا حَامِلٌ بِوَلَدِهِ وَهُوَ يَجِبُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ، وَلَا يُمْكِنُ الْإِنْفَاقُ عَلَى الْحَمْلِ إِلاَّ إِذَا أَنْفَقَ عَلَى أُمِّهِ، فَيَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى تِلْكَ الْأُمِّ، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أُجْرَةُ الْإِرْضَاعِ.

وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ لَهَا إِنْ كَانَتْ غَيْرَ حَامِلٍ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:

الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الثَّوْرِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ.

مُسْتَنِدِينَ فِي ذَلِكَ إِلَى مَا اسْتَنَدُوا إِلَيْهِ فِي إِيجَابِهَا لِلْمُبَانَةِ الْحَامِلِ.

وَبِمَا رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ- عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ- قَالَ: كُنْتُ مَعَ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ وَمَعَنَا الشَّعْبِيُّ، فَحَدَّثَ الشَّعْبِيُّ بِحَدِيثِ «فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- لَمْ يَجْعَلْ لَهَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةً»، ثُمَّ أَخَذَ الْأَسْوَدُ كَفًّا مِنْ حَصًى فَحَصَبَهُ بِهِ فَقَالَ: وَيْلَكَ! تُحَدِّثُ بِمِثْلِ هَذَا؟ قَالَ عُمَرُ: لَا نَتْرُكُ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا- صلى الله عليه وسلم- لِقَوْلِ امْرَأَةٍ لَا نَدْرِي لَعَلَّهَا حَفِظَتْ أَوْ نَسِيَتْ، لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ.قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة}.

الْقَوْلُ الثَّانِي: لَهَا السُّكْنَى دُونَ النَّفَقَةِ: وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.

لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}.فَقَدْ أَوْجَبَ سُبْحَانَهُ السُّكْنَى لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ، وَمِنْهَا الْبَائِنُ غَيْرُ الْحَامِلِ، وَأَمَّا النَّفَقَةُ فَقَدْ خَصَّ بِهَا الْحَامِلَ دُونَ الْحَائِلِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى وُجُوبِ السُّكْنَى لِلْبَائِنِ غَيْرِ الْحَامِلِ دُونَ النَّفَقَةِ.

الْقَوْلُ الثَّالِثُ: لَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا سُكْنَى: وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.

لِمَا «وَرَدَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- نَفَقَةً وَلَا سُكْنَى».

ج- الْمُعْتَدَّةُ مِنْ وَفَاةٍ:

35- لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ مِنْ وَفَاةٍ إِنْ كَانَتْ حَائِلًا لَا نَفَقَةَ لَهَا فِي الْعِدَّةِ.

وَإِنَّمَا الْخِلَافُ بَيْنَهُمْ فِي وُجُوبِهَا لَهَا إِنْ كَانَتْ حَامِلًا عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: لَا نَفَقَةَ لَهَا مُدَّةَ عِدَّتِهَا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ لِأَنَّ الْمَالَ قَدْ صَارَ لِلْوَرَثَةِ، وَنَفَقَةُ الْحَامِلِ وَسُكْنَاهَا إِنَّمَا هُوَ لِلْحَمْلِ أَوْ مِنْ أَجْلِهِ، وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ الْوَرَثَةَ، لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ مِيرَاثٌ فَنَفَقَةُ الْحَمْلِ مَنْ نَصِيبِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِيرَاثٌ لَمْ يَلْزَمْ وَارِثَ الْمَيِّتِ الْإِنْفَاقُ عَلَى حَمْلِ امْرَأَتِهِ كَمَا لَا يَلْزَمُهُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ.

وَلِأَنَّ النَّفَقَةَ فِي مُقَابِلِ التَّمْكِينِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ، وَقَدْ زَالَ التَّمْكِينُ بِالْمَوْتِ، وَلَيْسَ لِلْحَمْلِ دَخْلٌ فِي وُجُوبِهَا، فَلَا تَسْتَحِقُّ بِسَبَبِهِ النَّفَقَةَ.

وَلِأَنَّ الزَّوْجَةَ مَحْبُوسَةٌ مِنْ أَجْلِ الشَّرْعِ لَا لِلزَّوْجِ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا.

الْقَوْلُ الثَّانِي: لَهَا النَّفَقَةُ، وَهَذَا رِوَايَةٌ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، لِأَنَّهَا حَامِلٌ فَوَجَبَتْ لَهَا النَّفَقَةُ كَالْمُفَارِقَةِ لَهُ فِي حَيَاتِهِ.

كَمَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ السُّكْنَى لِلْمُعْتَدَّةِ مِنْ وَفَاةٍ عَلَى قَوْلَيْنِ: Cالْقَوْلُ الْأَوَّلُ: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ مُقَابِلُ الْأَظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لَا سُكْنَى لَهَا مُطْلَقًا حَامِلًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَ حَامِلٍ، وَكَذَا الْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِذَا كَانَتْ غَيْرَ حَامِلٍ، وَفِي رِوَايَةٍ إِذَا كَانَتْ حَامِلًا.

وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى إِيجَابِ السُّكْنَى عَلَى الزَّوْجِ لِانْتِهَاءِ الْمُكْنَةِ بِالْوَفَاةِ، وَلَا سَبِيلَ لِإِيجَابِهَا عَلَى الْوَرَثَةِ لِانْعِدَامِ الِاحْتِبَاسِ مِنْ أَجْلِهِمْ.

وَلِأَنَّهُ حَقٌّ يَجِبُ يَوْمًا بِيَوْمٍ فَلَمْ يَجِبْ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ كَالنَّفَقَةِ.

وَلِأَنَّهَا مَحْبُوسَةٌ مِنْ أَجْلِ الشَّرْعِ لَا لِلزَّوْجِ فَلَا سُكْنَى لَهَا.

الْقَوْلُ الثَّانِي: لَهَا السُّكْنَى وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَتْ حَامِلًا أَوْ غَيْرَ حَامِلٍ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِنْ كَانَتْ حَامِلًا وَفِي رِوَايَةٍ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَامِلًا وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ مِنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ فَوَجَبَ لَهَا السُّكْنَى كَالْمُطَلَّقَةِ.

وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (سُكْنَى ف 14).

الْمُعْتَدَّةُ مِنْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ أَوْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ:

36- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ مِنْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ أَوْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ لَا نَفَقَةَ لَهَا إِنْ كَانَتْ حَائِلًا، وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ السُّكْنَى فَقَالُوا: تَجِبُ لَهَا.

وَأَمَّا إِنْ كَانَتْ حَامِلًا فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: تَجِبُ النَّفَقَةُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.

لِأَنَّ الْحَمْلَ يَلْزَمُهُ وَعَلَيْهِ نَفَقَتُهُ كَالرَّضَاعِ، وَلَا تَصِلُ النَّفَقَةُ إِلَى الْحَمْلِ إِلاَّ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا فَوَجَبَتْ لَهَا النَّفَقَةُ.

وَلِأَنَّ الْحَمْلَ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ كَالْحَمْلِ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ فِي لُحُوقِ الْوَلَدِ بِالزَّوْجِ وَالِاعْتِدَادِ.

الْقَوْلُ الثَّانِي: لَا تَجِبُ النَّفَقَةُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى الْأَصَحِّ.

لِأَنَّ النَّفَقَةَ إِنَّمَا تَجِبُ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ.

وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (سُكْنَى ف 15).

الْمُعْتَدَّةُ مِنْ لِعَانٍ:

37- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِلْمُعْتَدَّةِ مِنْ لِعَانٍ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:

الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: لَهَا النَّفَقَةُ مُطْلَقًا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، لِأَنَّ الْفُرْقَةَ مُضَافَةٌ إِلَى الزَّوْجِ، وَلِأَنَّ الْمُلَاعَنَةَ قَدْ حَبَسَتْ نَفْسَهَا بِحَقٍّ وَذَلِكَ يُوجِبُ لَهَا النَّفَقَةَ.

وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: إِنْ لَاعَنَهَا بَعْدَ الدُّخُولِ فَإِنْ لَمْ يَنْفِ الْحَمْلَ وَجَبَتِ النَّفَقَةُ.

الْقَوْلُ الثَّانِي: لَهَا السُّكْنَى دُونَ النَّفَقَةِ إِذَا كَانَتْ حَائِلًا أَوْ حَامِلًا وَنُفِيَ الْحَمْلُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.

لِأَنَّهَا مَحْبُوسَةٌ لِأَجْلِهِ، وَلِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ مِنْ فُرْقَةٍ حَالَ الْحَيَاةِ فَوَجَبَتْ لَهَا السُّكْنَى كَالْمُطَلَّقَةِ.

وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ عِنْدَهُمْ: إِنَّ السُّكْنَى لَا تَجِبُ لِلْمُلَاعَنَةِ.

وَاسْتَدَلَّ هَؤُلَاءِ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ- رضي الله عنهما- فِي الْمُلَاعَنَةِ «أَنَّ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- قَضَى أَنْ لَا بَيْتَ لَهَا عَلَيْهِ وَلَا قُوتَ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمَا يَتَفَرَّقَانِ مِنْ غَيْرِ طَلَاقٍ وَلَا مُتَوَفَّى عَنْهَا».

وَلِأَنَّهَا لَمْ تُحْصِنْ مَاءَهُ فَلَنْ تَجِبَ عَلَيْهِ سُكْنَاهَا.

وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْمُلَاعَنَةَ تَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ لِأَنَّ النَّفَقَةَ لِلْحَمْلِ وَهُوَ وَلَدُهُ- وَلَوْ نَفَاهُ لِعَدَمِ صِحَّةِ نَفْيِهِ- مَا دَامَ حَمْلًا، فَإِنْ نَفَاهُ بَعْدَ وَضْعِهِ فَلَا نَفَقَةَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِانْقِطَاعِ نَسَبِهِ عَنْهُ.

وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: إِذَا قُلْنَا إِنَّ الْحَمْلَ يَنْتَفِي بِزَوَالِ الْفِرَاشِ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا سُكْنَى.

و- نَفَقَةُ الْمُخْتَلِعَةِ:

38- فَرَّقَ الْفُقَهَاءُ بَيْنَ كَوْنِ الْمُخْتَلِعَةِ حَامِلًا وَبَيْنَ كَوْنِهَا غَيْرَ حَامِلٍ.

فَاتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِ النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى لَهَا مَا دَامَتْ حَامِلًا.

لِعُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} وَلِأَنَّهَا مَشْغُولَةٌ بِمَائِهِ فَهُوَ مُسْتَمْتِعٌ بِرَحِمِهَا فَصَارَ كَالِاسْتِمْتَاعِ بِهَا فِي حَالِ الزَّوْجِيَّةِ، إِذِ النَّسْلُ مَقْصُودٌ بِالنِّكَاحِ كَمَا أَنَّ الْوَطْءَ مَقْصُودٌ بِهِ.

وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ لَهَا إِنْ كَانَتْ حَائِلًا عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: لَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَهَا السُّكْنَى، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ.

لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ قَدْ زَالَتْ فَأَشْبَهَتِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا.

الْقَوْلُ الثَّانِي: تَجِبُ النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى لَهَا مُطْلَقًا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ.

لِأَنَّ هَذِهِ الْفُرْقَةَ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مُسْتَحِقَّةً لِلنَّفَقَةِ فِي أَصْلِ النِّكَاحِ فَيَبْقَى ذَلِكَ الْحَقُّ بِبَقَاءِ الْعِدَّةِ.

اسْتِحْقَاقُ الزَّوْجَةِ النَّفَقَةَ حَالَ سَفَرِهَا:

39- ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الزَّوْجَةَ إِذَا سَافَرَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا.

فَإِنْ سَافَرَتْ بِإِذْنِهِ فَإِمَّا أَنْ يُسَافِرَ مَعَهَا أَوْ لَا.

وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (نُشُوز ف 6- 7).

سَفَرُ الزَّوْجَةِ لِلْحَجِّ:

40- لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الزَّوْجَةَ إِذَا سَافَرَتْ لِأَدَاءِ فَرِيضَةِ الْحَجِّ وَالزَّوْجُ مَعَهَا فَإِنَّ لَهَا النَّفَقَةَ.

وَإِنَّمَا الْخِلَافُ بَيْنَهُمْ فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ لَهَا فِي حَالِ عَدَمِ خُرُوجِ الزَّوْجِ مَعَهَا إِلَى الْحَجِّ، مُوَضِّحِينَ الْفَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ السَّفَرِ لِتَأْدِيَةِ الْفَرِيضَةِ أَوْ لِتَأْدِيَةِ غَيْرِهِ، كَحَجِّ التَّطَوُّعِ أَوِ النَّذْرِ وَمَا شَابَهَ ذَلِكَ.

موسوعة الفقه الكويتية-وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت-صدرت بدءًا من: 1404هـ/1984م


20-موسوعة الفقه الكويتية (نفقة 3)

نَفَقَةٌ -3

أ- السَّفَرُ لِأَدَاءِ حَجِّ الْفَرِيضَةِ:

41- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِلزَّوْجَةِ فِيمَا لَوْ خَرَجَتْ لِتَأْدِيَةِ حَجِّ الْفَرِيضَةِ دُونَ سَفَرِ الزَّوْجِ مَعَهَا عَلَى أَقْوَالٍ:

الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: تَجِبُ لِلزَّوْجَةِ النَّفَقَةُ إِذَا خَرَجَتْ لِحَجِّ الْفَرِيضَةِ دُونَ سَفَرِ الزَّوْجِ مَعَهَا.وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَبِهِ قَالَ الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ رِوَايَةُ أَبِي يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ.

لِأَنَّ الزَّوْجَةَ فَعَلَتِ الْوَاجِبَ عَلَيْهَا بِأَصْلِ الشَّرْعِ فِي وَقْتِهِ فَلَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهَا كَصِيَامِ رَمَضَانَ.

وَلِأَنَّ التَّسْلِيمَ الْمُطْلَقَ قَدْ حَصَلَ بِالِانْتِقَالِ إِلَى مَنْزِلِ الزَّوْجِ ثُمَّ فَاتَ بِعَارِضِ أَدَاءِ فَرْضٍ، وَهَذَا لَا يُبْطِلُ النَّفَقَةَ كَمَا لَوِ انْتَقَلَتْ إِلَى مَنْزِلِ زَوْجِهَا ثُمَّ لَزِمَهَا صَوْمُ رَمَضَانَ.

وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يُؤْمَرُ بِالْخُرُوجِ مَعَهَا وَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا.

الْقَوْلُ الثَّانِي: لَا تَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ مَا عَدَا رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، لِأَنَّ فَوَاتَ الِاحْتِبَاسِ لَا مِنْ قِبَلِهِ يُوجِبُ سُقُوطَ النَّفَقَةِ.

الْقَوْلُ الثَّالِثُ: لِلشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ أَنَّ إِحْرَامَ الزَّوْجَةِ بِحَجِّ فَرْضٍ أَوْ عُمْرَةٍ بِلَا إِذْنٍ نُشُوزٌ وَلَا نَفَقَةَ لَهَا إِنْ لَمْ يَمْلِكْ تَحْلِيلَهَا وَذَلِكَ حَالَ إِحْرَامِهَا بِفَرْضٍ عَلَى قَوْلٍ مَرْجُوحٍ، فَإِنْ مَلَكَ تَحْلِيلَهَا حَالَ إِحْرَامِهَا بِفَرْضٍ عَلَى الْأَظْهَرِ فَلَا تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِهَا لِلْحَجِّ، فَإِذَا خَرَجَتْ فَمُسَافِرَةٌ لِحَاجَتِهَا، فَإِنْ سَافَرَتْ وَحْدَهَا بِإِذْنِهِ سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا فِي الْأَظْهَرِ، أَوْ مَعَهُ اسْتَحَقَّتِ النَّفَقَةَ، أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا

ب- السَّفَرُ لِحَجِّ التَّطَوُّعِ:

42- فَرَّقَ الْفُقَهَاءُ بَيْنَ سَفَرِ الزَّوْجَةِ لِتَأْدِيَةِ الْحَجِّ غَيْرِ الْفَرْضِ بِإِذْنِ الزَّوْجِ وَبَيْنَ سَفَرِهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ.

فَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لِلْمَرْأَةِ إِنْ سَافَرَتْ لِحَجِّ تَطَوُّعٍ بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا، وَكَذَلِكَ الْحَجُّ الْمَنْذُورُ فِي الذِّمَّةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ.

لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْمُسَافِرَةِ وَحْدَهَا فَلَا تَكُونُ لَهَا نَفَقَةٌ.

وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِلزَّوْجَةِ إِنْ أَحْرَمَتْ بِحَجِّ تَطَوُّعٍ وَسَافَرَتْ بِإِذْنِ زَوْجِهَا عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: لَا نَفَقَةَ لَهَا وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُمَكَّنَةٍ مِنْ نَفْسِهَا فَتَسْقُطُ نَفَقَتُهَا كَمَا لَوْ سَافَرَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ.

الْقَوْلُ الثَّانِي: تَجِبُ النَّفَقَةُ لِلزَّوْجَةِ إِذَا أَحْرَمَتْ بِحَجِّ التَّطَوُّعِ بِإِذْنِ زَوْجِهَا، وَبِهِ قَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ.

لِأَنَّهَا سَافَرَتْ بِإِذْنِ زَوْجِهَا فَلَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهَا كَمَا لَوْ سَافَرَتْ فِي حَاجَةِ زَوْجِهَا.

وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ أَحْرَمَتِ الزَّوْجَةُ بِحَجِّ تَطَوُّعٍ بِإِذْنٍ مِنْ زَوْجِهَا فَفِي الْأَصَحِّ لَهَا نَفَقَةٌ مَا لَمْ تَخْرُجْ لِأَنَّهَا فِي قَبْضَتِهِ.

وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ لَا تَجِبُ النَّفَقَةُ لِفَوَاتِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا.

وَلَوْ خَرَجَتْ لِحَجِّ التَّطَوُّعِ سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا إِنْ خَرَجَتْ وَحْدَهَا فَإِنْ خَرَجَ مَعَهَا لَمْ تَسْقُطْ.

امْتِنَاعُ الزَّوْجَةِ مِنَ السَّفَرِ مَعَ الزَّوْجِ:

43- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِلزَّوْجَةِ أَوْ عَدَمِ وُجُوبِهَا إِذَا امْتَنَعَتْ عَنِ السَّفَرِ مَعَ زَوْجِهَا وَكَانَ الطَّرِيقُ آمِنًا غَيْرَ مَخُوفٍ، مَعَ عَدَمِ وُجُودِ الْمَشَقَّةِ غَيْرِ الْمُحْتَمَلَةِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا عُذْرٌ يَمْنَعُهَا مِنَ السَّفَرِ مَعَهُ مَعَ اسْتِيفَاءِ سَائِرِ الشُّرُوطِ عِنْدَ كُلٍّ مِنْهُمْ.

فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَجُمْهُورُ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَحَمَّادٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ إِلَى أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لِلزَّوْجَةِ إِذَا امْتَنَعَتْ عَنِ السَّفَرِ مَعَ زَوْجِهَا، وَاعْتَبَرُوا الْمُمْتَنِعَةَ عَنِ السَّفَرِ مَعَ زَوْجِهَا دُونَ عُذْرٍ نَاشِزَةً.

لِأَنَّ الزَّوْجَةَ إِنَّمَا تَسْتَوْجِبُ النَّفَقَةَ بِتَسْلِيمِهَا نَفْسَهَا إِلَى الزَّوْجِ فَتَسْقُطُ بِامْتِنَاعِهَا عَنِ السَّفَرِ مَعَهُ.

قَالَ الشَّافِعِيَّةُ: وَالْمُرَادُ بِالسُّقُوطِ عَدَمُ الْوُجُوبِ.

وَفِي قَوْلٍ لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ: تَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ وَلَا تُعَدُّ نَاشِزًا إِذَا أَرَادَ السَّفَرَ بِهَا مَسَافَةَ الْقَصْرِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا بِدُونِ رِضَاهَا.

وَأَمَّا إِذَا كَانَتِ الْمَسَافَةُ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَلَهُ جَبْرُهَا عَلَى السَّفَرِ مَعَهُ، فَإِنِ امْتَنَعَتْ كَانَتْ نَاشِزًا وَسَقَطَتْ نَفَقَتُهَا.

وَفِي قَوْلٍ آخَرَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أَيْضًا يُتْرَكُ أَمْرُ ذَلِكَ إِلَى الْقَاضِي حَسَبَ مَا يَظْهَرُ لَهُ.

فَإِنْ كَانَ الْغَرَضُ مِنَ السَّفَرِ الْكَيْدَ لِلُزُوجَةِ وَالْإِضْرَارَ بِهَا أَوْ كَانَ الزَّوْجُ غَيْرَ مَأْمُونٍ عَلَيْهَا فِي هَذَا السَّفَرِ فَلَا يَحْكُمُ الْقَاضِي بِالسَّفَرِ مَعَهُ، فَإِنِ امْتَنَعَتْ مِنَ السَّفَرِ مَعَهُ كَانَ امْتِنَاعُهَا بِحَقٍّ وَلَا تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا.

وَإِنْ كَانَ السَّفَرُ لَيْسَ فِيهِ إِضْرَارٌ بِالزَّوْجَةِ وَإِنَّمَا كَانَ لِغَرَضٍ مِنَ الْأَغْرَاضِ كَالتِّجَارَةِ وَطَلَبِ الْعِلْمِ وَهُوَ مَأْمُونٌ عَلَيْهَا أَجَابَهُ الْقَاضِي إِلَى طَلَبِهِ، فَإِنِ امْتَنَعَتْ كَانَ امْتِنَاعُهَا بِغَيْرِ حَقٍّ وَسَقَطَتْ نَفَقَتُهَا فِي مُدَّةِ الِامْتِنَاعِ.

نَفَقَةُ زَوْجَةِ الصَّغِيرِ:

44- إِذَا كَانَتِ الزَّوْجَةُ كَبِيرَةً- أَيْ يُمْكِنُ وَطْؤُهَا- وَالزَّوْجُ صَغِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا، وَلَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَيْهِ، وَسَلَّمَتِ الزَّوْجَةُ نَفْسَهَا لَهُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ لَهَا عَلَى زَوْجِهَا الصَّغِيرِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: تَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَبِهِ قَالَ الْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي مُقَابِلِ الْمَشْهُورِ إِذَا كَانَ مَدْخُولًا بِهَا عَلَى مَا صَحَّحَهُ فِي التَّوْضِيحِ.

وَاسْتَدَلَّ هَؤُلَاءِ بِأَنَّهَا سَلَّمَتْ نَفْسَهَا تَسْلِيمًا صَحِيحًا فَوَجَبَتْ لَهَا النَّفَقَةُ، كَمَا لَوْ كَانَ الزَّوْجُ كَبِيرًا.

وَبِأَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا مُمْكِنٌ وَإِنَّمَا تَعَذَّرَ الْوَطْءُ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ كَمَا لَوْ تَعَذَّرَ التَّسْلِيمُ لِمَرَضِهِ أَوْ غَيْبَتِهِ.

وَلِأَنَّهَا مَحْبُوسَةٌ عَلَيْهِ وَالْمَانِعُ مِنْ جِهَتِهِ فَوَجَبَتْ لَهَا النَّفَقَةُ.

الْقَوْلُ الثَّانِي: لَا تَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ عَلَى زَوْجِهَا الصَّغِيرِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَلَوْ دَخَلَ بِهَا وَافْتَضَّهَا وَهُوَ مُقَابِلُ الْأَظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.

لِأَنَّهُ لَا يَسْتَمْتِعُ بِهَا لِسَبَبٍ هُوَ مَعْذُورٌ فِيهِ فَلَا يَلْزَمُهُ غُرْمُ نَفَقَتِهَا.

نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ مُدَّةَ حَبْسِ الزَّوْجِ فِي دَيْنِ نَفَقَتِهَا:

45- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِلزَّوْجَةِ إِنْ حَبَسَتْ زَوْجَهَا فِي سَدَادِ مَا عَلَيْهِ مِنَ النَّفَقَةِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى تَأْدِيَتِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: لَهَا النَّفَقَةُ مُدَّةَ حَبْسِهِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْهُ لَا مِنْهَا.

الْقَوْلُ الثَّانِي: لَيْسَ لَهَا النَّفَقَةُ مُدَّةَ حَبْسِهِ وَلَوْ بِحَقٍّ لِلْحَيْلُولَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ.

لِأَنَّ التَّمْكِينَ الْمُوجِبَ لِلنَّفَقَةِ قَدِ انْتَفَى بِسَبَبِ سَجْنِهِ فَلَا تَجِبُ مَعَهُ النَّفَقَةُ.

وَهُوَ أَيْضًا قَوْلُ الْحَنَابِلَةِ إِذَا كَانَ مُعْسِرًا لِأَنَّهَا ظَالِمَةٌ مَانِعَةٌ لَهُ مِنَ التَّمْكِينِ مِنْهَا.

طَلَبُ التَّفْرِيقِ بِسَبَبِ عَدَمِ الْإِنْفَاقِ:

أ- إِذَا كَانَ الزَّوْجُ حَاضِرًا:

46- ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الزَّوْجَ إِذَا كَانَ حَاضِرًا مُوسِرًا وَلَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ فَإِنَّ لِلزَّوْجَةِ أَنْ تَسْتَوْفِيَ حَقَّهَا مِنْهُ وَلَيْسَ لَهَا حَقُّ طَلَبِ التَّفْرِيقِ.

كَمَا ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ إِذَا أَعْسَرَ الزَّوْجُ بِالنَّفَقَةِ وَرَضِيَتْ بِالْمُقَامِ مَعَهُ فَلَهَا أَنْ تَبْقَى مَعَهُ.

وَاخْتَلَفُوا فِيمَا لَوْ أَعْسَرَ الزَّوْجُ وَلَمْ تَرْضَ زَوْجَتُهُ بِالْبَقَاءِ مَعَهُ فِي حَقِّهَا فِي طَلَبِ التَّفْرِيقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: لَيْسَ لَهَا طَلَبُ التَّفْرِيقِ، وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنَ التَّكَسُّبِ كَيْ تُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهَا، وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَعَطَاءٌ وَالزُّهْرِيُّ وَالْحَسَنُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَغَيْرُهُمْ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ مُقَابِلُ الْأَظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.

مُسْتَنِدِينَ فِي ذَلِكَ إِلَى عُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} مُوَجِّهِينَ اسْتِدْلَالَهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَ بِإِنْظَارِ الْمُعْسِرِ إِلَى أَنْ يَتَحَقَّقَ يَسَارُهُ فَتَدْخُلُ الزَّوْجَةُ فِي عُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَتَكُونُ مَأْمُورَةً بِإِنْظَارِ الزَّوْجِ، وَلَا يَحِقُّ لَهَا أَنْ تُطَالِبَهُ بِالطَّلَاقِ.

وَإِلَى مَا رَوَاهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - رضي الله عنهما- قَالَ: «دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- فَوَجَدَ النَّاسَ جُلُوسًا بِبَابِهِ، لَمْ يُؤْذَنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ.قَالَ: فَأَذِنَ لِأَبِي بَكْرٍ فَدَخَلَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عُمَرُ فَاسْتَأْذَنَ فَأُذِنَ لَهُ فَوَجَدَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم- جَالِسًا، حَوْلَهُ نِسَاؤُهُ، وَاجِمًا سَاكِتًا.قَالَ فَقَالَ: لأَقُولَنَّ شَيْئًا أُضْحِكُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم-.فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ رَأَيْتَ بِنْتَ خَارِجَةَ سَأَلَتْنِي النَّفَقَةَ فَقُمْتُ إِلَيْهَا فَوَجَأْتُ عُنُقَهَا.فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- وَقَالَ: «هُنَّ حَوْلِي كَمَا تَرَى يَسْأَلْنَنِي النَّفَقَةَ»، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عَائِشَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا، فَقَامَ عُمَرُ إِلَى حَفْصَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا، كِلَاهُمَا يَقُولُ: تَسْأَلْنَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، فَقُلْنَ: وَاللَّهِ لَا نَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- شَيْئًا أَبَدًا لَيْسَ عِنْدَهُ، ثُمَّ اعْتَزَلَهُنَّ شَهْرًا أَوْ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، ثُمَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ}، حَتَّى بَلَغَ {لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا}.قَالَ: فَبَدَأَ بِعَائِشَةَ فَقَالَ.«يَا عَائِشَةُ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكِ أَمْرًا أُحِبُّ أَنْ لَا تَعْجَلِي فِيهِ حَتَّى تَسْتَشِيرِي أَبَوَيْكِ» قَالَتْ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! ! فَتَلَا عَلَيْهَا الْآيَةَ قَالَتْ: أَفِيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَسْتَشِيرُ أَبَوِيَّ؟ بَلْ أَخْتَارُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ لَا تُخْبِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِكَ بِالَّذِي قُلْتُ.قَالَ: لَا تَسْأَلْنِي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ إِلاَّ أَخْبَرْتُهَا.إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّتًا وَلَا مُتَعَنِّتًا، وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا».فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَسْأَلَ زَوْجَهَا مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، فَلَا يَكُونُ لَهَا أَنْ تُطَالِبَهُ بِالطَّلَاقِ مِنْ بَابٍ أَوْلَى.

وَلِأَنَّ النَّفَقَةَ حَقٌّ لِلزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا وَلَا يُفْسَخُ النِّكَاحُ بِعَجْزِهِ، قِيَاسًا عَلَى عَدَمِ فَسْخِهِ بِالدَّيْنِ وَعَلَى الْإِعْسَارِ بِالصَّدَاقِ بَعْدَ الدُّخُولِ.

الْقَوْلُ الثَّانِي: لِلْمَرْأَةِ حَقُّ طَلَبِ التَّفْرِيقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا لِعَجْزِهِ عَنِ الْإِنْفَاقِ، فَإِنِ امْتَنَعَ فَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا.

وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَهَذَا التَّفْرِيقُ فَسْخٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَطَلَاقٌ رَجْعِيٌّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهم-، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَغَيْرُهُمْ.

مُسْتَنِدِينَ فِي ذَلِكَ إِلَى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} فَقَدْ أَمَرَ سُبْحَانَهُ بِإِمْسَاكِ الزَّوْجَةِ بِالْمَعْرُوفِ أَوِ التَّسْرِيحِ بِإِحْسَانٍ، وَعَدَمُ إِنْفَاقِ الزَّوْجِ عَلَيْهَا تَفْوِيتٌ لِلْإِمْسَاكِ بِالْمَعْرُوفِ، فَيَتَعَيَّنُ الثَّانِي وَهُوَ التَّسْرِيحُ بِالْإِحْسَانِ.

وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ - رضي الله عنه- كَتَبَ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ فِيمَنْ غَابَ عَنْ نِسَائِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا إِلَى نِسَائِهِمْ إِمَّا أَنْ يُفَارِقُوا وَإِمَّا أَنْ يَبْعَثُوا بِالنَّفَقَةِ، فَمَنْ فَارَقَ مِنْهُمْ فَلْيَبْعَثْ بِنَفَقَةِ مَا تَرَكَ.

وَلِمَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا الزِّنَادِ سَأَلَهُ عَنِ الرَّجُلِ لَا يَجِدُ مَا يُنْفِقُ عَلَى امْرَأَتِهِ، قَالَ: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، قَالَ أَبُو الزِّنَادِ: قُلْتُ: سَنَةً؟ فَقَالَ: سَنَةً. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَيُشْبِهُ أَنَّهُ سُنَّةُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم-.

وَلِأَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ الْفَسْخُ بِالْعَجْزِ عَنِ الْوَطْءِ، وَالضَّرَرُ فِيهِ أَقَلُّ، فَلأَنْ يَثْبُتَ بِالْعَجْزِ عَنِ النَّفَقَةِ الَّتِي لَا يَقُومُ الْبَدَنُ إِلاَّ بِهَا أَوْلَى.

وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (طَلَاق ف 82- 86).

ب- إِذَا كَانَ الزَّوْجُ غَائِيًّا:

47- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ طَلَبِ الْمَرْأَةِ التَّفْرِيقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا الْغَائِبِ، إِذَا لَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهَا وَلَمْ يَتْرُكْ لَهَا مَالًا لِتُنْفِقَ مِنْهُ وَلَمْ يُوَكِّلْ أَحَدًا بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا، عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَطْلُبَ التَّفْرِيقَ لِذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَوَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِنْ لَمْ تَسْتَطِعِ الِاسْتِدَانَةَ عَلَيْهِ.

وَاشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ لِذَلِكَ: أَنْ تَثْبُتَ الزَّوْجِيَّةُ، وَأَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ قَدْ دَخَلَ بِهَا أَوْ دُعِيَ إِلَى الدُّخُولِ بِهَا، وَأَنْ تَكُونَ الْغَيْبَةُ بِحَيْثُ لَا يُعْلَمُ مَوْضِعُهُ، أَوْ عُلِمَ وَلَمْ يُمْكِنِ الْإِعْذَارُ إِلَيْهِ، وَأَنْ تَشْهَدَ لَهَا الْبَيِّنَةُ بِأَنَّهَا لَا تَعْلَمُ أَنَّ الزَّوْجَ تَرَكَ لَهَا نَفَقَةً وَلَا كُسْوَةً وَلَا شَيْئًا مِنْ مُؤْنَتِهَا، وَلَا أَنَّهُ بَعَثَ إِلَيْهَا بِشَيْءٍ وَصَلَ إِلَيْهَا فِي عِلْمِهِمْ إِلَى هَذَا الْحِينِ.

ثُمَّ يَضْرِبُ الْقَاضِي لَهَا بَعْدَ ذَلِكَ أَجَلًا حَسَبَ مَا يَرَاهُ: شَهْرًا أَوْ شَهْرَيْنِ أَوْ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَإِذَا انْقَضَتِ الْمُدَّةُ وَلَمْ يَقْدَمْ وَلَمْ يَبْعَثْ بِشَيْءٍ وَلَا ظَهْرَ لَهُ مَالٌ وَدَعَتْ إِلَى النَّظَرِ لَهَا، فَإِنَّهَا تَحْلِفُ بِمَحْضَرِ عَدْلَيْنِ أَنَّهُ مَا رَجَعَ إِلَيْهَا زَوْجُهَا الْمَذْكُورُ مِنْ مَغِيبِهِ الثَّابِتِ عِنْدَ الْحَاكِمِ إِلَى حِينِ حَلِفِهَا وَلَا تَرَكَ لَهَا نَفَقَةً وَلَا كُسْوَةً وَلَا وَضَعَتْ ذَلِكَ عَنْهُ وَلَا وَصَلَ إِلَيْهَا شَيْءٌ مِنْهُ إِلَى الْآنَ، فَإِذَا ثَبَتَ عِنْدَ الْقَاضِي حَلِفُهَا طَلَّقَهَا عَلَيْهِ، أَوْ أَبَاحَ لَهَا التَّطْلِيقَ.

مُسْتَنِدِينَ فِي ذَلِكَ إِلَى: مَا وَرَدَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه- أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ فِيمَنْ غَابَ عَنْ نِسَائِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا إِلَى نِسَائِهِمْ، إِمَّا أَنْ يُفَارِقُوا وَإِمَّا أَنْ يَبْعَثُوا بِالنَّفَقَةِ، فَمَنْ فَارَقَ مِنْهُمْ فَلْيَبْعَثْ بِنَفَقَةِ مَا تَرَكَ.

وَلِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ أَوْ بِالِاسْتِدَانَةِ كَانَ لَهَا الْخِيَارُ بِالْفَسْخِ كَحَالِ الْإِعْسَارِ.

وَلِأَنَّ فِي عَدَمِ الْإِنْفَاقِ ضَرَرًا يُمْكِنُ إِزَالَتُهُ بِالْفَسْخِ فَكَانَ لَهَا حَقُّ طَلَبِهِ.

الْقَوْلُ الثَّانِي: لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ الْحَقُّ فِي طَلَبِ التَّفْرِيقِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ.

وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي لِلْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ.لِأَنَّ الْفَسْخَ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِالْإِعْسَارِ بِالنَّفَقَةِ وَلَمْ يَثْبُتْ إِعْسَارُ الزَّوْجِ لِغَيْبَتِهِ لِعَدَمِ تَبَيُّنِ حَالِهِ.

أَمَّا إِذَا ثَبَتَ الْإِعْسَارُ تَوَلَّى الْحَاكِمُ أَوْ مَنْ يَأْذَنُ لَهُ أَمْرَ التَّفْرِيقِ بِطَلَبِهَا، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَقَوْلٌ لِلْحَنَابِلَةِ لِأَنَّ هَذِهِ الْفُرْقَةَ مُجْتَهَدٌ فِيهَا فَافْتَقَرَتْ إِلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ كَالْفَسْخِ بِالْعُنَّةِ.

فَإِذَا حَضَرَ الزَّوْجُ مِنْ سَفَرِهِ وَغَابَ مَالُهُ فَقَدْ فَصَّلَ الشَّافِعِيَّةُ الْقَوْلَ، فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ غَائِبًا مَسَافَةَ الْقَصْرِ فَأَكْثَرَ كَانَ لِلزَّوْجَةِ الْفَسْخُ وَلَا يَلْزَمُهَا الصَّبْرُ لِلضَّرَرِ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهَا بِنَحْوِ اسْتِدَانَةٍ، وَإِلاَّ فَلَا فَسْخَ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَلَيْسَ لَهَا الْفَسْخُ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْحَضَرِ وَيُؤْمَرُ بِالْإِحْضَارِ عَاجِلًا.

وَإِنْ كَانَ لِلزَّوْجِ مَدِينٌ غَائِبٌ مُوسِرٌ وَكَانَ لَهُ مَالٌ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَفِي حَقِّ طَلَبِ الْفَسْخِ لَهَا وَجْهَانِ، أَوْجَهُهُمَا عَدَمُ الْفَسْخِ.

وَإِنْ كَانَ لَهُ مَدِينٌ حَاضِرٌ وَلَهُ مَالٌ بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ كَانَ لَهَا الْفَسْخُ كَمَا لَوْ كَانَ مَالُ الزَّوْجِ غَائِبًا.

وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِعَجْزِ الزَّوْجِ عَنِ النَّفَقَةِ غَائِبًا كَانَ أَوْ حَاضِرًا مُعْسِرًا كَانَ أَوْ مُوسِرًا.

التَّبَرُّعُ بِالنَّفَقَةِ:

48- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حَقِّ طَلَبِ الزَّوْجَةِ الْفَسْخَ وَعَدَمِ قَبُولِهَا النَّفَقَةَ إِذَا تَبَرَّعَ بِهِ أَحَدٌ عَنِ الزَّوْجِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: تُجْبَرُ الزَّوْجَةُ عَلَى قَبُولِ النَّفَقَةِ مِنَ الْمُتَبَرِّعِ وَلَيْسَ لَهَا حَقُّ طَلَبِ الْفَسْخِ.

وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلاَّ ابْنَ الْكَاتِبِ وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ حَكَاهُ ابْنُ كَجٍّ وَبِهِ أَفْتَى الْغَزَالِيُّ.

الْقَوْلُ الثَّانِي: لَا تُجْبَرُ الزَّوْجَةُ عَلَى قَبُولِ النَّفَقَةِ مِنَ الْمُتَبَرِّعِ وَلَهَا حَقُّ طَلَبِ الْفَسْخِ.

وَبِهِ قَالَ الْحَنَابِلَةُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ الْكَاتِبِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، إِلاَّ إِذَا كَانَ الْمُتَبَرِّعُ أَبًا أَوْ جَدًّا لِلزَّوْجِ وَهُوَ فِي وِلَايَةِ أَيٍّ مِنْهُمَا فَيَلْزَمُهَا الْقَبُولُ لِدُخُولِهَا فِي مِلْكِ الزَّوْجِ تَقْدِيرًا وَأَلْحَقَ بِهِمَا الْأَذْرَعِيُّ وَلَدَ الزَّوْجِ.

لِأَنَّ فِي قَبُولِهَا مِنَ الْمُتَبَرِّعِ مِنَّةً عَلَيْهَا وَإِلْحَاقَ ضَرَرٍ بِهَا، فَلَا تُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهَا، كَمَا لَا يُجْبَرُ رَبُّ الدَّيْنِ عَلَى الْقَبُولِ مِنَ الْمُتَبَرِّعِ سَدَادَ الدَّيْنِ الَّذِي لِلدَّائِنِ عَلَى غَيْرِهِ.

هَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا دَفَعَ الْمُتَبَرِّعُ النَّفَقَةَ إِلَى الزَّوْجِ أَوَّلًا ثُمَّ قَامَ الزَّوْجُ بِدَفْعِهَا إِلَيْهَا.

فَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْمُتَبَرِّعَ لَوْ سَلَّمَ النَّفَقَةَ لِلزَّوْجِ ثُمَّ دَفَعَهَا الزَّوْجُ لَهَا أَوْ دَفَعَهَا إِلَيْهِ وَكِيلُهُ فَإِنَّهَا تُجْبَرُ عَلَى الْقَبُولِ مِنْهُ، لِأَنَّ الْمِنَّةَ حِينَئِذٍ عَلَى الزَّوْجِ دُونَهَا.

اعْتِبَارُ النَّفَقَةِ دَيْنًا عَلَى الزَّوْجِ:

49- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اعْتِبَارِ النَّفَقَةِ دَيْنًا عَلَى الزَّوْجِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: لَا تُعْتَبَرُ النَّفَقَةُ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الزَّوْجِ إِلاَّ بِقَضَاءِ الْقَاضِي أَوْ بِتَرَاضِي الزَّوْجَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ قَضَاءٌ وَلَا تَرَاضٍ سَقَطَتْ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ، وَبِهَذَا قَالَ الْحَنَفِيَّةُ لِأَنَّ هَذِهِ النَّفَقَةَ تَجْرِي مَجْرَى الصِّلَةِ وَإِنْ كَانَتْ تُشْبِهُ الْأَعْوَاضَ لَكِنَّهَا لَيْسَتْ بِعِوَضٍ حَقِيقَةً، لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ عِوَضًا حَقِيقَةً لَكَانَتْ عِوَضًا عَنْ نَفْسِ الْمُتْعَةِ وَهِيَ الِاسْتِمْتَاعُ، أَوْ كَانَتْ عِوَضًا عَنْ مِلْكِ الْمُتْعَةِ وَهِيَ الِاخْتِصَاصُ بِهَا وَلَا سَبِيلَ إِلَى الْأَوَّلِ، لِأَنَّ الزَّوْجَ مَلَكَ مُتْعَتَهَا بِالْعَقْدِ فَكَانَ هُوَ بِالِاسْتِمْتَاعِ مُتَصَرِّفًا فِي مِلْكِ نَفْسِهِ بِاسْتِيفَاءِ مَنَافِعٍ مَمْلُوكَةٍ لَهُ، وَمَنْ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ لَا يَلْزَمُهُ عِوَضٌ لِغَيْرِهِ.

وَلَا وَجْهَ لِلثَّانِي لِأَنَّ مِلْكَ الْمُتْعَةِ قَدْ قُوبِلَ بِعِوَضٍ مَرَّةً فَلَا يُقَابَلُ بِعِوَضٍ آخَرَ، فَخَلَتِ النَّفَقَةُ عَنْ مُعَوَّضٍ، فَلَا يَكُونُ عِوَضًا حَقِيقَةً بَلْ كَانَتْ صِلَةً، وَلِذَلِكَ سَمَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى رِزْقًا بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}

الْقَوْلُ الثَّانِي: تَصِيرُ النَّفَقَةُ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الزَّوْجِ إِذَا امْتَنَعَ عَنْ أَدَائِهَا بَعْدَ أَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ قَضَاءِ الْقَاضِي وَلَا رِضَا الزَّوْجِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}، مُوَجِّهِينَ اسْتِدْلَالَهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَخْبَرَ عَنْ وُجُوبِ النَّفَقَةِ وَالْكُسْوَةِ مُطْلَقًا دُونَ تَقَيُّدٍ بِزَمَانٍ دُونَ آخَرَ، وَلِأَنَّ النَّفَقَةَ قَدْ وَجَبَتْ، وَالْأَصْلُ أَنَّ مَا وَجَبَ عَلَى إِنْسَانٍ لَا يَسْقُطُ إِلاَّ بِالْوَفَاءِ أَوِ الْإِبْرَاءِ كَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ.

ثَانِيًا: الْقَرَابَةُ:

تَجِبُ النَّفَقَةُ- فِي الْجُمْلَةِ- بِالْقَرَابَةِ وَذَلِكَ عَلَى التَّفْصِيلِ التَّالِي:

الْقَرَابَةُ الْمُوجِبَةُ لِلنَّفَقَةِ وَبَيَانُ دَرَجَاتِهَا:

50- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ يَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ بِسَبَبِ الْقَرَابَةِ:

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ: إِلَى أَنَّ مُسْتَحِقِّيهَا هُمُ الْآبَاءُ وَإِنْ عَلَوْا، وَالْأَوْلَادُ وَإِنْ سَفَلُوا، وَالْحَوَاشِي ذَوُو الْأَرْحَامِ الْمُحَرَّمَةِ كَالْعَمِّ وَالْأَخِ وَابْنِ الْأَخِ وَالْعَمَّةِ وَالْخَالِ وَالْخَالَةِ، وَلَا تَجِبُ لِغَيْرِهِمْ كَابْنِ الْعَمِّ وَبِنْتِ الْعَمِّ وَبِنْتِ الْخَالِ وَبِنْتِ الْخَالَةِ، وَلَا لِلْمَحْرَمِ غَيْرِ ذِي الرَّحِمِ كَابْنِ الْعَمِّ إِذَا كَانَ أَخًا مَنَ الرَّضَاعِ، وَيُشْتَرَطُ اتِّحَادُهُمْ فِي الدِّينِ فِيمَا عَدَا الزَّوْجِيَّةِ وَالْوِلَادِ فَلَا تَجِبُ لِأَحَدٍ النَّفَقَةُ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ إِلاَّ بِسَبَبِ الزَّوْجِيَّةِ وَقَرَابَةِ الْوِلَادِ.

أَمَّا الْأَوْلَادُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} وَالْمَوْلُودُ لَهُ هُوَ الْأَبُ، فَأَوْجَبَ عَلَيْهِ رِزْقَ النِّسَاءِ لِأَجْلِ الْأَوْلَادِ، فَلأَنْ تَجِبَ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الْأَوْلَادِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى.

وَأَمَّا الْأَبَوَانِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} فَقَدْ نَزَلَتْ فِي حَقِّ الْأَبَوَيْنِ الْكَافِرَيْنِ بِدَلِيلِ مَا قَبْلَهَا وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ وَلَيْسَ مِنَ الْإِحْسَانِ وَلَا مِنَ الْمَعْرُوفِ أَنْ يَعِيشَ فِي نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَتْرُكَهُمَا يَمُوتَانِ جُوعًا.

وَأَمَّا الْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ فَكَالْأَبَوَيْنِ وَلِهَذَا يَقُومَانِ مَقَامَ الْأَبِ وَالْأُمِّ فِي الْإِرْثِ وَغَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُمْ تَسَبَّبُوا لِإِحْيَائِهِ فَاسْتَوْجَبُوا عَلَيْهِ الْإِحْيَاءَ كَالْأَبَوَيْنِ.

أَمَّا اسْتِثْنَاءُ الزَّوْجِيَّةِ مِنَ اتِّحَادِ الدِّينِ فَلِأَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ بِاعْتِبَارِ الْحَبْسِ الْمُسْتَحَقِّ بِعَقْدِ النِّكَاحِ، وَأَمَّا اسْتِثْنَاءُ الْوِلَادِ مِنَ اتِّحَادِ الدِّينِ أَيْضًا فَلِأَنَّ الْمَنْفَيَّ عَلَيْهِ جُزْؤُهُ، وَنَفَقَةُ الْجُزْءِ لَا تَمْتَنِعُ بِالْكُفْرِ، إِلاَّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ نَفَقَةُ أَبَوَيْهِ الْحَرْبِيَّيْنِ.

وَشَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ الْفَقْرَ لِتَحَقُّقِ الْحَاجَةِ مُفَرِّقِينَ بَيْنَ نَفَقَةِ الزَّوْجِيَّةِ وَغَيْرِهَا قَائِلِينَ بِخِلَافِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ حَيْثُ تَجِبُ مَعَ الْغِنَى، لِأَنَّهَا تَجِبُ لِأَجْلِ الْحَبْسِ الدَّائِمِ كَرِزْقِ الْقَاضِي.

وَفِي نَفَقَةِ الْقَرِيبِ فَإِنَّمَا تَجِبُ لِكُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ صَغِيرًا أَوْ أُنْثَى وَلَوْ بَالِغَةً صَحِيحَةً، أَمَّا الذَّكَرُ الْبَالِغُ فَلَا بُدَّ مِنْ عَجْزِهِ عَنِ الْكَسْبِ بِخِلَافِ الْأَبَوَيْنِ فَإِنَّهَا تَجِبُ لَهُمَا مَعَ الْقُدْرَةِ، لِأَنَّهُمَا يَلْحَقُهُمَا تَعَبُ الْكَسْبِ، وَالْوَلَدُ مَأْمُورٌ بِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُمَا.

وَيَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ الْمِيرَاثِ، لِأَنَّ التَّنْصِيصَ عَلَى الْوَارِثِ تَنْبِيهٌ عَلَى اعْتِبَارِ الْمِقْدَارِ، وَلِأَنَّ الْغُرْمَ بِالْغُنْمِ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَوْلَادِ الْمُبَاشِرِينَ فَقَطْ دُونَ غَيْرِهِمْ، وَلَا يَشْتَرِطُونَ اتِّحَادَ الدِّينِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، أَيْ بَيْنَ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ وَبَيْنَ مَنْ تَجِبُ لَهُ، بَلْ يُوجِبُونَهَا لِكُلٍّ مِنْهُمْ وَإِنِ اخْتَلَفَ دَيْنُهُ مَعَ الْآخَرِ، مَا دَامَ مُسْتَحِقًّا لَهَا، شَرِيطَةَ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ غَيْرَ حَرْبِيٍّ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ مُسْتَحِقِّيهَا هُمُ الْآبَاءُ وَإِنْ عَلَوْا وَالْأَوْلَادُ وَإِنْ نَزَلُوا.

وَاسْتَدَلُّوا عَلَى وُجُوبِهَا لِلْآبَاءِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} وَمِنَ الْمَعْرُوفِ الْقِيَامُ بِكِفَايَتِهِمَا عِنْدَ حَاجَتِهِمَا، وَبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ».

وَاسْتَدَلُّوا عَلَى وُجُوبِهَا لِلْأَوْلَادِ وَإِنْ نَزَلُوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} فَإِيجَابُ الْأُجْرَةِ لِإِرْضَاعِ الْأَوْلَادِ يَقْتَضِي إِيجَابَ مُؤْنَتِهِمْ.

«وَبِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم- لِهِنْدَ: خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ».

وَالْأَحْفَادُ مُلْحَقُونَ بِالْأَوْلَادِ وَإِنْ لَمْ يَتَنَاوَلْهُمْ إِطْلَاقُ مَا تَقَدَّمَ.

وَلَمْ يَشْتَرِطِ الشَّافِعِيَّةُ اتِّحَادَ الدِّينِ بَلْ يُوجِبُونَهَا مَعَ اخْتِلَافِهِ.وَلَمْ يُوجِبْهَا الشَّافِعِيَّةُ لِغَيْرِهِمَا مِنْ سَائِرِ الْحَوَاشِي.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ: إِلَى اسْتِحْقَاقِهَا لِلْآبَاءِ وَإِنْ عَلَوْا وَلِلْأَوْلَادِ وَإِنْ نَزَلُوا، وَلِمَنْ يَرِثُهُمُ الْمُنْفِقُ دُونَ مِنْ سِوَاهُمْ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِيرَاثُهُ مِنْهُمْ بِفَرْضٍ أَمْ بِتَعْصِيبٍ، وَإِنْ لَمْ يَرِثُوا مِنْهُ.

وَلَا نَفَقَةَ عَلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ مِنْ غَيْرِ عَمُودَيِ النَّسَبِ.

وَالْمَذْهَبُ عِنْدَهُمُ اشْتِرَاطُ اتِّحَادِ الدِّينِ لِوُجُوبِ النَّفَقَةِ، لِأَنَّهَا مُوَاسَاةٌ عَلَى سَبِيلِ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ لَمْ تَجِبْ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ كَنَفَقَةِ غَيْرِ عَمُودَيِ النَّسَبِ، وَلِأَنَّهُمَا غَيْرُ مُتَوَارِثَيْنِ، فَلَمْ تَجِبْ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ نَفَقَتُهُ بِالْقَرَابَةِ.

إِنْفَاقُ الْفُرُوعِ عَلَى الْأُصُولِ:

51- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ نَفَقَةِ الْأَبَوَيْنِ الْمُبَاشِرَيْنِ عَلَى الْوَلَدِ لقوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}. وَمِنَ الْإِحْسَانِ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِمَا عِنْدَ حَاجَتِهِمَا.

وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} وَمِنَ الْمَعْرُوفِ الْقِيَامُ بِكِفَايَتِهِمَا عِنْدَ الْحَاجَةِ.

وَلِمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي مَالًا وَوَالِدًا، وَإِنَّ وَالِدِي يَجْتَاحُ مَالِيَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم-: أَنْتَ وَمَالُكَ لِوَالِدِكِ، إِنَّ أَوْلَادَكُمْ مَنْ أَطْيَبِ كَسْبِكُمْ، فَكُلُوا مِنْ كَسْبِ أَوْلَادِكُمْ».فَإِذَا كَانَ كَسْبُ الْوَلَدِ يُعَدُّ مِنْ كَسْبِ الْأَبِ، فَإِنَّ نَفَقَةَ الْأَبِ تَكُونُ وَاجِبَةً فِيهِ، لِأَنَّ نَفَقَةَ الْإِنْسَانِ تَكُونُ مِنْ كَسْبِهِ.

وَقَدْ حَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ فِي هَذَا فَقَالَ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ نَفَقَةَ الْوَالِدَيْنِ اللَّذَيْنِ لَا كَسْبَ لَهُمَا وَلَا مَالَ وَاجِبَةٌ فِي مَالِ الْوَلَدِ.

أَمَّا الْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ، فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ يَرَوْنَ أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ، وَقَدْ خَالَفَهُمُ الْجُمْهُورُ فِي ذَلِكَ حَيْثُ قَالُوا بِوُجُوبِ النَّفَقَةِ لِسَائِرِ الْأُصُولِ وَإِنْ عَلَوْا.

وَقَدِ احْتَجَّ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الْأَدِلَّةَ قَدْ قَامَتْ عَلَى وُجُوبِ نَفَقَةِ الْأَبَوَيْنِ الْمُبَاشِرَيْنِ دُونَ سَائِرِ الْأُصُولِ، فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهِمَا، وَمِنْ ثَمَّ لَا نَفَقَةَ عَلَى الْوَلَدِ لِجَدٍّ أَوْ جَدَّةٍ.

أَمَّا الْجُمْهُورُ فَقَالُوا: إِنَّ الْأَجْدَادَ وَالْجَدَّاتِ مُلْحَقُونَ بِالْأَبَوَيْنِ الْمُبَاشِرَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَتَنَاوَلْهُمْ إِطْلَاقُ مَا تَقَدَّمَ، كَمَا أُلْحِقُوا بِهِمَا فِي عَدَمِ الْقَوْدِ وَرَدِّ الشَّهَادَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.

وَلِأَنَّ الْأَجْدَادَ وَالْجَدَّاتِ يَقُومَانِ مَقَامَ الْأَبَوَيْنِ الْمُبَاشِرَيْنِ فِي الْإِرْثِ وَغَيْرِهِ.

وَلِأَنَّهُمْ تَسَبَّبُوا فِي إِحْيَاءِ وَلَدِ الْوَلَدِ، فَاسْتَوْجَبُوا عَلَيْهِ الْإِحْيَاءَ كَالْأَبَوَيْنِ.

شُرُوطُ وُجُوبِ الْإِنْفَاقِ عَلَى الْأُصُولِ:

52- يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْإِنْفَاقِ عَلَى الْأُصُولِ مَا يَأْتِي:

أ- أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ فَقِيرًا أَوْ عَاجِزًا عَنِ الْكَسْبِ، فَلَا يَجِبُ عَلَى الْفَرْعِ نَفَقَةُ أَصْلِهِ إِنْ كَانَ أَصْلُهُ غَنِيًّا أَوْ قَادِرًا عَلَى الْكَسْبِ، لِأَنَّهَا تَجِبُ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ وَالْبِرِّ، وَالْقَادِرُ عَلَى الْكَسْبِ كَالْمُوسِرِ مُسْتَغْنٍ عَنِ الْمُوَاسَاةِ.

وَبِهَذَا قَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ.

وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْأَظْهَرِ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ: إِنْ كَانَ الْأَصْلُ فَقِيرًا قَادِرًا عَلَى الْكَسْبِ تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَى فَرْعِهِ كَذَلِكَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَمَرَ بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْوَالِدَيْنِ، وَفِي إِلْزَامِ الْآبَاءِ التَّكَسُّبَ مَعَ غِنَى الْأَبْنَاءِ تَرْكٌ لِلْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ وَإِيذَاءٌ لَهُمْ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ.

ب- أَنْ يَكُونَ الْفَرْعُ مُوسِرًا وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، أَوْ قَادِرًا عَلَى التَّكَسُّبِ وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالرِّوَايَةُ الَّتِي جَزَمَ بِهَا صَاحِبُ الْهِدَايَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَأَنْ يَكُونَ فِي مَالِهِ أَوْ كَسْبِهِ فَضْلٌ عَنْ نَفَقَةِ نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَامْرَأَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ مِنْهُ شَيْءٌ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ.

وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: لَا يَجِبُ عَلَى الْفَرْعِ الْمُعْسِرِ التَّكَسُّبُ لِيُنْفِقَ عَلَى وَالِدَيْهِ، وَهُوَ مُقَابِلُ الْأَصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: إِذَا كَانَ الِابْنُ فَقِيرًا كَسُوبًا وَكَانَ الْأَبُ كَسُوبًا لَا يُجْبَرُ الِابْنُ عَلَى الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ غَنِيًّا بِاعْتِبَارِ الْكَسْبِ فَلَا ضَرُورَةَ فِي إِيجَابِ النَّفَقَةِ عَلَى الْغَيْرِ.

ج- اتِّحَادُ الدِّينِ بَيْنَ الْمُنْفِقِ وَالْمُنْفَقِ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، لِأَنَّ النَّفَقَةَ مُوَاسَاةٌ عَلَى سَبِيلِ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ، فَلَمْ تَجِبْ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ، كَنَفَقَةِ غَيْرِ عَمُودَيِ النَّسَبِ، وَلِأَنَّهُمَا غَيْرُ مُتَوَارِثَيْنِ فَلَمْ يَجِبْ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ نَفَقَةٌ بِالْقَرَابَةِ.

وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ: اتِّحَادُ الدِّينِ لَيْسَ شَرْطًا لِوُجُوبِ نَفَقَةِ الْأَصْلِ عَلَى الْفَرْعِ، فَتَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ وَإِنِ اخْتَلَفَ دِينُهُمَا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي حَقِّ الْأَبَوَيْنِ الْكَافِرَيْنِ: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}. وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْإِحْسَانِ وَلَا مِنَ الْمَعْرُوفِ أَنْ يَعِيشَ الْإِنْسَانُ فِي نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَتْرُكَ أَبَوَيْهِ يَمُوتَانِ جُوعًا لِوُجُودِ الْمُوجِبِ وَهُوَ الْبَعْضِيَّةِ.

موسوعة الفقه الكويتية-وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت-صدرت بدءًا من: 1404هـ/1984م


21-المغرب في ترتيب المعرب (‏بعث-‏البعث‏)

‏ (‏بعث‏) ‏‏

(‏الْبَعْثُ‏) ‏ الْإِثَارَةُ يُقَالُ بَعَثَ النَّاقَةَ فَانْبَعَثَتْ أَيْ أَثَارَهَا فَثَارَتْ وَنَهَضَتْ وَمِنْهُ يَوْمُ الْبَعْثِ يَوْمَ يَبْعَثُنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْقُبُورِ ‏ (‏وَبَعَثَهُ‏) ‏ أَرْسَلَهُ وَمِنْهُ ضُرِبَ عَلَيْهِمْ ‏ (‏الْبَعْثُ‏) ‏ أَيْ عُيِّنَ عَلَيْهِمْ وَأُلْزِمُوا أَنْ يُبْعَثُوا إلَيَّ الْغَزْوِ وَقَدْ يُسَمَّى الْجَيْشُ ‏ (‏بَعْثًا‏) ‏ لِأَنَّهُ يُبْعَثُ ثُمَّ يُجْمَعُ فَيُقَالُ مَرَّتْ عَلَيْهِمْ الْبُعُوثُ أَيْ الْجُيُوشُ ‏ (‏وَبُعَاثٌ‏) ‏ مَوْضِعٌ بِالْمَدِينَةِ ‏ (‏وَيَوْمُ بُعَاثٍ‏) ‏ وَقْعَةٌ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ وَالْغَيْنُ الْمُعْجَمَةُ تَصْحِيفٌ عَنْ الْعَسْكَرِيِّ وَالْأَزْهَرِيِّ فِي سَرِقَةِ الْمُخْتَصَرِ‏.

المغرب في ترتيب المعرب-ناصر بن عبدالسيد أبى المكارم ابن على، أبو الفتح، برهان الدين الخوارزمي المُطَرِّزِىّ-توفي: 610هـ/1213م


22-المغرب في ترتيب المعرب (‏جعل-‏الجعائل‏)

‏ (‏جعل‏) ‏‏

(‏الْجَعَائِلُ‏) ‏ جَمْعُ جَعِيلَةٍ وَجَعَالَةٍ بِالْحَرَكَاتِ الثَّلَاثِ بِمَعْنَى الْجُعْلِ وَهُوَ مَا يُجْعَلُ لِلْعَامِلِ عَلَى عَمَلِهِ ثُمَّ سُمِّيَ بِهِ مَا يُعْطَى الْمُجَاهِدُ لِيَسْتَعِينَ بِهِ عَلَى جِهَادِهِ وَأَجْعَلْتُ لَهُ أَعْطَيْت لَهُ الْجُعْلَ وَاجْتَعَلَهُ هُوَ أَخَذَهُ ‏ (‏وَمِنْهُ‏) ‏ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَجْتَعِلُ الْجُعْلَ ثُمَّ يَبْدُو لَهُ فَيُجْعَلُ أَقَلَّ مِمَّا اجْتَعَلَ قَالَ إذَا لَمْ يَكُنْ أَرَادَ الْفَضْلَ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَفِي الشُّرُوحِ فَيَجْعَلُ بِفَتْحِ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ وَلَيْسَ بِذَاكَ وَعَلَيْهِ جَاءَ الْحَدِيثُ ‏ [‏إنَّ أَبِي جَعَلَ لِقَوْمِهِ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ عَلَى أَنْ يُسْلِمُوا‏] ‏ وَعَنْ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ كَانَ فِي مَسْلَحَةٍ أَيْ فِي ثَغْرٍ فَضُرِبَ عَلَيْهِمْ الْبَعْثُ أَيْ عُيِّنَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُبْعَثُوا إلَى الْحَرْبِ فَجَعَلَ إبْرَاهِيمُ وَقَعَدَ أَيْ أَعْطَى غَيْرَهُ جُعْلًا لِيَغْزُوَ عَنْهُ وَقَعَدَ هُوَ عَنْ الْغَزْوِ وَقَوْلُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ أَرَادَ الْفَضْلَ يَعْنِي إذَا لَمْ يَقْصِدْ بِمَا فَضَلَ وَزَادَ أَنْ يَحْبِسَهُ لِنَفْسِهِ وَيَصْرِفَهُ إلَى حَوَائِجِهِ جعن فِي الْأَنْفَالِ‏.‏ ‏ (‏جعونة‏) ‏ بْنُ الْحَارِثِ مِنْ وُلَاةِ جُيُوشِ الشَّامِ، وَمَعْوَيَةُ تَصْحِيفٌ وَفِي وَصَايَا السِّيَرِ حَرَامُ بْنُ مَعْوَيَةَ وَجَعْوَنَةُ تَصْحِيفٌ‏.

المغرب في ترتيب المعرب-ناصر بن عبدالسيد أبى المكارم ابن على، أبو الفتح، برهان الدين الخوارزمي المُطَرِّزِىّ-توفي: 610هـ/1213م


23-المعجم الغني (بَلَى)

بَلَى-: حَرْفُ جوابٍ لِلتَّصْديقِ يَقَعُ بَعْدَ لا النَّافِيَةِ فَيَجْعَلُهُ إِثْباتًا

{زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لتُبْعَثُنَّ} [التغابن: 7]. وَتَأْتِي جَوَابًا لِلاسْتِفْهامِ الْمَقْرونِ بِنَفْيٍ {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلَى} [الأعراف: 172].

الغني-عبدالغني أبوالعزم-صدر: 1421هـ/2001م


24-طِلبة الطلبة (بعث)

(بعث):

فَضُرِبَ عَلَيْهِمْ الْبَعْثُ أَيْ جُعِلَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُبْعَثُوا فِي الْجِهَادِ فَجَعَلَ وَقَعَدَ أَيْ أَعْطَى جَعْلًا يَغْزُو بِهِ غَيْرُهُ وَقَعَدَ هُوَ فَلَمْ يَخْرُجْ مَعَ الْغُزَاةِ وَقَوْلُ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لِلْجَاعِلِ أَجْرُ الْغَازِي» هُوَ هَذَا.

طلبة الطلبة-أبوحفص النسفي-توفي: 537هـ/1142م


25-طِلبة الطلبة (زعم)

(زعم):

مَنْ زَعَمَ كَذَا قَالَ فِي دِيوَانِ الْأَدَبِ الزَّعْمُ الْقَوْلُ وَقَالَ فِي مُجْمَلِ اللُّغَةِ الزَّعْمُ الْقَوْلُ مِنْ غَيْرِ صِحَّةٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا} [التغابن: 7] وَفِيهِ لُغَتَانِ فَتْحُ الزَّايِ وَضَمُّهَا وَالصَّرْفُ مِنْ حَدِّ دَخَلَ. رَجُلٌ بَعَثَ بَدِيلًا لِيَغْزُوَ عَنْهُ فَغَزَا مَعَ الْجُنْدِ فَغَنِمُوا فَالسَّهْمُ لِلْبَدِيلِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُجَاهِدُ فَإِنْ كَانَ أَعْطَاهُ جُعْلًا رَدَّهُ الْبَدِيلُ لِأَنَّهُ أَخَذَ الْأَجْرَ عَلَى الْجِهَادِ فَلَمْ يَجُزْ، وَهَذَا إذَا كَانَ شَرْطًا لَا عَوْنًا لَهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ الْبَدِيلُ الْبَدَلُ، وَالْبِدْلُ بِكَسْرِ الْبَاءِ، وَتَسْكِينِ الدَّالِ كَذَلِكَ.

طلبة الطلبة-أبوحفص النسفي-توفي: 537هـ/1142م


26-تاج العروس (حزر)

[حزر]: الحَزْرُ: التَّقْدِيرُ والخَرْصُ، والحازِرُ: الخارِص، كما في الصّحاح، كالمَحْزَرةِ، وهذِه عن ثَعْلَب.

وفي المُحْكَم: حَزَرَه يَحْزُرُهُ، من حَدّ نَصَرَ، ويَحْزِرُهُ، من حَدِّ ضَرَبَ، حَزْرًا: قدَّره بالحَدْسِ. وحَزْرٌ: موضع بِنَجْدٍ، وقيل: جبَلٌ.

والحَزْرَةُ: شَجَرَةٌ حامِضَةٌ. والحَزْرةُ من المَال: خِيَارُهُ، كالحَزيرة، وبها سُمِّيَ الرَّجُل. ويقال هذا حَزْرة نَفْسِي؛ أَي خَيْرُ ما عِنْدي، الجمع: حَزَرَاتٌ، بالتَّحْرِيك وبالسُّكُون أَيضًا، كما يأْتي فيما أَنشده شَمِرٌ. وفي الحَدِيثِ: «أَنَّ النَّبي صلى ‌الله‌ عليه‌ وسلم بَعَثَ مُصَدِّقًا فقال له: لا تَأْخُذْ من حَزَرَاتِ أَنْفُسِ النَّاسِ شَيْئًا، خُذِ الشَّارِفَ والبَكْرَ». يعنِي في الصَّدقة. قالُوا: وإِنما سُمِّيَ خِيَارُ مالِ الرَّجُل حَزْرةً، لأَنَّ صاحبَها لم يَزَلْ يَحْزُرُها في نَفْسِه كلَّما رَآها، سُمِّيَت بالمَرَّةِ الواحدة من الحَزْر، ولهذا أُضِيفَت إِلَى الأَنْفُسِ. وأَنْشَد الأَزْهَرِيُّ:

الحَزَرَاتُ حَزَرَاتُ النَّفَسِ

أَي مما تَودُّهَا النَّفْسُ. وقال آخر:

وحَزْرَةُ القَلْب خِيَارُ المَالِ

وأَنشد شَمِرٌ:

الحَزَراتُ حَزَرَاتُ القَلْبِ *** اللُّبُنُ الغِزَارُ غَيْرُ اللُّجْبِ

حِقَاقُهَا الجِلادُ عنْد اللَّزْبِ

وفي حَدِيثٍ آخَرَ: «لا تَأْخُذُوا حَزَراتِ أَموالِ النَّاسِ ونَكِّبُوا عن الطّعَام» ويُرْوَى بتَقْدِيم الرَّاءِ، وهو مَذْكُور في مَوضعِه. وقال أَبو سَعِيد: حَزَراتُ الأَموالِ هي الَّتي يُؤَدِّيها أَربَابُهَا، وليس كُلُّ المالِ الحَزْرَةَ. قال: وهي العَلَائِقُ.

وفي مَثَل العَرَب:

وا حَزْرَتِي وأَبْتِغي النَّوافِلَا

وعن أَبي عُبَيْدة: الحَزَراتُ: نَقَاوَة المَال، الذَّكَرُ والأُنْثَى سَواءٌ. يقال: هي حَزْرَةُ مَالِه، وهي حَزْرَةُ قَلْبِه. وأَنْشَد شَمِرٌ:

نُدَافعُ عَنْهُم كُلَّ يَوْمِ كَرِيهَةٍ *** ونَبْذُل حَزْرَاتِ النُّفُوسِ ونَصْبِرُ

والحَزْرَةُ: النِبَقَةُ المُرَّةُ، كذا في النُّسَخ، وفي التَّكْمِلَةِ: المُزَّة، ويُصَغَّر حُزَيْرَةً، عن ابْنِ الأَعْرَابِيّ. أَو حَزْرَتُها: مَرَارَتُهَا.

وحَزْرَةُ، بِلَا لَامٍ: وادٍ، نقله الصّاغانِيّ. وبِئْرُ حَزْرَةَ: من آبارِهِم، مَعْرُوفَة.

والحازِرُ: الحَامِضُ من اللَّبنِ والنَّبِيذُ. قال ابنُ الأَعْرابِيّ: هو حَازِرٌ وحامزٌ، بمعْنًى وَاحِد، وقد حَزَرَ اللَّبَنُ والنَّبِيذُ؛ أَي حمُضَ.

وفي المُحْكَم: حَزَرَ اللَّبَنُ يَحْزُرُ حزْرًا وحُزُورًا، قال:

وارْضَوْا بإِحْلَابةِ وَطْبٍ قد حزَرْ

وقيل: الحازِرُ من اللَّبَنِ: فوْقَ الحَامِضِ. والحَازِرُ من الوُجُوهِ: العابسُ الباسِرُ. يقال: وَجْهٌ حازِرٌ، على التَّشْبِيه، وقد حَزَرَ حَزْرًا وحُزُورًا. أَو الحازِرُ: دَقِيقُ الشَّعِيرِ وله رِيحٌ لَيْستْ بِطَيِّبة، حكاه ابنُ شُميْل عن المُنْتجِع.

وحزِيرَانُ، بفَتْح فكَسْر والمشْهُور على الأَلْسِنَة بضَمٍّ ففتح: اسمُ شَهرٍ بالرُّومِيَّة، من الشهور الاثْنَيْ عَشَر، وهو قَبْلَ تَمُّوزَ، وقد مَرَّ تَفصيلُها في أَيَّار.

والحَزْوَرَةُ، كقَسْوَرَة، النَّاقَةُ المُقَتَّلَةُ المُذَلَّلَةُ، وهي أَيضًا العَظِيمَةُ، على التَّشْبِيه.

والحَزْوَرَةُ والحَزْورُ: الرَّابِيةُ الصَّغِيرَةُ، كالحِزْوارَةِ، بالكَسْر. وقيل: هو التَّلُّ الصَّغِيرِ، الجمع: حَزَاوِرُ وحَزَاوِرَةٌ وحَزَاوِيرُ.

وقال أَبو الطَّيِّب اللُّغَوِيُّ: والحزَاوِرَةُ الأَرَضُون ذَوَاتُ الحِجَارةِ، جمْع حَزْوَرَةٍ.

والحَزَوَّرُ، بلا هَاءٍ، كعَمَلَّس: الغُلامُ القوِيُّ الّذي قد شَبَّ. قال الشاعِرُ:

لنْ يَبْعثُوا شَيْخًا ولا حَزَوَّرَا *** بالفاس إِلَّا الأَرقَبَ المُصَدَّرَا

وقال آخَرُ:

رُدِّي العروجَ إِلى الحَيَا واسْتَبْشِري *** بمقامِ حَبْل السّاعدَيْن حَزَوَّرِ

وفي الصّحاح: الحَزَوَّرُ: الغُلامُ إِذا اشتَدَّ وقَوِيَ وخَدَمَ.

وقال يَعْقُوبُ: هو الّذي كَادَ يُدرِكُ ولم يَفْعَل. يُقَالُ للغُلام إِذا رَاهقَ ولم يُدْرِك بَعْدُ: حَزَوَّرٌ، وإِذا أَدْرَكَ وقَوِيَ واشْتَدَّ فهوَ حَزَوّرٌ، أَيضًا. قال النَّابِغَةُ:

نَزْعَ الحَزَوَّرِ بالرِّشاءِ المُحْصَد

هكذا أَنْشَدَه أَبو عَمْرٍو، قال: أَراد البالغَ القَوِيَّ.

قلْت: وقرأْتُ في كتاب رُشْد اللَّبِيبِ ومُعَاشَرَة الحَبِيب قولَ النَّابِغَة هذا، وأَوَّلُه:

وإِذَا لمَسْتَ لَمسْتَ أَخْثَمَ جاثِمًا *** مُتَحَيِّزًا بمكانِه مِل‌ءَ اليَدِ

وإِذا طَعَنْتَ طَعَنْتَ في مُسْتَهدِفٍ *** رابِي المجَسَّةِ بالعَبِير مُقَرْمَدِ

وإِذا نَزَعْتَ نَزَعْتَ من مُسْتَحْصِف *** نَزْعَ الحَزَوَّرِ بالرِّشاءِ المُحْصَدِ

وقال أَبُو حَاتِم في الأَضْداد: الحَزَوَّرُ: الرَّجلُ القَوِيُّ الشَّديدُ. والحَزَوَّر: الضَّعِيفُ من الرِّجال، ضِدٌّ. وأَنْشَدَ:

وما أَنَا إِنْ دَافَعْتُ مِصْراعَ بَابِه *** بِذِي صَوْلَةٍ فَانٍ ولا بِحَزَوَّرِ

قال: أَرادَ: ولا بِصَغِير ضَعِيف. وقال آخرُ:

إِنَّ أَحقَّ النَّاسِ بالمَنِيَّهْ *** حَزَوَّرٌ ليستْ له ذُرِّيَّهْ

قال: أَراد بالحَزَوَّرِ هُنَا رجُلًا بالغًا ضَعيفًا لا نَسْلَ لَهُ.

وحَكَى الأَزْهَرِيّ عَنِ الأَصْمَعيّ وعن المُفَضَّل قال: الحَزَوَّر، عَنِ العَرَبِ: الصَّغِيرُ غَيْرُ البَالغِ.

ومن العَرَب من يَجْعلُ الحَزْوَرَ البَالغَ القَوِيَّ البدنِ الّذِي قد حَملَ السِّلَاحَ. قال أَبو مَنْصُور: والقَوْلُ هو هذَا.

قُلتُ: وفي كتاب الأَضداد لأَبي الطَّيِّب اللُّغَوِيّ، عن بَعْضِ اللُّغَوِيِّين: إِذَا وَصفْتَ بالحَزَوَّرِ غُلامًا أَو شابًّا فهو القَوِيّ، وإِذا وصفْتَ به كَبِيرًا فهو الضَّعِيفُ. قال: وفي الحَزَوَّرِ لُغَات، بالتَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ، وهَزَوَّر، كَعَمَلَّس، بالهَاءِ، والجَمْعُ هَزَاوِرَةٌ وحَزَاوِرَةٌ.

وأَبو جعْفَرٍ محمّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَحْيَى بْنِ الحَكَم بْنِ الحَزَوَّرِ الثَّقَفِيُّ الحَزَوَّرِيُّ الأَصْفَهَانِيّ مَوْلَى السَّائب بنِ الأَقَرعِ مُحَدِّثٌ ابْنُ مُحَدِّث، حَدَّثَ عن مُحَمَّدِ بْنِ سَلْمَانَ المَصِّيصِيّ وعَنْه أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بْنِ المَرْزُبَان الأَبُهَرِيّ، وأَبُوه إِبراهِيمُ بنُ يَحْيَى يَرْوِي عن أَبِي دَاوودَ الطَّيَالِسيّ وبَكْرِ بْنِ بَكّار، وعنه وَلَدُه المَذْكُور.

والمَحْزُورُ، كمَنْصُور، وليس بشيْ‌ءٍ وفي بعضِ النُّسَخِ بضمِّ الميمِ وفَتْحِ الحَاءِ وكَسْرِ الوَاوِ: المُتَغَضِّبُ العَابِسُ الوَجْهِ، وهو مَجَاز.

والحَزْرَاءُ: الضَّرْبَةُ الحامِضَةُ هكذا في سَائِر النُّسَخ، الضَّرْبَة، بالضَّاد المُعْجَمَة، والصواب بالصَّادِ المُهْمَلَة.

* ومما يُسْتَدْرَك عَلَيْه:

حَزَرَ المَالُ: زَكَا أَو ثَبَتَ فنَمَى.

وحَزِيرَةُ المَالِ: ما يَعْلَقُ بِهِ القَلْبُ.

ومن أَمْثَالهم «عَدَا القَارِصُ فحَزَرَ» يُضْرَبُ للأَمرِ إِذا بَلَغَ غَايَتَه [وأَفْقم].

والحَزْرَةُ: مَوْتُ الأَفاضلِ.

والحَزْوَرُ كجَعْفَرٍ: المَكَانُ الغَلِيظُ. وأَنْشَد الأَزْهَرِيّ:

في عَوْسَجِ الوَادِي ورَضْمِ الحَزْوَرِ

وقال عَبّاسُ بنُ مِرْداسٍ:

وذَابَ لُعَابُ الشَّمْسِ فيه وأُزِّرَتْ *** به قامِسَاتٌ مِن رِعَانٍ وحَزْوَرِ

والحَزْوَرُ لغة في الحَزَوَّرِ، حكاه جماعةٌ وبه صدّر الجوهريّ، وقد وَقَعَ في أَحادِيثَ، وضَبَطَه ابنُ الأَثِيرِ بالوَجْهَيْن؛ وهو الغُلام الَّذِي قد شَبَّ وقَوِيَ. قال الرَّاجِزُ:

لنْ يَعْدمَ المَطِيُّ مِنِّي مِسْفَرَا *** شَيْخًا بَجالًا وغُلامًا حَزْوَرَا

والجَمْعُ حَزَاوِرُ، وحَزَاوِرةٌ، زَادُوا الهَاءَ لتَأْنِيثِ الجَمْعِ.

والحَزَوَّرُ، كعَمَلَّس: الَّذِي قَد انْتَهَى إِدْراكُه. قال بعْضُ نِسَاءِ العَرَب:

إِنَّ حِرِي حَزَوَّرٌ حَزَابِيَهْ *** كَوَطْبَةِ الظَّبْيَةِ فَوْقَ الرَّابِيَهْ

قد جاءَ منه غِلْمَةٌ ثَمَانِيَهْ *** وبَقِيَتْ ثَقْبَتُه كما هِيَهْ

وغِلْمَانٌ حَزَاوِرَةٌ: قارَبُوا البُلُوغَ، وهو على التَّشْبِيه بالرَّابِيَة كما حَقَّقَه غيرُ وَاحِد.

وفي حديث عَبْدِ الله بْنِ الحَمْراءِ «أَنَّه سَمِعَ رسولَ الله صلى ‌الله‌ عليه‌ وسلم وهو وَاقِف بالحَزْوَرَةِ من مَكَّةَ» قال ابنُ الأَثِيرِ: هو مُوْضِعٌ عند بابِ الحَنَّاطِين، وهو بوَزْن قَسْوَرَة. قال الأَمامُ الشَّافِعِيُّ رَضِي الله عنه: النَّاسُ يُشَدِّدُون الحَزْوَرَة والحُدَيَبْيَة، وهما مُخَفَّفَتَان. وفي رَوْضِ السُّهَيْلِيّ: هُوَ اسمُ سوقٍ كانت بِمَكَّةَ وأُدْخِلَت في المَسْجد لمَّا زِيدَ فيه. ونَقَل شَيْخُنا عن مَشَارِقِ عِيَاضٍ مِثْلَ ذلِك. وفيه عَنِ الدَّارَقُطْنِيّ مِثلُ قَوْل الشافِعِيّ، ونَسَبَ التَّشْدِيد للمُحَدِّثِين. قال: وهو تَصْحِيف. ونَسَبَه صاحِبُ المَرَاصِد إِلَى العَامَّة، وزادَ أَنَّهُم يَقُولُونَ: عَزْوَرَة، بالعَيْنِ بدل الحَاءِ. وقال القَاضِي عِياضٌ: وقد ضَبَطْنَا هذَا الحَرْفَ على ابن سراجٍ بالوَجْهَيْن.

وأَبو بَكْر مُحَمَّدُ بنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي الحَزْوَر الوَرَّاق الحَزْوَرِيّ، مُحدِّث منْ أَهْلِ بَغْدَاد. وأَبُو غَالِب حَزْوَرٌ الباهِلِيّ البَصْرِيّ، رَوَى عن أَبِي أُمَامة البَاهِلِيّ. والنَّضْر بن حَزْوَرٍ مُحَدِّثٌ رَوَى عن الزُّبَيْر بْنِ عَدِيّ، ذكرهم السّمْعانيّ.

وحَزْوَرُ: قَرْيَةٌ بدِمشْقَ، منها أَبُو العَبّاس أَحْمدُ بنُ مُحَمَّد بْنِ عَبْد الرَّحيم الحَزْوَرِيّ الْمِصْرِيّ المُحَدِّث، هكذا ضَبَطَه البقاعيّ، ونقل عنه الداوودِيّ.

وحَزْوَرٌ، كجعْفَرٍ، وَكِيلُ القاسِم بْنِ عُبَيْدِ الله عَلى مَطْبَخِه. وفيه يَقُولُ ابنُ الرُّومِيّ يَصِف دَجَاجَةً:

وسَمِيطة صَفْراءَ دِيناريَّة *** ثَمَنًا ولَوْنًا زَفَّهَا لَك حَزْوَرُ

وأَبو العَوّام فَائِدُ بنُ كَيْسَان الحَزَّار، ككَتَّان كذا قَيَّده ابنُ أَبِي حَاتِم في الجَرْحِ والتَّعْدِيل، يَروِي عن أَبِي عُثْمانَ النَّهْدِيّ. وعَمْرُو بنُ الحَزْوِر أَبُو بُسْرٍ، مُحَدِّثٌ، يَرْوِي عن الحسن. وأَبو حَزْرَةَ كُنْيَةُ سيِّدِنا جرِيرٍ رَضي الله عَنْه.

ومن المَجَاز: حَزَرْت قُدُومَه يَومَ كَذَا قَدَّرْتُه. وحَزَرْتُ قِرَاءَته عِشْرِين آيةً: قَدَّرْتُها. واحزُرْ نَفْسَك هل تَقْدِرُ علَيه.

كَذَا فِي الأَسَاسِ.

تاج العروس-مرتضى الزَّبيدي-توفي: 1205هـ/1791م


27-تاج العروس (زعم)

[زعم]: الزَّعْمُ، مُثَلَّثَةً: القولُ زَعَمَ زَعْمًا وزُعْمًا وزِعْمًا: قالَ: نَقَلَ التَّثْلِيثَ الجوْهَرِيُّ، ويقالُ الضمُّ لُغَةُ بنِي تَمِيمٍ، والفتْحُ لغَةُ الحجازِ؛ وأَنْشَدَ ابنُ بَرِّي لأَبي زُبَيْدٍ الطائيّ:

يا لَهْفَ نَفْسِيَ إن كان الذي زَعَمُوا *** حَقًّا وماذا يَرُدّ اليوم تَلْهِيفِي

أَي قالوا وذَكَرُوا.

وقيلَ: هو القولُ يكونُ الحقُّ ويكونُ الباطلُ، وأَنْشَدَ ابنُ الأعْرَابيّ في الزَّعْم الذي هو حقٌّ:

وإِنِّي أدينُ لكُم أَنه *** سَيُجْزِيكُم ربُّكم ما زَعَمْ

وأَكثرُ ما يقالُ فيما يُشَكُّ فيه ولا يتحقَّقُ؛ قالَهُ شَمِرٌ.

وقالَ اللَّيْثُ: سَمِعْتُ أَهْلَ العربيَّةِ يقُولونَ إذا قيلَ ذَكَرَ فلانٌ كذا وكذا فإنَّما يقالُ ذلِكَ لأَمْرٍ يُسْتَيْقَنُ أَنَّه حَقُّ، وإذا شُكَّ فيه فلم يُدْرَ لعلّه كَذِبٌ أَو باطِلٌ قيلَ: زَعَمَ فلانٌ.

وقالَ ابنُ خالَوَيْه: الزَّعْمُ يُسْتَعْملُ فيمَا يُذَمّ كقَولِه تعالَى: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا}؛ حتى قالَ بعضُ المُفَسِّرين: الزَّعْمُ أَصْلُه الكَذِبُ، فهو إذًا ضِدٌّ.

قالَ اللّيْثُ: وبه فُسِّرَ قوْلُه تعالَى: {فَقالُوا هذا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ}؛ أَي بقَوْلِهم الكَذِب.

والزُّعْمِيُّ، بالضمِّ: الكَذَّابُ؛ وأَيْضًا: الصَّادِقُ ضِدٌّ.

والزَّعيمُ: الكَفِيلُ؛ ومنه قوْلُه تعالَى: {وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ}.

وفي الحدِيْث: «الدَّيْن مَقْضِيُّ والزَّعِيمُ غارِمٌ» أَي الكَفِيلُ ضامِنٌ.

وفي حَدِيْث عليٍّ، رَضِيَ اللهُ تعالَى عنه: «وذِمَّتي رَهينَةٌ {وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} ».

وقد زَعَمَ به زَعْمًا وزَعامَةً: أَي كَفَلَ وضَمَنَ، وأَنشَدَ ابنُ بَرِّي لعُمَر بنِ أَبي ربيعَةَ:

قلت كَفِّي لك رَهْنٌ بالرِّضا *** وازْعُمِي يا هندُ قالت قد وَجَب

أَي اضْمَني.

وقالَ النابغَةُ الجعْدِيُّ يَصِفُ نُوحًا، عليه‌السلام:

نُودِيَ قُمْ وارْكَبَنْ بأَهْلِكَ إنَّ *** اللهَ مُوفٍ للناس ما زَعَمَا

أَي ضَمِنَ، وفُسِّر أَيْضًا بمعْنَى قالَ، وبمعْنَى وعَدَ.

قالَ ابنُ خالَوَيْه: ولم يَجِي‌ء الزَّعْمُ فيمَا يُحْمَدُ إلَّا في بَيْتينِ، وذَكَرَ بيتَ النَّابِغَةِ الجعْدِيّ وذَكَرَ أَنَّه رُوِي لأُمَيَّة بنِ أَبي الصَّلْتِ، وذَكَرَ أَيْضًا بيتَ عَمْرو بن شَأْسٍ:

تقولُ: هَلَكْنا إن هَلكتَ وإِنَّما *** على اللهِ أَرْزاقُ العِبادِ كما زَعَمْ

ورَوَاه المُضَرِّسُ.

وقالَ ابنُ بَرِّي: بيتُ عُمَر بن أَبي رَبيعَةَ لا يَحْتملُ سِوَى الضَّمَان، وبيتُ أَبي زُبَيْدٍ لا يَحْتملُ سِوَى القَوْل، وما سِوَى ذلِكَ على ما فُسِّرَ.

والزَّعِيمُ: سَيِّدُ القَوْمِ ورَئيسُهُم، أَو رَئيسُهُم المُتَكَلِّمُ عنهم ومِدْرَهُهُمْ، الجمع: زُعَماءُ؛ وقد زَعُمَ، ككَرُمَ، زَعامَةُ؛ قالَ الشاعِرُ:

حتى إذا رَفَعَ اللِّواء رأَيْتَهُ *** تحت اللِّواءِ على الخَمِيسِ زَعِيما

وزَعَمْتَنِي كذا تَزْعُمُني: أَي ظَنَّنْتَني؛ قالَ أَبو ذُؤَيْب:

فإن تَزْعُمِيني كنتُ أَجهلُ فيكُمُ *** فإنِّي شَرَيْتُ الحِلْمَ بَعْدَك بالجهْل

وزَعِمَ، كفَرِحَ: طَمِعَ، زَعَمًا وزَعْمًا، بالتَّحريكِ وبالفتْحِ؛ قالَ عَنْتَرَةُ:

عُلِّقْتُها عَرَضًا وأَقْتُلُ قَوْمَها *** زَعْمًا وربِّ البيتِ ليسَ بمَزْعَمِ

والزَّعامَةُ: الشَّرَفُ والريِّاسَةُ على القوْمِ، وبه فَسَّر ابنُ الأَعْرَابيِّ قوْلَ لَبيدٍ:

تَطِير عَدائِد الأَشْراكِ شَفْعًا *** ووِتْرًا والزعامَةُ للغُلام

والزَّعامَةُ: السِّلاحُ، وبه فَسَّر الجوْهَرِيُّ قولَ لَبيدٍ، قالَ: لأَنَّهم كانوا إذا اقْتَسَمُوا المِيراثَ دَفَعوا السلاحَ إلى الابنِ دُوْن البنْتِ، انتَهَى. وقوْلُه: شَفْعًا ووِتْرًا أَي قسْمَةُ المِيْراثِ {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ}.

وقيلَ: الزَّعامَةُ الدِّرْعُ، أَو الدُّروعُ، وبه فَسَّر ابنُ الأَعْرَابيِّ أَيْضًا قولَ لَبيدٍ.

والزَّعامَةُ: البَقَرَةُ ويُشَدَّدُ.

وقيلَ: الزَّعامَةُ حَظُّ السَّيِّدِ من المَغْنَمِ.

وقيلَ: أَفضلُ المالِ وأَكْثَرُهُ من ميراثٍ ونحوِهِ، وبه فَسَّر بعضٌ قولَ لَبيدٍ أَيْضًا.

وشِواءٌ زَعِمٌ وزَعِمٌ ككَتِفٍ فيهما: مُرِشّ كثيرُ الدَّسَمِ سَريعُ السَّيَلانِ على النَّارِ.

وأَزْعَمَ: أَطْمَعَ.

وأَمْرٌ مُزْعِمٌ: أَي مُطْمِعٌ.

وأَزْعَمَ: أَطَاعَ للزَّعيم.

وأَزْعَمَ: الأَمْرُ: أَمْكَنَ.

وزَعَمَ اللَّبَنُ: أَخَذَ يَطِيبُ كزَعَمَ زَعمًا.

وزَعَمَتِ الأرْضُ طَلَعَ أَوَّلُ نَبْتِها، عن ابنِ الأعْرَابيِّ.

وهذا أَمْرٌ فيه مَزاعِمُ، كمَنابِرَ؛ أَي أَمْرٌ غيرُ مُسْتقيمٍ فيه مُنازَعَة بعدُ، نَقَلَه الأزْهَرِيُّ.

وقالَ غيرُهُ: في قوْلِهِ مَزاعِمُ: أَي لا يُوثَقُ به.

والزَّعومُ: العَييُّ، كما في الصِّحاحِ؛ زادَ غيرُهُ: اللِّسانِ كالزُّعْمومِ، بالضمِّ.

والزَّعومُ: القليلَةُ الشَّحْمِ. وأَيْضًا: الكَثيرَتُهُ، ضِدٌّ.

ونَصّ المُحْكَمِ: الزَّعومُ القَليلَةُ الشَّحْمِ وهي الكثيرَةُ الشَّحْمِ كالمُزْعَمَةِ، كمُكْرَمَةٍ، فمَنْ جَعَلَها القَليلَةُ الشَّحْمِ فهي المَزْعومَةُ، وهي [التي] * إِذا أَكَلَهَا الناسُ قالوا لصاحِبِها تَوْبيخًا: أَزْعَمْتَ أَنَّها سَمِينةٌ.

وقالَ الأَصْمَعيُّ: الزَّعومُ مِن الغَنَمِ: التي لا يُدْرَى أَبِها شَحْمٌ أَمْ لا.

وفي الصِّحاحِ: ناقَةٌ زَعومٌ وشاةٌ زَعومٌ إذا كان يُشَكُّ فيها أَبِها طِرْقٌ أَم لا فتُغْبَطُ بالأيدِي، انتَهَى.

وقيلَ: هي التي يَزْعُمُ الناسُ أَن بها نِقْيًا؛ وأَنْشَدَ الجوْهَرِيُّ للراجزِ:

وبَلْدة تَجَهَّمُ الجَهُوما *** زَجَرْتُ فيها عَيْهَلًا رَسُوما

مُخْلِصَةَ الأَنْقاءِ أَو زَعُوما

قالَ ابنُ بَرِّي: ومِثْلُه قولُ الآخر:

وإِنَّا من مَوَدَّة آل سَعْدٍ *** كمن طَلَبَ الإِهالَة في الزَّعُومِ

وهو مجازٌ. وتقولُ هذا ولا زَعمَتَكَ ولا زَعَماتِكَ أَي لا أَتَوَهَّمُ زَعَماتِكَ تَذْهَبُ إلى رَدِّ قولِهِ.

قالَ الأَزْهَرِيُّ: الرجُلُ مِن العَرَبِ إذا حَدَّثَ عمَّنْ لا يُحَقَّقُ قَوْله يقولُ ولا زَعَماتِهِ، ومنه قوْلُه:

لقد خَطَّ رومِيٌّ: ولا زَعَماتِهِ

والمِزْعامَةُ، بالكسْرِ: الحَيَّةُ.

والتَّزَعُّمُ: التَّكَذُّبُ، قالَ:

أَيها الزَّاعِمُ مَا تَزَعَّما

وقالَ ابنُ السِّكِّيت: أَمْرٌ مَزْعَمٌ، كمَقْعَدٍ أَي لا يوثَقُ به أَي يَزْعُمُ هذا أَنَّه كذا ويَزْعُمُ هذا أَنَّه كذا.

وزاعَمَ مُزاعَمَةً: زَاحَمَ، العَيْنُ بدلٌ عن الحاءِ.

* وممّا يُسْتَدْرَكُ عليه:

الزَّعْمُ: الظنُّ، وبه فُسِّر قولُ عُبَيْدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُتْبَةَ بنِ مَسْعودٍ:

فذُقْ هَجْرَها قد كنتَ تَزْعُمُ أَنه *** رَشادٌ أَلا يا رُبَّما كذَبَ الزَّعْمُ

قالَ ابنُ بَرِّي: هذا البيتُ لا يَحْتملُ سِوَى الظنِّ.

وقد يكونُ زَعَمَ بمعْنَى شَهِدَ، كقوْلِ النابغَةِ:

زَعَمَ الهمامُ بأَنَّ فاهَا بارِدٌ

وقد يكونُ بمعْنَى وَعَدَ، وسَبَقَ شاهِدُه مِن قوْلِ عَمْرو بنِ شَأْسٍ وقوْلِ النابِغَةِ.

وتَزاعَمَ القوْمُ على كذا تَزاعُمًا إذا تَضَافَرُوا عليه، وأَصْلُه أنَّه صارَ بعضُهم لبعضٍ زَعِيمًا.

وقالَ شَمِرٌ: التَّزَاعُمُ أَكْثَرُ ما يقالُ فيمَا يُشَكُّ فيه.

والمَزْعومَةُ: الناقَةُ القليلَةُ الشَّحْمِ. وهو مُزاعِمٌ لا يُوثَقُ به.

وقالَ ابنُ خالَوَيْه: لم يَجِئ أَزْعَمَ في كَلامِهِم إلَّا في قوْلِهم أَزْعَمَتِ القَلُوصُ أَو الناقَةُ إذا ظُنَّ أَنَّ في سَنامِها شَحْمًا. ويقالُ: أَزْعَمْتُكَ الشي‌ءَ أَي جَعَلْتُكَ به زَعِيمًا.

والمَزْعَمُ، كمَقْعَدٍ: المَطْمَعُ؛ وسَبَقَ شاهِدُه مِن قوْلِ عَنْتَرَةَ.

يقالُ: زَعَمَ فلانٌ في غيرِ مَزْعَمٍ: أَي طَمِعَ في غيرِ مَطْمَعٍ؛ وقالَ الشاعِرُ:

له رَبَّةٌ قد أَحْرَمَتْ حِلَّ ظهْرِه *** فما فيه للفُقْرى ولا الحجِّ مَزْعَمُ

وزاعِمٌ وزُعَيْم: اسْمانِ.

وقالَ شُرَيْح: زَعَمُوا كُنْيَةُ الكَذِبِ.

وفي الحَدِيْثِ: بِئْسَ مَطِيَّةُ الرجُلِ زَعَمُوا؛ معْناهُ أَنَّ الرجُلَ إذا أَرادَ المَسِيرَ إلى بَلَدٍ رَكِبَ مَطِيَّتَه وسارَ حتى يقْضِي إرْبَهُ، فشبه ما يقدِّمُه المتكلِّمُ أَمامَ كَلامِه ويُتَوصَّلُ به إلى غَرَضِه مِن قوْلِه زَعَمُوا كذا وكذا بالمَطِيَّة التي يُتَوَصَّلُ بها إلى الحاجَةِ وإِنّما يقالُ: زَعَمُوا في حديْثٍ لا سَنَد له ولا ثَبَتَ فيه، وإِنَّما يُحْكَى على الأَلْسُنِ على سَبيلِ البَلاغِ، فذُمَّ مِن الحَديْثِ ما كانَ هذا سَبِيله.

وقالَ الكِسائيُّ: إِذا قالوا: زَعْمَةٌ صادِقَةٌ لآتِينَّكَ، رَفَعُوا، وحِلْفَةٌ صادِقَةٌ لأَقُولَنَّ، وينْصِبُونَ يَمِينًا صادقةً لأَفْعلنَّ.

وتَزاعَمَا: تَدَاعَيا شَيئًا فاخْتَلَفا فيه.

قالَ الزَّمَخْشرِيُّ: معْناهُ تَحادَثا بالزَّعَماتِ، محرَّكةً، وهي ما لا يُوثَقُ به مِن الأحادِيثِ.

والزُّعْمُ، بالضمِّ: الكبرُ، عامِّيَّة.

تاج العروس-مرتضى الزَّبيدي-توفي: 1205هـ/1791م


28-المصباح المنير (زعم)

زَعَمَ زَعْمًا مِنْ بَابِ قَتَلَ وَفِي الزَّعْمِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ فَتْحُ الزَّايِ لِلْحِجَازِ وَضَمُّهَا لِأَسَدٍ وَكَسْرُهَا لِبَعْضِ قَيْسٍ وَيُطْلَقُ بِمَعْنَى الْقَوْلِ وَمِنْهُ زَعَمَتْ الْحَنَفِيَّةُ وَزَعَمَ سِيبَوَيْهِ أَيْ قَالَ وَعَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى {أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ} [الإسراء: 92] أَيْ كَمَا أَخْبَرْتَ وَيُطْلَقُ عَلَى الظَّنِّ يُقَالُ فِي زَعْمِي كَذَا وَعَلَى الِاعْتِقَادِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا} [التغابن: 7].

قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: وَأَكْثَرُ مَا يَكُونُ الزَّعْمُ فِيمَا يُشَكُّ فِيهِ وَلَا يَتَحَقَّقُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ الْكَذِبِ وَقَالَ السُّيُوطِيّ أَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِيمَا كَانَ بَاطِلًا أَوْ فِيهِ ارْتِيَابٌ وَقَالَ ابْنُ الْقُوطِيَّةِ زَعَمَ زَعْمًا قَالَ خَبَرًا لَا يُدْرَى أَحَقٌّ هُوَ أَوْ بَاطِلٌ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَلِهَذَا قِيلَ زَعَمَ مَطِيَّةُ الْكَذِبَ وَزَعَمَ غَيْرَ مَزْعَمٍ قَالَ غَيْرَ مَقُولٍ صَالِحٍ وَادَّعَى مَا لَمْ يُمْكِنُ وَزَعَمْتُ بِالْمَالِ زَعْمًا مِنْ بَابِ قَتَلَ وَنَفَعَ كَفَلْتُ بِهِ وَالزَّعَمُ بِفَتْحَتَيْنِ.

وَالزَّعَامَةُ بِالْفَتْحِ اسْمٌ مِنْهُ فَأَنَا زَعِيمٌ بِهِ وَأَزْعَمْتُكَ الْمَالَ بِالْأَلِفِ لِلتَّعْدِيَةِ وَزَعَمَ عَلَى الْقَوْمِ يَزْعُمُ مِنْ بَابِ قَتَلَ زَعَامَةً بِالْفَتْحِ تَأَمَّرَ فَهُوَ زَعِيمٌ أَيْضًا.

المصباح المنير-أبوالعباس الفيومي-توفي: 770هـ/1369م


29-لسان العرب (حزر)

حزر: الحَزْرُ حَزْرُك عَدَدَ الشَّيْءِ بالحَدْس.

الْجَوْهَرِيُّ: الحَزْرُ التَّقْدِيرُ والخَرْصُ.

والحازِرُ: الْخَارِصُ.

ابْنُ سِيدَهْ: حَزَرَ الشَّيْءَ يَحْزُرُه ويَحْزِرُهُ حَزْرًا: قَدَّرَه بالحَدْسِ.

تَقُولُ: أَنا أَحْزُرُ [أَحْزِرُ] هَذَا الطَّعَامَ كَذَا وَكَذَا قَفِيزًا.

والمَحْزَرَةُ: الحَزْرُ، عَنْ ثَعْلَبٍ.

والحَزْرُ مِنَ اللَّبَنِ: فَوْقَ الْحَامِضِ.

ابْنُ الأَعرابي: هُوَ حازِرٌ وحامِزٌ بِمَعْنًى وَاحِدٍ.

وَقَدْ "حَزَرَ اللبنُ وَالنَّبِيذُ أَي حَمُضَ؛ ابْنُ سِيدَهْ: حَزَرَ اللبنُ يَحْزُرُ حَزْرًا وحُزُورًا؛ قَالَ: " وارْضَوْا بِإِحْلَابَةِ وَطْبٍ قَدْ حَزَرْ "وحَزُرَ كَحَزَرَ وَهُوَ.

الحَزْرَةُ؛ وَقِيلَ: الحَزْرَةُ مَا حَزَرَ بأَيدي الْقَوْمِ مِنْ خِيَارِ أَموالهم؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَلَمْ يُفَسِّرْ حَزَرَ غَيْرَ أَني أَظنه زَكا أَو ثَبَتَ فَنَمَى.

وحَزْرَةُ الْمَالِ: خيارُه، وَبِهَا سُمِّيَ الرَّجُلُ، وحَزِيرتُهُ كَذَلِكَ، وَيُقَالُ: هَذَا حَزْرَةُ نَفْسي أَي خَيْرُ مَا عِنْدِي، وَالْجَمْعُ حَزَراتٌ، بِالتَّحْرِيكِ.

وَفِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنه بُعِثَ مُصَدِّقًا فَقَالَ لَهُ: لَا تأْخذ مِنْ حَزَرات أَنْفسِ النَّاسِ شَيْئًا، خُذِ الشَّارِفَ والبَكْرَ "، يَعْنِي فِي الصَّدَقَةِ؛ الحَزَرات، جَمْعُ حَزْرَة، بِسُكُونِ الزَّايِ: خِيَارُ مَالِ الرَّجُلِ، سُمِّيَتْ حَزْرَةً لأَن صَاحِبَهَا لَمْ يَزَلْ يَحْزُرُها فِي نَفْسِهِ كُلَّمَا رَآهَا، سُمِّيَتْ بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ مِنَ الحَزْرِ.

قَالَ: وَلِهَذَا أُضيفت إِلى الأَنْفُسِ؛ وأَنشد الأَزهري: " الحَزَراتُ حَزَارتُ النَّفْسِ "أَي هِيَ مِمَّا تودُّها النَّفْسُ؛ وَقَالَ آخَرُ: " وحَزْرَةُ القلبِ خِيارُ المالِ قَالَ: وأَنشد شَمِرٌ:

الحَزَراتُ حَزَراتُ القلبِ، ***اللُّبُنُ الغِزَارُ غيرُ اللَّحْبِ،

حِقاقُها الجِلادُ عِنْدَ اللَّزْبِ وَفِي الْحَدِيثِ: «لَا تأْخذوا حَزَراتِ أَموال النَّاسِ ونَكِّبُوا عَنِ الطَّعَامِ»، وَيُرْوَى بِتَقْدِيمِ الرَّاءِ، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِهِ.

وَقَالَ أَبو سَعِيدٍ: حَزَراتُ الأَموال هِيَ الَّتِي يُؤَدِّيهَا أَربابها، وَلَيْسَ كلُّ الْمَالِ الحَزْرَة، قَالَ: وَهِيَ الْعَلَائِقُ؛ وَفِي مثل العرب: " وا حَزْرَتِي وأَبْتَغِي النَّوافِلا "أَبو عُبَيْدَةَ: الحَزَراتُ نَقَاوَةُ الْمَالِ، الذَّكَرُ والأُنثى سَوَاءٌ؛ يُقَالُ: هِيَ حَزْرَةُ مَالِهِ وَهِيَ حَزْرَة قَلْبِهِ؛ وأَنشد شَمِرٌ:

نُدافِعُ عَنْهُمْ كلَّ يومِ كريهةٍ، ***ونَبْذِلُ [نَبْذُلُ] حَزْراتِ النُّفُوسِ ونَصْبِرُ

وَمِنْ أَمثال الْعَرَبِ: عَدَا القَارِصُ فَحزَرْ؛ يُضْرَبُ للأَمر إِذا بَلَغَ غَايَتَهُ وأَفْعَم.

ابْنُ شُمَيْلٍ عَنِ المُنْتَجِع: الحازِرُ دَقِيقُ الشَّعِيرِ وَلَهُ رِيحٌ لَيْسَ بِطَيِّبٍ.

والحَزْرَةُ: مَوْتُ الأَفاضل.

والحَزْوَرَةُ: الرَّابِيَةُ الصَّغِيرَةُ، وَالْجَمْعُ الحَزاوِرُ، وَهُوَ تلٌّ صَغِيرٌ.

الأَزهري: الحَزْوَرُ الْمَكَانُ الْغَلِيظُ؛ وأَنشد: " فِي عَوْسَجِ الوادِي ورَضْمِ الحَزْوَرِ وَقَالَ عباسُ بْنُ مِرْداسٍ:

وذَابَ لُعابُ الشمسِ فِيهِ، وأُزِّرَتْ ***بِهِ قامِساتٌ مِنْ رِعانٍ وحَزْوَرِ

ووجْهٌ حازِرٌ: عَابِسٌ باسِرٌ.

والحَزْوَرُ والحَزَوَّرُ، بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ: الْغُلَامُ الَّذِي قَدْ شَبَّ وَقَوِيَ؛ قَالَ الرَّاجِزُ:

لَنْ يَعْدَمَ المَطِيُّ مِنِّي مِسْفَرا، ***شَيْخًا بَجَالًا وغُلامًا حَزْوَرَا

وَقَالَ:

لَنْ يَبْعَثُوا شَيْخًا وَلَا حَزَوَّرَا ***بالفاسِ، إِلَّا الأَرْقَبَ المُصَدَّرَا

وَالْجَمْعُ حَزاوِرُ وحَزَاوِرَةٌ، زَادُوا الْهَاءَ لتأْنيث الْجَمْعِ.

والحَزَوَّرُ: الَّذِي قَدِ انْتَهَى إِدراكه؛ قَالَ" بَعْضُ نِسَاءِ الْعَرَبِ:

إِنَّ حِرِي حَزَوَّرٌ حَزابِيَه، ***كَوَطْبَةِ الظَّبْيَةِ فَوْقَ الرَّابِيَه

قَدْ جاءَ مِنْهُ غِلْمَةٌ ثَمَانِيَهْ، ***وبَقِيَتْ ثَقْبَتُه كَمَا هِيَه

الْجَوْهَرِيُّ: الحَزَوَّرُ الْغُلَامُ إِذا اشْتَدَّ وَقَوِيَ وخَدَمَ؛ وَقَالَ يَعْقُوبُ: هُوَ الَّذِي كَادَ يُدْرِكُ وَلَمْ يَفْعَلْ.

وَفِي الْحَدِيثِ: «كُنَّا مَعَ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غِلْمانًا حَزاوِرَةً»؛ هُوَ الَّذِي قَارَبَ الْبُلُوغَ، وَالتَّاءُ لتأْنيث الْجَمْعِ؛ وَمِنْهُ حَدِيثُ" الأَرنب: كُنْتُ غُلَامًا حَزَوَّرًا فَصِدْتُ أَرنبًا "، وَلَعَلَّهُ شَبَّهَهُ بحَزْوَرَةِ الأَرض وَهِيَ الرَّابِيَةُ الصَّغِيرَةُ.

ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقَالُ لِلْغُلَامِ إِذا رَاهَقَ وَلَمْ يُدْرِكْ بعدُ حَزَوَّرٌ، وإِذا أَدرك وَقَوِيَ وَاشْتَدَّ، فَهُوَ حَزَوَّر أَيضًا؛ قَالَ النَّابِغَةُ: " نَزْعَ الحَزَوَّرِ بالرِّشاءِ المُحْصَدِ "قَالَ: أَراد الْبَالِغَ الْقَوِيَّ.

قَالَ: وَقَالَ أَبو حَاتِمٍ فِي الأَضداد الحَزَوَّرُ الْغُلَامُ إِذا اشْتَدَّ وَقَوِيَ؛ والحَزَوَّرُ: الضَّعِيفُ مِنَ الرِّجَالِ؛ وأَنشد:

وَمَا أَنا، إِن دَافَعْتُ مِصْراعَ بابِه، ***بِذِي صَوْلَةٍ فانٍ، وَلَا بِحَزَوَّرِ

وَقَالَ آخَرُ:

إِنَّ أَحقَّ النَّاسِ بالمَنِيَّه ***حَزَوَّرٌ لَيْسَتْ لَهُ ذُرِّيَّه

قَالَ: أَراد بالحَزَوَّرِ هَاهُنَا رَجُلًا بَالِغًا ضَعِيفًا؛ وَحَكَى الأَزهري عَنِ الأَصمعي وَعَنِ الْمُفَضَّلِ قَالَ: الحَزَوَّرُ، عَنِ الْعَرَبِ، الصَّغِيرُ غَيْرُ الْبَالِغِ؛ وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَجْعَلُ الحَزْوَرَ الْبَالِغَ القويَّ الْبَدَنِ الَّذِي قَدْ حَمَلَ السِّلَاحَ؛ قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وَالْقَوْلُ هُوَ هَذَا.

ابْنُ الأَعرابي: الحَزْرَةُ النَّبِقَةُ الْمُرَّةُ، وَتُصَغَّرُ حُزَيْرَةً.

وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحَمْراءِ: «أَنه سَمِعَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ وَاقِفٌ بالحَزْوَرَةِ مِنْ مَكَّةَ»؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: هُوَ مَوْضِعٌ عِنْدَ بَابِ الحَنَّاطِينَ وَهُوَ بِوَزْنِ قَسْوَرَةٍ.

قَالَ الشَّافِعِيُّ: النَّاسُ يُشَدِّدُونَ الحَزْوَرَةَ والحُدَيْبِيَةَ، وَهُمَا مُخَفَّفَتَانِ.

وحَزِيرانُ بِالرُّومِيَّةِ: اسْمُ شَهْرٍ قبل تموز.

لسان العرب-ابن منظور الإفريقي-توفي: 711هـ/1311م


30-لسان العرب (قول)

قول: القَوْل: الْكَلَامُ عَلَى التَّرْتِيبِ، وَهُوَ عِنْدَ المحقِّق كُلُّ لَفْظٍ قَالَ بِهِ اللِّسَانُ، تَامًّا كَانَ أَو نَاقِصًا، تَقُولُ: قَالَ يَقُولُ قَولًا، وَالْفَاعِلُ قَائِل، وَالْمَفْعُولُ مَقُول؛ قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَاعْلَمْ أَن قُلْتَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ إِنما وَقَعَتْ عَلَى أَن تَحْكِي بِهَا مَا كَانَ كَلَامًا لَا قَوْلًا، يَعْنِي بِالْكَلَامِ الجُمَل كَقَوْلِكَ زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ وَقَامَ زَيْدٌ، وَيَعْنِي بالقَوْل الأَلفاظ الْمُفْرَدَةَ الَّتِي يُبْنَى الْكَلَامُ مِنْهَا كَزَيْدٍ مِنْ قَوْلِكَ زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ، وَعَمْرٌو مِنْ قَوْلِكَ قَامَ عَمْرٌو، فأَما تَجوُّزهم فِي تَسْمِيَتِهِمْ الِاعْتِقَادَاتِ وَالْآرَاءَ قَوْلًا فلأَن الِاعْتِقَادَ يخفَى فَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِالْقَوْلِ، أَو بِمَا يَقُومُ مَقَامَ القَوْل مِنْ شَاهِدِ الْحَالِ، فَلَمَّا كَانَتْ لَا تَظْهَرُ إِلا بالقَوْل سُمِّيَتْ قَوْلًا إِذ كَانَتْ سَبَبًا لَهُ، وَكَانَ القَوْل دَلِيلًا عَلَيْهَا، كَمَا يسمَّى الشَّيْءَ بِاسْمِ غَيْرِهِ إِذا كَانَ مُلَابِسًا لَهُ وَكَانَ الْقَوْلُ دَلِيلًا عَلَيْهِ، فإِن قِيلَ: فَكَيْفَ عبَّروا عَنِ الِاعْتِقَادَاتِ وَالْآرَاءِ بالقَوْل وَلَمْ يُعَبِّرُوا عَنْهَا بِالْكَلَامِ، وَلَوْ سَوَّوْا بَيْنَهُمَا أَو قَلَبُوا الِاسْتِعْمَالَ فِيهِمَا كَانَ مَاذَا؟ فَالْجَوَابُ: أَنهم إِنما فَعَلُوا ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ كَانَ القَوْل بِالِاعْتِقَادِ أَشبه مِنَ الْكَلَامِ، وَذَلِكَ أَنَّ الِاعْتِقَادَ لَا يُفْهَم إِلَّا بِغَيْرِهِ وَهُوَ الْعِبَارَةُ عَنْهُ كَمَا أَن القَوْل قَدْ لَا يتمُّ مَعْنَاهُ إِلَّا بِغَيْرِهِ، أَلا تَرَى أَنك إِذا قُلْتَ قَامَ وأَخليته مِنْ ضَمِيرٍ فإِنه لَا يَتِمُّ مَعْنَاهُ الَّذِي وُضِعَ فِي الْكَلَامِ عَلَيْهِ وَلَهُ؟ لأَنه إِنما وُضِع عَلَى أَن يُفاد مَعْنَاهُ مقترِنًا بِمَا يُسْنَدُ إِليه مِنَ الْفَاعِلِ، وَقَامَ هَذِهِ نَفْسُهَا قَوْل، وَهِيَ نَاقِصَةٌ مُحْتَاجَةٌ إِلى الْفَاعِلِ كَاحْتِيَاجِ الِاعْتِقَادِ إِلى الْعِبَارَةِ عَنْهُ، فَلَمَّا اشْتَبَهَا مِنْ هُنَا عُبِّرَ عَنْ أَحدهما بِصَاحِبِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْكَلَامُ لأَنه وُضِعَ عَلَى الِاسْتِقْلَالِ وَالِاسْتِغْنَاءِ عَمَّا سِوَاهُ، والقَوْل قَدْ يَكُونُ مِنَ المفتقِر إِلى غَيْرِهِ عَلَى مَا قدَّمْناه، فَكَانَ بِالِاعْتِقَادِ الْمُحْتَاجِ إِلى الْبَيَانِ أَقرب وبأَنْ يعبَّر عَنْهُ أَليق، فَاعْلَمْهُ.

وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ القَوْل فِي غَيْرِ الإِنسان؛ قَالَ أَبو النَّجْمِ:

قَالَتْ لَهُ الطيرُ: تقدَّم رَاشِدًا، ***إِنك لَا ترجِعُ إِلا حامِدا

وَقَالَ آخَرُ:

قَالَتْ لَهُ العينانِ: سَمْعًا وَطَاعَةً، ***وحدَّرتا كالدُّرِّ لمَّا يُثَقَّب

وَقَالَ آخَرُ: امتلأَ الْحَوْضُ وقَالَ: قَطْني وَقَالَ الْآخَرُ:

بَيْنَمَا نَحْنُ مُرْتعُون بفَلْج، ***قَالَتِ الدُّلَّح الرِّواءُ: إِنِيهِ

إِنِيهِ: صَوْت رَزَمة السَّحَابِ وحَنِين الرَّعْد؛ وَمِثْلُهُ أَيضًا: " قَدْ قَالَتِ الأَنْساعُ للبَطْن الحَقِي وإِذا جَازَ أَن يسمَّى الرأْي وَالِاعْتِقَادُ قَوْلًا، وإِن لَمْ يَكُنْ صَوْتًا، كَانَ تَسْمِيَتُهُمْ مَا هُوَ أَصوات قَوْلًا أَجْدَر بِالْجَوَازِ، أَلا تَرَى أَن الطَّيْرَ لَهَا هَدِير، وَالْحَوْضَ لَهُ غَطِيط، والأَنْساع لَهَا أَطِيط، وَالسَّحَابَ لَهُ دَوِيّ؟ فأَما قَوْلُهُ: قَالَتْ لَهُ العَيْنان: سَمْعًا وَطَاعَةً "فإِنه وإِن لَمْ يَكُنْ مِنْهُمَا صَوْتٌ، فإِن الْحَالَ آذَنَتْ بأَن لَوْ كَانَ لَهُمَا جَارِحَةُ نُطْقٍ لَقَالَتَا سَمْعًا وَطَاعَةً؛ قَالَ" ابْنُ جِنِّي: وَقَدْ حرَّر هَذَا الْمَوْضِعَ وأَوضحه عَنْتَرَةُ بِقَوْلِهِ:

لَوْ كَانَ يَدْرِي مَا المُحَاورة اشْتَكى، ***أَو كَانَ يَدْرِي مَا جوابُ تَكَلُّمي

وَالْجَمْعُ أَقْوال، وأَقاوِيل جَمْعُ الْجَمْعِ؛ قَالَ يَقُولُ قَوْلًا وقِيلًا وقَوْلةً ومَقالًا ومَقالةً؛ وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ لِلْحُطَيْئَةِ يُخَاطِبُ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:

تحنّنْ علَيَّ، هَداكَ المَلِيك ***فإِنَّ لكلِّ مَقام مَقالا

وَقِيلَ: القَوْل فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، والقَال والقِيل فِي الشرِّ خَاصَّةً، وَرَجُلٌ قَائِلٌ مِنْ قَوْمٍ قُوَّل وقُيَّل وقالةٍ.

حَكَى ثَعْلَبٌ: إِنهم لَقالةٌ بِالْحَقِّ، وكذلك قَؤول وقَوُول، وَالْجَمْعُ قُوُل وقُوْل؛ الأَخيرة عَنْ سِيبَوَيْهِ، وَكَذَلِكَ قَوَّال وقَوَّالةٌ مِنْ قَوْمٍ قَوَّالين وقَوَلةٍ وتِقْوَلةٌ وتِقْوَالةٌ؛ وَحَكَى سِيبَوَيْهِ مِقْوَل، وَكَذَلِكَ الأُنثى بِغَيْرِ هَاءٍ، قَالَ: وَلَا يُجْمَعُ بِالْوَاوِ وَالنُّونِ لأَن مؤَنثه لَا تَدْخُلُهُ الْهَاءُ.

ومِقْوَال: كمِقْوَل؛ قَالَ سِيبَوَيْهِ: هُوَ عَلَى النسَب، كُلُّ ذَلِكَ حسَن القَوْل لسِن، وَفِي الصِّحَاحِ: كَثِيرُ القَوْل.

الجوهري: رجل قَؤُول وَقَوْمٌ قُوُل مِثْلُ صَبور وصُبُر، وإِن شِئْتَ سَكَّنْتَ الْوَاوَ.

قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: الْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهل الْعَرَبِيَّةِ قَؤُول وقُوْل، بإِسكان الْوَاوِ، تَقُولُ: عَوان وعُوْن الأَصل عُوُن؛ وَلَا يُحَرَّكُ إِلا فِي الشِّعْرِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: " تَمْنَحُه سُوُكَ الإِسْحِل.

قَالَ: وَشَاهِدُ قوله رجل قَؤُول قَوْلُ كَعْبُ بْنُ سَعْدٍ الغَنَوي:

وعَوراء قَدْ قِيلَتْ فَلَمْ أَلْتَفِتْ لَهَا، ***وَمَا الكَلِمُ العُورانُ لِي بِقَبيل

وأُعرِضُ عَنْ مَوْلَايَ، لَوْ شِئْتُ سَبَّني، ***وَمَا كُلُّ حِينٍ حِلْمُهُ بأَصِيل

وَمَا أَنا، لِلشَّيْءِ الَّذِي لَيْسَ نافِعِي ***ويَغْضَب مِنْهُ صَاحِبِي، بِقَؤُول

ولستُ بِلاقي المَرْء أَزْعُم أَنه ***خليلٌ، وَمَا قَلْبي لَهُ بخَلِيل

وامرأَة قَوَّالَة: كَثِيرَةُ القَوْل، وَالِاسْمُ القَالَةُ والقَالُ والقِيل.

ابْنُ شُمَيْلٍ: يُقَالُ لِلرَّجُلِ إِنه لَمِقْوَل إِذا كَانَ بَيِّنًا ظَرِيفَ اللِّسَانِ.

والتِّقْولةُ، الكثيرُ الْكَلَامِ الْبَلِيغُ فِي حَاجَتِهِ.

وامرأَة وَرَجُلٌ تِقْوالةٌ: مِنْطِيقٌ.

وَيُقَالُ: كثُر القالُ والقِيلُ.

الْجَوْهَرِيُّ: القُوَّل جَمْعُ قَائِل مِثْلُ راكِع ورُكَّع؛ قَالَ رُؤْبَةَ:

فَالْيَوْمَ قَدْ نَهْنَهَني تنَهْنُهِي، ***أَوَّل حِلْمٍ لَيْسَ بالمُسَفَّهِ،

وقُوَّل إِلَّا دَهٍ فَلا دَهِ وَهُوَ ابنُ أَقوالٍ وابنُ قَوَّالٍ أَي جيدُ الْكَلَامِ فَصِيحٌ.

التَّهْذِيبُ: الْعَرَبُ تَقُولُ لِلرَّجُلِ إِذا كَانَ ذَا لسانٍ طَلِق إِنه لابنُ قَوْلٍ وَابْنُ أَقْوالٍ.

وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنه نُهِيَ عَنْ قِيل وقَالٍ وإِضاعةِ الْمَالِ "؛ قَالَ أَبو عُبَيْدٍ فِي قَوْلِهِ قِيلٍ وَقَالٍ نحوٌ وعربيَّة، وَذَلِكَ أَنه جَعَلَ القَال مَصْدَرًا، أَلا تَرَاهُ يَقُولُ عَنْ قِيلٍ وقالٍ كأَنه قَالَ عَنْ قيلٍ وقَوْلٍ؟ يُقَالُ عَلَى هَذَا: قلتُ قَوْلًا وقِيلًا وَقَالًا، قَالَ: وَسَمِعْتُ الْكِسَائِيَّ يَقُولُ فِي قِرَاءَةِ" عَبْدِ اللَّهِ: ذلك عيسى بنُ مَرْيَمَ قالَ الحقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ "؛ فَهَذَا مِنْ هذا كأَنهقَالَ: قالَ قَوْلَ الْحَقِّ؛ وَقَالَ الْفَرَّاءُ: القالُ فِي مَعْنَى القَوْل مِثْلُ العَيْب والعابِ، قَالَ: وَالْحَقُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ يُرَادُ بِهِ الله تعالى ذِكرُه كأَنه قَالَ قَوْلَ اللهِ.

الْجَوْهَرِيُّ: وَكَذَلِكَ القَالَةُ.

يُقَالُ: كثرتْ قَالَةُ النَّاسِ، قَالَ: وأَصْل قُلْتُ قَوَلْتُ، بِالْفَتْحِ، وَلَا يَجُوزُ أَن يَكُونَ بِالضَّمِّ لأَنه يَتَعَدَّى.

الْفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ونهيِه عَنْ قِيلٍ وقَالٍ وَكَثْرَةِ السؤَال "، قَالَ: فَكَانَتَا كَالِاسْمَيْنِ، وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ وَلَوْ خُفِضتا عَلَى أَنهما أُخرجتا مِنْ نِيَّةِ الْفِعْلِ إِلى نِيَّةِ الأَسماء كَانَ صَوَابًا كَقَوْلِهِمْ: أَعْيَيْتني مِنْ شُبٍّ إِلى دُبٍّ؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنه نهَى عَنِ فُضُول مَا يتحدَّث بِهِ المُتجالِسون مِنْ قَوْلِهِمْ قِيلَ كَذَا وقَالَ كَذَا، قَالَ: وَبِنَاؤُهُمَا عَلَى كَوْنِهِمَا فِعْلَيْنِ مَاضِيَيْنِ محكيَّيْن متضمِّنين لِلضَّمِيرِ، والإِعراب عَلَى إِجرائهما مَجْرَى الأَسماء خِلْوَيْن مِنَ الضَّمِيرِ وإِدخال حَرْفِ التَّعْرِيفِ عَلَيْهِمَا لِذَلِكَ فِي قَوْلِهِمْ القِيل والقَال، وَقِيلَ: القالُ الِابْتِدَاءُ، والقِيلُ الْجَوَابُ، قَالَ: وَهَذَا إِنما يَصِحُّ إِذا كَانَتِ الرِّوَايَةُ قِيل وَقَالَ عَلَى أَنهما فِعْلان، فَيَكُونُ النَّهْيُ عَنِ القَوْل بِمَا لَا يَصِحُّ وَلَا تُعلم حقيقتُه، وَهُوَ كَحَدِيثِهِ الْآخَرِ: " بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ زَعَمُوا "وأَما مَنْ حكَى مَا يَصِحُّ وتُعْرَف حقيقتُه وأَسنده إِلى ثِقةٍ صَادِقٍ فَلَا وَجْهَ لِلنَّهْيِ عَنْهُ وَلَا ذَمَّ، وَقَالَ أَبو عُبَيْدٍ: إِنه جَعَلَ الْقَالَ مَصْدَرًا كأَنه قَالَ: نَهَى عَنْ قيلٍ وقوْلٍ، وَهَذَا التأْويل عَلَى أَنهما اسْمَانِ، وَقِيلَ: أَراد النَّهْيَ عَنْ كَثْرَةِ الْكَلَامِ مُبتدئًا ومُجيبًا، وَقِيلَ: أَراد بِهِ حِكَايَةَ أَقوال النَّاسِ وَالْبَحْثَ عَمَّا لَا يُجْدِي عَلَيْهِ خَيْرًا وَلَا يَعْنيه أَمرُه؛ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: «أَلا أُنَبِّئُكم مَا العَضْهُ؟ هِيَ النميمةُ القَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ»أَي كَثْرَةُ القَوْلِ وإِيقاع الْخُصُومَةِ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا يَحْكِي البعضُ عَنِ الْبَعْضِ؛ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: «فَفَشَتِ القَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ "، قَالَ: وَيَجُوزُ أَن يُرِيدَ بِهِ القَوْل والحديثَ.

اللَّيْثُ: تَقُولُ الْعَرَبُ كَثُرَ فِيهِ القالُ والقِيلُ، وَيُقَالُ إِن اشتِقاقَهما مِنْ كَثْرَةِ مَا يَقُولُونَ قَالَ وَقِيلَ لَهُ، وَيُقَالُ: بَلْ هُمَا اسْمَانِ مُشْتَقَّانِ مِنَ القَوْل، وَيُقَالُ: قِيلَ عَلَى بِنَاءِ فِعْل، وقُيِل عَلَى بِنَاءِ فُعِل، كِلَاهُمَا مِنَ الْوَاوِ وَلَكِنَّ الْكَسْرَةَ غَلَبَتْ فَقُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ}.

الْفَرَّاءُ: بَنُو أَسد يَقُولُونَ قُولَ وقِيلَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ؛ وأَنشد:

وابتدأَتْ غَضْبى وأُمَّ الرِّحالْ، ***وقُولَ لَا أَهلَ لَهُ وَلَا مالْ

بِمَعْنًى وقِيلَ: وأَقْوَلَهُ مَا لَمْ يَقُلْ وقَوَّلَه مَا لَمْ يَقُل، كِلاهما: ادَّعَى عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ أَقَالَهُ مَا لَمْ يقُل؛ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ.

قَوْل مَقُولٌ ومَقْؤول؛ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ أَيضًا، قَالَ: والإِتمام لُغَةُ أَبي الْجَرَّاحِ.

وآكَلْتَني وأَكَّلْتَني مَا لَمْ آكُل أَي ادّعَيْته عَليَّ.

قَالَ شَمِرٌ: تَقُولُ قَوَّلَني فُلان حَتَّى قلتُ أَي عَلَّمَنِي وأَمرني أَن أَقول، قَالَ: قَوَّلْتَني وأَقْوَلْتَني أَي علَّمتني مَا أَقول وأَنطقتني وحَمَلْتني عَلَى القَوْل.

وَفِي حَدِيثِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ حِينَ قِيلَ لَهُ: «مَا تقول في عثمان وعلي»، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا؟ فَقَالَ: أَقول فِيهِمَا مَا قَوَّلَنِيَ اللَّهُ تَعَالَى؛ ثُمَّ قرأَ: {وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ} (الْآيَةَ).

وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ، عَلَيْهِ السلام: «سَمِعَ امرأَة تندُب عمَر فَقَالَ: أَما وَاللَّهِ مَا قالتْه وَلَكِنْ قُوِّلَتْه»أَي لُقِّنَته وعُلِّمَته وأُلْقِيَ عَلَى لِسَانِهَا يَعْنِي مِنْ جَانِبِ الإِلْهام؛ أي أَنه حَقِيقٌ بِمَا قَالَتْ فِيهِ.

وتَقَوَّلَ قَوْلًا: ابتدَعه كذِبًا.

وتَقَوَّلَ فُلَانٌ عليَّ بَاطِلًا أَي قَالَ عَليَّ مَا لَمْ أَكن قلتُ وَكَذِبَ عليَّ؛ " وَمِنْهُ قَوْلُهُ تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ}.

وَكَلِمَةٌ مُقَوَّلَة: قِيلتْ مرَّة بَعْدَ مرَّة.

والمِقْوَل: اللِّسَانُ، وَيُقَالُ: إِنَّ لِي مِقْوَلًا، وَمَا يسُرُّني بِهِ مِقْوَل، وَهُوَ لِسَانُهُ.

التَّهْذِيبُ: أَبو الْهَيْثَمِ فِي قَوْلِهِ تعالى: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا}، قَالَ: اعْلَمْ أَن الْعَرَبَ تَقُولُ: قَالَ إِنه وَزَعَمَ أَنه، فَكَسَرُوا الأَلف فِي قَالَ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَفَتَحُوهَا فِي زَعَمَ، لأَن زَعَمَ فِعْل وَاقِعٌ بِهَا متعدٍّ إِليها، تَقُولُ زَعَمْتُ عبدَ اللَّهِ قَائِمًا، وَلَا تَقُولُ قُلْتُ زَيْدًا خَارِجًا إِلَّا أَن تُدْخِلَ حَرْفًا مِنْ حُرُوفِ الِاسْتِفْهَامِ فِي أَوله فَتَقُولُ: هَلْ تَقُولُه خَارِجًا، وَمَتَى تَقُولُه فعَل كَذَا، وَكَيْفَ تَقُولُه صَنَعَ، وعَلامَ تَقُولُه فَاعِلًا، فَيَصِيرُ عِنْدَ دُخُولِ حُرُوفِ الِاسْتِفْهَامِ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الظَّنِّ، وَكَذَلِكَ تَقُولُ: مَتَى تَقُولُني خَارُجًا، وَكَيْفَ تَقُولُك صَانِعًا؟ وأَنشد: فَمَتَى تَقُولُ الدارَ تَجْمَعُنا قَالَ الْكُمَيْتُ:

عَلامَ تَقُولُ هَمْدانَ احْتَذَتْنا ***وكِنْدَة، بالقوارِصِ، مُجْلِبينا؟

وَالْعَرَبُ تُجْري تَقُولُ وَحْدَهَا فِي الِاسْتِفْهَامِ مَجْرَى تظنُّ فِي الْعَمَلِ؛ قَالَ هُدْبَةُ بْنُ خَشْرم:

مَتَّى تَقُولُ القُلُصَ الرَّواسِما ***يُدْنِين أُمَّ قاسِمٍ وقاسِما؟

فَنَصَبَ القُلُص كَمَا يُنْصَبُ بالظنِّ؛ وَقَالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِيكَرِبَ:

عَلامَ تَقُولُ الرُّمْحَ يُثْقِلُ عاتِقي، ***إِذا أَنا لَمْ أَطْعُنْ، إِذا الخيلُ كَرَّتِ؟

وَقَالَ عُمَرُ بْنُ أَبي رَبِيعَةَ:

أَمَّا الرَّحِيل فدُون بعدَ غدٍ، ***فَمَتَى تَقُولُ الدارَ تَجْمَعُنا؟

قَالَ: وَبَنُو سُلَيْمٍ يُجْرون متصرِّف قُلْتُ فِي غَيْرِ الِاسْتِفْهَامِ أَيضًا مُجْرى الظنِّ فيُعدُّونه إِلى مَفْعُولَيْنِ، فَعَلَى مَذْهَبِهِمْ يَجُوزُ فَتْحُ أنَّ بَعْدَ القَول.

وَفِي الْحَدِيثِ: «أَنه سَمِعَ صوْت رَجُلٍ يقرأُ بِاللَّيْلِ فَقَالَ أَتَقُولُه مُرائيًا»أَي أَتظنُّه؟ وَهُوَ مختصٌّ بِالِاسْتِفْهَامِ؛ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: «لمَّا أَراد أَن يعتَكِف ورأَى الأَخْبية فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: البِرَّ تَقُولون بهنَ»أَي تظنُّون وتَرَوْن أَنهنَّ أَردْنَ البِرَّ، قَالَ: وفِعْلُ القَوْلِ إِذا كَانَ بِمَعْنَى الْكَلَامِ لَا يعمَل فِيمَا بَعْدَهُ، تَقُولُ: قلْت زَيْدٌ قَائِمٌ، وأَقول عَمْرٌو مُنْطَلِقٌ، وَبَعْضُ الْعَرَبِ يُعمله فَيَقُولُ قلْت زَيْدًا قَائِمًا، فإِن جعلتَ القَوْلَ بِمَعْنَى الظَّنِّ أَعملته مَعَ الِاسْتِفْهَامِ كَقَوْلِكَ: مَتَى تَقُولُ عمرًا ذاهبًا، وأَ تَقُولُ زَيْدًا مُنْطَلِقًا؟ أَبو زَيْدٍ: يُقَالُ مَا أَحسن قِيلَك وقَوْلَك ومَقالَتَكَ ومَقالَك وقالَك، خَمْسَةُ أَوجُه.

اللَّيْثُ: يُقَالُ انتشَرَت لِفُلَانٍ فِي النَّاسِ قالةٌ حَسَنَةٌ أَو قالةٌ سَيِّئَةٌ، والقَالَةُ تَكُونُ بِمَعْنَى قائلةٍ، والقَالُ فِي مَوْضِعِ قَائِلٍ؛ قَالَ بَعْضُهُمْ لِقَصِيدَةٍ: أَنا قالُها أَي قائلُها.

قَالَ: والقَالَةُ القَوْلُ الْفَاشِي فِي النَّاسِ.

والمِقْوَل: القَيْل بِلُغَةِ أَهل الْيَمَنِ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: المِقْوَل والقَيْل الْمَلِكُ مِنْ مُلوك حِمْير يَقُول مَا شَاءَ، وأَصله قَيِّل؛ وقِيلَ: هُوَ دُونَ الْمَلِكِ الأَعلى، وَالْجَمْعُ أَقْوال.

قَالَ سِيبَوَيْهِ: كسَّروه عَلَى أَفْعال تَشْبِيهًا بِفَاعِلٍ، وَهُوَ المِقْوَل وَالْجَمْعُ مَقاوِل ومَقاوِلة، دَخَلَتِ الْهَاءُ فِيهِ عَلَى حدِّ دُخُولِهَا فِي القَشاعِمة؛ قَالَ لَبِيدٌ:

لَهَا غَلَلٌ مِنْ رازِقيٍّ وكُرْسُفٍ ***بأَيمان عُجْمٍ، يَنْصُفُون المَقاوِلا

والمرأَة قَيْلةٌ.

قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: أَصل قَيْل قَيِّل، بِالتَّشْدِيدِ، مِثْلُ سَيِّد مِنْ سَادَ يَسُود كأَنه الَّذِي لَهُ قَوْل أَي ينفُذ قولُه، وَالْجَمْعُ أَقْوال وأَقْيال أَيضًا، وَمَنْ جمَعه عَلَى أَقْيال لَمْ يَجْعَلِ الْوَاحِدَ مِنْهُ مشدَّدًا؛ التَّهْذِيبُ: وَهُمُ الأَقْوال والأَقْيَال، الْوَاحِدُ قَيْل، فَمَنْ قَالَ أَقْيال بَنَاهُ عَلَى لَفْظِ قَيْل، وَمَنْ قَالَ أَقْوال بَنَاهُ عَلَى الأَصل، وأَصله مِنْ ذَوَاتِ الْوَاوِ؛ وَرُوِيَ" عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنه كَتَبَ لِوَائِلِ بْنِ حُجْر وَلِقَوْمِهِ: مِنْ محمدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلى الأَقْوالِ العَباهِلة، وَفِي رِوَايَةٍ: إِلى الأَقْيال العَباهِلة "؛ قَالَ أَبو عُبَيْدَةَ: الأَقْيال ملوك باليمن دُونَ الْمَلِكِ الأَعظم، واحدُهم قَيْل يَكُونُ مَلِكًا عَلَى قَوْمِهِ ومِخْلافِه ومَحْجَره، وَقَالَ غَيْرُهُ: سُمِّيَ الْمَلِكُ قَيْلًا لأَنه إِذا قَالَ قَوْلًا نفَذ قولُه؛ وَقَالَ الأَعشى فَجَعَلَهُمْ أَقْوالًا:

ثُمَّ دانَتْ، بَعْدُ، الرِّبابُ، وَكَانَتْ ***كعَذابٍ عقوبةُ الأَقْوالِ

ابْنُ الأَثير فِي تَفْسِيرِ الْحَدِيثِ قَالَ: الأَقْوال جَمْعُ قَيْل، وَهُوَ الْمَلِكُ النَّافِذُ القَوْل والأَمرِ، وأَصله قَيْوِل فَيْعِل مِنَ القَوْل، حُذِفَتْ عَيْنُهُ، قَالَ: وَمِثْلُهُ أَموات فِي جَمْعِ ميْت مُخَفَّفِ مَيِّتٍ، قَالَ: وأَما أَقْيال فَمَحْمُولٌ عَلَى لَفْظِ قَيْل كَمَا قِيلَ أَرْياح فِي جَمْعِ رِيحٍ، وَالشَّائِعُ المَقِيس أَرْواح.

وَفِي الْحَدِيثِ: «سُبْحَانَ مَنْ تَعَطَّف العِزَّ وَقَالَ بِه»: تعطَّف العِزَّ أَي اشْتَمَلَ بالعِزِّ فَغَلَبَ بِالْعِزِّ كلَّ عَزِيزٍ، وأَصله مِنَ القَيْل ينفُذ قولُه فِيمَا يُرِيدُ؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: مَعْنَى وَقَالَ بِهِ أَي أَحبَّه واختصَّه لِنَفْسِهِ، كَمَا يُقال: فُلَانٌ يَقُول بِفُلَانٍ أَي بمحبَّته واختصاصِه، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ حَكَم بِهِ، فإِن القَوْل يُسْتَعْمَلُ فِي مَعْنَى الحُكْم.

وَفِي الْحَدِيثِ: «قُولُوا بقَوْلكم أَو بَعْضِ قَوْلِكم وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكم الشَّيْطَانُ»أَي قُولوا بقَوْل أَهل دِينكم ومِلَّتكم، يَعْنِي ادْعُونِي رَسُولًا وَنَبِيًّا كَمَا سمَّاني اللَّهُ، وَلَا تُسَمُّونِي سيِّدًا كَمَا تسمُّون رُؤَسَاءَكُمْ، لأَنهم كَانُوا يحسَبون أَن السِّيَادَةَ بِالنُّبُوَّةِ كَالسِّيَادَةِ بأَسباب الدُّنْيَا، وَقَوْلُهُ بَعْضِ قولِكم يَعْنِي الاقتصادَ فِي الْمَقَالِ وتركَ الإِسراف فِيهِ، قَالَ: وَذَلِكَ أَنهم كَانُوا مَدَحُوهُ فَكَرِهَ لَهُمُ الْمُبَالَغَةَ فِي الْمَدْحِ فَنَهَاهُمْ عَنْهُ، يُرِيدُ تكلَّموا بِمَا يحضُركم مِنَ القَوْلِ وَلَا تتكلَّفوه كأَنكم وُكلاءُ الشَّيْطَانِ ورُسُلُه تنطِقون عَنْ لِسَانِهِ.

واقْتال قَوْلًا: اجْتَرَّه إِلى نفسِه مِنْ خَيْرٍ أَو شَرٍّ.

واقْتَالَ عَلَيْهِمُ: احْتَكَم؛ وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ للغَطَمَّش مِنْ بَنِي شَقِرة:

فبالخَيْر لَا بالشرِّ فارْجُ مَوَدَّتي، ***وإِنِّي امرُؤٌ يَقْتَالُ مِنِّي التَّرَهُّبُ

قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: سَمِعْتُ الْهَيْثَمَ بْنَ عَدِيٍّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ فِي رُقْية النَّمْلة: العَرُوس تَحْتَفِل، وتَقْتالُ وتَكْتَحِل، وكلَّ شَيْءٍ تَفْتَعِلْ، غَيْرَ أَن لَا تَعْصِي الرَّجُلْ؛ قَالَ: تَقْتَال تَحْتَكِم عَلَى زَوْجِهَا.

الْجَوْهَرِيُّ: اقْتال عَلَيْهِ أَي تحكَّم؛ وَقَالَ كَعْبُ بْنُ سَعْدٍ الغَنَويّ:

ومنزلَةٍ فِي دَارِ صِدْق وغِبْطةٍ، ***وَمَا اقْتَال مِنْ حُكْمٍ عَليَّ طَبيبُ

قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: صَوَابُ إِنشاده بِالرَّفْعِ ومنزلةٌ لأَن قَبْلَهُ:

وخَبَّرْتُماني أَنَّما الموتُ فِي القُرَى، ***فَكَيْفَ وَهَاتَا هَضْبَةٌ وكَثِيبُ

وماءُ سَمَاءٍ كَانَ غَيْرَ مَحَمَّة ***بِبَرِّيَّةٍ، تَجْري عَلَيْهِ جَنُوبُ

وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ للأَعشى:

ولمِثْلِ الَّذِي جَمَعْتَ لِرَيْبِ الدهر ***تَأْبى حُكُومَةَ المُقْتالِ

وقاوَلْته فِي أَمره وتَقاوَلْنا أَي تَفاوَضْنا؛ وَقَوْلُ لَبِيدٍ:

وإِنَّ اللَّهَ نافِلةٌ تُقَاهُ، ***وَلَا يَقْتالُها إِلا السَّعِيدُ

أَي وَلَا يَقُولُهَا؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: صَوَابُهُ فإِنَّ اللَّهَ، بِالْفَاءِ؛ وَقَبْلَهُ: " حَمِدْتُ اللهَ واللهُ الحميدُ "والقالُ: القُلَةُ، مَقْلُوبٌ مغيَّر، وَهُوَ العُود الصَّغِيرُ، وَجَمْعُهُ قِيلان؛ قَالَ: " وأَنا فِي ضُرَّاب قِيلانِ القُلَهْ "الْجَوْهَرِيُّ: القالُ الْخَشَبَةُ الَّتِي يضرَب بِهَا القُلَة؛ وأَنشد:

كأَنَّ نَزْوَ فِراخِ الهامِ، بينَهُم، ***نَزْوُ القُلاة، قَلَاهَا قالُ قالِينا

قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: هَذَا الْبَيْتُ يُرْوَى لِابْنِ مُقْبِلٍ، قَالَ: وَلَمْ أَجده فِي شِعْرِهِ.

ابْنُ بَرِّيٍّ: يُقَالُ اقْتَالَ بِالْبَعِيرِ بَعِيرًا وَبِالثَّوْبِ ثَوْبًا أَي اسْتَبْدَلَهُ بِهِ، وَيُقَالُ: اقْتَالَ باللَّوْن لَوْنًا آخَرَ إِذا تَغَيَّرَ مِنْ سفرٍ أَو كِبَر؛ قَالَ الرَّاجِزُ:

فاقْتَلْتُ بالجِدّة لَوْنًا أَطْحَلا، ***وَكَانَ هُدَّابُ الشَّباب أَجْملا

ابْنُ الأَعرابي: الْعَرَبُ تَقُولُ قَالُوا بزيدٍ أَي قَتَلُوه، وقُلْنا بِهِ أَي قَتَلْناه؛ وأَنشد:

نَحْنُ ضَرَبْنَاهُ عَلَى نِطَابه، ***قُلْنا بِهِ قُلْنا بِهِ قُلْنا بِهِ

أَي قَتَلْناه، والنَّطابُ: حَبْل العاتِقِ.

وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: «فقَالَ بِالْمَاءِ عَلَى يَده»؛ وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: " فقَالَ بِثَوبه هَكَذَا "، قَالَ ابْنُ الأَثير: الْعَرَبُ تَجْعَلُ الْقَوْلَ عِبَارَةً عَنْ جَمِيعِ الأَفعال وتطلِقه عَلَى غَيْرِ الْكَلَامِ وَاللِّسَانِ فَتَقُولُ قَالَ بِيَده؛ أي أَخذ، وقَالَ برِجْله؛ أي مَشَى؛ وَقَدْ تقدَّم قَوْلُ الشَّاعِرِ: «وقَالَتْ لَهُ العَيْنانِ: سَمْعًا وَطَاعَةَ»؛ أي أَوْمَأَتْ، وقَالَ بِالْمَاءِ عَلَى يدِه؛ أي قَلب، وقَالَ بِثَوْبٍ؛ أي رفَعَه، وَكُلُّ ذَلِكَ عَلَى الْمَجَازِ وَالِاتِّسَاعِ كَمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ السَّهْوِ قَالَ: «مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟ قَالُوا: صدَق»، رُوِيَ أَنهم أَوْمَؤُوا برؤوسِهم: أَي نَعَمْ وَلَمْ يتكلَّموا؛ قَالَ: وَيُقَالُ قَالَ بِمَعْنَى أَقْبَلَ، وَبِمَعْنَى مَالَ واستراحَ وضرَب وغلَب وَغَيْرِ ذَلِكَ.

وَفِي حَدِيثِ جُرَيْجٍ: «فأَسْرَعَت القَوْلِيَّةُ إِلى صَوْمَعَتِه»؛ همُ الغَوْغاءُ وقَتَلَةُ الأَنبياء واليهودُ، وتُسمَّى الغَوْغاءُ قَوْلِيَّةً.

لسان العرب-ابن منظور الإفريقي-توفي: 711هـ/1311م


31-لسان العرب (زعم)

زعم: قَالَ اللَّهُ تعالى: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا}، وَقَالَ تعالى: {فَقالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ "؛ الزَّعْمُ والزُّعْمُ والزِّعْمُ}، ثَلَاثُ لُغَاتٍ: الْقَوْلُ، زَعَمَ زَعْمًا وزُعْمًا وزِعْمًا أَي قَالَ، وَقِيلَ: هُوَ الْقَوْلُ يَكُونُ حَقًّا وَيَكُونُ بَاطِلًا، وأَنشد ابْنُ الأَعرابي لأُمَيّةَ فِي الزَّعْم الَّذِي هُوَ حَقٌّ:

وإِني أَذينٌ لَكُمْ أَنه ***سَيُنجِزُكم ربُّكم مَا زَعَمْ

وَقَالَ اللَّيْثُ: سَمِعْتُ أَهل الْعَرَبِيَّةِ يَقُولُونَ إِذا قِيلَ ذَكَرَ فُلَانٌ كَذَا وَكَذَا فَإِنَّمَا يُقَالُ ذَلِكَ لأَمر يُسْتَيْقَنُ أَنه حَقٌّ، وإِذا شُكَّ فِيهِ فَلَمْ يُدْرَ لَعَلَّهُ كَذِبٌ أَو بَاطِلٌ قِيلَ زَعَمَ فُلَانٌ، قَالَ: وَكَذَلِكَ تُفَسَّرُ هَذِهِ الْآيَةُ: فَقالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ "؛ أَي بِقَوْلِهِمُ الْكَذِبَ، وَقِيلَ: الزَّعْمُ الظَّنُّ، وَقِيلَ: الْكَذِبُ، زَعَمَهُ يَزْعُمُهُ، والزُّعْمُ تميميَّة، والزَّعْمُ حِجَازِيَّةٌ؛ وأَما قَوْلُ النَّابِغَةِ: " زَعَمَ الهمامُ بأَنَّ فَاهَا بارِدٌ وَقَوْلُهُ: زَعَمَ الغُدافُ بأَنَّ رِحْلتنا غَدًا فَقَدْ تَكُونُ الْبَاءُ زَائِدَةً كَقَوْلِهِ: سُود المَحاجِرِ لَا يَقْرَأْنَ بالسُّوَرِ "وَقَدْ تَكُونُ زَعَمَ هَاهُنَا فِي مَعْنَى شَهِدَ فَعَدَّاهَا بِمَا تُعدّى بِهِ شَهِدَ كَقَوْلِهِ تعالى: {وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا}.

وَقَالُوا: هَذَا وَلَا زَعْمَتَكَ وَلَا زَعَماتِكَ، يَذْهَبُ إِلى رَدِّ قَوْلِهِ، قَالَ الأَزهري: الرَّجُلُ مِنَ الْعَرَبِ إِذا حدَّث عَمَّنْ لَا يُحَقِّقُ قَوْلَهُ يَقُولُ وَلَا زَعَماتِه؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُ: " لَقَدْ خَطَّ رومِيٌّ وَلَا زَعَماتِهِ "وزَعَمْتَني كَذَا تَزْعُمُني زَعْمًا: ظَنَنْتني؛ قَالَ أَبو ذُؤَيْبٍ:

فَإِنَّ تَزْعُمِيني كنتُ أَجهلُ فيكُمُ، ***فإِني شَرَيْتُ الحِلْمَ بَعْدَكِ بِالْجَهْلِ

وَتَقُولُ: زَعَمَتْ أَني لَا أُحبها وزَعَمَتْني لَا أُحبها، يَجِيءُ فِي الشِّعْرِ، فأَما فِي الْكَلَامِ فأَحسن ذَلِكَ أَن يُوقَعَ الزَّعْمُ عَلَى أَنَّ دُونَ الِاسْمِ.

والتَّزَعُّمُ: التَّكَذُّبُ؛ وأَنشد: " أَيها الزَّاعِمُ مَا تَزَعَّما "وتَزاعَمَ القومُ عَلَى كَذَا تَزاعُمًا إِذا تَضَافَرُوا عَلَيْهِ، قَالَ: وأَصله أَنه صَارَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ زَعِيمًا؛ وَفِي قَوْلِهِ مَزاعِمُ أَي لَا يُوثَقُ بِهِ، قَالَ الأَزهري: الزَّعْمُ إِنما هُوَ فِي الْكَلَامِ، يُقَالُ: أَمر فِيهِ مَزاعِمُ أَي أَمر غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ فِيهِ مُنَازَعَةٌ بعدُ.

قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: وَيُقَالُ للأَمر الَّذِي لَا يَوْثَقُ بِهِ مَزْعَمٌ أَي يَزْعُمُ هذا أَن كذا ويَزْعُمُ هَذَا أَنه كَذَا.

قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: الزَّعْمُ يأْتي فِي كَلَامِ الْعَرَبِ عَلَى أَربعة أَوجه، يَكُونُ بِمَعْنَى الكَفالة والضَّمان؛ شَاهِدُهُ قَوْلُ عُمَرُ بْنُ أَبي رَبِيعَةَ:

قُلْتُ: كَفِّي لَكِ رَهْنٌ بالرِّضى ***وازْعُمِي يَا هندُ، قَالَتْ: قَدْ وَجَب

وازْعُمِي أَي اضْمَنِي؛ وَقَالَ النَّابِغَةُ يَصِفُ نُوحًا:

نُودِيَ: قُمْ وارْكَبَنْ بأَهْلِكَ إِنَّ ***اللَّهَ مُوفٍ لِلنَّاسِ مَا زَعَمَا

زَعَمَ هُنَا فُسِّرَ بِمَعْنَى ضَمِنَ، وَبِمَعْنَى قَالَ، وَبِمَعْنَى وعَدَ، وَيَكُونُ بِمَعْنَى الوعْد، قَالَ عَمْرُو بْنُ شَأْسٍ:

وعاذِلة تَحْشَى الرَّدَى أَن يُصيبَني، ***تَرُوحُ وتَغْدُو بالمَلامةِ والقَسَمْ

تَقُولُ: هَلَكْنا، إِن هَلكتَ وإِنما ***عَلَى اللَّهِ أَرْزاقُ العِباد كَمَا زَعَمْ

وزَعَمَ هُنَا بِمَعْنَى قَالَ وَوَعَدَ، وَتَكُونُ بِمَعْنَى الْقَوْلِ وَالذِّكْرِ؛ قَالَ أَبو زُبَيْدٍ الطَّائِيُّ:

يَا لَهْفَ نَفْسِيَ إِن كَانَ الَّذِي زَعمُوا ***حَقًّا وَمَاذَا يَرُدّ الْيَوْمَ تَلْهِيفِي

إِن كَانَ مَغْنَى وُفُودِ النَّاسِ رَاحَ بِهِ ***قومٌ إِلى جَدَثٍ، فِي الْغَارِ، مَنْجُوفِ؟

الْمَعْنَى: إِن كَانَ الَّذِي قَالُوهُ حَقًّا لأَنه سَمِعَ مَنْ يَقُولُ حُمِلَ عثمانُ عَلَى النَّعْش إِلى قَبْرِهِ؛ قَالَ المُثَقّبُ الْعَبْدِيُّ:

وكلامٌ سَيِءٌ قَدْ وَقِرَتْ ***أُذُني عَنْهُ، وَمَا بِي مِنْ صَمَمْ

فتصامَمْتُ، لكَيْما لَا يَرَى ***جاهلٌ أَنِّي كَمَا كَانَ زَعَمْ

وَقَالَ الْجُمَيْحُ:

أَنتم بَنُو المرأَةِ الَّتِي زَعَمَ الناس ***عَلَيْهَا، فِي الْغَيِّ، مَا زَعَمُوا

وَيَكُونُ بِمَعْنَى الظَّنِّ؛ قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ:

فذُقْ هَجْرَها قَدْ كنتَ تَزْعُمُ أَنه ***رَشادٌ، أَلا يَا رُبَّما كذَبَ الزَّعْمُ

فَهَذَا الْبَيْتُ لَا يَحْتَمِلُ سِوَى الظَّنِّ، وَبَيْتُ عُمَرُ بْنُ أَبي رَبِيعَةَ لَا يَحْتَمِلُ سِوَى الضَّمان، وَبَيْتُ أَبي زُبَيْدٍ لَا يَحْتَمِلُ سِوَى الْقَوْلِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ عَلَى مَا فُسِّرَ.

وَحَكَى ابْنُ بَرِّيٍّ أَيضًا عَنِ ابْنِ خالَوَيْه: الزَّعْمُ يُسْتَعْمَلُ فِيمَا يُذَمّ كَقَوْلِهِ تعالى: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا}؛ حَتَّى قَالَ بَعْضُ المفسرين: الزَّعْمُأَصله الْكَذِبُ، قَالَ: وَلَمْ يَجِئْ فِيمَا يُحْمَدُ إِلا فِي بَيْتَيْنِ، وَذَكَرَ بَيْتَ النَّابِغَةِ الْجَعْدِيِّ وَذَكَرَ أَنه رُوِيَ لأُمية بْنِ أَبي الصَّلْتِ، وَذَكَرَ أَيضًا بَيْتَ عَمْرِو بْنِ شَأْس وَرَوَاهُ لمُضَرِّسٍ؛ قَالَ أَبو الْهَيْثَمِ: تَقُولُ الْعَرَبُ قَالَ إِنه وَتَقُولُ زَعَمَ أَنه، فَكَسَرُوا الأَلف مَعَ قَالَ، وَفَتَحُوهَا مَعَ زَعَمَ لأَن زَعَمَ فِعْلٌ وَاقِعٌ بِهَا أَي بالأَلف مُتَعَدٍّ إِليها، أَلا تَرَى أَنك تَقُولُ زَعَمْتُ عبدَ اللَّهِ قَائِمًا، وَلَا تَقُولُ قُلْتُ زَيْدًا خَارِجًا إِلا أَن تُدْخِلَ حَرْفًا مِنْ حُرُوفِ الِاسْتِفْهَامِ فَتَقُولُ هَلْ تَقُولُهُ فَعَلَ كَذَا وَمَتَّى تقولُني خَارِجًا؛ وأَنشد:

قَالَ الخَلِيطُ: غَدًا تَصَدُّعُنا، ***فَمَتَى تَقُولُ الدارَ تَجْمَعُنا؟

وَمَعْنَاهُ فَمَتَى تَظُنُّ وَمَتَى تَزْعُمُ.

والزَّعُوم مِنَ الإِبل وَالْغَنَمِ: الَّتِي يُشَكُّ فِي سِمنَها فتُغْبَطُ بالأَيدي، وَقِيلَ: الزَّعُوم الَّتِي يَزْعُمُ النَّاسُ أَن بِهَا نِقْيًا؛ قَالَ الرَّاجِزُ:

وبَلْدة تَجَهَّمُ الجَهُوما، ***زَجَرْتُ فِيهَا عَيْهَلًا رَسُوما،

مُخْلِصَةَ الأَنْقاءِ أَو زَعُوما قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَمِثْلُهُ قَوْلُ الْآخَرِ:

وإِنَّا مِنْ مَوَدَّة آلِ سَعْدٍ، ***كَمَنْ طَلَبَ الإِهالةَ فِي الزَّعُومِ

وَقَالَ الرَّاجِزُ:

إِنَّ قُصاراكَ عَلَى رعُومِ ***مُخْلِصَةِ العِظامِ، أَو زَعُومِ

المُخْلِصَةُ: الَّتِي قَدْ خَلَصَ نِقْيُها.

وَقَالَ الأَصمعي: الزَّعُوم مِنَ الْغَنَمِ الَّتِي لَا يُدْرى أَبها شَحْمٌ أَم لَا، وَمِنْهُ قِيلَ: فُلَانٌ مُزاعَم أَي لَا يُوثَقُ بِهِ.

والزَّعوم: الْقَلِيلَةُ الشَّحْمِ وَهِيَ الْكَثِيرَةُ الشَّحْمِ، وَهِيَ المُزْعَمَةُ، فَمَنْ جَعَلَهَا الْقَلِيلَةَ الشَّحْمِ فَهِيَ المَزْعُومة، وَهِيَ الَّتِي إِذا أَكلها النَّاسُ قَالُوا لِصَاحِبِهَا تَوْبِيخًا: أَزْعَمْتَ أَنها سَمِينَةٌ؛ قَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ: لَمْ يَجِئْ أَزْعَمَ فِي كَلَامِهِمْ إِلا فِي قَوْلِهِمْ أَزْعَمَتِ القَلُوصُ أَو الناقةُ إِذا ظُنَّ أَن فِي سَنَامِهَا شَحْمًا.

وَيُقَالُ: أَزْعَمْتُكَ الشيءَ أَي جَعَلْتُكَ بِهِ زَعِيمًا.

والزَّعِيمُ: الْكَفِيلُ.

زَعَمَ بِهِ يَزْعُمُ زَعْمًا وزَعامَةً أَي كَفَل.

وَفِي الْحَدِيثِ: «الدَّيْن مَقْضِيّ والزَّعِيمُ غارِم»؛ والزَّعِيمُ: الْكَفِيلُ، وَالْغَارِمُ: الضَّامِنُ.

وَقَالَ اللَّهُ تعالى: {وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ}؛ قَالُوا جَمِيعًا: مَعْنَاهُ وأَنا بِهِ كَفِيلٌ؛ وَمِنْهُ حَدِيثِ عَلِيٍّ، رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ: ذِمَّتي رَهينة وأَنا بِهِ زعِيمٌ.

وزَعَمْت بِهِ أَزْعُمُ زَعْمًا وزَعامةً أَي كَفَلْتُ.

وزَعِيمُ الْقَوْمِ: رَئِيسُهُمْ وَسَيِّدُهُمْ، وَقِيلَ: رَئِيسُهُمُ الْمُتَكَلِّمُ عَنْهُمْ ومِدْرَهُهُمْ، وَالْجَمْعُ زُعَماء.

والزَّعامة: السِّيادة وَالرِّيَاسَةُ، وَقَدْ زَعُمَ زَعامَةً؛ قَالَ الشَّاعِرُ:

حَتَّى إِذا رَفَعَ اللِّواء رأَيْتَهُ، ***تَحْتَ اللِّواء عَلَى الخَمِيسِ، زَعِيما

والزَّعامَةُ: السِّلَاحُ، وَقِيلَ: الدِّرْع أَو الدُّروع.

وزَعامَةُ الْمَالِ: أَفضله وأَكثره مِنَ الْمِيرَاثِ وَغَيْرِهِ؛ وَقَوْلُ لَبِيدٍ:

تَطِير عَدائِد الأَشراكِ شَفْعًا ***ووِتْرًا، والزعامَةُ لِلْغُلَامِ

فَسَّرَهُ ابْنُ الأَعرابي فَقَالَ: الزَّعامَةُ هُنَا الدِّرْع والرِّياسة وَالشَّرَفُ، وَفَسَّرَهُ غَيْرُهُ بأَنه أَفضل الْمِيرَاثِ، وَقِيلَ: يُرِيدُ السِّلَاحَ لأَنهم كَانُوا إِذا اقتسموا الميراث دَفَعُوا السِّلَاحَ إِلى الِابْنِ دُونَ الِابْنَةِ، وَقَوْلُهُ شَفْعًا "ووِترًا يُرِيدُ قِسْمَةَ الْمِيرَاثِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثيين.

وأَما الزَّعامَةُ وَهِيَ السِّيَادَةُ أَو السِّلَاحُ فَلَا ينازِع الورثةُ فيها الغلامَ، إِذا هِيَ مَخْصُوصَةٌ بِهِ.

والزَّعَمُ، بِالتَّحْرِيكِ: الطَّمَعُ، زَعِمَ يَزْعَمُ زَعَمًا وزَعْمًا: طَمِعَ؛ قَالَ عَنْتَرَةُ:

عُلّقْتُها عَرَضًا وأَقْتُلُ قَوْمَها ***زَعْمًا، وربِّ الْبَيْتِ، لَيْسَ بمَزْعَمِ

أَي لَيْسَ بِمَطْمَعٍ؛ قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: كَانَ حُبُّهَا عَرَضًا مِنَ الأَعراض اعْتَرَضَنِي مِنْ غَيْرِ أَن أَطلبه، فَيَقُولُ: عُلِّقْتُها وأَنا أَقتل قَوْمَهَا فَكَيْفَ أُحبها وأَنا أَقتلهم؟ أَم كَيْفَ أَقتلهم وأَنا أُحبها؟ ثُمَّ رَجَعَ عَلَى نَفْسِهِ مُخَاطِبًا لَهَا فَقَالَ: هَذَا فِعْلٌ لَيْسَ بِفِعْلِ مِثْلِي؛ وأَزْعَمْتُه أَنا.

وَيُقَالُ: زعَمَ فُلَانٌ فِي غَيْرِ مَزْعَمٍ أَي طَمِعَ فِي غَيْرِ مطمَع؛ قَالَ الشَّاعِرُ:

لَهُ رَبَّةٌ قَدْ أَحْرَمَتْ حِلَّ ظَهْرِهِ، ***فَمَا فِيهِ للفُقْرى وَلَا الحَجِّ مَزْعَمُ

وأَمرٌ مُزْعِمٌ أَي مُطْمِعٌ.

وأَزْعَمَه: أَطمعه.

وشِواءٌ زَعِمٌ وزَعْمٌ: مُرِشّ كَثِيرُ الدَّسَمِ سَرِيعُ السَّيَلان عَلَى النَّارِ.

وأَزْعَمَتِ الأَرضُ: طَلَعَ أَول نَبْتِهَا؛ عن ابن الأَعرابي: وزاعِمٌ وزُعَيْم: إِسمان.

والمِزْعامة: الْحَيَّةُ.

والزُّعْمُومُ: العَييّ.

والزَّعْمِيُّ: الْكَاذِبُ.

والزَّعْمِيّ: الصَّادِقُ.

والزَّعْمُ: الْكَذِبُ؛ قَالَ الْكُمَيْتُ:

إِذا الإِكامُ اكتَسَتْ مَآلِيَها، ***وَكَانَ زَعْمُ اللَّوامعِ الكَذِبُ

يُرِيدُ السَّراب، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: أَكْذَبُ مِنْ يَلْمَع.

وَقَالَ شُرَيْحٌ: زَعَمُوا كُنْيَةُ الكَذِب.

وَقَالَ شَمِرٌ: الزَّعْمُ والتزاعُمُ أَكثر مَا يُقَالُ فِيمَا يُشك فِيهِ وَلَا يُحَقَّقُ، وَقَدْ يَكُونُ الزَّعْمُ بِمَعْنَى الْقَوْلِ، وَرُوِيَ بَيْتُ الْجَعْدِيِّ يَصِفُ نُوحًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ، فَهَذَا مَعْنَاهُ التَّحْقِيقُ؛ قَالَ الْكِسَائِيُّ: إِذا قَالُوا زَعْمَةٌ صَادِقَةٌ لَآتِيَنَّكَ، رَفَعُوا، وحِلْفَةٌ صادِقةٌ لأَقومَنَّ، قَالَ: وَيَنْصِبُونَ يَمِينًا صَادِقَةً لأَفعلن.

وَفِي الْحَدِيثِ: «أَنه ذَكَرَ أَيوب، عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: كَانَ إِذا مَرَّ بِرَجُلَيْنِ يَتَزاعَمان فَيَذْكُرَانِ اللَّهَ كَفَّر عَنْهُمَا»أَي يَتَدَاعَيَانِ شَيْئًا فَيَخْتَلِفَانِ فِيهِ فَيَحْلِفَانِ عَلَيْهِ كَانَ يُكَفِّرُ عَنْهُمَا لآَجل حَلِفِهِمَا؛ وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْنَاهُ أَنهما يَتَحَادَثَانِ بالزَّعَماتِ وَهِيَ مَا لَا يُوثَقُ بِهِ مِنَ الأَحاديث، وَقَوْلُهُ فَيَذْكُرَانِ اللَّهَ أَي عَلَى وَجْهِ الِاسْتِغْفَارِ.

وَفِي الْحَدِيثِ: «بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ زَعَمُوا»؛ مَعْنَاهُ أَن الرَّجُلَ إِذا أَراد المَسير إِلى بَلَدٍ والظَّعْنَ فِي حَاجَةٍ رَكِبَ مَطِيَّتَهُ وَسَارَ حَتَّى يَقْضِيَ إِرْبَهُ، فَشَبَّهَ مَا يُقَدِّمُهُ الْمُتَكَلِّمُ أَمام كَلَامِهِ وَيَتَوَصَّلُ بِهِ إِلى غَرَضِهِ مِنْ قَوْلِهِ زَعَمُوا كَذَا وَكَذَا بِالْمَطِيَّةِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلى الْحَاجَةِ، وإِنما يُقَالُ زَعَمُوا فِي حَدِيثٍ لَا سَنَدَ لَهُ وَلَا ثَبَتَ فِيهِ، وإِنما يُحْكَى عَنِ الأَلْسُنِ عَلَى سَبِيلِ الْبَلَاغِ، فذُمَّ مِنَ الْحَدِيثِ مَا كَانَ هَذَا سَبِيلُهُ.

وَفِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ: «زَعِيمُ الأَنْفاس»أَي موكَّلٌ بالأَنفاس يُصَعِّدُها لِغَلَبَةِ الْحَسَدِ وَالْكَآبَةِ عَلَيْهِ، أَو أَراد أَنفاس الشُّرْبِ كأَنه يَتَجَسَّس كَلَامَ النَّاسِ ويَعِيبهم بِمَا يُسقطهم؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: والزَّعيمُ هُنَا" بمعنى الوكيل.

لسان العرب-ابن منظور الإفريقي-توفي: 711هـ/1311م


32-مجمل اللغة (زعم)

زعم: الزعم: القول في غير صحةٍ.

قال الله - جل ثناؤه -: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا} وزعم بالشيء، (إذأ) تكفل به.

والزعامَة: السيادة.

ويقال: إن الزعامة حظُّ السيد من المغنم، ويقال: بل هي أفضل المال.

قال لبيده:

تطير عدائدُ الأشراكِ وترًا

وشفعًا والزعامة للغلامِ

وربما قالوا: زعم في غير مزعم، أي: طمع في غير مطاع.

والزعوم: الجزور التي يشك في سمنها، فتغبط بالأيدي.

والتزعمُ: التكذبُ، (قال بعضهم: أزعم اللبن، إذا أخذ يطيب).

مجمل اللغة-أحمد بن فارس-توفي: 395هـ/1005م


33-مقاييس اللغة (زعم)

(زَعَمَ) الزَّاءُ وَالْعَيْنُ وَالْمِيمُ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا الْقَوْلُ مِنْ غَيْرِ صِحَّةٍ وَلَا يَقِينٍ، وَالْآخَرُ التَّكَفُّلُ بِالشَّيْءِ.

فَالْأَوَّلُ الزَّعْمُ وَالزُّعْمُ.

وَهَذَا الْقَوْلُ عَلَى غَيْرِ صِحَّةٍ.

قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا} [التغابن: 7].

وَقَالَ الشَّاعِرُ:

زَعَمَتْ غُدَانَةُ أَنَّ فِيهَا سَيِّدًا *** ضَخْمًا يُوَارِيهِ جَنَاحُ الْجُنْدَُبِ

وَمِنَ الْبَابِ: زَعَمَ فِي غَيْرِ مَزْعَمٍ، أَيْ طَمِعَ فِي غَيْرِ مَطْمَعٍ.

قَالَ:

زَعْمًا لَعَمْرُ أَبِيكِ لَيْسَ بِمَزْعَمِ.

وَمِنَ الْبَابِ الزَّعُومُ، وَهِيَ الْجَزُورُ الَّتِي يُشَكُّ فِي سِمَنِهَا فَتُغْبَطُ بِالْأَيْدِي.

وَالتَّزَعُّمُ: الْكَذِبُ.

وَالْأَصْلُ الْآخَرُ: زَعَمَ بِالشَّيْءِ، إِذَا كَفَلَ بِهِ.

قَالَ:

تُعَاتِبُنِي فِي الرِّزْقِ عِرْسِي وَإِنَّمَا *** عَلَى اللَّهِ أَرْزَاقُ الْعِبَادِ كَمَا زَعَمْ

أَيْ كَمَا كَفَلَ.

"وَمِنَ الْبَابِ الزَّعَامَةُ، وَهِيَ السِّيَادَةُ ; لِأَنَّ السَّيِّدَ يَزْعُمُ بِالْأُمُورِ،."

أَيْ يَتَكَفَّلُ بِهَا.

وَأَصْدَقُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} [يوسف: 72].

وَيُقَالُ الزَّعَامَةُ حَظُّ السَّيِّدِ مِنَ الْمَغْنَمِ، وَيُقَالُ بَلْ هِيَ أَفْضَلُ الْمَالِ.

قَالَ لَبِيَدٌ:

تَطِيرُ عَدَائِدُ الْإِشْرَاكِ وَِتْرًا *** وَشَفْعًا وَالزَّعَامَةُ لِلْغُلَامِ

مقاييس اللغة-أحمد بن فارس-توفي: 395هـ/1005م


34-تهذيب اللغة (قول قيل)

قول ـ قيل: قال الليث: القَولُ: الكلام، تقول: قال يقول قَوْلًا، والفاعل قائل، والمفعول مَقُول.

ويقال: إنَّ لي مِقْولًا ما يَسُرّني به مِقْوَلٌ؛ وهو لسانه.

والمِقْوَل بلغة أَهل اليمن: القَيْل، وجمعُه المقَاوِلة، وهم الأقوال والأقيال، والواحد قَيْل.

قال الفرّاء: العرب تقول: إنّه لابن قَول وَابن أَقوالٍ: إذا كان ذا كلامٍ وَلسانٍ جيّد.

الحرّاني عن ابن السكّيت: القَيْل: المَلِك مِن مُلوكِ حِميَر، وجمعُه أَقيال وأَقوال؛ فمن قال: أَقيال بَناه على لفظ قَيْل، وَمَن قال أَقوال بَناه على الأصل، وأَصله من ذوات الواو.

وكان أصلُ قَيْل قَيِّلا فخُفّف، مثل سَيِّد مِن سادَ يَسُود.

قال: والقَيْل أيضًا: شُربُ نِصف النهار.

وقال الليث: القَيْل: رَضْعَةُ نِصفِ النهار.

وأنشد:

يُسْقَيْن رَفْهًا بالنَّهار والليل *** مِن الصَّبوح والغَبُوق والقَيْل

جعل القَيْل هاهنا شَربةَ نصف النهار.

وقالت أمُّ تأبط شرًّا: ما سقَيْتُه غَيْلًا، ولا حَرَمْتُه قَيْلًا.

شمر عن ابن شميل، يقال للرجل: إنَّه لمِقْوَل: إذا كان بيِّنًا ظريف اللسان.

والتِّقْوَلة: الكثير الكلام، البليغ في حاجته وَأمره.

ورَوَى عن النبي صلى‌ الله‌ عليه‌ وسلم أَنه كتب لوائل بن جُحْر الحَضْرميّ ولقومه: مِن محمدٍ رسول الله إلى الأقيال العباهلة من أَهل حضرموت.

قال أَبو عبيدٍ: قال أَبو عبيدة: الأقيال: ملوك باليمن دون المَلِك الأعظم، واحدهم قَيْل يكون ملكًا على قومِه ومِخْلافه ومَحجَره.

وقال غيره: سمِّي المَلِك قَيْلًا لأنه إذا قال قَولًا نَفَذ قولُه.

وقال الأعشى فجَمَعه أَقوالًا:

ثم دانتْ بَعدُ الرِّبابُ وكانت *** كعذابٍ عقوبةُ الأقوالِ

قال أبو الهيثم في قوله: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا} [التغابن: 7]: اعلم أن العرب تقول: قال: إنّه زعم أنه، فكسروا الألفَ في قال على الابتداء، وفتحوها في زعم لأنّ زعم فعلٌ واقعٌ بها متعدٍّ إليها.

تقول: زعمتُ عبد الله قائمًا.

ولا تقول: قلت: زيدًا خارجًا، إلا أن تُدخلَ حرفًا من حروف الاستفهام في أوّله.

فتقول: هل تقوله خارجًا؟.

ومتى تقوله فعل كذا؟ وكيف تقولهُ صنع؟.

وعلام تقوله فاعلًا، فيصير عند دخول حرف الاستفهام عليه بمنزلة الظن.

وكذلك تقول: متى تقولني خارجًا؟.

وكيف تقولني صانعًا؟ وأنشد:

فمتى تقول الدار تجمعنا

وقال الكميت:

علامَ تقوم همدانَ احتذتنا *** وكندةَ بالقوارِص مُجلِبينا

الليث، رجل تِقْوالةٌ: منطيق.

ورجل قوّالٌ قَوَّالةٌ وامرأة قَوّالة: كثيرة القول.

ويقال: تقول فلانٌ على باطلًا، أي: قال علي ما لم أكن قلتُ.

ومنه قول الله جل وعزّ: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ} [الحاقة: 44].

أبو عبيدة عن الكسائي يقال: أقوَلْتَني ما لم أَقُلْ، وقوَّلتني مثله وأكلتَني وأكَّلتني ما لم آكل، أي: ادَّعيته عليَّ.

وقال شمر: تقول أيضًا: قوَّلني فلانٌ حتى قلت، أي: علمني وأمرني أن أقول.

ومنه قول سعيد بن المسيب حين قيل له: ما تقول في عثمان وعلي؟ فقال: أقول فيهم ما قولني الله.

ثم قرأ: {وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ} [الحشر: 10].

وقال الليث: يقال: اقتالَ قولًا، أي: اجترَّ إلى نفسه قولًا من خير أو شر.

قال أبو عبيد: سمعتُ الهيثم بن عَدِيّ يقول: سمعتُ عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز يقول في رُقيَة النمل: «العَروس تحتفل، وتَقْتال وتَكتحل، وكلَّ شيء تفتعل، غير أن لا تَعصي الرجل».

قال: تقتال: تحتكم على زوجها.

قال الأزهري: واقتالَ الرجلُ: إذا احتكم، فهو مُقْتال.

وقال الليث: يقال: انتشرتْ لفلانٍ في الناس قالةٌ حسنة أو قالةٌ سيّئة.

قال: والقالة تكون بمعنى قائلة، والقال بمعنى قائل.

وقال بعض الشعراء في قصيدة: أنا قالُها أي: أنا قائلها.

قال: والقالة: القولُ الفاشي في الناس.

وروى عن النبي صلى‌ الله‌ عليه‌ وسلم أنّه: «نَهَى عن قيلٍ وقال، وعن إضاعة المال».

قال أبو عبيد في قوله: نَهَى عن قيلٍ وقال، نحوٌ وعربيةً، وذلك أنّه جعل القال مَصدَرًا؛ ألا تَراه يقول: عن قيلٍ وقالٍ.

كأنه قال: عن قيل وقَوْل.

يقال: قلتُ قوْلًا وقيلًا وقالًا.

قال: وسمعتُ الكسائي يقول في قراءة عبد الله: (ذلك عيسى بن مريم قال الحق)

تهذيب اللغة-أبومنصور الأزهري-توفي: 370هـ/980م


انتهت النتائج