1-العربية المعاصرة (حسر)
حسَرَ يَحسُر، حُسورًا، فهو حاسر، والمفعول مَحْسور (للمتعدِّي).* حسَر الشَّيءُ: انكشفَ وظهر (حسر رأسُه).
* حسَر الماءُ: نضب عن موضعه وغار.
* حسَر القومُ فلانًا: سألوه فأعطاهم حتى لم يبق عنده شيء {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [قرآن].
* حسَر الشَّيءَ عن الشَّيءِ: أزاله عنه فانكشف (حسَر كُمَّه عن ذراعه: رفعه- حسَرت الجاريةُ خِمَارها عن وجهها) (*) حسرتُ حقيقةَ الأمر- حسَر قِناعَ الهمِّ عنِّي.
حسُرَ يَحسُر، حَسارةً، فهو حَسير.
* حسُر البصرُ: كلَّ وضعف وأعيا {يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ} [قرآن].
حسِرَ/حسِرَ على يَحسَر، حَسَرًا وحَسْرَةً، فهو حَسْرانُ/حَسْرانٌ، والمفعول مَحْسور عليه.
* حسِر الشَّخصُ: حزِن وأسف.
* حسِر على الشَّيءِ: تلهَّف، أسِف وحزِن عليه (حسِر على شبابه وعلى العمر الضَّائع- *أورثتنا حُزْنًا عليك وحَسْرَة*- {وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [قرآن]).
استحسرَ يستحسر، استحسارًا، فهو مُستحسِر.
* استحسر الرَّجلُ: كَلَّ وتعِب {وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ} [قرآن].
انحسرَ/انحسرَ عن ينحسر، انْحِسارًا، فهو مُنْحَسِر، والمفعول مُنْحَسَر عنه.
* انحسر الشَّيءُ:
1 - مُطاوع حسَرَ: انكشف، زال وتقلَّص (انحسر الثلجُ- انحسرت موجةُ الحَرِّ- انحسر ظِلُّه: زال- انحسر عنه الظَّلامُ- جبين منحسِر: مكشوف).
2 - ارتدّ وتراجَع (أدّى انحسارُ المفهوم الإسلاميّ للحكم إلى ظهور نزعات إقليميّة ضيّقة).
* انحسر الماءُ عن السَّاحل: ارتدّ حتَّى بدتِ الأرضُ (انحسروا عن القاعة كما ينحسر البحرُ عن جَزْر شديد).
تحسَّرَ على يتحسَّر، تَحَسُّرًا، فهو مُتَحَسِّر، والمفعول مُتَحَسَّر عليه.
* تحسَّر على خطاياه: مُطاوع حسَّرَ: حزِن عليها وندم (تحسَّر أسفًا/ندمًا- تحسَّر على شبابه بعد ما أتاه المشيب- ما وقع قد وقع، ولا يفيد اجترار الماضي والتّحسُّر عليه).
حسَّرَ يحسِّر، تَحْسِيرًا، فهو مُحَسِّر، والمفعول مُحَسَّر.
* حسَّر فلانًا: أوقعه في الحَسْرة أو حمله عليها (ذكَّره بما أضاع من فرص فحسَّره عليها).
انْحِسار [مفرد]: جمعه انحسارات (لغير المصدر):
1 - مصدر انحسرَ/انحسرَ عن.
2 - [في الجغرافيا] تراجعٌ تدريجيّ للبحر الضَّحل ينتج إمّا عن بروز اليابسة، أو عن هبوط قعر البحر.
حاسِر [مفرد]: جمعه حاسرون (للمذكّر) وحُسَّر وحواسِرُ، والمؤنث حاسِر، والجمع المؤنث حاسرات وحُسَّر وحواسِرُ: اسم فاعل من حسَرَ.
* الحاسر من الرِّجال: من لا غِطاءَ على رأسه، مكشوف الرَّأس (محارب حاسر: لا درع ولا خوذة على رأسه).
* الحاسر من النِّساء:
1 - مكشوفة الرَّأس والذِّراعين.
2 - من ألقت عنها ثيابَها (*) ثَوْبٌ حاسِر: ثوب نسائيّ يرتفع إلى ما فوق الرُّكبة- حاسِرُ البصر: قصير النَّظَر، قليل البصر.
حَسار [مفرد]: [في النبات] عُشْبة خضراء مُعَمَّرة تنسطّح على الأرض، وهي من الفصيلة الصَّليبيّة، تَنْبت في المناطق الرَّمليّة، أوراقها مفصَّصة تفصيصًا ريشيًّا، تُولع بأكلها الماشيةُ (رَعَتِ الماشيةُ الحَسارَ).
حَسارة [مفرد]: مصدر حسُرَ.
حَسَر [مفرد]:
1 - مصدر حسِرَ/حسِرَ على.
2 - [في الطب] ضعف أو إرهاق يصيب البصرَ، لا يسمح برؤية الأشياء إلاّ إذا اقتربَتْ من العين، يصاحبه صداع (أصابه حَسَر من كثرة القراءة).
حَسْرانُ/حَسْرانٌ [مفرد]: جمعه حَسارى/حسرانون، والمؤنث حَسْرَى/حَسْرانة، والجمع المؤنث حَسارى/حَسْرانات: صفة مشبَّهة تدلّ على الثبوت من حسِرَ/حسِرَ على.
حَسْرَة [مفرد]: جمعه حَسَرات (لغير المصدر) وحَسْرات (لغير المصدر):
1 - مصدر حسِرَ/حسِرَ على.
2 - شدَّة التَّلهُّف والحزن على شيء فات {يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [قرآن] (*) ذاب أسًى وحَسْرَة- واحسرتا/يا حسرتا/واحسرتاه/يا للحسرة: عبارة تقال تعبيرًا عن الحزن لمُصابٍ وقع- يا حسرتي: أسلوب تحسّر وندم- يذوب قلبُه حسرات.
* يوم الحَسْرة: يوم القيامة {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ} [قرآن].
حُسُور [مفرد]: مصدر حسَرَ.
* حُسُور البصر: قِصَرُه.
حَسير [مفرد]: جمعه حَسْرَى، والمؤنث حَسِير، والجمع المؤنث حَسْرَى:
1 - صفة مشبَّهة تدلّ على الثبوت من حسُرَ: كليل مُجهَد وضعيف من طول نظر أو نحوِه (*) عيون حسرى.
2 - شديد النّدامة على أمر فاته.
العربية المعاصرة-أحمد مختار عمر وآخرون-صدر: 1429هـ/2008م
2-المعجم الوسيط (اسْتَحْسَرَ)
[اسْتَحْسَرَ]: تعِب و- مَلّ.وفي التنزيل العزيز: {لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُون} [الأنبياء: 19].
المعجم الوسيط-مجمع اللغة العربية بالقاهرة-صدر: 1379هـ/1960م
3-شمس العلوم (الاستحسار)
الكلمة: الاستحسار. الجذر: حسر. الوزن: الِاسْتِفْعَال.[الاستحسار]: استحسر: أي أعيا، قال الله تعالى: يَسْتَحْسِرُونَ.
شمس العلوم-نشوان بن سعيد الحميري-توفي: 573هـ/1177م
4-المعجم الاشتقاقي المؤصل (حسر)
(حسر): {وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ} [الأنبياء: 19]انحسرت الطير: خرجت من الريش القديم إلى الحديث. وتَحسَّر الويرُ عن البعير والشعرُ عن الحمار: سَقَط. وحَسَر الغصنَ (ضرب): قشره، والبيتَ: كنسه. والحاسر (من الحاربين) خلافُ الدارع، والذي لا بيضةَ علي رأسه.
° المعنى المحوري
زوال ما ينبت أو يلزم لتغطية الشيء تغطيه لازمة لحفظ قوامه زوالًا متواليًا أو بالغًا. كزوال الريش والوبر والشعر مرة بعد أخرى، وقَشر الغصن، وعدم الدرع والبيضة، إذ المفروض أو المعتاد أن يلبسهما المحارب فكأنهما كانا فزالا.
ومن زوال ما له أثر من جنس الحفظ والحماية (الريش والوبر إلخ) قالوا "حَسرَت الدابة (تعب): أعيت وكَلّت تَعِبت حتى تُنْقِى: يذهب نخاع عظمها ويَدِق قَصَبها. وحَسَرُ البصَر: كَلالُه " {يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ} [الملك: 4] واستحسرت لناقة: أَعْيَتْ. {وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ} [الأنبياء: 19]: لا يَعْيَوْن [ابن قتيبة 285، طب 9/ 17، قر 4/ 247، 18/ 210، 11/ 277، وقال في [5 1/ 23] {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ} [مريم: 39]: حقيقة الحسرة أن يلحقه من الندم ما يصير به حسيرًا. (وأرى ذلك من تبين
انقطاع القوة والحَول بعد فَوت الفرصة أي شعور باطني بالغ الحدّة بالندم لإضاعتهم سبب السعادة الأبدية الذي كان متاحًا، مع عدم فرصة استدراك الأمر) وهذا معنى كل كلمة (حسرة). وفي {فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [الإسراء: 29] فتبقى محسورا منقطعا عن النفقة والتصرف كما يكون البعير الحسير، وهو الذي ذهبت قوّته فلا انبعاث به.. [قر 10/ 251] ثم استبعد أن يكون من الندم لأن الوصف من الحسرة حَسِر وحسران لا محسور.
المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن الكريم-محمد حسن حسن جبل-صدر: 1432هـ/2010م
5-موسوعة الفقه الكويتية (تنزيه)
تَنْزِيهٌالتَّعْرِيفُ:
1- التَّنْزِيهُ عَنِ الْمَكْرُوهِ: التَّبْعِيدُ عَنْهُ.
وَتَنْزِيهُ اللَّهِ تَعَالَى: تَبْعِيدُهُ عَمَّا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ مِنَ النَّقَائِصِ،
وَأَصْلُ النَّزْهِ: الْبُعْدُ.
وَالتَّنَزُّهُ: التَّبَاعُدُ وَمِنْهُ فُلَانٌ يَتَنَزَّهُ عَنِ الْأَقْذَارِ: أَيْ يُبَاعِدُ نَفْسَهُ عَنْهَا.
قَالَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ: وَأَرْضٌ نَزْهَةٌ وَنَزِهَةٌ وَنَزِيهَةٌ: بَعِيدَةٌ عَنِ الرِّيفِ وَغَمَقِ الْمِيَاهِ وَذِبَّانِ الْقُرَى وَوَمَدِ الْبِحَارِ وَفَسَادِ الْهَوَاءِ.
وَمِثْلُ التَّنْزِيهِ التَّقْدِيسُ وَالتَّكْرِيمُ وَمِنْهُ اسْمُهُ تَعَالَى (الْقُدُّوسُ) وَمِنْهُ (الْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ).
وَلَا يَخْرُجُ الْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيُّ لِلْكَلِمَةِ عَنْ مَعْنَاهَا اللُّغَوِيِّ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
1- تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعَالَى:
2- أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ وَتَوَاتَرَتِ الْأَدِلَّةُ عَلَى تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعَالَى عَنِ الشَّرِيكِ، وَعَنِ الْوَلَدِ، وَالْوَالِدِ، وَالزَّوْجِ، وَعَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ أَشْرَكَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَهُوَ كَافِرٌ.قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ}.وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}.
وَقَالَ تَعَالَى {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا}.
3- كَمَا اتَّفَقَ أَهْلُ الْمِلَّةِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، لَا فِي ذَاتِهِ، وَلَا فِي صِفَاتِهِ، وَلَا فِي أَفْعَالِهِ، مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ، مُنَزَّهٌ عَنْ صِفَاتِ النَّقْصِ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَنْطِقَ فِي ذَاتِ اللَّهِ بِشَيْءٍ، بَلْ يَصِفُهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَاعْتِقَادُ اتِّصَافِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالنَّقْصِ صَرِيحًا كُفْرٌ، وَأَمَّا اعْتِقَادُ أَمْرٍ يَلْزَمُ مِنْهُ النَّقْصُ أَوْ يُفْهَمُ بِطَرِيقِ الِاجْتِهَادِ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ؛ لِأَنَّ لَازِمَ الْقَوْلِ لَيْسَ بِقَوْلٍ.
وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، وَالْمُتَكَلِّمِينَ قَالُوا: هُمْ فُسَّاقٌ عُصَاةٌ ضُلاَّلٌ.
4- وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا سَبَّ اللَّهَ يُقْتَلُ، لِأَنَّهُ بِذَلِكَ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ، وَأَسْوَأُ مِنَ الْكَافِرِ، فَإِنَّ الْكَافِرَ يُعَظِّمُ الرَّبَّ، وَيَعْتَقِدُ أَنَّ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ الْبَاطِلِ لَيْسَ بِاسْتِهْزَاءٍ بِاَللَّهِ وَلَا مَسَبَّةٍ لَهُ.
وَاخْتُلِفَ فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى قَبُولِهَا.
وَكَذَا مَنْ سَخِرَ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ بِأَمْرِهِ، أَوْ بِوَعْدِهِ، أَوْ وَعِيدِهِ كَفَرَ.
وَأَمَّا الذِّمِّيُّ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: الَّذِي عَلَيْهِ عَامَّةُ الْمُتَقَدِّمِينَ (أَيْ مِنْ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ) وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ إِقْرَارُ نُصُوصِ أَحْمَدَ عَلَى حَالِهَا وَهُوَ قَدْ نَصَّ فِي مَسَائِلِ سَبِّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ عَلَى انْتِقَاضِ الْعَهْدِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَعَلَى أَنَّهُ يُقْتَلُ وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ (سَبٌّ).
2- تَنْزِيهُ الْأَنْبِيَاءِ- ((:
أ- عَنِ الْخَطَأِ أَوِ الْكَذِبِ فِي الرِّسَالَةِ:
5- أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الرُّسُلَ وَالْأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ عَنِ الْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ- وَلَوْ قَلَّتْ- وَالْعِصْمَةُ لَهُمْ وَاجِبَةٌ.
وَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ أَلاَّ يُبَلِّغُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ، أَوْ يُخْبِرُوا عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ بِخِلَافِ مَا هُوَ بِهِ، لَا قَصْدًا وَعَمْدًا، وَلَا سَهْوًا، وَغَلَطًا فِيمَا يُبَلِّغُ.
أَمَّا تَعَمُّدُ الْخُلْفِ فِي ذَلِكَ فَمُنْتَفٍ، بِدَلِيلِ الْمُعْجِزَةِ الْقَائِمَةِ مَقَامَ قَوْلِ اللَّهِ فِيمَا قَالَ- اتِّفَاقًا- وَبِإِطْبَاقِ أَهْلِ الْمِلَّةِ- إِجْمَاعًا- وَكَذَا لَا يَجُوزُ وُقُوعُهُ عَلَى جِهَةِ الْغَلَطِ- إِجْمَاعًا-
وَالنَّبِيُّ مَعْصُومٌ عَنِ الْكَذِبِ فِي أَقْوَالِهِ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا؛ لِأَنَّ الْكَذِبَ مَتَى عُرِفَ مِنْ أَحَدٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَخْبَارِ- عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ- اُسْتُرِيبَ بِخَبَرِهِ وَاتُّهِمَ فِي حَدِيثِهِ، وَلَمْ يَقَعْ قَوْلُهُ فِي النُّفُوسِ مَوْقِعًا.
ب- تَنْزِيهُ الْأَنْبِيَاءِ عَنِ السَّبِّ وَالِاسْتِهْزَاءِ:
6- كُلُّ مَنْ سَبَّ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، أَوْ عَابَهُ، أَوْ أَلْحَقَ بِهِ نَقْصًا فِي نَفْسِهِ، أَوْ نَسَبِهِ أَوْ دِينِهِ، أَوْ خَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِهِ، أَوْ عَرَّضَ بِهِ، أَوْ شَبَّهَهُ بِشَيْءٍ عَلَى طَرِيقِ السَّبِّ لَهُ، أَوِ الْإِزْرَاءِ بِهِ، أَوِ التَّصْغِيرِ لِشَأْنِهِ، أَوِ الْغَضِّ مِنْهُ، أَوِ الْعَيْبِ لَهُ، فَهُوَ كَافِرٌ.
وَكَذَلِكَ مَنْ لَعَنَهُ، أَوْ دَعَا عَلَيْهِ، أَوْ تَمَنَّى مَضَرَّةً لَهُ، أَوْ نَسَبَ إِلَيْهِ مَا لَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِهِ عَلَى طَرِيقِ الذَّمِّ، أَوْ عَبِثَ فِي جِهَتِهِ الْعَزِيزَةِ بِسُخْفٍ مِنَ الْكَلَامِ وَهَجْرٍ، وَمُنْكَرٍ مِنَ الْقَوْلِ وَزُورٍ، أَوْ عَيَّرَهُ بِشَيْءٍ مِمَّا جَرَى مِنَ الْبَلَاءِ وَالْمِحْنَةِ عَلَيْهِ، أَوْ غَمَصَهُ بِبَعْضِ الْعَوَارِضِ الْبَشَرِيَّةِ الْجَائِزَةِ وَالْمَعْهُودَةِ لَدَيْهِ.
قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ سَبَّ اللَّهَ، أَوْ رَسُولًا مِنْ رُسُلِهِ، أَوْ دَفَعَ شَيْئًا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَوْ قَتَلَ نَبِيًّا مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ كَافِرٌ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مُقِرًّا بِكُلِّ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ.
وَالسَّابُّ إِنْ كَانَ مُسْلِمًا فَإِنَّهُ يَكْفُرُ وَيُقْتَلُ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا فَإِنَّهُ يُقْتَلُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: لَا يُقْتَلُ، وَلَكِنْ يُعَزَّرُ عَلَى إِظْهَارِ ذَلِكَ.وَلِلتَّفْصِيلِ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (سَبٌّ).
تَنْزِيهُ الْمَلَائِكَةِ:
7- أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ مُؤْمِنُونَ مُكَرَّمُونَ، وَاتَّفَقَ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْمُرْسَلِينَ مِنْهُمْ حُكْمُ النَّبِيِّينَ فِي الْعِصْمَةِ وَالتَّبْلِيغِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي غَيْرِ الْمُرْسَلِينَ مِنْهُمْ، وَالصَّوَابُ عِصْمَةُ جَمِيعِهِمْ، وَتَنْزِيهُ مَقَامِهِمِ الرَّفِيعِ عَنْ جَمِيعِ مَا يَحُطُّ مِنْ رُتْبَتِهِمْ وَمَنْزِلَتِهِمْ عَنْ جَلِيلِ مِقْدَارِهِمْ.
وَأَدِلَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ قوله تعالى {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} وَقَوْلُهُ {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتَرُونَ}
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: مَنْ سَبَّ أَحَدًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِمْ أَوْ جُمْلَتِهِمْ يُقْتَلُ.
تَنْزِيهُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ:
أ- تَنْزِيهُ الْقُرْآنِ عَنِ التَّحْرِيفِ وَالتَّبْدِيلِ:
8- الْقُرْآنُ مَحْفُوظٌ عَنِ التَّحْرِيفِ وَالتَّبْدِيلِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ تَعَالَى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} وَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا}.
فَمَنْ جَحَدَ حَرْفًا مِنَ الْقُرْآنِ آيَةً، أَوْ كَذَّبَ بِهِ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْهُ، أَوْ كَذَّبَ بِشَيْءٍ مِمَّا صَرَّحَ بِهِ فِيهِ مِنْ حُكْمٍ أَوْ خَبَرٍ، أَوْ أَثْبَت مَا نَفَاهُ، أَوْ نَفَى مَا أَثْبَتَهُ عَلَى عِلْمٍ مِنْهُ بِذَلِكَ، أَوْ شَكَّ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ كَافِرٌ.
ب- تَنْزِيهُ الْقُرْآنِ عَنِ الِامْتِهَانِ:
9- مَنِ اسْتَخَفَّ بِالْقُرْآنِ أَوِ الْمُصْحَفِ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْهُ، أَوْ سَبَّ شَيْئًا مِنْهُ، أَوْ أَلْقَاهُ فِي الْقَاذُورَاتِ، أَوْ أَلْقَى وَرَقَةً فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ، أَوْ لَطَّخَ الْمُصْحَفَ بِنَجَسٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، وَلَا قَرِينَةَ تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الِاسْتِهْزَاءِ- وَإِنْ ضَعُفَتْ- فَهُوَ كَافِرٌ، بِإِجْمَاعِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ.
وَلَا تَجُوزُ كِتَابَةُ الْقُرْآنِ بِشَيْءٍ نَجِسٍ،
كَمَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْدِثِ مَسُّ الْمُصْحَفِ وَحَمْلُهُ.
ج- تَنْزِيهُ الْقُرْآنِ عَنِ الْوُقُوعِ فِي أَيْدِي الْكُفَّارِ:
10- تَحْرُمُ الْمُسَافَرَةُ بِالْمُصْحَفِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ إذَا خِيفَ وُقُوعُهُ فِي أَيْدِيهِمْ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- نَهَى أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ».
وَيَحْرُمُ بَيْعُ الْمُصْحَفِ مِنَ الْكَافِرِ.
تَنْزِيهُ كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ:
11- يَجِبُ تَنْزِيهُ كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ عَنِ الِامْتِهَانِ.
فَمَنْ أَلْقَى وَرَقَةً فِيهَا شَيْءٌ مِنْ عِلْمٍ شَرْعِيٍّ، أَوْ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى، أَوِ اسْمُ نَبِيٍّ، أَوْ مَلَكٍ، فِي نَجَاسَةٍ، أَوْ لَطَّخَ ذَلِكَ بِنَجَسٍ- وَلَوْ مَعْفُوًّا عَنْهُ- حُكِمَ بِكُفْرِهِ، إذَا قَامَتِ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْإِهَانَةَ لِلشَّرْعِ. وَرَأَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وُجُوبَ صِيَانَةِ كُتُبِ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ عَنِ الْوُقُوعِ بِأَيْدِي الْكُفَّارِ- سَوَاءٌ بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ- خَوْفًا عَلَيْهَا مِنَ الِامْتِهَانِ.وَالْمَسْأَلَةُ خِلَافِيَّةٌ وَيُرْجَعُ إلَيْهَا فِي أَبْوَابِ الْجِهَادِ وَالْبَيْعِ.
تَنْزِيهُ الصَّحَابَةِ:
12- قَالَ السُّيُوطِيّ: الصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ عُدُولٌ، مَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ وَغَيْرَهُمْ بِإِجْمَاعِ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ» قَالَ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} أَيْ عُدُولًا، وَقَالَ تَعَالَى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} وَالْخِطَابُ فِيهَا لِلْمَوْجُودِينَ حِينَئِذٍ، وَقَالَ- صلى الله عليه وسلم-: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي».
قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَالسَّبَبُ فِي عَدَمِ الْفَحْصِ عَنْ عَدَالَتِهِمْ: أَنَّهُمْ حَمَلَةُ الشَّرِيعَةِ، فَلَوْ ثَبَتَ تَوَقُّفٌ فِي رِوَايَتِهِمْ لَانْحَصَرَتِ الشَّرِيعَةُ عَلَى عَصْرِهِ- صلى الله عليه وسلم- وَلمَا اسْتَرْسَلَتْ عَلَى سَائِرِ الْأَعْصَارِ، وَقِيلَ: يَجِبُ الْبَحْثُ عَنْ عَدَالَتِهِمْ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: بَعْدَ وُقُوعِ الْفِتَنِ.
وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: عُدُولٌ إلاَّ مَنْ قَاتَلَ عَلِيًّا، وَقِيلَ: إذَا انْفَرَدَ، وَقِيلَ: إلاَّ الْمُقَاتِلَ وَالْمُقَاتَلَ، وَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ بِصَوَابٍ إحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ وَحَمْلًا لَهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى الِاجْتِهَادِ الْمَأْجُورِ فِيهِ كُلٌّ مِنْهُمْ.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ الْبُرْهَانِ: لَسْنَا نَعْنِي بِقَوْلِنَا: الصَّحَابَةُ عُدُولٌ «كُلَّ مَنْ رَآهُ- صلى الله عليه وسلم- يَوْمًا مَا أَوْ زَارَهُ لِمَامًا، أَوِ اجْتَمَعَ بِهِ لِغَرَضٍ وَانْصَرَفَ، وَإِنَّمَا نَعْنِي بِهِ الَّذِينَ لَازَمُوهُ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ.قَالَ الْعَلَائِيُّ: وَهَذَا قَوْلٌ غَرِيبٌ يُخْرِجُ كَثِيرًا مِنَ الْمَشْهُورِينَ بِالصُّحْبَةِ وَالرِّوَايَةِ عَنِ الْحُكْمِ بِالْعَدَالَةِ، كَوَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، وَمَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ وَغَيْرِهِمْ، مِمَّنْ وَفَدَ عَلَيْهِ- صلى الله عليه وسلم- وَلَمْ يُقِمْ عِنْدَهُ إلاَّ قَلِيلًا وَانْصَرَفَ، وَكَذَلِكَ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ إلاَّ بِرِوَايَةِ الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ وَمَنْ لَمْ يُعْرَفْ مِقْدَارُ إقَامَتِهِ مِنْ أَعْرَابِ الْقَبَائِلِ، وَالْقَوْلُ بِالتَّعْمِيمِ هُوَ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الْجُمْهُورُ وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلَاتٌ أُخْرَى تُنْظَرُ فِي الْمُلْحَقِ الْأُصُولِيِّ.
وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ الْحَنْبَلِيُّ: يَجِبُ حُبُّ كُلِّ الصَّحَابَةِ، وَالْكَفُّ عَمَّا جَرَى بَيْنَهُمْ- كِتَابَةً، وَقِرَاءَةً، وَإِقْرَاءً، وَسَمَاعًا، وَتَسْمِيعًا- وَيَجِبُ ذِكْرُ مَحَاسِنِهِمْ، وَالتَّرَضِّي عَنْهُمْ، وَالْمَحَبَّةُ لَهُمْ، وَتَرْكُ التَّحَامُلِ عَلَيْهِمْ، وَاعْتِقَادُ الْعُذْرِ لَهُمْ، وَأَنَّهُمْ إنَّمَا فَعَلُوا مَا فَعَلُوا بِاجْتِهَادٍ سَائِغٍ لَا يُوجِبُ كُفْرًا وَلَا فِسْقًا، بَلْ رُبَّمَا يُثَابُونَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ اجْتِهَادٌ سَائِغٌ.
13- وَسَبُّ آلِ بَيْتِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- وَأَزْوَاجِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَتَنَقُّصُهُمْ حَرَامٌ.قَالَ- صلى الله عليه وسلم-: «اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا بَعْدِي، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي، فَقَدْ آذَى اللَّهَ، وَمَنْ آذَى اللَّهَ يُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ».
وَقَالَ السُّبْكِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ:
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ فِيمَا إذَا سَبَّهُ لِأَمْرٍ خَاصٍّ بِهِ.أَمَّا لَوْ سَبَّهُ لِكَوْنِهِ صَحَابِيًّا فَيَنْبَغِي الْقَطْعُ بِتَكْفِيرِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ اسْتِخْفَافٌ بِحَقِّ الصُّحْبَةِ، وَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالنَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم-.
وَاخْتَلَفُوا فِي كُفْرِ مَنْ سَبَّ الشَّيْخَيْنِ، وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ تَكْفِيرُ مَنْ سَبَّ الشَّيْخَيْنِ أَوْ أَحَدَهُمَا، وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ عَلَى خِلَافِهِ.
قَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيَّ: إذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَنْتَقِصُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- فَاعْلَمْ أَنَّهُ زِنْدِيقٌ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ- صلى الله عليه وسلم- عِنْدَنَا حَقٌّ، وَالْقُرْآنَ حَقٌّ، وَإِنَّمَا أَدَّى إلَيْنَا هَذَا الْقُرْآنَ وَالسُّنَنَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-، وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ أَنْ يَجْرَحُوا شُهُودَنَا لِيُبْطِلُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وَالْجَرْحُ أَوْلَى بِهِمْ، وَهُمْ زَنَادِقَةٌ.
تَنْزِيهُ نِسَاءِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم-:
14- مَنْ قَذَفَ عَائِشَةَ بِمَا بَرَّأَهَا اللَّهُ مِنْهُ كَفَرَ بِلَا خِلَافٍ، وَقَدْ حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى هَذَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ.
رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ سَبَّ أَبَا بَكْرٍ جُلِدَ، وَمَنْ سَبَّ عَائِشَة قُتِلَ، قِيلَ لَهُ: لِمَ؟ قَالَ: مَنْ رَمَاهَا فَقَدْ خَالَفَ الْقُرْآنَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}.
وَهَلْ تُعْتَبَرُ سَائِرُ زَوْجَاتِ الرَّسُولِ- صلى الله عليه وسلم- كَعَائِشَةَ؟ فِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَسَابِّ غَيْرِهِنَّ مِنَ الصَّحَابَةِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ مَنْ قَذَفَ وَاحِدَةً مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فَهُوَ كَقَذْفِ عَائِشَةَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا فِيهِ عَارٌ وَغَضَاضَةٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- وَأَذًى لَهُ أَعْظَمُ مِنْ أَذَاهُ بِنِكَاحِهِنَّ بَعْدَهُ قَالَ تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ}.
وَاخْتَارَ الثَّانِيَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ.
تَنْزِيهُ مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةَ:
15- يَتَأَكَّدُ وُجُوبُ تَرْكِ الْمَعَاصِي فِي مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةَ وَحَرَمِهَا؛ لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ أَشَدُّ فِيهَا مِنْ غَيْرِهَا لقوله تعالى: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}.
قَالَ مُجَاهِدٌ: تُضَاعَفُ السَّيِّئَاتُ بِمَكَّةَ كَمَا تُضَاعَفُ الْحَسَنَاتُ.
وَيَجِبُ تَنْزِيهُهَا عَنِ الْقِتَالِ فِيهَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ فِيهِ، فَقُولُوا إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ».
16- وَيَجِبُ تَنْزِيهُهَا عَنْ حَمْلِ السِّلَاحِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- «لَا يَحِلُّ لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَحْمِلَ بِمَكَّةَ السِّلَاحَ».
17- وَيَجِبُ تَنْزِيهُهَا عَنْ دُخُولِ الْكُفَّارِ.قَالَ تَعَالَى: {إنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا}
فَقَدْ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّ الْكَافِرَ لَا يُمَكَّنُ مِنْ دُخُولِ حَرَمِ مَكَّةَ، لَا مُقِيمًا وَلَا مَارًّا بِهِ.
وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ يُمْنَعُ الْكَافِرُ مِنِ اسْتِيطَانِ مَكَّةَ، وَلَكِنْ لَوْ دَخَلَ بِتِجَارَةٍ جَازَ وَلَا يُطِيلُ.
تَنْزِيهُ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ:
18- يَجِبُ تَنْزِيهُ الْمَدِينَةِ عَنْ إرَادَةِ أَهْلِهَا بِسُوءٍ فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-: «لَا يُرِيدُ أَحَدٌ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِسُوءٍ إلاَّ أَذَابَهُ اللَّهُ فِي النَّارِ ذَوْبَ الرَّصَاصِ أَوْ ذَوْبَ الْمِلْحِ فِي الْمَاءِ».
وَيَجِبُ تَنْزِيهُهَا عَنِ الْإِحْدَاثِ فِيهَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ».
تَنْزِيهُ الْمَسَاجِدِ عَنِ النَّجَاسَاتِ وَالْقَاذُورَاتِ:
19- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ عَلَى وُجُوبِ تَنْزِيهِ الْمَسَاجِدِ عَنِ النَّجَاسَاتِ وَالْقَاذُورَاتِ.
فَلَا يَجُوزُ إدْخَالُ النَّجَاسَةِ إلَى الْمَسْجِدِ، أَوْ أَنْ يَدْخُلَهُ مَنْ عَلَى بَدَنِهِ أَوْ ثِيَابِهِ نَجَاسَةٌ، أَوْ جِرَاحَةٌ، وَقَيَّدَهُ الشَّافِعِيَّةُ بِخَشْيَةِ تَلْوِيثِ الْمَسْجِدِ، كَمَا لَا يَجُوزُ بِنَاؤُهُ بِمُتَنَجِّسٍ.
وَلَا يَجُوزُ الْبَوْلُ وَالتَّغَوُّطُ فِيهِ لِقَوْلِهِ- صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ، وَلَا الْقَذَرِ، إنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ، وَالصَّلَاةِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ».
وَاخْتُلِفَ فِي اتِّخَاذِ إنَاءٍ لِلْبَوْلِ فِيهِ فِي الْمَسْجِدِ:
فَالْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ الْمَنْعُ، وَهُوَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ جَائِزٌ إذَا اتَّخَذَهُ الْبَائِتُ لَيْلًا فِي الْمَسْجِدِ إذَا خَافَ أَنْ يَسْبِقَهُ الْبَوْلُ قَبْلَ خُرُوجِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَتَحْرُمُ الْحِجَامَةُ وَالْفَصْدُ فِيهِ.
وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ فِيهِ الْجِمَاعُ لقوله تعالى:
{وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}.
وَيَجُوزُ الْوُضُوءُ فِي الْمَسْجِدِ إذَا أَمِنَ تَلْوِيثَهُ بِغُسَالَتِهِ، وَلَا تَجُوزُ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ الْعَالِقَةِ بِالْأَعْضَاءِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إلَى عَدَمِ حُرْمَةِ الْفُسَاءِ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْأَوْلَى اجْتِنَابُهُ لِقَوْلِهِ- صلى الله عليه وسلم-: «فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ».
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إلَى التَّحْرِيمِ حَمْلًا لِلْحَدِيثِ عَلَيْهِ.
وَلَا يَجُوزُ الْبُصَاقُ فِي الْمَسْجِدِ لِقَوْلِهِ- صلى الله عليه وسلم-: «الْبُزَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا». وَيُكْرَهُ إدْخَالُ الرَّوَائِحِ الْكَرِيهَةِ إلَى الْمَسَاجِدِ لِقَوْلِهِ- صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْنَا، أَوْ فَلْيَعْتَزِلْ مَسَاجِدَنَا».
وَتَفْصِيلُ هَذِهِ الْأَحْكَامِ فِي مُصْطَلَحَيْ: (مَسْجِدٌ وَنَجَاسَةٌ).
تَنْزِيهُ الْمَسَاجِدِ عَنْ دُخُولِ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ:
20- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ- مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ- عَلَى تَحْرِيمِ دُخُولِ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ الْمَسْجِدَ وَتَحْرِيمِ مُكْثِهِمَا فِيهِ.
وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ}.أَيْ لَا تَقْرَبُوا مَوْضِعَ الصَّلَاةِ وَهُوَ الْمَسْجِدُ حَالَةَ السُّكْرِ وَالْجَنَابَةِ.
كَمَا اسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ- رضي الله عنها-: «جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- وَوُجُوهُ بُيُوتِ أَصْحَابِنَا شَارِعَةٌ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ دَخَلَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم- وَلَمْ يَصْنَعِ الْقَوْمُ شَيْئًا رَجَاءَ أَنْ يَنْزِلَ لَهُمْ رُخْصَةٌ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ بَعْدُ فَقَالَ: وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنِ الْمَسْجِدِ فَإِنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ».
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ مُرُورِ الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ مِنَ الْمَسْجِدِ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهُويَهْ إِلَى تَحْرِيمِ مُرُورِ الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ فِي الْمَسْجِدِ.وَاسْتَدَلُّوا بِإِطْلَاقِ حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمِ حَيْثُ لَمْ يُقَيَّدِ التَّحْرِيمُ بِشَيْءٍ فَبَقِيَ عَلَى إِطْلَاقِهِ فَيُفِيدُ تَحْرِيمَ الْمُكْثِ وَالْمُرُورِ.
إِلاَّ أَنَّهُ يُبَاحُ لَهُمَا الْمُرُورُ لِلضَّرُورَةِ كَالْخَوْفِ عَلَى النَّفْسِ وَالْمَالِ.
وَحَمَلُوا قوله تعالى: {وَلَا جُنُبًا إلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ} عَلَى الْمُسَافِرِ الَّذِي لَا يَجِدُ الْمَاءَ فَيَتَيَمَّمُ.
وَالْمُرَادُ بِكَلِمَةِ» إِلاَّ «فِي الْآيَةِ» لَا «أَيْ: لَا عَابِرِي سَبِيلٍ. (وَالصَّلَاةُ) فِي الْآيَةِ الْمَقْصُودُ بِهَا حَقِيقَتُهَا لَا مَوَاضِعُهَا.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إذَا اُضْطُرَّ لِدُخُولِ الْمَسْجِدِ أَوِ الْمُكْثِ فِيهِ لِخَوْفٍ تَيَمَّمَ وُجُوبًا.نَقَلَ ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الْعِنَايَةِ: مُسَافِرٌ مَرَّ بِمَسْجِدٍ فِيهِ عَيْنُ مَاءٍ وَهُوَ جُنُبٌ وَلَا يَجِدُ غَيْرَهُ، فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ لِدُخُولِ الْمَسْجِدِ عِنْدَنَا.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا لَوِ احْتَلَمَ فِي الْمَسْجِدِ وَأَرَادَ الْخُرُوجَ تَيَمَّمَ نَدْبًا، فَالْحَنَفِيَّةُ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الدُّخُولِ فِي الْمَسْجِدِ وَالْخُرُوجِ مِنْهُ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى جَوَازِ مُرُورِ الْجُنُبِ فِي الْمَسْجِدِ لِحَاجَةٍ أَوْ لِغَيْرِ حَاجَةٍ.وَالْأَوْلَى عَدَمُ الْعُبُورِ إلاَّ لِحَاجَةٍ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَكَذَلِكَ جَوَازُ مُرُورِ الْحَائِضِ بِشَرْطِ أَنْ تَأْمَنَ تَلْوِيثَ الْمَسْجِدِ فَإِنْ خَافَتْ تَلْوِيثَهُ حَرُمَ عَلَيْهَا الْمُرُورُ.
وَبِجَوَازِ مُرُورِ الْجُنُبِ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ.
وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا جُنُبًا إلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ} أَيْ لَا تَقْرَبُوا مَوَاضِعَ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ عُبُورُ سَبِيلٍ إنَّمَا الْعُبُورُ فِي مَوْضِعِ الصَّلَاةِ وَهُوَ الْمَسْجِدُ.
كَمَا اسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ جَابِرٍ- رضي الله عنه- قَالَ: كَانَ أَحَدُنَا يَمُرُّ فِي الْمَسْجِدِ جُنُبًا مُجْتَازًا وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ».
وَذَهَبَ الْمُزَنِيّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ إِلَى جَوَازِ مُكْثِ الْجُنُبِ فِي الْمَسْجِدِ مُطْلَقًا.مُسْتَدِلِّينَ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «الْمُسْلِمُ لَا يَنْجُسُ» وَبِأَنَّ الْمُشْرِكَ يَمْكُثُ فِي الْمَسْجِدِ، فَالْمُسْلِمُ الْجُنُبُ أَوْلَى، وَبِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّحْرِيمِ وَلَيْسَ لِمَنْ حَرَّمَ دَلِيلٌ صَحِيحٌ صَرِيحٌ.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُ الْأَحْكَامِ فِي مُصْطَلَحِ: (مَسْجِدٌ، جَنَابَةٌ، حَيْضٌ).
تَنْزِيهُ الْمَسَاجِدِ عَنِ الْخُصُومَةِ وَرَفْعِ الصَّوْتِ:
21- تُكْرَهُ الْخُصُومَةُ فِي الْمَسْجِدِ، وَرَفْعُ الصَّوْتِ، وَنِشْدَانُ الضَّالَّةِ، وَالْبَيْعُ، وَالْإِجَارَةُ، وَنَحْوُهَا مِنَ الْعُقُودِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلْ: لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْك، فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا» وَفِي رِوَايَةٍ «إذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ، أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا: لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ فِيهِ ضَالَّةً فَقُولُوا: لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْك».
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ بَيْنَ كَرَاهَةٍ وَتَحْرِيمٍ، وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (مَسْجِدٌ).
تَنْزِيهُ الْمَسَاجِدِ عَنِ الْمَجَانِينِ وَالصِّبْيَانِ:
22- يُكْرَهُ إدْخَالُ الْبَهَائِمِ، وَالْمَجَانِينِ، وَالصِّبْيَانِ الَّذِينَ لَا يُمَيِّزُونَ الْمَسْجِدَ، لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ تَلْوِيثُهُمْ إيَّاهُ.وَلَا يَحْرُمُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- صَلَّى حَامِلًا أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ- رضي الله عنهما- وَكَذَلِكَ طَافَ عَلَى بَعِيرٍ».
وَهُنَاكَ أَحْكَامٌ أُخْرَى كَثِيرَةٌ تَتَعَلَّقُ بِتَنْزِيهِ الْمَسَاجِدِ تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (مَسْجِدٌ).
موسوعة الفقه الكويتية-وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت-صدرت بدءًا من: 1404هـ/1984م
6-موسوعة الفقه الكويتية (ملائكة)
مَلَائِكَةٌالتَّعْرِيفُ:
1- الْمَلَائِكَةُ جَمْعُ الْمَلَكِ بِفَتْحَتَيْنِ، وَهُوَ وَاحِدُ الْمَلَائِكَةِ، قِيلَ: مُخَفَّفٌ مِنْ مَالَكٍ، قَالَ الْكِسَائِيُّ: أَصْلُهُ مَأْلَكٌ بِتَقْدِيمِ الْهَمْزَةِ مِنَ الْأُلُوكِ وَهِيَ الرِّسَالَةُ، ثُمَّ قُلِبَتْ وَقُدِّمَتِ اللاَّمُ وَقِيلَ: أَصْلُهُ الْمَلْكُ بِفَتْحِ ثُمَّ سُكُونٍ: وَهُوَ الْأَخْذُ بِقُوَّةٍ، وَأَصْلُ وَزْنِهِ مَفْعَلٌ فَتُرِكَتِ الْهَمْزَةُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَظَهَرَتْ فِي الْجَمْعِ، وَزِيدَتِ الْهَاءُ إِمَّا لِلْمُبَالَغَةِ وَإِمَّا لِتَأْنِيثِ الْجَمْعِ.
وَفِي الِاصْطِلَاحِ: الْمَلَكُ جِسْمٌ لَطِيفٌ نُورَانِيٌّ يَتَشَكَّلُ بِأَشْكَالٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَمَسْكَنُهَا السَّمَاوَاتُ.
الْأَلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ- الْإِنْسُ:
2- الْإِنْسُ فِي اللُّغَةِ: جَمَاعَةُ النَّاسِ، وَالْوَاحِدُ إِنْسِيٌّ وَأَنَسِيٌّ بِالتَّحْرِيكِ، وَهُمْ بَنُو آدَمَ، وَالْإِنْسِيُّ يَقْتَضِي مُخَالَفَةَ الْوَحْشِيِّ، وَالنَّاسُ يَقُولُونَ: إِنْسِيٌّ وَوَحْشِيٌّ.
وَلَا يَخْرُجُ الْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْإِنْسِ: أَنَّ الْمَلَائِكَةَ خُلِقُوا مِنْ نُورٍ، وَلَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ، وَيَعْبُدُونَ اللَّهَ وَيُطِيعُونَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْإِنْسُ.
ب- الْجِنُّ:
3- الْجِنُّ فِي اللُّغَةِ: خِلَافُ الْإِنْسِ، وَالْجَانُّ: الْوَاحِدَةُ مِنَ الْجِنِّ، وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ جِنًّا لِاسْتِتَارِهِمْ عَنِ الْعُيُونِ، يُقَالُ: جَنَّ اللَّيْلُ: إِذَا سَتَرَ.
وَلَا يَخْرُجُ الْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَهُ قُوَّةُ التَّشَكُّلِ بِأَشْكَالٍ مُخْتَلِفَةٍ.
الْحُكْمُ الْإِجْمَالِيُّ لِلْمَلَائِكَةِ:
وَرَدَتْ فِي الْمَلَائِكَةِ أَحْكَامٌ مِنْهَا:
أَوَّلًا- الْإِيمَانُ بِالْمَلَائِكَةِ
4- مِنْ أَرْكَانِ الْعَقِيدَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ الْإِيمَانُ بِالْمَلَائِكَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا}.
وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ- رضي الله عنه- عِنْدَمَا سَأَلَ جِبْرِيلٌ- عليه السلام- عَنِ الْإِيمَانِ، قَالَ- صلى الله عليه وسلم-: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ».فَوُجُودُ الْمَلَائِكَةِ ثَابِتٌ بِالدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ الَّذِي لَا يُمْكِنُ أَنْ يَلْحَقَهُ شَكٌّ، وَمِنْ هُنَا كَانَ إِنْكَارُ وُجُودِهِمْ كُفْرًا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ يَنُصُّ عَلَى ذَلِكَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ السَّابِقَةُ.
ثَانِيًا- صِفَاتُهُمُ الْخِلْقِيَّةُ
5- أَخْبَرَنَا رَبُّنَا سُبْحَانَهُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ خُلِقُوا قَبْلَ آدَمَ- عليه السلام-، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}.
كَمَا أَخْبَرَنَا النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم- أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْمَلَائِكَةَ مِنْ نُورٍ، فَقَدْ وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ- رضي الله عنها- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ».
فَتَدُلُّ النُّصُوصُ فِي مَجْمُوعِهَا عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ مَخْلُوقَاتٌ نُورَانِيَّةٌ لَيْسَ لَهَا جِسْمٌ مَادِّيٌّ يُدْرَكُ بِالْحَوَّاسِ الْإِنْسَانِيَّةِ، وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا كَالْبَشَرِ فَلَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ وَلَا يَنَامُونَ وَلَا يَتَزَوَّجُونَ، مُطَهَّرُونَ مِنَ الشَّهَوَاتِ الْحَيَوَانِيَّةِ، وَمُنَزَّهُونَ عَنِ الْآثَامِ وَالْخَطَايَا، وَلَا يَتَّصِفُونَ بِشَيْءٍ مِنَ الصِّفَاتِ الْمَادِّيَّةِ الَّتِي يَتَّصِفُ بِهَا ابْنُ آدَمَ غَيْرَ أَنَّ لَهُمُ الْقُدْرَةَ عَلَى أَنْ يَتَمَثَّلُوا بِصُوَرِ الْبَشَرِ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى.
ثَالِثًا- عِبَادَةُ الْمَلَائِكَةِ لِلَّهِ وَمَا وُكِّلَ إِلَيْهِمْ مِنْ أَعْمَالٍ
6- عَلَاقَةُ الْمَلَائِكَةِ بِاللَّهِ هِيَ عَلَاقَةُ الْعُبُودِيَّةِ الْخَالِصَةِ وَالطَّاعَةِ وَالِامْتِثَالِ وَالْخُضُوعِ الْمُطْلَقِ لِأَوَامِرِهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ تَعَالَى: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} وَقَدْ وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ}.
وَهُمْ مُنْقَطِعُونَ دَائِمًا لِعِبَادَةِ اللَّهِ وَطَاعَةِ أَمْرِهِ كَمَا وَرَدَ فِي الْآيَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ.
وَعَنْ جَابِرٍ- رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-: «مَا فِي السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ مَوْضِعُ قَدَمٍ وَلَا شِبْرٍ وَلَا كَفٍّ إِلاَّ وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ أَوْ مَلَكٌ رَاكِعٌ أَوْ مَلَكٌ سَاجِدٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قَالُوا جَمِيعًا: سُبْحَانَكَ مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ إِلاَّ أَنَّا لَمْ نُشْرِكْ بِكَ شَيْئًا».
7- قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى أَصْنَافِ الْمَلَائِكَةِ، وَأَنَّهَا مُوَكَّلَةٌ بِأَصْنَافِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَكَّلَ بِالْجِبَالِ مَلَائِكَةً، وَوَكَّلَ بِالسَّحَابِ مَلَائِكَةً، وَوَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَائِكَةً تُدَبِّرُ أَمْرَ النُّطْفَةِ حَتَّى يَتِمَّ خَلْقُهَا، ثُمَّ وَكَّلَ بِالْعَبْدِ مَلَائِكَةً لِحِفْظِهِ، وَمَلَائِكَةً لِحِفْظِ مَا يَعْمَلُهُ وَإِحْصَائِهِ وَكِتَابَتِهِ، وَوَكَّلَ بِالْمَوْتِ مَلَائِكَةً، وَوَكَّلَ بِالسُّؤَالِ فِي الْقَبْرِ مَلَائِكَةً، وَوَكَّلَ بِالْأَفْلَاكِ مَلَائِكَةً يُحَرِّكُونَهَا، وَوَكَّلَ بِالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ مَلَائِكَةً، وَوَكَّلَ بِالنَّارِ وَإِيقَادِهَا وَتَعْذِيبِ أَهْلِهَا وَعِمَارَتِهَا مَلَائِكَةً، وَوَكَّلَ بِالْجَنَّةِ.وَعِمَارَتِهَا وَغِرَاسِهَا وَعَمَلِ الْأَنْهَارِ فِيهَا مَلَائِكَةً، فَالْمَلَائِكَةُ أَعْظَمُ جُنُودِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِنْهُمْ: {وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا} وَمِنْهُمْ: {وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا} وَمِنْهُمْ: {وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا}.
وَمِنْهُمْ: مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، وَمَلَائِكَةٌ قَدْ وُكِّلُوا بِحَمْلِ الْعَرْشِ، وَمَلَائِكَةٌ قَدْ وُكِّلُوا بِعِمَارَةِ السَّمَاوَاتِ بِالصَّلَاةِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَصْنَافِ الْمَلَائِكَةِ الَّتِي لَا يُحْصِيهَا إِلاَّ اللَّهُ تَعَالَى.
وَلَفْظُ الْمَلَكِ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ رَسُولٌ مُنَفِّذٌ لِأَمْرِ غَيْرِهِ، فَلَيْسَ لَهُمْ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، بَلِ الْأَمْرُ كُلُّهُ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، وَهُمْ يُنَفِّذُونَ أَمْرَهُ {لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}.
وَلَا تَتَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ إِلاَّ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَلَا تَفْعَلُ شَيْئًا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ.
وَرُؤَسَاؤُهُمُ الْأَمْلَاكُ الثَّلَاثُ: جِبْرِيلُ، وَمِيكَائِيلُ، وَإِسْرَافِيلُ، وَكَانَ النَّبِيُّ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ».
فَتَوَسَّلَ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ بِرُبُوبِيَّتِهِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ لِهَؤُلَاءِ الْأَمْلَاكِ الثَّلَاثَةِ الْمُوَكَّلِينَ بِالْحَيَاةِ.
فَجِبْرِيلُ مُوَكَّلٌ بِالْوَحْيِ الَّذِي بِهِ حَيَاةُ الْقُلُوبِ وَالْأَرْوَاحِ، وَمِيكَائِيلُ وُكِّلَ بِالْقَطْرِ الَّذِي بَهْ حَيَاةُ الْأَرْضِ وَالنَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ، وَإِسْرَافِيلُ مُوَكَّلٌ بِالنَّفْخِ فِي الصُّورِ الَّذِي بِهِ حَيَاةُ الْخَلْقِ بَعْدَ مَمَاتِهِمْ.
رَابِعًا- تَفْضِيلُ الْمَلَائِكَةِ
8- قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ نَقْلًا عَنِ الزَّنْدُوسَتِيِّ: أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ أَفْضَلُ الْخَلِيقَةِ، وَأَنَّ نَبِيَّنَا- صلى الله عليه وسلم- أَفْضَلُهُمْ، وَأَنَّ أَفْضَلَ الْخَلَائِقِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ الْمَلَائِكَةُ الْأَرْبَعَةُ وَحَمَلَةُ الْعَرْشِ وَالرُّوحَانِيُّونَ وَرِضْوَانُ وَمَالِكٌ، وَأَنَّ الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ وَالشُّهَدَاءَ وَالصَّالِحِينَ أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ الْمَلَائِكَةِ.
وَاخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ: سَائِرُ النَّاسِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ الْمَلَائِكَةِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَأَبُو يُوسُفَ: سَائِرُ الْمَلَائِكَةِ أَفْضَلُ.
خَامِسًا- سَبُّ الْمَلَائِكَةِ
9- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ سَبَّ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ مَلَائِكَتَهُ- الْوَارِدَ ذِكْرُهُمْ فِي الْكِتَابِ الْكَرِيمِ وَالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ- أَوِ اسْتَخَفَّ بِهِمْ أَوْ كَذَّبَهُمْ فِيمَا أَتَوْا بِهِ أَوْ أَنْكَرَ وُجُودَهُمْ وَجَحَدَ نُزُولَهُمْ قُتِلَ كُفْرًا.
وَاخْتَلَفُوا هَلْ يُسْتَتَابُ أَمْ لَا؟
فَقَالَ الْجُمْهُورُ: يُسْتَتَابُ وُجُوبًا أَوِ اسْتِحْبَابًا عَلَى خِلَافٍ بَيْنَهُمْ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: لَا يُسْتَتَابُ عَلَى الْمَشْهُورِ.
قَالَ الدُّسُوقِيُّ: قُتِلَ وَلَمْ يُسْتَتَبْ- أَيْ بِلَا طَلَبٍ أَوْ بِلَا قَبُولِ تَوْبَةٍ مِنْهُ- حَدًّا إِنْ تَابَ وَإِلاَّ قُتِلَ كُفْرًا، إِلاَّ أَنْ يُسْلِمَ الْكَافِرُ فَلَا يُقْتَلُ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ.
قَالَ الْمَوَّاقُ: وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَنْ تَحَقَّقَ كَوْنُهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ كَجِبْرِيلَ وَمَلَكِ الْمَوْتِ وَالزَّبَانِيَةِ وَرِضْوَانٍ وَمُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ، فَأَمَّا مَنْ لَمْ تَثْبُتِ الْأَخْبَارُ بِتَعْيِينِهِ وَلَا وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى كَوْنِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَوِ الْأَنْبِيَاءِ، كَهَارُوتَ وَمَارُوتَ، وَلُقْمَانَ وَذِي الْقَرْنَيْنِ وَمَرْيَمَ وَأَمْثَالِهِمْ فَلَيْسَ الْحُكْمُ فِيهِمْ مَا ذَكَرْنَا إِذْ لَمْ تَثْبُتْ لَهُمْ تِلْكَ الْحُرْمَةُ، لَكِنْ يُؤَدَّبُ مَنْ تَنَقَّصَهُمْ.
وَأَمَّا إِنْكَارُ كَوْنِهِمْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَوِ النَّبِيِّينَ فَإِنْ كَانَ الْمُتَكَلِّمُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَلَا حَرَجَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ عَوَامِّ النَّاسِ زُجِرَ عَنِ الْخَوْضِ فِي مِثْلِ هَذَا، وَقَدْ كَرِهَ السَّلَفُ الْكَلَامَ فِي مِثْلِ هَذَا مِمَّا لَيْسَ تَحْتَهُ عَمَلٌ.
(ر: رِدَّةٌ ف 16- 17، 35).
موسوعة الفقه الكويتية-وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت-صدرت بدءًا من: 1404هـ/1984م
7-الغريبين في القرآن والحديث (حسر)
(حسر)قوله تعالى: {فتقعد ملومًا محسورًا} قال ابن عرفة: يقول: لا تسرف ولا تتلف مالك فتبقى محسورًا منقطعًا عن النفقة والتصرف كما يكون البعير الحسير وهو الذي ذهبت قوته فلا انبعاث به. [151 أ].
ومنه قوله: {ينقلب إليك المصير خاسئًا وهو حسير} أي: كليل منقطع، ويقال: بغير حسر، وجمال حسري، وقد حسرت الناقة: إذا انقطع سيرها كلالًا.
ومنه قوله: {ولا يستحسرون} أي: لا ينقطعون عن العبادة. يقال: حسر واستحسر إذا
أعياه.
وقوله: {ياحسرة على العباد} قال ابن عرفة: يا حسرتهم على أنفسهم. وقال الأزهري: قد علم أن الحسرة لا تدعى ودعاؤها تنبيه
للمخاطبين، والحسرة: شدة الندم حتى تحسر النادم كما يحسر الذي يقوم به دابته في السفر البعيد.
وفي الحديث: (الحسير لا يعقر) يقول: لا يجوز للغازي إذا حسرت دابته أن يعقرها مخافة أن يأخذها العدو ولكن يسببها، وقال أبو الهيثم: يقال: حسرت الدابة إذا تعبت حتى تبقي واستحسرت إذا تعبت.
وفيه الحديث: (حسر أخي فرسًا له بعين النمر وهو مع خالد بن الوليد).
وفي حديث جابر: (فأخذت حجرًا فكسرته وحسرته (يعني غصنًا من أغصان الشجرة يريد قشرها. ومنه يقال: حسرت الدابة أتعبتها في السير حتى تتجرد من بدانتها.
وفي حديث آخر: (ادعوا الله ولا تستحسروا) قال النضر: أي لا تملوا.
وفي الحديث: (يخرج في آخر الزمان رجل يسمى أمير العصب محسرون [151 ب] محقرون متعبون) يقال: رجل محسر إذا كان محقرًا مؤذي.
وفي حديث أبي عبيدة: (أنه كان على الحسر) الحسر: جمع حاسر وهو الذي لا درع معه.
الغريبين في القرآن والحديث-أبو عبيد أحمد بن محمد الهروي-توفي: 401هـ/1010م
8-تاج العروس (حسر)
[حسر]: حَسَرَه يَحْسُرُه، بالضّمّ، ويَحْسِرُه، بالكسر، حَسْرًا، بفتْح فسكون: كَشَفَه. والحَسْرُ أَيضًا: كَشْطُكَ الشيْءَ، حَسَرَ الشَيْءَ عن الشَّيْءِ يَحْسُرُه، ويَحْسِرُه، حَسْرًا وحُسُورًا: كَشَطَه، فانْحَسر، وقد يَجِيءُ في الشِّعْر حَسَرَ لازمًا مثل انْحَسَر، على المُضَارعَة. يقال: حَسَرَ الشَّيْءُ حُسُورًا، بالضَّمِّ؛ أَي انْكَشَفَ وفي الصّحاحِ: الانْحِسَارُ: الانْكِشَاف. حَسَرْتُ كُمِّي عن ذِراعِي أَحْسُره حَسْرًا: كشَفْتُ.وفي الأَساس: حَسَر كُمَّه عن ذِراعه: كَشَفَ، وعِمامَتَه عن رَأْسِه، والمرأَةُ دِرْعَهَا عن جَسَدِهَا. وكُلُّ شَيْءٍ كُشِفَ فقد حُسِر.
ومن المَجَازِ: حَسَرَ البَصَرُ يَحْسِر، من حَدِّ ضَرَب، حُسُورًا، بالضّمّ: كَلَّ وانْقَطَعَ نَظَرُهُ مِنْ طُولِ مَدًى وما أَشْبَه ذلك، وهو حَسِيرٌ ومَحْسُورٌ. قال قَيْسُ بن خُوَيْلِدٍ الهُذَلِيُّ يَصِف ناقَةً:
إِنَّ العَسِيرَ بها دَاءٌ مُخَامِرُهَا *** فَشَطْرَها نَظَرُ العَيْنَيْنِ مَحْسُورُ
قال السُّكَّرِيّ: العَسِيرُ: النَّاقَةُ التي لم تُرَضْ. ونصبَ شَطْرَهَا على الظَّرْفِ أَي نَحْوَها.
وبَصَرٌ حَسِيرٌ: كَلِيلٌ. وفي التَّنْزِيلِ العَزِيز: {يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ} قال الفَرَّاءُ: يُرِيد: يَنْقَلِب صاغرًا وهو كَلِيلٌ كما تَحْسِر الإِبلُ إِذا قُوِّمَتْ عن هُزالٍ أَو كَلَالٍ. ثم قال: وأَمَّا البَصَرُ فإِنه يَحْسَرُ عند أَقْصى بُلُوغِ النَّظَرِ.
وحَسَرَ الغُصْنَ حَسْرًا: قَشَرَه. وقد جاءَ في حديث جَابِر: «فأَخذْتُ حَجَرًا فَكَسَرْتُه وحَسَرْته» يُريد غُصْنًا من أَغصانِ الشَّجَرةِ؛ أَي قَشَرْتُه بالحَجر.
وحَسَرَ البَعِيرَ يَحْسِرُه ويَحْسُرُه حَسْرًا وحُسُورًا: سَاقَه حَتَّى أَعْيَاه، وكذلك حَسَرَه السَّير، كأَحْسَرَه إِحْسَارًا، وحَسَّرَه تَحْسِيرًا.
وحَسَرَ البَيْتَ حَسْرًا: كَنَسَه.
وحسِرَ الرَّجلُ، كفَرِحَ، عَليه يَحْسَرُ حَسْرَةً، بفَتْح فَسُكُون وحَسَرًا، محرّكةً: نَدِمَ على أَمرٍ فَاتَه أَشَدَّ، النَّدم، وتَحسَّرَ الرَّجلُ إِذا تَلَهَّفَ، فهو، حَسِرٌ. قال المَرَّار:
ما أَنَا اليومَ عَلَى شَيْءٍ خَلَا *** يا ابنْةَ القَيْنِ تَوَلَّى بِحَسِرْ
وحَسِيرٌ وحسْرانُ.
وقال الزَّجَّاجُ في تَفْسِيرِ قوله عَزَّ وجَلَّ: {يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ} الحَسْرَةُ: أَشَدُّ النَّدَمِ حَتَّى يَبْقَى النَّادِمُ كالحَسِيرِ من الدّوَابِّ الّذِي لا مَنْفَعَةَ فيه.
وحَسَرَ البَعِيرُ كضَرَبَ وفَرِحَ، حَسْرًا وحُسُورًا وحَسَرًا: أَعْيَا من السَّيْرِ وكَلَّ وتَعِبَ، كاسْتَحْسرَ، استِفْعَال من الحَسْرِ وهو العَيَاءُ والتَّعَب. وقال الله تَعَالى: {وَلا يَسْتَحْسِرُونَ}. وفي الحَدِيثِ: «ادْعُوا الله ولا تَسْتَحسِرُوا» أَي لا تَمَلُّوا فَهُو حَسِيرٌ. الذَّكَرُ والأُنثَى سواءٌ، الجمع: حَسْرَى مثلُ قَتِيلٍ وقَتْلَى. وفي الحدِيث «الحَسِيرُ لا يُعْقَرُ»؛ أَي لا يجوز للغازِي إِذا حَسِرَتْ دابَّتُه وأَعْيَت أَن يَعْقِرَها مَخَافَةَ أَن يَأْخُذَهَا العَدُوُّ، ولكن يُسَيِّبها.
والحَسِيرُ: فَرَسُ عبدِ الله بنِ حَيَّانَ بن مُرَّةَ، وهو ابن المُتَمطِّر، نقلَه الصَّاغانيّ.
والحَسِيرُ: البَعِيرُ المُعْيِي الّذي كَلَّ من كَثْرةِ السَّيْرِ.
ومن المَجَاز، يقالُ: فلانٌ كَرِيمُ المَحْسِر، كمَجْلِس؛ أَي كَرِيم المَخْبر، وتُفْتَح سِينُه، وهذه عن الصَّاغانِيّ. وبه فُسِّر قولُ أَبِي كَبِيرٍ الهُذَليّ:
أَرِقَتْ فمَا أَدْرِي أَسُقْمٌ ما بها *** أَمْ مِن فِراقِ أَخٍ كَرِيمِ المَحْسَرِ
ضُبطَ بالوَجْهَيْن، وقيل: المحْسر هنا: الوَجْهُ، وقيل: الطَّبِيعَةُ.
وقال الأَزهريّ: والمَحاسِرُ من المَرْأَةِ مِثْلُ المَعَارِي، ذَكَره في ترجمة «عرى».
والمُحَسَّرُ، كمُعَظَّم: المُؤْذَى المُحَقَّر. وفي الحَدِيثِ: «يَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمانِ رجُلٌ يُسمَّى أَمِير العُصَب. ـ وقال بعْضُهم: يُسَمَّى أَمِير الغَضَب ـ أَصحابُه مُحَسَّرُون مُحقَّرُونَ مُقْصَوْنَ عن أَبْوَابِ السُّلطان ومَجَالِسِ المُلُوك، يَأْتُونَه مِنْ كُلِّ أَوْبٍ كأَنَّهم قَزَعُ الخَرِيفِ يُوَرِّثُهم الله مشارِقَ الأَرضِ ومغَارِبَها». قَوْلُه: مُحَسَّرُونَ مُحَقَّرون؛ أَي مُؤْذَوْن مَحْمُولُون على الحَسْرَة أَو مطْرُودُون مُتْعَبُون، من حَسرَ الدَّابَةَ، إِذَا أَتْعبَها.
والحسَارُ، كسَحَابٍ: عُشْبَةٌ تَشْبِهُ الجَزرَ، نَقَلَه الأَزهريّ عن بَعْضِ الرُّواة، أَو تُشْبِه الحُرْفَ؛ أَي الخَرْدَلَ في نَبَاتِه وطَعْمِه. يَنْبُتُ حِبَالًا على الأَرْضِ. نقلَه الأَزهريّ عن بَعْض أَعرابِ كَلْبٍ. وقال أَبو حَنِيفَةَ عن أَبِي زِياد: الحَسَار: عُشْبَةٌ خَضْراءُ تَسَطَّحُ على الأَرْض وتَأْكُلُها الماشِيَة أَكْلًا شديدًا. قال الشَّاعِر يصِف حِمَارًا وأُتُنَه:
يأْكُلْن من بُهْمَى ومِن حَسَارِ *** ونَفَلًا لَيْسَ بِذِي آثَارِ
يَقُول: هذا المكَانُ قَفْرٌ لَيْس به آثارٌ من النَّاسِ ولا المواشِي.
وقال غيره: الحَسَارُ: نَباتٌ يَنْبُتُ في القِيعانِ والجَلَدِ، وله سُنْبلٌ [وهو من دِقِّ المُرَّيْقِ] وقُفُّه خَيْرٌ من رَطْبِه، وهو يَسْتَقِلُّ عن الأَرضِ شَيْئًا قليلًا، يُشْبِه الزَّبَّاد إِلَّا أَنَّه أَضخَمُ منه وَرقًا. وقال اللَّيْث: الحَسَارُ: ضَرْبٌ من النَّبات يُسْلِحُ الإِبِلَ.
وفي التَّهْذِيب: الحَسارُ من العُشْب يَنْبُتُ في الرِّيَاض، الواحدة حسَارَةٌ.
والمِحْسَرَةُ: المِكْنَسَةُ وَزْنًا ومَعْنًى.
والحَاسِرُ، خِلافُ الدَّارِع؛ وهو مَنْ لا مِغْفَرَ له ولا دِرْعَ ولا بَيْضَةَ على رَأْسِه.
قال الأَعْشَى:
في فَيْلَقٍ جَأْواءَ مَلْمُومَةٍ *** تَقْذِفُ بالدَّارِعِ والحَاسِرِ
أَوْ الحاسِرُ: مَنْ لا جُنَّةَ لَه، والجَمْعُ حُسَّرٌ. وقد جمع بعضُ الشُّعَرَاءِ حُسَّرًا عَلَى حُسَّرِينَ. أَنْشَدَ ابْنُ الأَعْرَابِيّ.
بشَهْبَاءَ تَنْفِي الحُسَّرِينَ كأَنَّهَا *** إِذَا ما بَدَتْ قَرْنٌ من الشَّمْسِ طالعُ
وفَحْلٌ حَاسِرٌ وفَادِرٌ وجَافِر: أَلْقَحَ شَوْلَه وعَدَلَ عنِ الضِّرابِ، قاله أَبُو زَيْد، ونَقَلهُ الأَزْهَرِيّ. قال: ورَوَى هذَا الحَرْفُ: فحْلٌ جَاسِرٌ، بالجِيم؛ أَي فادِر، قال: وأَظُنُّه الصَّوابَ.
والتَّحْسِيرُ: الإِيقاعُ في الحَسْرَةِ والحَمْلُ عَلَيْها. وبه فُسِّرَ بعضُ حَدِيثِ أَمِيرِ العُصَبِ المُتَقَدِّم.
والتَّحْسِيرُ: سُقُوطُ رِيشِ الطَّائِرِ. وقد انْحَسَرَتِ الطَّيْرُ، إِذَا خَرَجَتْ من الرِّيشِ العَتِيق إِلى الحَدِيثِ. وحَسَّرَهَا إِبَّانُ ذلك ثَقَّلَه لأَنَّه فُعِلَ في مُهْلَةٍ. قال الأَزْهَرِيّ: والبَازِيُّ يُكَرَّزُ للتَّحْسِيرِ وكذلك سَائِرُ الجوارحِ تتحسَّرُ.
والتَّحْسِيرُ التَّحْقِيرُ والإِيذَاءُ والطَّرْدُ، وبه فُسِّرَ بعضُ حدِيثِ أَمِيرِ العُصَبِ، وقد تَقَدَّم.
وبَطْنُ مُحَسِّرٍ، بكسْر السِّين المُشَدَّدَة: وادٍ قُرْبَ المُزْدَلِفَةِ، بين عرَفَات ومِنًى. وفي كُتُبِ المَنَاسِكِ: هو وادِي النَّار. قيل: إِنَّ رجُلًا اصْطادَ فيه فنَزَلَتْ نارٌ فَأَحْرَقَتْه، نقَلَه الأَقْشَهْرِيُّ في تَذْكِرتِه. وقيلَ: لأَنَّه مَوْقِفُ النَّصَارى.
وأَنْشَدَ عُمَرُ رَضِيَ الله عنْهُ حين أَفَاضَ مِنْ عرفَةَ إِلى مُزْدَلِفَةَ وكَانَ في بَطْنِ مُحْسِّرً:
إِليكَ يَعْدُو قَلِقًا وَضِينَا *** مُخَالِفًا دِينَ النَّصَارَى دِينَا
وكذا قَيْسُ بْنُ المُحَسِّرِ الكِنَانِيُّ الشَّاعِرُ الصَّحابِيُّ، فإِنَّه بكَسْرِ السِّين المُشَدَّدة. وقيل: المُسَحِّر، وقيل المُسَخِّر، أَقْوال.
وتَحَسَّرَ الرّجلُ: تَلَهَّفَ. ولا يَخْفَى أَنَّه لو قالَ عند ذِكْرِ الحَسْرة وتَحَسَّر: تَلَهَّفَ، كان أَجمَعَ للأَقْوالِ وأَحْسَنَ في التَّرْصِيف والجَمْع، مع أَنه خَالَف الأَئمَّة في تَعْبِيرِه، فإِنَّهُم فسَّرُوا الحَسْرَةَ والحَسَرَ والحَسَرَانَ بالنَّدَامَةِ على أَمْرٍ فَاتَه، والتَّحْسِير بالتَّلَهُّفِ. ففي كلامه تَأَمُّل منْ وجُوهٍ. وتَحَسَّرَ وَبَرُ البَعِيرِ، والذي في أُصولِ اللُّغَة: وتَحَسَّر الوَبَرُ عن البَعِيرِ، والشَّعَرُ عن الحِمار، إِذا سقَطَ واقْتَصَرُوا على ذلك. ومنه قولُ الشَّاعِر:
تَحَسَّرتْ عِقَّةٌ عنْه فَأَنْسلَهَا *** واجْتَابَ أُخْرَى جَدِيدًا بَعْدَمَا ابْتَقَلَا
وفي الأَساسِ: وتَحَسَّرَ الطَّيْرُ: أَسْقَطَ رِيشَه. وزاد المُصَنِّف قولَه مِنَ الإِعْيَاءِ. ولَيْس بقَيْدٍ لَازِمٍ، فإِنَّ السُّقُوطَ قد يَكُونُ في البَعِيرِ من الأَمراضِ، إِلَّا أَن يُقَالَ: إِن الإِعياءَ أَعَمُّ.
وتَحَسَّرتِ الجَارِيةُ وكذا النَّاقَةُ، إِذا صَارَ لَحْمُهَا في مَوَاضِعه. قال لَبِيدٌ:
فإِذا تَغَالَى لَحْمُها وتَحَسَّرَتْ *** وتَقَطَّعَتْ بَعْدَ الكَلَالِ خِدَامُهَا
وقال الأَزهريّ: تَحَسَّر البَعِيرُ إِذا سَمَّنَه الرَّبِيعُ حَتَّى كَثُرَ شَحْمُه وتَمَكَ سَنَامُهُ؛ أَي طَالَ وارْتَفَع وتَرَوَّى واكْتَنَزَ ثُمَّ رُكِبَ أَيَّامًا. ونَصُّ التَّهْذِيب: فإِذَا رُكِبَ أَيّامًا فَذَهَب رَهَلُ لَحْمِه واشْتَدَّ بعْدَ ما تَزَيَّمَ مِنْه؛ أَي اشتَدَّ اكْتِنَازُه في مَوَاضِعِهِ فقد تحَسَّرَ.
* ومما يُسْتَدْركُ عليه:
الحُسَّرُ، كسُكَّر هم الرَّجَّالةُ في الحَرْب، لأَنَّهُم يَحْسِرُون عن أَيْدِيهِم وأَرْجُلِهم، أَو لأَنّه لا دُرُوعَ عَلَيْهِم ولا بَيْضَ.
ومنهحَدِيثُ فَتْحِ مَكَّةَ «أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ كَان يَوْمَ الفَتْح على الحُسَّرِ». ورجل حَاسِرٌ: لا عِمَامَةَ على رَأْسِه.
وامرأَةٌ حَاسِرٌ، بغيرِ هاءٍ، إِذا حَسَرَتْ عنها ثِيابَها.
وفي حَدِيثِ عَائِشَةَ رضي الله عنها: «وسُئلتْ عن امرأَةٍ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا وتَزَوَّجَها رَجُلٌ فتحسَّرَتْ بَيْنَ يَدَيْه» أَي قَعدَتْ حَاسِرَةً مكشوفَةَ الوَجْهِ.
وقال ابنُ سِيدَه: امرأَةٌ حَاسِرٌ: حَسَرَتْ عنها دِرْعَها. وكُلُّ مَكْشُوفَةِ الرَّأْسِ والذِّراعَين حَاسِرٌ. والجمع حُسَّرٌ وحَوَاسِرُ.
قال أَبُو ذُؤَيْبٍ:
وقامَ بَنَاتِي بالنِّعَالِ حَوَاسِرًا *** فأَلْصَقْنَ وَقْعَ السِّبْت تَحْتَ القَلائِدِ
وحَسَرَتِ الرِّيحُ السَّحَابَ حسْرًا، وهو مَجازٌ.
وحَسَرَتِ الدَّابَّةُ، وحَسَرَهَا السَّيْرُ حَسْرًا وحُسُورًا، وأَحْسَرَهَا، وحَسَّرَهَا: أَتْعبَهَا. قَالَ:
إِلَّا كمُعْرضٍ المُحَسِّر بَكْرَهُ *** عَمْدًا يُسَيِّبُنِي عَلَى الظُّلْمِ
أَرادَ إِلّا مُعْرِضًا، فَزَاد الكَافَ.
ودَابَّة حاسِرٌ وحَاسِرَةٌ، كحَسِير.
وأَحْسَرَ القَوْمُ: نَزَلَ بهم الحَسَرُ.
وقال أَبو الهَيْثَم: حَسِرَت الدَّابَّةُ حَسَرًا، إِذا تَعِبَتْ حَتَّى تُنْقَى. وفي حَدِيثِ جَرِير: «لا يَحْسِرُ صاحبُها أَي لا يَتْعَبَ سَائِقُها.
وفي الحديث «حَسَرَ أَخِي فَرَسًا له بعَيْنِ التَّمْر وهو مع خالِدِ بْنِ الولِيدِ.
وحَسَرَ العَيْنَ بُعْدُ ما حَدَّقَتْ إِلَيْه أَو خَفَاؤُه، يَحْسُرُهَا: أَكَلَّهَا قَالَ رُؤْبَةُ:
يَحْسُرُ طَرْفَ عَيْنِه فَضَاؤُه
والمَحْسُورُ: الّذِي يُعْطِي كُلَّ مَا عِنْدَه حَتّى يَبْقَى لا شَيْءَ عِنْدَه، وهو مَجَازٌ. وبه فُسِّر قَولُه عزَّ وجَلَّ {وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} وحَسَرُوه يَحْسَرُونَه حَسْرًا وحُسْرًا: سأَلُوه فأَعطاهُم حَتَّى لَمْ يَبْقَ عنده شَيْءٌ.
وحَسَرَ البَحْرُ عن العِراقِ والسّاحلِ يَحْسُرُ: نَضَب عَنْه حتَّى بَدَا ما تَحْت المَاءِ من الأَرض، وهو مَجاز.
قال الأَزْهَريّ: ولا يُقَال انْحَسَر البَحْرُ. وقال ابن السِّكِّيت: حَسَرَ الماءُ ونَضَبَ وجَزَرَ بمَعْنىً واحدٍ. وفي حديث عَليٍّ رضِيَ اللهُ عَنْه: «ابنُوا المَساجدَ حُسَّرًا فإِنَّ ذلك سِيمَا المُسْلِمِين» أَي مَكْشُوفَةَ الجُدُرِ لا شُرَفَ لَها.
وفي التَّهْذِيب: فَلَاةٌ عارِيَةُ المَحَاسِرِ، إِذَا لَمْ يكُنْ فيها كِنٌّ من شَجَرٍ. ومحَاسِرُها: مُتُونُها الّتي تَنْحسِرُ عن النَّبَات، وهو مَجَاز. وكَذَا قَوْلُهُمْ: حَسَرَ قِنَاعَ الهمِّ عنَّي، كما في الأَساس.
تاج العروس-مرتضى الزَّبيدي-توفي: 1205هـ/1791م
9-لسان العرب (حسر)
حسر: الحَسْرُ: كَشْطُكَ الشَّيْءَ عَنِ الشَّيْءِ.حَسَرَ الشيءَ عَنِ الشَّيْءِ يَحْسُرُه ويَحْسِرُه حَسْرًا وحُسُورًا فانْحَسَرَ: كَشَطَهُ، وَقَدْ يَجِيءُ فِي الشِّعْرِ حَسَرَ لَازِمًا مِثْلُ انْحَسَر عَلَى الْمُضَارَعَةِ.
والحاسِرُ: خِلَافُ الدَّارِع.
والحاسِرُ: الَّذِي لَا بَيْضَةَ عَلَى رأْسه؛ قَالَ الأَعشى:
فِي فَيْلَقٍ جَأْواءَ مَلْمُومَةٍ، ***تَقْذِفُ بالدَّارِعِ والحاسِرِ
وَيُرْوَى: تَعْصِفُ؛ وَالْجَمْعُ حُسَّرٌ، وَجَمْعُ بَعْضِ الشُّعَرَاءِ حُسَّرًا عَلَى حُسَّرِينَ؛ أَنشد ابْنُ الأَعرابي:
بِشَهْباءَ تَنْفِي الحُسَّرِينَ كأَنَّها ***إِذا مَا بَدَتْ، قَرْنٌ مِنَ الشمسِ طالِعُ
وَيُقَالُ للرَّجَّالَةِ فِي الْحَرْبِ: الحُسَّرُ، وَذَلِكَ أَنهم يَحْسِرُون [يَحْسُرُون] عَنْ أَيديهم وأَرجلهم، وَقِيلَ: سُمُّوا حُسَّرًا لأَنه لَا دُرُوعَ عَلَيْهِمْ وَلَا بَيْضَ.
وَفِي حَدِيثِ فَتْحِ مَكَّةَ: «أَن أَبا عُبَيْدَةَ كَانَ يَوْمَ الْفَتْحِ عَلَى الحُسَّرِ»؛ هُمُ الرَّجَّالَةُ، وَقِيلَ هُمُ الَّذِينَ لَا دُرُوعَ لَهُمْ.
وَرَجُلٌ حاسِرٌ: لَا عِمَامَةَ عَلَى رأْسه.
وامرأَة حاسِرٌ، بِغَيْرِ هَاءٍ، إِذا حَسَرَتْ عَنْهَا ثِيَابَهَا.
وَرَجُلٌ حَاسِرٌ: لَا دِرْعَ عَلَيْهِ وَلَا بَيْضَةَ عَلَى رأْسه.
وَفِي الْحَدِيثِ: «فَحَسَر عَنْ ذِرَاعَيْهِ» أَي أَخرجهما مِنْ كُمَّيْهِ.
وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: «وسئلتْ عَنِ امرأَة طَلَّقَهَا زَوْجُهَا وَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ فَتَحَسَّرَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ»أَي قَعَدَتْ حَاسِرَةً مَكْشُوفَةَ الْوَجْهِ.
ابْنُ سِيدَهْ: امرأَة حاسِرٌ حَسَرَتْ عَنْهَا دِرْعَهَا.
وكلُّ مَكْشُوفَةِ الرأْس وَالذِّرَاعَيْنِ: حاسِرٌ، وَالْجَمْعُ حُسَّرٌ وحَواسِر؛ قَالَ أَبو ذُؤَيْبٍ:
وقامَ بَناتي بالنّعالِ حَواسِرًا، ***فأَلْصَقْنَ وَقْعَ السِّبْتِ تحتَ القَلائدِ
وَيُقَالُ: حَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ، وحَسَرَ البَيْضَةَ عَنْ رأْسه، وحَسَرَتِ الريحُ السحابَ حَسْرًا.
الْجَوْهَرِيُّ: الِانْحِسَارُ الِانْكِشَافُ.
حَسَرْتُ كُمِّي عَنْ ذِرَاعِي أَحْسِرُه حَسْرًا: كَشَفْتُ.
والحَسْرُ والحَسَرُ والحُسُورُ: الإِعْياءُ والتَّعَبُ.
حَسَرَتِ الدابةُ وَالنَّاقَةُ حَسْرًا واسْتَحْسَرَتْ: أَعْيَتْ وكَلَّتْ، يَتَعَدَّى وَلَا يَتَعَدَّى؛ وحَسَرَها السَّيْرُ يَحْسِرُها ويَحْسُرها حَسْرًا وحُسُورًا وأَحْسَرَها وحَسَّرَها؛ قَالَ:
إِلَّا كَمُعْرِضِ المُحَسِّر بَكْرَهُ، ***عَمْدًا يُسَيِّبُنِي عَلَى الظُّلْمِ
أَراد إِلَّا مُعرضًا فَزَادَ الكاف؛ ودابة حاسِرٌ حاسِرَةٌ وحَسِيرٌ، الذَّكَرُ والأُنثى سَوَاءٌ، وَالْجَمْعُ حَسْرَى مِثْلُ قَتِيلٍ وقَتْلَى.
وأَحْسَرَ القومُ: نَزَلَ بِهِمُ الحَسَرُ.
أَبو الْهَيْثَمِ: حَسِرَتِ الدَّابَّةُ حَسَرًا إِذا تَعِبَتْ حَتَّى تُنْقَى، واسْتَحْسَرَتْ إِذا أَعْيَتْ.
قَالَ اللَّهُ تعالى: {وَلا يَسْتَحْسِرُونَ}.
وَفِي الْحَدِيثِ: «ادْعُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا تَسْتَخْسِرُوا»؛ أَي لَا تَمَلُّوا؛ قَالَ: وَهُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنْ حَسَرَ [حَسِرَ] إِذا أَعيا وَتَعِبَ.
وَفِي حَدِيثِ جَرِيرٍ: «وَلَا يَحْسِرُ [يَحْسَرُ] صَائِحُهَا»؛ أي لَا يَتْعَبُ سَائِقُهَا.
وَفِي الْحَدِيثِ: «الحَسِيرُ لَا يُعْقَرُ»؛ أَي لَا يَجُوزُ لِلْغَازِي إِذا حَسِرَتْ دَابَّتُهُ وأَعيت أَن يَعْقِرَها، مَخَافَةَ أَن يأْخذها الْعَدُوُّ وَلَكِنْ يُسَيِّبُهَا، قَالَ: وَيَكُونُ لَازِمًا وَمُتَعَدِّيًا.
وَفِي الْحَدِيثِ: «حَسَرَ أَخي فَرَسًا لَهُ»؛ يَعْنِي النَّمِرَ وَهُوَ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ.
وَيُقَالُ فِيهِ: أَحْسَرَ أَيضًا.
وحَسِرَتِ الْعَيْنُ: كَلَّتْ.
وحَسَرَها بُعْدُ مَا حَدَّقَتْ إِليه أَو خفاؤُه يَحْسُرُها: أَكَلَّها؛ قَالَ رُؤْبَةُ: " يَحْسُرُ طَرْفَ عَيْنِه فَضاؤُه "وحَسَرَ بَصَرُه يَحْسِرُ حُسُورًا أَي كَلَّ وَانْقَطَعَ نَظَرُهُ مِنْ طُولِ مَدًى وَمَا أَشبه ذَلِكَ، فَهُوَ حَسِير ومَحْسُورٌ؛ قَالَ قَيْسُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الْهُذَلِيُّ يَصِفُ نَاقَةً:
إِنَّ العَسِيرَ بِهَا دَاءٌ مُخامِرُها، ***فَشَطْرَها نَظَرُ العينينِ مَحْسُورُ
الْعَسِيرُ: النَّاقَةُ الَّتِي لَمْ تُرَضْ، وَنَصَبَ شَطْرَهَا عَلَى الظَّرْفِ أَي نَحْوَها.
وبَصَرٌ حَسير: كَلِيلٌ.
وَفِي التَّنْزِيلِ: {يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ}؛ قَالَ الْفَرَّاءُ: يُرِيدُ يَنْقَلِبُ صَاغِرًا وَهُوَ حَسِيرٌ أَي كَلِيلٌ كَمَا تَحْسِرُ الإِبلُ إِذا قُوِّمَتْ عَنْ هُزال وكَلالٍ؛ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا}؛ قَالَ: نَهَاهُ أَن يُعْطِيَ كُلَّ مَا عِنْدَهُ حَتَّى يَبْقَى مَحْسُورًا لَا شَيْءَ عِنْدَهُ؛ قَالَ: وَالْعَرَبُ تَقُولُ حَسَرْتُ الدَّابَّةَ إِذا سَيَّرتها حَتَّى يَنْقَطِعَ سَيْرُها؛ وأَما الْبَصَرُ فإِنه يَحْسِرُ [يَحْسَرُ] عِنْدَ أَقصى بُلُوغِ النَّظَرِ؛ وحَسِرَ يَحْسَرُ حَسَرًا وحَسْرَةً وحَسَرانًا، فَهُوَ حَسِيرٌ وحَسْرانُ إِذا اشْتَدَّتْ نَدَامَتُهُ عَلَى أَمرٍ فَاتَهُ؛ وَقَالَ الْمَرَّارُ:
مَا أَنا اليومَ عَلَى شَيْءٍ خَلا، ***يَا ابْنَة القَيْن، تَوَلَّى بِحَسِرْ
والتَّحَسُّر: التَّلَهُّفُ.
وَقَالَ أَبو إِسْحَاقَ فِي قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ}؛ قَالَ: هَذَا أَصعب مسأَلة فِي الْقُرْآنِ إِذا قَالَ الْقَائِلُ: مَا الْفَائِدَةُ فِي مُنَادَاةِ الْحَسْرَةِ، وَالْحَسْرَةُ مِمَّا لَا يُجِيبُ؟ قَالَ: وَالْفَائِدَةُ فِي مُنَادَاتِهَا كَالْفَائِدَةِ فِي مُنَادَاةِ مَا يَعْقِلُ لأَن النِّدَاءَ بَابُ تَنْبِيهٍ، إِذا قُلْتَ يَا زَيْدُ فإِن لَمْ تَكُنْ دَعَوْتَهُ لِتُخَاطِبَهُ بِغَيْرِ النِّدَاءِ فَلَا مَعْنَى لِلْكَلَامِ، وإِنما تَقُولُ يَا زَيْدُ لِتُنَبِّهَهُ بِالنِّدَاءِ، ثُمَّ تَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا، أَلا تَرَى أَنك إِذا قُلْتَ لِمَنْ هُوَ مُقْبِلٌ عَلَيْكَ: يَا زَيْدُ، مَا أَحسن مَا صَنَعْتَ؛ فَهُوَ أَوكد مِنْ أَن تَقُولَ لَهُ: مَا أَحسن مَا صَنَعْتَ، بِغَيْرِ نِدَاءٍ؛ وَكَذَلِكَ إِذا قُلْتَ للمخاطَب: أَنا أَعجب مِمَّا فَعَلْتَ، فَقَدْ أَفدته أَنك مُتَعَجِّبٌ، وَلَوْ قُلْتَ: وا عجباه مِمَّا فَعَلْتَ، وَيَا عَجَبَاهُ أَن تَفْعَلَ كَذَا كَانَ دعاؤُك العَجَبَ أَبلغ فِي الْفَائِدَةِ، وَالْمَعْنَى يَا عَجَبًا أَقبل فإِنه مِنْ أَوقاتك، وإِنما النِّدَاءُ تَنْبِيهٌ للمتعجَّب مِنْهُ لَا لِلْعَجَبِ.
والحَسْرَةُ: أَشدَّ النَّدَمِ حَتَّى يَبْقَى النَّادِمُ كالحَسِيرِ مِنَ الدَّوَابِّ الَّذِي لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ.
وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ}؛ أَي حَسْرَةً وَتَحَسُّرًا.
وحَسَرَ البحرُ عَنِ العِراقِ والساحلِ يَحْسُرُ [يَحْسِرُ]: نَضَبَ عَنْهُ حَتَّى بَدَا مَا تَحْتَ الْمَاءِ مِنَ الأَرض.
قَالَ الأَزهري: وَلَا يُقَالُ انْحَسَرَ البحرُ.
وَفِي الْحَدِيثِ: «لَا تَقُومُ الساعة حتى يَحْسُرُ [يَحْسِرُ] الْفُرَاتُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ»؛ أَي يَكْشِفَ.
يُقَالُ: حَسَرْتُ الْعِمَامَةَ عَنْ رأْسي وَالثَّوْبَ عَنْ بَدَنِي أَي كَشَفْتُهُمَا؛ وأَنشد: " حَتَّى يقالَ حاسِرٌ وَمَا حَسَرْ "وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: حَسَرَ الماءُ ونَضَبَ وجَزَرَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ؛ وأَنشد أَبو عُبَيْدٍ فِي الحُسُورِ بِمَعْنَى الِانْكِشَافِ:
إِذا مَا القَلاسِي والعَمائِمُ أُخْنِسَتْ، ***فَفِيهنَّ عَنْ صُلْعِ الرجالِ حُسُورُ
قَالَ الأَزهري: وَقَوْلُ الْعَجَّاجِ:
كَجَمَلِ الْبَحْرِ، إِذا خاضَ جَسَرْ ***غَوارِبَ اليَمِّ إِذا اليَمُّ هَدَرْ،
حَتَّى يقالَ: حاسِرٌ وَمَا حَسَرْ.
يَعْنِي الْيَمَّ.
يُقَالُ: حاسِرٌ إِذا جَزَرَ، وَقَوْلُهُ إِذا خَاضَ جَسَرَ، بِالْجِيمِ، أَي اجترأَ وَخَاضَ مُعْظَمَ الْبَحْرِ وَلَمْ تَهُلْهُ اللُّجَجُ.
وَفِي حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ عَبَّادٍ: «مَا مِنْ لَيْلَةٍ إِلَّا مَلَكٌ يَحْسِرُ عَنْ دوابِّ الغُزاةِ الكَلالَ» أَي يَكْشِفُ، وَيُرْوَى: يَحُسُّ، وسيأْتي ذِكْرُهُ.
وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ، رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ: «ابْنُوا المساجدَ حُسَّرًا فإِن ذَلِكَ سِيَّمَا الْمُسْلِمِينَ»؛ أي مَكْشُوفَةَ الجُدُرِ لَا شُرَفَ لَهَا؛ وَمِثْلُهُ حَدِيثِ أَنس، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ابْنُوا الْمَسَاجِدَ جُمًّا.
وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ: «فأَخذتُ حَجَرًا فَكَسَرْتُهُ وحَسَرْتُه»؛ يُرِيدُ غُصْنًا مِنْ أَغصان الشَّجَرَةِ؛ أي قَشَرْتُهُ بِالْحَجَرِ.
وَقَالَ الأَزهري فِي تَرْجَمَةِ عرا، عِنْدَ قَوْلِهِ جَارِيَةٌ حَسَنَةُ المُعَرَّى وَالْجَمْعُ المَعارِي، قَالَ: والمَحاسِرُ مِنَ المرأَة مِثْلُ المَعارِي.
قَالَ: وَفَلَاةٌ عَارِيَةُ الْمَحَاسِرِ إِذا لَمْ يَكُنْ فِيهَا كِنٌّ مِنْ شَجَرٍ، ومَحاسِرُها: مُتُونُها الَّتِي تَنْحَسِرُ عَنِ النَّبَاتِ.
وانْحَسَرتِ الطَّيْرُ: خَرَجَتْ مِنَ الرِّيشِ الْعَتِيقِ إِلى الْحَدِيثِ.
وحَسَّرَها إِبَّانُ ذَلِكَ: ثَقَّلَها، لأَنه فُعِلَ فِي مُهْلَةٍ.
قَالَ الأَزهري: وَالْبَازِي يَكْرِزُ للتَّحْسِيرِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْجَوَارِحِ تَتَحَسَّرُ.
وتَحَسَّر الوَبَرُ عَنِ الْبَعِيرِ والشعرُ عَنِ الْحِمَارِ إِذا سَقَطَ؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُ:
تَحَسَّرَتْ عِقَّةٌ عَنْهُ فَأَنْسَلَها، ***واجْتَابَ أُخْرَى حَدِيدًا بعدَ ما ابْتَقَلا
وتَحَسَّرَتِ النَّاقَةُ وَالْجَارِيَةُ إِذا صَارَ لَحْمُهَا فِي مواضعه؛ " قَالَ لَبِيدٌ:
فإِذا تَغالى لَحْمُها وتَحَسَّرَتْ، ***وتَقَطَّعَتْ، بَعْدَ الكَلالِ، خِدامُها
قَالَ الأَزهري: وتَحَسُّرُ لحمِ الْبَعِيرِ أَن يَكُونَ لِلْبَعِيرِ سِمْنَةٌ حَتَّى كَثُرَ شَحْمُهُ وتَمَكَ سَنامُه، فإِذا رُكب أَيامًا فَذَهَبَ رَهَلُ لحمه واشتدّ بعد ما تَزَيَّمَ مِنْهُ فِي مَوَاضِعِهِ، فَقَدْ تَحَسَّرَ.
وَرَجُلٌ مُحَسَّر: مُؤْذًى محتقر.
وفي الْحَدِيثُ: يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ رجلٌ يُسَمَّى أَمِيرَ العُصَبِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُسَمَّى أَمير الغَضَبِ.
أَصحابه مُحَسَّرُونَ مُحَقَّرُونَ مُقْصَوْنَ عَنْ أَبواب السُّلْطَانِ وَمَجَالِسِ الْمُلُوكِ، يأْتونه مِنْ كُلِّ أَوْبٍ كأَنهم قَزَعُ الْخَرِيفِ يُوَرِّثُهُم اللَّهُ مشارقَ الأَرض ومغاربَها "؛ مُحَسَّرُونَ مُحَقَّرُونَ أَي مؤْذون مَحْمُولُونَ عَلَى الْحَسْرَةِ أَو مَطْرُودُونَ مُتْعَبُونَ مِنْ حَسَرَ الدَّابَّةَ إِذا أَتعبها.
أَبو زَيْدٍ: فَحْلٌ حاسِرٌ وفادرٌ وجافِرٌ إِذا أَلْقَحَ شَوْلَه فَعَدَل عَنْهَا وَتَرَكَهَا؛ قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: رُوِيَ هَذَا الْحَرْفُ فَحْلٌ جَاسِرٌ، بِالْجِيمِ، أَي فَادِرٌ، قَالَ: وأَظنه الصَّوَابَ.
والمِحْسَرَة: المِكْنَسَةُ.
وحَسَرُوه يَحْسِرُونَه حَسْرًا وحُسْرًا: سأَلوه فأَعطاهم حَتَّى لَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ شَيْءٌ.
والحَسارُ: نَبَاتٌ يَنْبُتُ فِي الْقِيعَانِ والجَلَد وَلَهُ سُنْبُل وَهُوَ مِنْ دِقّ المُرَّيْقِ وقُفُّهُ خَيْرٌ مِنْ رَطْبِه، وَهُوَ يَسْتَقِلُّ عَنِ الأَرض شَيْئًا قَلِيلًا يُشْبِهُ الزُّبَّادَ إِلَّا أَنه أَضخم مِنْهُ وَرَقًا؛ وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: الحَسارُ عُشْبَةٌ خَضْرَاءُ تُسَطَّحُ عَلَى الأَرض وتأْكلها الْمَاشِيَةُ أَكلًا شَدِيدًا؛ قَالَ الشَّاعِرُ يَصِفُ حِمَارًا وأُتنه:
يأْكلنَ مِنْ بُهْمَى وَمِنْ حَسارِ، ***ونَفَلًا لَيْسَ بِذِي آثارِ
يَقُولُ: هَذَا الْمَكَانُ قَفْرٌ لَيْسَ بِهِ آثَارٌ مِنَ النَّاسِ وَلَا الْمَوَاشِي.
قَالَ: وأَخبرني بَعْضُ أَعراب كَلْبٍ أَن الحَسَار شَبِيهٌ بالحُرْفِ فِي نَبَاتِهِ وَطَعْمِهِ يَنْبُتُ حِبَالًا عَلَى الأَرض؛ قَالَ: وَزَعَمَ بَعْضُ الرُّوَاةِ أَنه شَبِيهٌ بِنَبَاتِ الجَزَرِ.
اللَّيْثُ: الحَسار ضَرْبٌ مِنَ النَّبَاتِ يُسْلِحُ الإِبلَ.
الأَزهري: الحَسَارُ مِنَ الْعُشْبِ يَنْبُتُ فِي الرِّيَاضِ، الْوَاحِدَةُ حَسَارَةٌ.
قَالَ: ورجْلُ الْغُرَابِ نَبْتٌ آخَرُ، والتَّأْوِيلُ عُشْبٌ آخَرُ.
وَفُلَانٌ كَرِيمُ المَحْسَرِ أَي كِرِيمُ المَخْبَرِ.
وَبَطْنٌ مُحَسِّر، بِكَسْرِ السِّينِ: مَوْضِعٌ بِمِنَى وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُهُ، وَهُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ السِّينِ، وَقِيلَ: هُوَ وَادٍ بَيْنَ عرفات ومنى.
لسان العرب-ابن منظور الإفريقي-توفي: 711هـ/1311م
10-مختار الصحاح (حسر)
(حَسَرَ) كُمَّهُ عَنْ ذِرَاعِهِ كَشَفَهُ وَبَابُهُ ضَرَبَ وَ (الِانْحِسَارُ) الِانْكِشَافُ.وَ (حَسَرَ) الْبَعِيرُ أَعْيَا وَ (حَسَرَهُ) غَيْرُهُ وَ (اسْتَحْسَرَ) أَيْضًا أَعْيَا.
قُلْتُ: وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَلُومًا مَحْسُورًا} [الإسراء: 29] وَقَوْلُهُ: {وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ} [الأنبياء: 19] وَ (حَسَرَ) بَصَرُهُ كَلَّ وَانْقَطَعَ نَظَرُهُ مِنْ طُولِ مَدًى وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَهُوَ (حَسِيرٌ) وَ (مَحْسُورٌ) أَيْضًا وَبَابُهُ جَلَسَ.
وَ (الْحَسْرَةُ) أَشَدُّ التَّلَهُّفِ عَلَى الشَّيْءِ الْفَائِتِ، تَقُولُ حَسِرَ عَلَى الشَّيْءِ مِنْ بَابِ طَرِبَ وَ (حَسْرَةً) أَيْضًا فَهُوَ (حَسِيرٌ) وَ (حَسَّرَهُ) غَيْرُهُ تَحْسِيرًا.
وَ (التَّحَسُّرُ) أَيْضًا التَّلَهُّفُ وَرَجُلٌ (مُحَسَّرٌ) بِوَزْنِ مُكَسَّرٍ أَيْ مُؤْذًى.
وَفِي الْحَدِيثِ: «أَصْحَابُهُ مُحَسَّرُونَ» أَيْ مُحَقَّرُونَ.
وَبَطْنُ (مُحَسِّرٍ) بِكَسْرِ السِّينِ وَتَشْدِيدِهَا مَوْضِعٌ بِمِنًى.
مختار الصحاح-محمد بن أبي بكر الرازي-توفي: 666هـ/1268م
11-تهذيب اللغة (حسر)
حسر: قال الليث: الْحَسْرُ: كَشْطُكَ الشَّيءَ عن الشيءِ.يقال: حَسَرَ عن ذِراعيه، وحَسَرَ البَيْضَة عن رأسه، وحَسَرَت الرِّيحُ السّحابَ حَسْرًا.
وانْحَسَرَ الشيءُ إذا طاوَع.
وقد يجيء في الشِّعر حَسَرَ لازمًا مثل انْحَسَر.
وقال الليث: حَسَرَ البَحرُ عن الساحل إذا نَضِبَ عنه حتى بدا ما تحت الماء من الأرض، ولا يُقالُ: انحسَرَ البَحْرُ.
وقال ابن السَّكِّيت: حَسَرَ الماءُ ونَضَبَ وجَزَرَ بمعنى واحد، وأنشد أبو عُبَيد في الحُسُورِ بمعنى الانكشافِ:
إذا ما القَلَاسِي والعَمائمُ أُخْنِسَتْ *** فَفِيهن عن صُلْعِ الرِّجال حُسُور
وقال الليث: الحَسْرُ والحُسُور: الإعياء، تقول حَسَرَت الدَّابَّةُ والعَيْنُ، وحَسَرَها بُعْدُ الشيء الذي حَدَّقَتْ نحوه، وقال رؤبة:
* يَحْسُرُ طَرْفَ عَيْنِه فَضَاؤُه*
وقال الفَرَّاء في قول الله جلّ وعزّ: {يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ} [المُلك: 4] يريد ينقلب صاغِرًا وهو حَسِيرٌ أي كليلٌ كما تَحْسِرُ الإبِل إذا قُوِّمَتْ عن هُزَال وَكَلال، وهي الحَسْرَى، واحدها حَسِيرٌ، وكذلك قوله عزوجل: {وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [الإسرَاء: 29].
قال: نَهَاه أن يُعْطِيَ كُلَّ ما عنده حتى يَبْقَى مَحْسُورًا لا شيء عنده.
قال: والعَرَبُ تقول: حَسَرْتُ الدَّابَّة إذا سَيّرْتَها حتى يَنْقَطِع سَيْرُها، وأما البَصَرُ فإنه يَحْسُرُ عند أقصى بُلُوغ النظر.
وقال أبو الهَيْثَم: حُسِرَت الدَّابَّةُ حَسْرًا إذا أُتْعِبَتْ حتى تَبْقَى، واستحسرت إذا أَعْيَتْ، قال الله تعالى: {وَلا يَسْتَحْسِرُونَ} [الأنبيَاء: 19] وفي الحديث: «الحسير لا يعقر» لا يجوز للغَازِي إذا حُسِرَت دابَّتُه وقَوَّمَتْ أن يَعْقِرها مخافَةَ أن يأخذها العَدُوُّ، ولكن يُسَيِّبُها.
وقال غيره: يقال للرّجَّالة في الحرب الحُسَّر، وذلك أنهم يَحْسِرونَ عن أَيْدِيهم وأَرْجُلِهم.
وقال بعضهم: سُمُّوا حُسَّرا لأنه لا دُرُوعَ عليهم ولا بَيْض، والحَاسِرُ: الذي لا بَيْضَةَ على رأسِه، وقال الأعْشى: يصف الدَّارعَ والحاسِر:
* تَعْصِفُ بالدَّارِع والحَاسِرِ*
وفي فتح مكة أن أبا عُبَيدة كان يومئذٍ على الحُسَّر وهم الرَّجَّالَة، ويقال للذين لا دروع لهم.
وقال أبو إسحاق في قول الله عزوجل: {يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ} [يس: 30] هذا أَصْعَب مسألة في القرآن إذا قال القائل: ما الفائدة في مُناداة الحَسْرة، والحَسْرةُ مِمَّا لا تُجِيب، قال: والفائدة في مناداتها كالفائدة في مُناداة ما يعقل، لأن النِّداءَ بابُ تنبيه.
إذا قلت: يا زَيْدُ، فإن لم تكن دعوته لتخاطبه بغير النداء فلا معنى للكلام، إنما تقول: يا زيد لتنبهه بالنداء، ثم تقول له: فعلت كذا، ألا تَرَى أنك إذا قلت لمن هو مقبل عليك: يا زيدُ، ما أَحسنَ ما صَنَعْتَ فهو أوكَدُ من أن تقول له: ما أحسنَ ما صنعت بغير نداء، وكذلك إذا قلت للمخاطب: أَنَا أعجَبُ مما فعلت، فقد أفدته أنك مُتَعَجِّب، ولو قلت: وا عَجَبَاهُ ممَّا فَعَلْت، ويا عجباه أتفعل كذا كان دُعَاؤُك العَجَب أبلغ في الفائدة، والمعنى يا عَجَبَا أَقْبِلْ فإنه من أَوْقَاتِك، وإنما النداء تنبيه للمتعَجَّب منه لا للعَجَب، والحَسْرَةُ أَشَدُّ الندم حتى يبقى النَادِمُ كالحَسِيرِ من الدوَابِّ الذي لا مَنْفَعَة فيه.
وقال الله جلّ وعزّ: {فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ} [فَاطِر: 8].
وهذا نَهْيٌ معناه الخبر، المَعْنَى: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ} فأضله الله ذَهَبَتْ نَفْسُك عليهم حَسْرةً وتَحسُّرًا، ويقال حَسِر فلان يحسَر حَسْرَةً وحَسَرًا إذا اشتدت ندامتُه على أمرٍ فاته، وقال المَرَّار:
ما أَنَا اليومَ على شيْء خَلَا *** يا ابْنَةَ القَيْن تَوَلَّى بِحَسِرْ
وقال الليث: الطيرُ تتحَسَّر إذا خَرَجَتْ من الرِّيش العَتِيقِ إلى الحديث، وحَسّرها إبَّان التَّحْسِير ثَقَّلَه: لأنه فُعِلَ في مُهْلَة.
قلت: والبَّازِي يُكَرِّز للتَّحْسِير، وكذلك سائر الجوارح تَتَحَسّر.
وتَحَسَّر الوَبَرُ عن البَعِير والشَّعَر عن الحمار إذا سَقَطَ.
ومنه قوله:
تَحَسَّرَتْ عِقَّةٌ عنه فأَنْسَلَها *** واجْتَابَ أُخرى جديدًا بعد ما ابْتَقَلَا
وقال الليث: الجارية تَتحَسَّر إذا صَارَ لحمُها في مواضعه، وكذلك البَعيرُ.
وقال لبيد:
فإذا تَغَالَي لَحمُها وتَحَسَّرَتْ *** وتَقَطَّعَتْ بعد الكَلَالِ خِدَامُها
قلت: وتحسُّرُ لحم البعير أن يكون الربيعُ سَمَّنه حتى كثُر شحمه وتَمَكَ سَنَامه، فإذا رُكِبَ أَيّامًا فذهب رَهَلُ لحمه، واشْتَدَّ ما تَزَيَّم منه في مواضعه فقد تَحسّر.
ورجل حاسِرٌ: لا عِمامَةَ على رأسه، وامرأةٌ حاسِرٌ بغير هاء إذا حَسَرَتْ عنهَا ثِيابها، ورجُلٌ حاسِرٌ: لا دِرْعَ عليه ولا بيضة على رأْسِه.
وقال الليثُ: الحَسَارُ: ضَرْبٌ من النَّباتِ يُسلِّح الإبِلَ.
ورجُلٌ مُحَسَّر: مُحَقَّرٌ مُؤْذًى.
وفي الحديث «يخرج في آخر الزّمان رجُلٌ يُسَمَّى أمِيرَ العُصَبِ، أَصْحَابُه مُحَسَّرُون مُحَقَّرُون مُقْصَوْن عن أبواب السلطان، يأتونه من كل أَوْبِ كأنهم قَزَعُ الخَريفِ يُوَرِّثُهُم الله مَشارِقَ الأرْضِ ومَغَارِبها».
أبو زيد فَحْلٌ حاسرٌ وفادِرٌ وجَافِرٌ إذا أَلْقَح شَوْلَه فَعَدَلَ عنها وتَركها.
وفي الحديث: «ادعوا الله ولا تستحسروا».
قال النَّضْرُ: معناه لا تَمَلُّوا.
قال الشَّيْخُ: رُوِي هذا الحرف: فَحْلٌ جاسرٌ بالجيم أي فادِر، وأظنه الصواب، وقول العَجَّاج:
كَجَمَلِ البَحْرِ إذا خَاضَ جَسَرْ *** غَوَارِبَ اليَمِّ إذا اليَمُّ هَدَر.
حتى يُقَال حَاسِرٌ وما انْحَسَرَ
يعني اليَمّ، يقال: حاسِرٌ إذا جَزَر، وقد حَسَر البَحْرُ وجَزَر واحد.
وقوله: إذا خَاضَ جَسَر بالجيم أي اجترأ وخاض مُعْظَمَ البحر، ولم تَهُلْه اللُّجَحُ.
الحَسَارُ من العُشْبِ ينبت في الرِّياض، الواحِدَةُ حَسَارَة.
ورِجْلُ الغُرَاب: نَبْتٌ آخر، ودم الغزال: نبت آخر: والتأويلُ: عُشْب آخر.
تهذيب اللغة-أبومنصور الأزهري-توفي: 370هـ/980م